
13-11-2025, 02:39 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,761
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي
الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثانى
صـــ 178 الى صـــ 187
(43)
(ولنا) أن المتصدق يجعل ما يؤديه لله تعالى خالصا، ثم يصرفه إلى الفقراء ليكون كفاية لهم من الله تعالى وقد تم ذلك بالوصول إلى يد الفقير فلا يرجع عليه بشيء بل إن وجبت الزكاة كان مؤديا للواجب، وإن لم تجب كان متنفلا كما لو أطلق الأداء
(قال) وينظر في السائمة إلى كمال النصاب فتجب الزكاة فيه وإن كانت قيمتها ناقصة عن مائتي درهم وينظر إلى قيمتها إن أراد بها التجارة، فإن كانت أقل من مائتي درهم لم تجب الزكاة، وإن كان العدد كاملا؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - اعتبر في السائمة كمال العدد دون القيمة ولأن النماء في السائمة مطلوب من عينها وفي مال التجارة إنما يطلب النماء من ماليتها فاعتبرنا النصاب في الموضعين من حيث يطلب النماء، فإذا كانت قيمتها أقل من مائتي درهم لم تجب فيها زكاة التجارة لنقصان النصاب ولا زكاة السائمة، وإن كان العدد كاملا؛ لأن النصاب فيها غير معتبر من حيث العدد، فإن قيل إذا لم تجب فيها زكاة التجارة صار وجود نية التجارة كعدمها فتجب زكاة السائمة. قلنا نية التجارة معتبرة في إخراجها من أن تكون سائمة معنى على ما بينا والصورة بدون المعنى لا تكفي لإيجاب الزكاة
(قال) وإذا اشترى الإبل للتجارة فلما مضت طائفة من الحول بدا له فجعلها سائمة فرارا من الصدقة فلا زكاة عليه حتى يحول عليها الحول من حين جعلها سائمة؛ لأنه نوى ترك التجارة فيها وهو تارك لها في ذلك الوقت حقيقة فاقترنت النية بالفعل وزكاة السائمة ليست من جنس زكاة التجارة فلا يمكن بناء أحدهما على الآخر فقلنا باستئناف الحول من حين جعلها سائمة
(قال) ويؤخذ من بني تغلب صدقة سائمتهم ضعف ما يؤخذ من المسلم إذا بلغت مقدار ما يجب في مثله الصدقة على المسلم وبنو تغلب قوم من النصارى من العرب كانوا بقرب الروم فلما أراد عمر - رضي الله عنه - أن يوظف عليهم الجزية أبوا وقالوا: نحن من العرب نأنف من أداء الجزية فإن وظفت علينا الجزية لحقنا بأعدائك من الروم، وإن رأيت أن تأخذ منا ما يأخذ بعضكم من بعض وتضعفه علينا فعلنا ذلك فشاور عمر - رضي الله عنه - الصحابة في ذلك وكان الذي يسعى بينه وبينهم كردوس التغلبي، فقال: يا أمير المؤمنين صالحهم، فإنك إن تناجزهم لم تطقهم فصالحهم عمر - رضي الله عنه - على أن يأخذ منهم ضعف ما يؤخذ من المسلمين، ولم يتعرض لهذا الصلح بعده عثمان - رضي الله عنه - فلزم أول الأمة وآخرها، فإن قيل أليس عليا - رضي الله عنه - أراد أن ينقض
صلحهم حين رآهم قلوا وذلوا قلنا قد شاور الصحابة - رضي الله عنهم - في ذلك، ثم اتفق معهم على أنه ليس لأحد أن ينقض هذا الصلح، وذكر محمد - رحمه الله تعالى - في النوادر أن صلحهم في الابتداء كان ضغطة ولكن تأيد بالإجماع وبقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن ملكا ينطق على لسان عمر - رضي الله عنه -، وقال: أينما دار عمر - رضي الله عنه - فالحق يدور معه. إذا عرفنا هذا فنقول لا يؤخذ من المسلم مما دون النصاب شيء، فكذلك منهم ويؤخذ من النصاب من المسلم ما قدره الشرع في كل مال فيؤخذ منهم ضعف ذلك؛ لأن الصلح وقع على هذا ويؤخذ من نسائهم مثل ما يؤخذ من رجالهم.
وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة - رحمهما الله تعالى - أنها لا تؤخذ من نسائهم قال: لأنها بدل عن الجزية ولا جزية على النساء وجه ظاهر الرواية أن هذا مال الصلح والنساء فيه كالرجال «قال - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ - رضي الله تعالى عنه - خذ من كل حالم وحالمة دينارا أو عدله معا فرية» وهو نظير الدية على العاقلة لا شيء منها على النساء فإن صالحت امرأة عن قصاص على مال أخذت به وهذا لأن الوفاء بالعهد واجب من الجانبين، والعهد على أن يضعف عليهم ما يؤخذ من المسلمين والصدقة تؤخذ من المسلمات كما تؤخذ من الرجال، فكذلك في حقهم. ولا يؤخذ من صبيانهم شيء؛ لأنه لا تؤخذ الصدقة من سوائم الصبيان من المسلمين، فكذلك منهم. أما مواليهم فلا تؤخذ منهم الصدقة ولكن توضع على رءوسهم الجزية بمنزلة سائر الكفار فإن ظاهر قوله تعالى {حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} [التوبة: 29] يتناول كل كافر إلا أنه خص من هذا الظاهر بنو تغلب باتفاق الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - وإنما يتناول هذا الاسم من كان منهم نسبا لا ولاء فبقيت مواليهم على حكم ظاهر الآية، فإن قيل أليس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «مولى القوم من أنفسهم» قلنا المراد مولى بني هاشم في حرمة الصدقة عليهم كرامة لهم، ألا ترى أن موالي بني تغلب لا يكونون أعلى حالا من موالي المسلمين ومولى المسلمين إذا كان ذميا توضع عليه الجزية فمولى التغلبي أولى.
(قال) وما أخذ من صدقات بني تغلب يوضع موضع الجزية؛ لأن عمر - رضي الله تعالى عنه - لما صالحهم قال: هذه جزية فسموها ما شئتم معناه جزية في حقنا فنضعه موضع الجزية ولأنه ليس بصدقة حقيقية؛ لأن الصدقة اسم لما يتقرب به إلى الله عز وجل وهو ليس بأهل لهذا التقرب وهو جزية معنى فالجزية اسم لمال مأخوذ بسبب الكفر على وجه العقوبة والتضعيف عليهم بهذه الصفة حتى يسقط إذا أسلموا فلهذا يوضع موضع الجزية
قال) وإذا ظهر الخوارج على بلد من بلاد أهل العدل فأخذوا منهم صدقة أموالهم، ثم ظهر عليهم الإمام لم يأخذ منهم ثانيا؛ لأنه عجز عن حمايتهم والجباية تكون بسبب الحماية، وهذا بخلاف التاجر إذا مر على عاشر أهل البغي فعشره، ثم مر على عاشر أهل العدل يعشره ثانيا؛ لأن صاحب المال هو الذي عرض ماله حين مر به عليه فلم يعذر وهناك صاحب المال لم يصنع شيئا ولكن الإمام عجز عن حمايته فلهذا لا يأخذ ولكن يفتى فيما بينه وبين الله تعالى بالأداء ثانية؛ لأنهم لا يأخذون أموالنا على طريق الصدقة بل على طريق الاستحلال ولا يصرفونها إلى مصارف الصدقة فينبغي لصاحب المال أن يؤدي ما وجب عليه لله تعالى، فإنما أخذوا منه شيئا ظلما وكذلك إن أخذوا من أهل الذمة في ذلك البلد خراج رءوسهم لم يأخذهم الإمام بما مضى لعجزه عن حمايتهم. فأما ما يأخذ سلاطين زماننا هؤلاء الظلمة من الصدقات والعشور والخراج والجزية فلم يتعرض له محمد - رحمه الله تعالى - في الكتاب وكثير من أئمة بلخي يفتون بالأداء ثانيا فيما بينه وبين الله تعالى كما في حق أهل البغي لعلمنا أنهم لا يصرفون المأخوذ مصارف الصدقة وكان أبو بكر الأعمش يقول في الصدقات يفتون بالإعادة فأما في الخراج فلا؛ لأن الحق في الخراج للمقاتلة وهم المقاتلة حتى إذا ظهر عدو ذبوا عن دار الإسلام، فأما الصدقات فللفقراء والمساكين وهم لا يصرفون إلى هذه المصارف والأصح أنه يسقط ذلك عن جميع أرباب الأموال إذا نووا بالدفع التصدق عليهم؛ لأن ما في أيديهم من أموال المسلمين وما عليهم من التبعات فوق مالهم فلو ردوا ما عليهم لم يبق في أيديهم شيء فهم بمنزلة الفقراء حتى قال محمد بن سلمة: يجوز أخذ الصدقة لعلي بن عيسى بن يونس بن ماهان والي خراسان وكان أميرا ببلخ وجب عليه كفارة يمين فسأل عنها الفقهاء عما يكفر به فأفتوه بصيام ثلاثة أيام فجعل يبكي ويقول لحشمه: إنهم يقولون لي ما عليك من التبعات فوق ما لك من المال وكفارتك كفارة يمين من لا يملك شيئا، وكذلك ما يؤخذ من الرجل من الجبايات إذا نوى عند الدفع أن يكون ذلك من عشره وزكاته جاز على الطريق الذي قلنا
(قال) وتقسم صدقة كل بلد على فقراء بلادهم ولا يخرج إلى غيرهم «لقوله - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ - رضي الله تعالى عنه - خذها من أغنيائهم وردها في فقرائهم»، ولأن لفقراء تلك البلدة حق القرب والمجاورة، واطلاعهم على أرباب أموالهم أكثر فالصرف إليهم أولى لقوله - صلى الله عليه وسلم - «أدناك فأدناك ولما سأله رجل، فقال: إن لي جارين أيهما أبر؟ فقال: إلى أقربهما منك بابا، وإن أخرجها إلى غيرهم جاز
وهو مكروه» وللشافعي - رحمه الله تعالى - قول: إنه لا يجوز لحديث معاذ - رضي الله تعالى عنه - من نقل عشره وصدقته من مخلاف عشيرته إلى غير مخلاف عشيرته فعشره وصدقته في مخلاف عشيرته أي مردودة عليهم.
(ولنا) ظاهر قوله تعالى {إنما الصدقات للفقراء} [التوبة: 60] وتخصيص فقراء البلدة ليس لمعنى في أعيانهم فلا يمنع جواز الصرف إلى غيرهم؛ لأن ما هو المقصود وهو سد خلة المحتاج قد حصل وقول معاذ - رضي الله عنه - محمول على بيان الأولى، ألا ترى أنه حين كان باليمن كان ينقل الصدقة إلى المدينة على ما قال في خطبته وأنفع لمن في المدينة من المهاجرين والأنصار، وإنما كان ينقل إلى المدينة؛ لأن فقراءها كانوا أشرف الفقراء حيث هجروا أوطانهم وهاجروا لنصرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتعلم أحكام الدين وعلى هذا روي عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أنه إذا كان لصاحب المال قرابة محتاجون في بلدة أخرى فلا بأس بأن يصرف الصدقة إليهم وهو أفضل له لما فيه من صلة الرحم مع إسقاط الفرض عن نفسه
(قال) ومن كان في عسكر الخوارج سنين فلم يؤد صدقة ماله، ثم تاب لم يؤخذ بها؛ لأنه لم يكن تحت حماية الإمام حين وجبت عليه فحكمه كان لا يجري عليه وعليه أن يؤدي فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأن الحق قد لزمه بتقرر سببه فلا يسقط عنه إلا بالأداء وصارت الأموال الظاهرة في حقه حين لم يثبت للإمام حق الأخذ منها كالأموال الباطنة
(قال) والعاشر يأخذ الصدقة من رسول أهل البغي إذا مر عليه كما يأخذها من المسلم؛ لأن أهل البغي مسلمون كما قال الله تعالى {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا} [الحجرات: 9] إلى قوله {فإن بغت إحداهما على الأخرى} [الحجرات: 9] . وقال علي - رضي الله عنه: إخواننا بغوا علينا، وإنما يأخذ من سائر المسلمين ما لزمهم من الزكاة من المال الممرور به عليه، فكذلك من أهل البغي
(قال) ومن أسلم في دار الحرب وأقام في تلك الدار سنين، فإن عرف وجوب الزكاة عليه فلم يؤدها، ثم خرج إلينا لم يؤخذ بها؛ لأنه لم يكن تحت حماية الإمام في ذلك الوقت ولكنه يفتي بأدائها فيما بينه وبين الله تعالى، وإذا لم يعلم بوجوب الزكاة عليه فليس عليه أداؤها إلا على قول زفر - رحمه الله تعالى - والقياس ما قاله؛ لأنه بقبول الإسلام صار قابلا لأحكامه وجهله عذر في دفع المأثم لا في إسقاط الواجب بعد تقرر سببه ولكنا استحسنا وقلنا توجه خطاب الشرع يتوقف على البلوغ إليه، ألا ترى أن أهل قباء كانوا يصلون إلى بيت المقدس بعد تحول القبلة إلى الكعبة وجوز لهم ذلك؛ لأنه لم يبلغهم، وهذا لأن التكليف بحسب الوسع ولا وسع في حق العمل
به قبل البلوغ إليه فصار كأن الخطاب غير نازل في حقه، وهذا لأن الخطاب غير شائع في دار الحرب؛ لأن أحكام الإسلام غير شائعة في دار الحرب لقيام الشيوع مقام الوصول إليه
(قال) وإذا حلف الرجل أنه قد أدى صدقة ماله إلى المصدق الذي كان في تلك السنة فكف عنه المصدق، ثم اطلع على كذبه بعد سنين أخذه بتلك الصدقة؛ لأن السبب المثبت لحق الأخذ له قد تقرر فلا يسقط باليمين الكاذبة كسائر حقوق العباد، والتأخير ليس بمسقط حق الأخذ بعد ثبوته فلهذا أخذه بالصدقة والله أعلم.
[باب زكاة الغنم]
(قال) - رحمه الله تعالى: الأصل في وجوب الزكاة في الغنم قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «ما من صاحب غنم لا يؤدي زكاتها إلا بطح لها يوم القيامة بقاع قرقر تطؤه بأظلافها وتنطحه بقرونها»، وقال - صلى الله عليه وسلم - «لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة وعلى عاتقه شاة تيعر يقول يا محمد يا محمد فأقول لا أملك لك من الله شيئا ألا قد بلغت» إذا عرفنا هذا فنقول ليس في أقل من أربعين من الغنم السائمة صدقة، فإذا كانت أربعين ففيها شاة إلى مائة وعشرين، فإذا زادت واحدة ففيها شاتان إلى مائتين، فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائة، ثم ليس في الزيادة شيء إلى أربعمائة فبعد ذلك في كل مائة شاة، وقال الحسن بن حي - رحمه الله تعالى - إذا زادت على ثلاثمائة ففيها أربع شياه، وفي أربعمائة خمس شياه. (وحجتنا) حديث أنس - رضي الله عنه - «أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - كتب كتاب الصدقات الذي كتبه له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفيه وفي أربعين من الغنم شاة وفي مائة وواحدة وعشرين شاتان، وفي مائتين وواحدة ثلاث شياه إلى أربعمائة ففيها أربع شياه»، وقد بينا أن طريق معرفة النصب لا تكون بالرأي والاجتهاد بل بالنص
(قال) ولا تؤخذ الجذعة من الغنم في الصدقة، وإنما يؤخذ الثني فصاعدا والجذعة هي التي تم لها حول واحد وطعنت في الثانية والثني الذي تم له سنتان وطعن في الثالثة وروى الحسن عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أنه لا يؤخذ من المعز إلا الثني فأما من الضأن فتؤخذ الجذعة وهو قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى - وهو الذي ذكره الطحاوي في مختصره قال: ولا يؤخذ في زكاة الغنم إلا ما يجزي في الضحايا. وجه تلك الرواية قوله - صلى الله عليه وسلم - «إنما حقنا في الجذعة والثني»، ولأن الجذعة
من الضأن تجزي في الضحايا وهي أدعى للشروط من الأخذ في الزكاة فجواز التضحية بها يدل على أخذها في الزكاة بطريق الأولى. وجه ظاهر الرواية حديث علي - رضي الله عنه - موقوفا عليه ومرفوعا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لا يؤخذ في الزكاة إلا الثني فصاعدا، ثم ما دون الثني قاصر في نفسه»، ألا ترى أنه لا يجوز أخذه من المعز ولا يؤخذ في الزكاة إلا البالغ كما لا يؤخذ من المعز ما دون الثني، وكذلك في الضأن وهو القياس في الأضحية أيضا ولكن ترك لنص خاص ورد، وذلك إذا كان سمينا لو اختلط بالثنيات لا يمكن تمييزه قبل التأمل ومثل هذا يقارب الثني فيما هو المقصود بإراقة الدم وهنا ما دون الثني لا يقارب الثني فيما هو المقصود بإراقة الدم من كل وجه، فإن منفعة النسل لا تحصل به
(قال) ويجوز في زكاة الغنم أخذ الذكور والإناث عندنا، وقال الشافعي - رحمه الله تعالى: لا يؤخذ الذكر إلا إذا كان النصاب كله ذكورا؛ لأن منفعة النسل لا تحصل به ويجوز في زكاة الذكور؛ لأن الواجب جزء من النصاب.
(ولنا) قوله - صلى الله عليه وسلم - «في أربعين شاة شاة» واسم الشاة يتناول الذكر والأنثى جميعا بالدليل الموجب فيه
(قال) فإن اختلط المعز بالضأن فلا خلاف أن نصاب البعض يكمل بالبعض، ثم لا يؤخذ إلا الوسط عندنا، وذلك الأدون من الأرفع والأرفع من الأدون ذكره في المنتقى، وكذلك في البقر مع الجواميس وللشافعي فيه قولان في أحدهما يقول يؤخذ من جنس الأغلب منهما؛ لأن المغلوب لا يظهر في مقابلة الغالب وفي القول الآخر تقوم واحدة من الأرفع والأخرى من الأدون، ثم ينظر إلى نصف القيمتين فيؤخذ واحدة بتلك القيمة قال: وهو العدل وبه يتم النظر من الجانبين.
(ولنا) قوله - صلى الله عليه وسلم - «لا تأخذوا من حزرات أموال الناس وخذوا من حواشي أموالهم» والأخذ من الحواشي فيما قلنا
(قال) والمتولد من الظبي والغنم يكون نصابا إذا كانت الأم نعجة، وكذلك المتولد من البقر الوحشي والبقر الأهلي عندنا العبرة للأم وعند الشافعي - رحمه الله تعالى - لا تجب فيه الزكاة؛ لأنه تجاذبه جانبان أحدهما يوجب والآخر لا يوجب، والأصل عدم الوجوب والوجوب بالشك لا يثبت ولكنا نقول المتولد من جنس الأم يشبهها عادة ويتبعها في الحكم حتى يكون لمالك الأم وحتى يتبع الولد الأم في الرق والحرية، وهذا لما عرف أن ماء الفحل يصير مستهلكا بمائها فالولد يكون منها
(قال) رجل تزوج امرأة على غنم سائمة ودفعها إليها وحال الحول، ثم طلقها قبل الدخول بها فعليها زكاة النصف ولا شيء على
الزوج؛ لأنه لم يكن مالكا لها في الحول إنما عادت إليه بعده وأما المرأة فكانت مالكة للكل فكان النصاب كاملا فوجب عليها الزكاة، ثم استحق البعض من يدها بسبب حادث بعد الحول فعليها الزكاة فيما بقي كما لو نقص النصاب فإن كان لم يدفعها إليها حتى حال الحول ثم طلقها قبل أن يدخل بها فعلى قول أبي حنيفة - رحمه الله - الآخر لا زكاة عليها، وفي قوله الأول عليها الزكاة في نصيبها إذا قبضت وكان نصابا تاما، فإن كان دون ذلك فلا زكاة عليها وفي قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى - عليها الزكاة في نصيبها سواء كان نصابا أو دونه بعد أن كان الكل نصابا، وقد بينا هذا في زكاة الإبل وأوضحه في الكتاب بما لو كان الصداق عبدا للخدمة فمر يوم الفطر وهو عندها، ثم طلقها قبل أن يدخل بها فعليها صدقة الفطر ولو كان عند الزوج حين مر يوم الفطر ثم طلقها قبل أن يدخل بها فليس على واحد منهما صدقة الفطر عنه قبل هذا قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أما عندهما فينبغي أن تجب عليها صدقة الفطر وما قبل القبض كما بعده في حكم الزكاة والأصح أنه قولهم جميعا وهما فرقا، وقالا: صدقة الفطر تعتمد الولاية التامة لا مجرد الملك، وذلك لا يحصل بدون اليد بخلاف الزكاة، فإنها وظيفة الملك وملكها في الصداق قبل القبض تام بدليل أنها تتصرف كيف شاءت
(قال) رجل له مائتا درهم وعليه مثلها دين وله أربعون من الغنم سائمة فحال الحول فعليه الزكاة في الغنم؛ لأن الدين يصرف إلى الدراهم فإنه مخلوق للتقلب والتصرف معد له، فأما السائمة فمعدة لاستبقاء الملك فيها، وهذا إذا حضره المصدق، فإن لم يحضره فالخيار لرب المال إن شاء صرف الدين إلى السائمة وأدى الزكاة من الدراهم، وإن شاء صرف الدين إلى الدراهم وأدى الزكاة من السائمة؛ لأن في حق صاحب المال هما سواء، وإنما الاختلاف في حق المصدق، فإن له ولاية أخذ الزكاة من السائمة دون الدراهم فلهذا صرف الدين إلى الدراهم وأخذ الزكاة من السائمة.
(قال): رجل له أربعون شاة سائمة فحل عليها حولان فعليه للحول الأول شاة ولا شيء عليه للحول الثاني؛ لأن نصابه قد انتقص بما وجب عليه في الحول الأول، وقد بينا قول زفر - رحمه الله تعالى - في نظيره في زكاة الإبل فكذلك في زكاة الغنم
(قال) في الكتاب وتفسير قوله "لا يفرق بين مجتمع أن يكون للرجل مائة وعشرون شاة ففيها شاة، وليس للمصدق أن يفرقها في ثلاثة مواطن ليأخذ من كل أربعين شاة وتفسير قوله ولا يجمع بين متفرق أن يكون بين رجلين أربعون شاة فليس للمصدق أن يجمعها ويأخذ منها الزكاة، وقد بينا أن المراد به الجمع"
والتفريق في الملك لا في المكان، وقد تقدم بيان هذا وبينا تفسير قوله وما كان بين الخليطين، فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية ونزيده وضوحا فنقول المراد إذا كان بين رجلين إحدى وستون من الإبل لأحدهما ست وثلاثون وللآخر خمس وعشرون، فإن المصدق يأخذ منها بنت لبون وبنت مخاض، ثم يرجع كل واحد منهما على صاحبه بنصف ما أخذ من ماله بزكاة صاحبه وحمله على هذا أولى، فإن التراجع على وزن التفاعل فينبغي أن يثبت من الجانبين في وقت واحد، وذلك فيما قلنا
(قال) والشريك المفاوض والعنان وغير ذلك كلهم سواء في حكم الصدقة؛ لأن وجوبها باعتبار حقيقة الملك وغنى المالك به ولا ملك للشريك في نصيب شريكه مفاوضا كان أو غيره
(قال) وإذا مر المسلم على العاشر بالماشية وغيرها من الأموال، فقال: ليس شيء من هذا للتجارة وحلف على ذلك لا يأخذ منه شيئا؛ لأنه أمين فيما يلزمه من الزكاة، فإذا أنكر وجوبها عليه فالقول قوله مع يمينه والعاشر لا يأخذ إلا الزكاة، ووجوب الزكاة بصفة الإسامة أو التجارة وما يمر به على العاشر لا يكون سائمة، وقد انتفى صفة التجارة في حقه بحلفه فلا يأخذ منه شيئا، وكذلك الذمي والتغلبي؛ لأنهما من أهل دارنا فمرورهما على العاشر قد يكون بغير مال التجارة كما يكون بمال التجارة كالمسلم، وأما الحربي فلا يصدق في ذلك ويؤخذ منه العشر؛ لأن الأخذ منهم بطريق المجازاة وهم لا يصدقون في هذا من يمر به منا عليهم، فكذلك نحن لا نصدقهم، ولأن الحربي في دارنا لا يدخل إلا على قصد التجارة؛ لأنه ليس من أهل دارنا فما معه يكون للتجارة فلهذا أخذ منه
(قال): رجل مات بعد ما وجبت عليه الصدقة في سائمته فجاء المصدق وهي في يد الورثة فليس له أن يأخذ منهم صدقتها إلا أن يكون الميت أوصى بذلك فحينئذ يأخذ من ثلث ماله، وقال الشافعي - رحمه الله تعالى: يأخذ الصدقة من جميع ماله أوصى أو لم يوص. وحجته قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث «الخثعمية أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت تقضيه قالت نعم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدين الله أحق» فقد شبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دين الله بدين العباد، ثم دين العباد يقضى من التركة بعد الوفاة مقدما على الميراث فكذلك دين الله تعالى وهذا الفقه وهو أن هذا حق كان مطالبا في حال حياته وتجري النيابة في إيفائه فيستوفى من تركته بعد وفاته كديون العباد. وتقريره أن المال خلف عن الذمة بعد الموت في الحقوق التي تقتضى بالمال والوارث قائم مقام المورث في أداء ما تجري
النيابة في أدائه، ألا ترى أن بعد الإيصاء يقوم مقامه في الأداء، فكذلك قبله. (وحجتنا) قوله - صلى الله عليه وسلم - «يقول ابن آدم: مالي مالي وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأبقيت وما سوى ذلك فهو مال الوارث»، وهذا يقتضي أن ما لم يمضه من الصدقة يكون مال الوارث بعد موته وبه علل في الكتاب قال: لأنها خرجت من ملكه الذي كان له يعني أن المال صار ملك الوارث، ولم يجب على الوارث شيء ليؤخذ ملكه به، وهذا لأن حقوق الله تعالى مع حقوق العباد إذا اجتمعا في محل تقدم حقوق العباد على حقوق الله تعالى. ثم الواجب عليه فعل الإيتاء وفعل الإيتاء لا يمكن إقامته بالمال ليقوم المال فيه مقام الذمة بعد موته والوارث لا يمكن أن يجعل نائبا في أداء الزكاة؛ لأن الواجب ما هو عبادة. ومعنى العبادة لا يتحقق إلا بنية وفعل ممن يجب عليه حقيقة أو حكما وخلافة الوارث المورث تكون جبرا من غير اختيار من المورث وبه لا تتأدى العبادة واستيفاء الواجب لا يجوز إلا من الوجه الذي وجب، فإذا لم يمكن استيفاؤه من ذلك الوجه لا يستوفى إلا أن يكون أوصى فحينئذ يكون بمنزلة الوصية بسائر التبرعات تنفذ من ثلثه ويظهر بما ذكرنا الفرق بين ديون الله تعالى وبين ديون العباد إذا تأملت.
فإن كان موت صاحب السائمة في وسط الحول ينقطع به حكم الحول عندنا لخروجها عن ملكه كما لو باعها. وقال الشافعي - رحمه الله تعالى: يبنى على حوله، فإذا تم فعلى الوارث الزكاة قال؛ لأن ملك الوارث بناء على ملك المورث، وليس بابتداء ملك بدليل ثبوت حق الرد بالعيب وغيره ولكنا نقول صفة المالكية للوارث متجددة، وفي حكم الزكاة المالك معتبر فلتجدد صفة المالكية قلنا يستقبل الحول في ملك الوارث والله سبحانه وتعالى أعلم
[باب زكاة البقر]
(الأصل في وجوب الزكاة في البقر) حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مانعي الزكاة «لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة وعلى عاتقه بعير له رغاء فيقول يا محمد يا محمد فأقول لا أملك لك من الله شيئا ألا قد بلغت ولا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة وعلى عاتقه بقرة لها ثغاء فيقول يا محمد يا محمد فأقول لا أملك لك من الله شيئا ألا قد بلغت ولا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة وعلى عاتقه فرس لها حمحمة فيقول يا محمد يا محمد فأقول لا أملك لك من الله شيئا ألا
قد بلغت» إذا عرفنا هذا فنقول ليس فيما دون ثلاثين بقرة سائمة صدقة وفي ثلاثين منها تبيع أو تبيعة وهي التي لها سنة وطعنت في الثانية وفي أربعين منها مسنة وهي التي تم لها سنتان وبهذا «أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معاذ بن جبل - رضي الله عنه - حين بعثه إلى اليمن واختلفت الروايات فيما زاد على الأربعين فقال في كتاب الزكاة وما زاد على الأربعين ففي الزيادة بحساب ذلك»، ولم يفسر هذا الكلام وفي كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى - رحمهما الله تعالى - قال: إذا كان له إحدى وأربعون بقرة فقال أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - عليه مسنة وربع عشر مسنة أو ثلث عشر تبيع وهذا يدل على أنه لا نصاب عنده في الزيادة على الأربعين فإنه تجب فيه الزكاة قل أو كثر بحساب ذلك. وروى الحسن عن أبي حنيفة - رحمهما الله تعالى - أنه لا يجب في الزيادة شيء حتى تبلغ خمسين ففيها مسنة وربع مسنة أو ثلث تبيع، وروى أسد بن عمرو عن أبي حنيفة - رحمهما الله تعالى - أنه ليس في الزيادة شيء حتى تكون ستين ففيها تبيعان وهو قول أبي يوسف ومحمد والشافعي - رحمهما الله تعالى - ثم لا خلاف أنه ليس في الزيادة شيء إلى سبعين ثم بعد ستين الأوقاص تسع تسع وأن الواجب في كل ثلاثين تبيع وفي كل أربعين مسنة حتى إذا كانت سبعين ففيها مسنة وتبيع وفي ثمانين مسنتان وفي تسعين ثلاثة أتبعة وفي المائة مسنة وتبيعان وفي مائة وعشر مسنتان وتبيع وفي مائة وعشرين إن شاء أدى ثلاث مسنات وإن شاء أدى أربعة أتبعة فإنها ثلاث مرات أربعون وأربع مرات ثلاثون. وجه قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى - حديث معاذ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «لا تأخذوا من أوقاص البقر شيئا» وفسروا الأوقاص بما بين الأربعين إلى الستين، ولأن مبنى زكاة السائمة على أنه لا يجب فيها الإشقاص دفعا للضرر عن أرباب الأموال حتى إن في الإبل عند قلة العدد أوجب من خلاف الجنس تحرزا عن إيجاب الشقص فكذلك في زكاة البقر لا تجوز الإشقاص؛ لأنها عيب.
ووجه رواية الحسن - رحمه الله تعالى - أن الأوقاص في البقر تسع تسع بدليل ما قبل الأربعين وبعد الستين فكذلك فيما بين ذلك؛ لأنه يلحق بما قبله أو بما بعده. ووجه الرواية الأخرى أن نصب النصاب بالرأي لا يكون وإنما يكون طريق معرفته النص، ولا نص فيما بين الأربعين إلى الستين فإذا تعذر اعتبار النصاب فيه أوجبنا الزكاة في قليله وكثيره بحساب ما سبق، وحديث معاذ - رضي الله عنه - المراد به حال قلة العدد في الابتداء فإن الوقص في الحقيقة اسم لما لم يبلغ نصابا، وذلك
في الابتداء يكون، وقيل: المراد بالأوقاص الصغار وهي العجاجيل وبه نقول إنه لا شيء فيها (قال) والجواميس بمنزلة البقر، وقد بينا هذا فيما سبق من زكاة الغنم
(قال) وذكورها وإناثها في الصدقة سواء وكذلك في الأخذ لا فرق بين الذكور والإناث في زكاة البقر بخلاف زكاة الإبل فإنه لا يؤخذ فيها إلا الإناث وهذا لتقارب ما بين الذكور والإناث في الغنم والبقر وتباين ما بينهما في الإبل، وقد بينا هذا في زكاة الإبل.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|