
13-11-2025, 02:42 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,761
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي
الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثانى
صـــ 188 الى صـــ 197
(44)
فأما الخيل السائمة إذا اختلط ذكورها وإناثها ففيها الصدقة في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - إن شاء صاحبها أدى عن كل فرس دينارا وإن شاء قومها وأدى عن كل مائتي درهم خمسة دراهم وعند أبي يوسف ومحمد والشافعي - رحمهم الله تعالى - لا شيء فيها. فإن كانت إناثا كلها فعن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - فيه روايتان ذكرهما الطحاوي - رحمه الله تعالى - وإن كانت ذكورا كلها فليس فيها شيء إلا في رواية عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - ذكرها في كتاب الآثار. وجه قولهم قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة» وفي الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «عفوت لأمتي عن صدقة الخيل والرقيق إلا أن في الرقيق صدقة الفطر» ولأنه لا يثبت للإمام حق الأخذ بالاتفاق ولا يجب من عينها شيء، ومبنى زكاة السائمة على أن الواجب جزء من العين وللإمام فيه حق الأخذ بدليل سائر الحيوانات واحتج أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - بحديث ابن الزبير عن جابر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «في كل فرس سائمة دينار أو عشرة دراهم، وليس في المرابطة شيء»، وإن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح - رضي الله عنه - وأمره بأن يأخذ من الخيل السائمة عن كل فرس دينارا أو عشرة دراهم ووقعت هذه الحادثة في زمن مروان فشاور الصحابة - رضي الله عنهم - فروى أبو هريرة «ليس على الرجل في عبده ولا في فرسه صدقة» فقال مروان لزيد بن ثابت: ما تقول يا أبا سعيد، فقال أبو هريرة: عجبا من مروان أحدثه بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول ماذا تقول يا أبا سعيد، قال زيد صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإنما أراد فرس الغازي، فأما ما حبست لطلب نسلها ففيها الصدقة، فقال: كم، فقال: في كل فرس دينار أو عشرة دراهم والمعنى فيه أنه حيوان سائم في أغلب البلدان فتجب فيه زكاة السائمة كالإبل والبقر والغنم، إلا أن الآثار فيها لم تشتهر لعزة الخيل ذلك الوقت وما كانت إلا معدة للجهاد.
وإنما لم يثبت أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - للإمام ولاية الأخذ؛ لأن الخيل مطمع كل طامع فإنه سلاح، والظاهر أنهم إذا علموا به لا يتركونه
لصاحبه وإنما يؤخذ من عينه؛ لأن مقصود الفقير لا يحصل به؛ لأن عينه غير مأكول اللحم عنده. وأما الإناث، قال في إحدى الروايتين التي ذكرها الطحاوي - رحمه الله تعالى - أنه لا شيء فيها؛ لأن معنى النماء فيها من حيث النسل، وذلك لا يحصل بالإناث المفردات وفي الأخرى قال: يمكن أن يستعار لها فحل فيحصل النماء من حيث النسل. وأما في الذكور المنفردين لا شيء فيها في ظاهر الرواية؛ لأن معنى النسل لا يحصل بها وبزيادة السن لا تزداد القيمة في الخيل بخلاف سائر الحيوانات ومعنى السمن غير معتبر؛ لأن عينه غير مأكول عنده فلهذا قال لانعدام النماء لا شيء عليه فيها، وفي رواية الآثار جعل هذا قياس سائر أنواع السائمة فإن بسبب السوم تخف المؤنة على صاحبها وبه يصير مال الزكاة فكذلك في الخيل
(قال) وليس في الحمير والبغال السائمة صدقة؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «قال حين سئل عن البغال والحمير لم ينزل علي فيها إلا هذه الآية الجامعة {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} [الزلزلة: 7] {ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} [الزلزلة: 8] » ولأنها لا تسام في غالب البلدان مع كثرة وجودها، والنادر لا يعتبر إنما يعتبر الحكم العام الغالب فلهذا لا تجب فيها زكاة السائمة، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
[باب زكاة المال]
(قال) وليس في أقل من مائتي درهم زكاة فإذا بلغت مائتي درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم لحديث عمرو بن حزم - رضي الله تعالى عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «أنه قال في الورقة ليس فيها صدقة حتى تبلغ مائتي درهم فإذا بلغت مائتي درهم ففيها خمسة دراهم» وحين بعث معاذا - رضي الله تعالى عنه - إلى اليمن قال: «ليس فيما دون مائتي درهم من الورق شيء وفي مائتين خمسة وما زاد على المائتين فليس فيه شيء حتى تبلغ أربعين ففيها درهم مع الخمسة»، وفي قول أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - وهكذا في كل أربعين درهما درهم وهو قول عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه -، وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي يجب في الزيادة بحساب ذلك قل أو كثر حتى إذا كانت الزيادة درهما ففيها جزء من أربعين جزءا من درهم وهو قول علي وابن عمر وإبراهيم النخعي - رحمهما الله تعالى - وقال طاوس اليماني - رحمه الله تعالى - لا يجب في الزيادة شيء حتى تبلغ مائتي درهم ويجب في كل مائتي درهم خمسة دراهم واحتجوا بحديث علي بن أبي طالب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «في مائتي درهم خمسة دراهم وما زاد
فبحساب ذلك» ولأن نصب النصاب لا يكون إلا بالتوقيف ولم يشتهر الأثر باعتبار نصيب المائتين ثم اعتبار النصاب في الابتداء لحصول الغنى للمالك به ففي الزيادة المعتبرة زيادة الغنى، وذلك حاصل بالقليل والكثير واحتج أبو حنيفة بحديث عمرو بن حزم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «وفي كل مائتي درهم خمسة دراهم خمسة دراهم، وفي كل أربعين درهما درهم» ولم يرد به في الابتداء فعلم أن المراد به بعد المائتين، وفي حديث معاذ - رضي الله تعالى عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: له لا تأخذ من الكسور شيئا، وفي مائتي درهم خمسة دراهم فما زاد على ذلك ففي كل أربعين درهما درهم» وقاس بالسوائم ففيها وقص بعد النصاب الأول وكذلك في النقود بعلة أن الزكاة واجبة في الكل على وجه يحصل به النظر للفقراء وأرباب الأموال وحديث علي - رضي الله تعالى عنه - لم ينقله أحد من الثقات مرفوعا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فالمصير إلى ما رويناه أولى
(قال) وليس في أقل من عشرين مثقالا من الذهب زكاة لحديث عمرو بن حزم قال: فيه «، وفي الذهب ما لم تبلغ قيمته مائتي درهم فلا صدقة فيه» والدينار كان مقوما بعشرة دراهم على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذلك تنصيص على أنه لا شيء في الذهب حتى يبلغ عشرين مثقالا ففيه نصف مثقال ثم ليس في الزيادة شيء حتى تبلغ أربعة دنانير ففي قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - فيها قيراطان، وهكذا في كل أربعة مثاقيل. وقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى - فيما زاد بحساب ذلك هذا والدراهم سواء كما بينا وكذلك زكاة مال التجارة تجب بالقيمة والكلام فيه في فصول (أحدها) أن الزكاة تجب في عروض التجارة إذا حال الحول عندنا. وقال مالك - رحمه الله تعالى: إذا باعها زكى لحول واحد وإن مضى عليها في ملكه أحوال، وقال نفاة القياس: لا شيء فيها، والدليل على وجوب الزكاة فيها حديث سمرة بن جندب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «كان يأمرنا بإخراج الزكاة من الرقيق، وفي كل مال يتبعه» وفي حديث أبي ذر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «، وفي البر صدقة إذا كان للتجارة».
وفي حديث عمر - رضي الله عنه - أنه قال لحماس ما مالك يا حماس؟ فقال: ضأن وأدم، قال: قومها وأد الزكاة من قيمتها والدليل على اعتبار الحول قوله - صلى الله عليه وسلم - «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» ثم معنى النماء مطلوب في أموال التجارة في قيمتها كما أنه مطلوب في السوائم من عينها وكما يتجدد وجوب الزكاة في السوائم باعتبار كل حول يتجدد النماء بمضيه فكذلك في مال التجارة ويعتبر أن
تكون قيمتها نصابا في أول الحول وآخره كما في السوائم عندنا وعلى قول الشافعي - رحمه الله تعالى: المعتبر كمال النصاب آخر الحول فقط، وقد بينا هذا قال في الكتاب ويقومها يوم حال الحول عليها إن شاء بالدراهم وإن شاء بالدنانير وعن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - في الأمالي أنه يقومها بأنفع النقدين للفقراء وعن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - أنه يقومها بما اشتراها إن كان اشتراها بأحد النقدين فيقومها به وإن كان اشتراها بغير نقود قومها بالنقد الغالب في البلد وعن محمد - رحمه الله تعالى - أنه يقومها بالنقد الغالب على كل حال. وجه قول محمد - رحمه الله تعالى - أن التقويم في حق الله تعالى معتبر بالتقويم في حق العباد ومتى وقعت الحاجة إلى تقويم المغصوب والمستهلك يقوم بالنقد الغالب في البلد فهذا مثله وأبو يوسف يقول البدل معتبر بأصله فإن كان اشترى بأحد النقدين فتقويمه بما هو أصله أولى. وجه قول أبي حنيفة أن المال كان في يد المالك وهو المنتفع به في زمان طويل فلا بد من اعتبار منفعة الفقراء عند التقويم لأداء الزكاة فيقومها بأنفع النقدين. ألا ترى أنه لو كان بتقويمه بأحد النقدين يتم النصاب وبالآخر لا يتم فإنه يقوم بما يتم به النصاب لمنفعة الفقراء فهذا مثله. وجه رواية الكتاب أن وجوب الزكاة في عروض التجارة باعتبار ماليتها دون أعيانها، والتقويم لمعرفة مقدار المالية والنقدان في ذلك على السواء فكان الخيار إلى صاحب المال يقومها بأيهما شاء. ألا ترى أن في السوائم عند الكثرة - وهو ما إذا بلغت الإبل مائتين - الخيار إلى صاحب المال إن شاء أدى أربع حقاق وإن شاء أدى خمس بنات لبون فهذا مثله ثم وجوب الزكاة عندنا في عين مال التجارة باعتبار قيمتها، وعلى قول الشافعي - رحمه الله تعالى - الوجوب في قيمتها؛ لأن النصاب معتبر بالقيمة فعرفنا أن الواجب فيها.
(ولنا) أن الواجب في ملكه، وملكه العين فكان الواجب باعتبار صفة المالية
(قال وما كان من الدراهم والدنانير والذهب والفضة تبرا مكسورا أو حليا مصوغا أو حلية سيف أو منطقة أو غير ذلك ففي جميعه الزكاة إذا بلغ الذهب عشرين مثقالا أو من الفضة مائتي درهم نوى به التجارة أو لم ينو والأصل فيه قوله تعالى {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم} [التوبة: 34] والكنز اسم لمال مدفون لا يراد به التجارة، وقد ألحق الله الوعيد بمانعي الزكاة منها فذلك دليل على وجوب الزكاة فيها بدون نية التجارة ثم سائر الأموال مخلوقة للابتذال والانتفاع بأعيانها فلا تصير معدة للنماء إلا بفعل من العباد من إسامة أو تجارة. وأما الذهب
والفضة فخلقا جوهرين للأثمان لمنفعة التقلب والتصرف فكانت معدة للنماء على أي صفة كانت فتجب الزكاة فيها
[زكاة الحلي]
(قال والحلي عندنا نصاب للزكاة سواء كان للرجال أو للنساء مصوغا صياغة تحل أو لا تحل. وللشافعي - رحمه الله تعالى - في حلي النساء قولان في أحد القولين لا شيء فيه وهو مروي عن عمر وعائشة - رحمهما الله تعالى - قال: إنه مبتذل في مباح فلا يكون مال الزكاة كمال البذلة بخلاف حلي الرجال فإنه مبتذل في محظور وهذا؛ لأن الحظر شرعا يسقط اعتبار الصنعة والابتذال حكما فيكون مال الزكاة بخلاف ما إذا كان مباحا شرعا وهو نظير ذهاب العقل يسقط اعتباره شرعا بخلاف ذهاب العقل بسبب شرب دواء فإنه لا يسقط اعتباره شرعا.
(ولنا) حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «رأى امرأتين تطوفان بالبيت وعليهما سواران من ذهب، فقال: أتؤديان زكاتهما، فقالتا: لا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتحبان أن يسوركما الله بسوارين من نار، فقالتا: لا، فقال: - صلى الله عليه وسلم - أديا زكاتهما»، والمراد الزكاة دون الإعارة؛ لأنه ألحق الوعيد بهما، وذلك لا يكون إلا بترك الواجب، والإعارة ليست بواجبة، وفي حديث أم سلمة «أنها كانت تلبس أوضاحا لها من ذهب فسألت - صلى الله عليه وسلم - أكنز هي، فقال: إن أديت منها الزكاة فليست بكنز»، والمعنى فيه أن الزكاة حكم تعلق بعين الذهب والفضة فلا يسقط بالصنعة كحكم التقابض في المجلس عند بيع أحدهما بالآخر وجريان الربا وبيان الوصف أن صاحب الشرع ما اعتبر في الذهب والفضة مع اسم العين وصفا آخر لإيجاب الزكاة فعلى أي وجه أمسكهما المالك للنفقة أو لغير النفقة تجب عليه الزكاة ولو كان للابتذال فيهما عبرة لم يفترق الحال بين أن يكون محظورا أو مباحا كما في السوائم إذا جعلها حمولة ثم الابتذال هاهنا لمقصود الحمل زائد لا يتعلق به حياة النفس أو المال فلا تنعدم به صفة التنمية الثابتة لهذين الجوهرين باعتبار الأصل
(قال وإن كان له عشرة مثاقيل ذهب ومائة درهم ضم أحدهما إلى الآخر في تكميل النصاب عندنا، وعلى قول الشافعي - رحمه الله تعالى - لا يضم أحدهما إلى الآخر بل يعتبر كمال النصاب من كل واحد منهما على حدة؛ لأنهما جنسان مختلفان فلا يضم أحدهما إلى الآخر ليكمل النصاب كالسوائم، وبيان الوصف من حيث الحقيقة غير مشكل ومن حيث المعنى أنه لا يجري بينهما ربا الفضل.
(ولنا) حديث بكير بن عبد الله بن الأشج - رضي الله عنه - قال: «من السنة أن يضم الذهب إلى الفضة لإيجاب الزكاة، ومطلق السنة ينصرف إلى
سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» ولأنهما مالان يكمل نصاب أحدهما بما يكمل به نصاب الآخر فيكمل نصاب أحدهما بالآخر كالسود مع البيض والنيسابوري من الدنانير مع الهروي، وبيان الوصف أن نصاب كل واحد منهما يكمل بمال التجارة، وهذا لأنهما وإن كانا جنسين مختلفين صورة ففي حكم الزكاة هما جنس واحد حتى يتفق الواجب فيهما فيتقدر بربع العشر على كل حال ووجوب الزكاة فيهما باعتبار معنى واحد وهو المالية القائمة باعتبار أصلهما فإذا وجبت الزكاة عند ضم أحدهما إلى الآخر اختلفت الرواية فيما يؤدى فروى الحسن بن أبي مالك عن أبي يوسف عن أبي حنيفة - رحمهما الله تعالى - أنه يؤدي من مائة درهم درهمين ونصفا ومن عشرة مثاقيل ذهب ربع مثقال وهو إحدى الروايتين عن أبي يوسف - رحمه الله تعالى -، ووجهه أنه أقرب إلى المعادلة والنظر من الجانبين وعن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - في رواية أخرى أنه يقوم أحدهما بالآخر ثم يؤدي الزكاة من نوع واحد وهذا أقرب إلى موافقة نصوص الزكوات. ثم اختلفوا في كيفية الضم، فقال أبو حنيفة - رحمه الله تعالى: يضم أحدهما إلى الآخر باعتبار القيمة، وقال أبو يوسف ومحمد باعتبار الأجزاء وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - ذكره في نوادر هشام - رحمه الله تعالى -. وبيان ذلك أنه إذا كان له مائة درهم وخمسة مثاقيل ذهب تساوي مائة درهم أو خمسون درهما وعشرة مثاقيل ذهب تساوي مائة وخمسين درهما فعند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - يضم أحدهما إلى الآخر وتجب الزكاة وعندهما يضم باعتبار الأجزاء، وقد ملك نصف نصاب أحدهما وربع نصاب الآخر فلا يجب فيهما شيء ثم عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - يعتبر في التقويم منفعة الفقراء كما هو أصله حتى روي عنه أنه إذا كان للرجل مائة وخمسة وتسعون درهما ودينار يساوي خمسة دراهم أنه تجب الزكاة، وذلك بأن يقوم الذهب بالفضة.
وجه قولهما أن التقويم في النقود ساقط الاعتبار كما في حقوق العباد فإن سائر الأشياء تقوم بها، ألا ترى أن من ملك إبريق فضة وزنه مائة وخمسون وقيمته مائتا درهم لا يجب فيه الزكاة ولو كان للتقويم عبرة في باب الزكاة من الذهب والفضة لوجبت الزكاة ههنا وأبو حنيفة - رحمه الله تعالى - يقول: هما عينان وجب ضم أحدهما إلى الآخر لإيجاب الزكاة فكان الضم باعتبار القيمة كعروض التجارة، وهذا لأن كمال النصاب لا يكون إلا عند اتحاد الجنس، وذلك لا يكون إلا باعتبار صفة المالية دون العين فإن الأموال أجناس باعتبار أعيانها جنس واحد
باعتبار صفة المالية فيها وهذا بخلاف الإبريق فإنه ما وجب ضمه إلى شيء آخر حتى تعتبر فيه القيمة، وهذا لأن القيمة في الذهب والفضة إنما تظهر شرعا عند مقابلة أحدهما بالآخر فإن الجودة والصنعة لا قيمة لها إذا قوبلت بجنسها لقوله - صلى الله عليه وسلم: «جيدها ورديئها سواء».
فأما عند مقابلة أحدهما بالآخر فيظهر للجودة قيمة، ألا ترى أنه متى وقعت الحاجة إلى تقويم الذهب والفضة في حقوق العباد يقوم بخلاف جنسه فكذا في حقوق الله تعالى وجميع ما ذكرنا في نصاب الذهب والفضة المعتبر فيهما الوزن دون العدد؛ لأن في النص ذكر الدرهم والدينار وهو يشتمل على ما لا يعلم إلا بالوزن من الدوانيق والحبات، والمعتبر في الدنانير وزن المثقال، وفي الدراهم وزن سبعة وهو أن يكون كل عشرة منها بوزن سبعة مثاقيل وهو الوزن المعروف في الدراهم في غالب البلدان وأصله وهو أنه كان في الجاهلية نوعان من الدراهم يقال لهما مثاقيل وخفاف فلما أرادوا في الإسلام ضرب الدراهم جمعوا أحدهما إلى الآخر وجعلوه درهمين فكان وزن سبعة ولم يبين في الكتاب صفة الدراهم. وروى الحسن عن أبي حنيفة - رحمهما الله تعالى - أن الزكاة تجب في الجياد من الدراهم والزيوف والمبهرجة والمكحلة والمزيفة، قال: لأن الغالب في كلها الفضة وما يغلب فضته على غشه يتناوله اسم الدراهم مطلقا، أما في الستوقة وهو ما يغلب غشه على فضته نظر إلى ما يخلص منه من الفضة فإن بلغ وزنه مائتي درهم تجب فيها الزكاة، وإلا فلا ومراده إذا لم تكن للتجارة فإن كانت تلك الدراهم للتجارة، فالعبرة بقيمتها كما في عروض التجارة، وقد ذكر في روايته في الفلوس والدراهم المضروبة من الصفر إذا كان لا يخلص منها فضة فإن لم تكن للتجارة فلا شيء فيها وإن كانت للتجارة فإن بلغت قيمتها مائتي درهم مما يغلب فيها الفضة ففيها الزكاة، وكان الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل البخاري - رحمه الله تعالى - يفتي بوجوب الزكاة في المائتين من الدراهم الغطريفية عددا وكان يقول هي من أعز النقود فينا بمنزلة الفضة فيهم ونحن أعرف بنقودنا وهو اختيار شيخنا الإمام الحلواني - رحمه الله تعالى - وهو الصحيح عندي
(قال رجل له على رجل ألف درهم قرض أو ثمن متاع كان للتجارة فحال الحول ووجبت الزكاة عليه لا يلزمه الأداء قبل القبض عندنا، وقال الشافعي - رحمه الله تعالى: يلزمه الأداء؛ لأن صيرورة المال دينا كان بتصرفه واختياره، وذلك غير معتبر في تأخير حق الفقراء فإنه كما لا يملك إبطال حقهم لا يملك التأخير ولأن هذا مال مملوك كالعين.
(ولنا) أن
الواجب جزء من النصاب فإذا كان النصاب دينا فيده مقصورة عما هو حق الفقراء فلا يلزمه الأداء ما لم تصل يده إليه بالقبض كابن السبيل. ثم الديون على ثلاث مراتب عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى: دين قوي وهو ما يكون بدلا عن مال كان أصله للتجارة لو بقي في ملكه، ودين وسط وهو أن يكون بدلا عن مال لا زكاة فيه لو بقي في ملكه كثياب البذلة والمهنة، ودين ضعيف وهو ما يكون بدلا عما ليس بمال كالمهر وبدل الخلع والصلح عن دم العمد ففي الدين القوي لا يلزمه الأداء ما لم يقبض أربعين درهما فإذا قبض المقدار أدى درهما وكذلك كلما قبض أربعين درهما، وفي الدين المتوسط لا يلزمه الأداء ما لم يقبض مائة درهم فحينئذ يؤدي خمسة دراهم، وفي الدين الضعيف لا تلزمه الزكاة ما لم يقبض ويحول الحول عنده. وروى ابن سماعة عن أبي يوسف عن أبي حنيفة - رحمهم الله تعالى - أن الدين نوعان وجعل الوسط كالضعيف وهو اختيار الكرخي على ما ذكره في المختصر، وقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى: الديون كلها سواء لا تجب الزكاة فيها قبل القبض وكلما قبض شيئا يلزمه الأداء بقدره قل أو كثر ما خلا دين الكتابة فإنه لا يجب عليه فيه الزكاة حتى يحول عليه الحول بعد القبض، وذكر الكرخي أن المستثنى عندهما دينان الكتابة والدية على العاقلة.
وجه قولهما أن الديون في المالية كلها سواء من حيث إن المطالبة تتوجه بها في الحياة وبعد الوفاة وتصير مالا بالقبض حقيقة فتجب الزكاة في كلها ويلزمه الأداء بقدر ما يصل إليه كابن السبيل بخلاف دين الكتابة فإنه ليس بدين على الحقيقة حتى لا تتوجه المطالبة به ولا تصح الكفالة به، وهذا لأن المولى لا يستوجب على عبده دينا، وكذلك الدية على العاقلة وجوبها بطريق الصلة لا أنه دين على الحقيقة حتى لا يستوفى من تركة من مات من العاقلة. وجه قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أن ما هو بدل عما ليس بمال فملك المالية يثبت فيه ابتداء فهو دين والدين ليس بمال على الحقيقة حتى لو حلف صاحبه أن لا مال له لا يحنث في يمينه، وإنما تتم المالية فيه عند تعيينه بالقبض فلا يصير نصاب الزكاة ما لم تثبت فيه صفة المالية، والحول لا ينعقد إلا على نصاب الزكاة فأما ما كان بدلا عن مال التجارة فملك المالية كان تاما في أصله قبل أن يصير دينا فبقي على ما كان؛ لأن الخلف يعمل عمل الأصل فيجب فيه الزكاة قبل القبض ولكن وجوب الأداء يتوقف على القبض ونصاب الأداء يتقدر بأربعين درهما عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - كما بينا في الزيادة على المائتين وأما بدل ثياب البذلة والمهنة فذهب الكرخي إلى أن
أصله لم يكن مالا شرعا حتى لم يكن محلا للزكاة فهو وما لم يكن أصله مالا على الحقيقة سواء. وجه ظاهر الرواية أنه أخذ شبها من أصلين من عروض التجارة باعتبار أن أصله مال على الحقيقة ومن المهر باعتبار أن أصله ليس بمال في حكم الزكاة شرعا فيوفر حظه منهما، ويقال أن وجوب الزكاة فيه ابتداء فيعتبر في المقبوض أن يكون نصاب الزكاة وهو المائتان ويجب فيها الزكاة قبل القبض من حيث إن ملك المالية لم يثبت في الدين ابتداء. وفي الأجرة ثلاث روايات عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - في رواية جعلها كالمهر؛ لأنها ليست ببدل عن المال حقيقة؛ لأنها بدل عن المنفعة، وفي رواية جعلها كبدل ثياب البذلة؛ لأن المنافع مال من وجه لكنه ليس بمحل لوجوب الزكاة فيه. والأصح أن أجرة دار التجارة أو عبد التجارة بمنزلة ثمن متاع التجارة كلما قبض منها أربعين تلزمه الزكاة اعتبارا لبدل المنفعة ببدل العين.
وإن كان الدين وجب له بميراث أو وصية أوصي له به ففي كتاب الزكاة جعله كالدين الوسط، وقال: إذا قبض مائتي درهم تلزمه الزكاة لما مضى؛ لأن ملك الوارث ينبني على ملك المورث، وقد كان في ملك المورث بدلا عما هو مال، وفي نوادر الزكاة جعله كالدين الضعيف؛ لأن الوارث ملكه ابتداء وهو دين فلا تجب فيه الزكاة حتى يقبض ويحول عليه الحول عنده وإن كان الدين ضمان قيمة عبد أعتق شريكه نصيبه منه فاختار تضمينه فهذا والدين الواجب بسبب بيعه نصيبه من شريكه سواء؛ لأن هذا الضمان يوجب الملك لشريكه في نصيبه وإن كان الدين سعاية لزم ذمة العبد بعتق شريكه وهو معسر ففي الكتاب يقول هو ودين الكتابة سواء لا يجب فيه الزكاة حتى يحول عليه الحول بعد القبض، قيل: هو قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - فإن المستسعى عنده مكاتب، فأما عندهما فالمستسعى حر عليه دين فيجب فيه الزكاة عندهما قبل القبض، وقيل: هو قولهم جميعا وعذرهما أن سبب وجوب هذا الدين لم يكن من العبد فكان صلة في حقه فلا يتم الملك فيه إلا بالقبض كالدية على العاقلة
(قال): رجل له ألف درهم فحال عليها الحول ثم اشترى بها عبدا للتجارة فمات العبد لم يضمن الزكاة وإن اشترى بها عبدا للخدمة فهو ضامن للزكاة؛ لأن المشترى للتجارة محل لحق الفقراء فهو بتصرفه حول حقهم من محل إلى محل فلم يكن مستهلكا وكان هلاك البدل في يده كهلاك الأصل، فأما عبد الخدمة فليس بمحل لحق الفقراء حتى صار هو بتصرفه مفوتا محل حقهم فيصير ضامنا للزكاة مات العبد في يده أو بقي. ألا ترى أن في خلال الحول لو اشترى عبدا للتجارة لم ينقطع فيه
الحول بخلاف ما إذا اشترى بالألف عبدا للخدمة ولو أبدل الدراهم بالدنانير أو الدنانير بالدراهم في خلال الحول لم ينقطع الحول عندنا. وقال الشافعي - رحمه الله تعالى: إذا بادل بالدنانير انقطع الحول وهو بناء على أصله أنهما جنسان في باب الزكاة حتى لا يضم أحدهما إلى الآخر فهو كالسوائم، وعندنا هما جنس واحد في حكم الزكاة حتى يضم أحدهما إلى الآخر فكانا بمنزلة عروض التجارة يبادل بها في خلال الحول
(قال): رجل له ألف درهم وعليه ألف درهم وله دار وخادم لغير التجارة بقيمة عشرة آلاف درهم فلا زكاة عليه؛ لأن الدين مصروف إلى المال الذي في يده؛ لأنه فاضل عن حاجته معد للتقليب والتصرف به فكان الدين مصروفا إليه فأما الدار والخادم فمشغول بحاجته فلا يصرف الدين إليه.
(قال) في الكتاب أرأيت لو تصدق عليه أنه يكون موضعا للصدقة؛ لأنه معدوم يريد به أن المال مشغول بالدين فهو كالمعدوم وملك الدار والخادم لا يحرم عليه أخذ الصدقة؛ لأنه لا يزيل حاجته بل يزيد فيها فالدار تسترم والعبد يستنفق فلا بد له منهما وهو في معنى ما نقل عن الحسن البصري - رحمه الله تعالى - أن الصدقة كانت تحل للرجل وهو صاحب عشرة آلاف درهم، قيل: وكيف يكون ذلك قال: يكون له الدار والخادم والكراع والسلاح وكانوا ينهون عن بيع ذلك فعلى هذا قال مشايخنا - رحمهم الله تعالى: إن الفقيه إذا ملك من الكتب ما يساوي مالا عظيما ولكنه محتاج إليها يحل له أخذ الصدقة إلا أن يملك فضلا عن حاجته ما يساوي مائتي درهم
(قال وإن كان للرجل التاجر ديون على الناس وفيهم المليء وغير المليء وحال الحول فمن كان منهم مقرا مليا وجبت فيه الزكاة على صاحبه ولزمه الأداء إذا قبض أربعين درهما ومن كان منهم جاحدا فليس فيه الزكاة على صاحبه إلا على قول زفر - رحمه الله تعالى -، وقد بينا هذا في تفسير مال الضمار ومن كان منهم مقرا مفلسا فعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله تعالى - يجب على صاحبها الزكاة قبل القبض وعند محمد - رحمه الله تعالى - إذا فلسه الحاكم فلا زكاة على صاحبها قبل القبض مر محمد - رحمه الله تعالى - على أصله أن التفليس يتحقق فيصير المال تاويا ومر أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - على أصله أن التفليس لا يتحقق؛ لأن المال غاد ورائح فلا يصير به المال تاويا وأبو يوسف - رحمه الله تعالى - يقول التفليس وإن كان يتحقق عندي ولكن لا يسقط به الدين إنما تتأخر المطالبة فهو نظير الدين المؤجل والزكاة في الدين قبل القبض المؤجل، ثم قد بينا أنه لا يلزمه الأداء قبل القبض عندنا وإن فعل كان فضلا كمن عجل الزكاة بعد كمال النصاب قبل حولان الحول
قال وليس على التاجر زكاة مسكنه وخدمه ومركبه وكسوة أهله وطعامهم وما يتجمل به من آنية أو لؤلؤ وفرس ومتاع لم ينو به التجارة؛ لأن نصاب الزكاة المال النامي ومعنى النماء في هذه الأشياء لا يكون بدون نية التجارة، وكذلك الفلوس يشتريها للنفقة فإنها صفر والصفر ليس بمال الزكاة باعتبار عينه بل باعتبار طلب النماء منه، وذلك غير موجود فيما إذا اشتراه للنفقة.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|