
13-11-2025, 02:36 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,761
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي
الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثانى
صـــ 168 الى صـــ 177
(42)
، ولهذا لو مر يوم الفطر على العبد المجعول صداقا، ثم طلقها قبل الدخول لم يكن عليها صدقة الفطر بخلاف ما بعد القبض فصار الحاصل أن بالعقد يحصل أصل الملك، وتمام ما هو المقصود لا يحصل إلا بالقبض، وصيرورته نصاب الزكاة ينبني على تمام المقصود لا على حصول أصل الملك بخلاف التصرف فإن نفوذه ينبني على ثبوت أصل الملك، وقد روي عن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - في المبيع قبل القبض أنه لا يكون نصاب الزكاة؛ لأن الملك فيه غير نام حتى لا يملك التصرف فيه، ثم وجه قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - الأول إن الصدق بمنزلة مال البدل، فإن أصله لم يكن مال الزكاة ومن أصله أن مال البدل تجب فيه الزكاة ولا يلزمه الأداء حتى يقبض نصابا تاما على ما بيناه ولكنه رجع عن هذا، فقال: هناك أصله كان مالا، وهذا أصله وهو ملك النكاح لم يكن مالا متقوما، والصداق جعل صلة من وجه فلا يتم ملكها المال إلا بالقبض.
فإن طلقها الزوج قبل الدخول بها والصداق خمس من الإبل فليس عليها زكاة في نصيبها في قول أبي حنيفة؛ لأنه دون النصاب ولو كان عشرا كان عليها الزكاة في نصيبها في قوله الأول وفي قوله الآخر لا زكاة عليها في الوجهين وعلى قولهما يلزمها زكاة نصيبها في الوجهين
(قال): رجل له إبل سائمة فأراد أن يستعملها أو يعلفها فلم يفعل ذلك حتى حال عليه الحول فعليه زكاة السائمة؛ لأنها كانت سائمة في جميع
الحول وما نوى كان حديث النفس، وقال - صلى الله عليه وسلم - «إن الله تجاوز لأمتي عما حدثوا به أنفسهم ما لم يعملوا أو يتكلموا»، ثم الاستعمال فعل، وذلك لا يحصل بالنية ما لم يفعل، ألا ترى أن من نوى في عبد الخدمة أن يكون للتجارة لا يصير للتجارة ما لم يتجر فيه بخلاف ما إذا كان للتجارة فنواه للخدمة؛ لأنه نوى ترك التجارة وهو تارك لها فاقترنت النية بالعمل وهو نظير الكافر ينوي الإسلام لا يصير مسلما ما لم يأت بكلمة الشهادة، والمسلم لو نوى أن يكفر - والعياذ بالله - صار كافرا بنيته ترك الإسلام
(قال) رجل له عشر من الإبل السائمة فحل عليها حولان فعليه للسنة الأولى شاتان وللسنة الثانية شاة، ولم يبين في الكتاب أنه هل يأثم بما صنع؟ فكان أبو الحسن الكرخي - رحمه الله تعالى - يقول: هو آثم بتأخير الأداء بعد الوجوب، وهكذا ذكره في المنتقى.
، وروى عن محمد - رحمه الله تعالى - أنه قال: من أخر أداء الزكاة من غير عذر لم تقبل شهادته وفرق محمد - رحمه الله تعالى - على مذهبه بين الزكاة والحج، فقال: في الزكاة حق الفقراء، وفي تأخير الأداء إضرار بهم ولا يسعه ذلك بخلاف الحج وكان أبو عبد الله البلخي يقول يسعه التأخير في الزكاة؛ لأن الأمر به مطلق عن الوقت، وهكذا رواه هشام عن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - وفرق على قوله بين الزكاة وبين الحج، وقال: أداء الحج يختص بوقت وفي التأخير عنه تفويت؛ لأنه لا يدري هل يبقى إلى السنة الثانية أم لا؟ وليس في تأخير الزكاة تفويت فكل وقت صالح لأدائها، ثم في السنة الأولى وجب عليه شاتان فانتقص بقدرهما من العشر فلا يلزمه في الثانية إلا شاة، وهذا عندنا وعلى قول زفر - رحمه الله تعالى - يلزمه شاتان للسنة الثانية، فإن دين الزكاة عنده لا يمنع وجوب الزكاة قال: لأنه دين وجب لله تعالى - كالنذور والكفارات والفقه فيه أنه ليس بدين على الحقيقة حتى يسقط بموته قبل الأداء وكان البلخي يفرق على أصل زفر - رحمه الله تعالى - بين دين الزكاة عن الأموال الظاهرة والباطنة، فقال: في الأموال الظاهرة للساعي حق المطالبة بها فكان نظير دين العباد بخلاف الأموال الباطنة وقيل لأبي يوسف - رحمه الله تعالى: ما حجتك على زفر - رحمه الله تعالى -، فقال: ما حجتي على رجل يوجب في مائتي درهم أربعمائة درهم ومراده إذا ملك مائتي درهم فحال عليها ثمانون حولا. ثم دين الزكاة من الأموال الباطنة بمنزلته عن الأموال الظاهرة، فإن المصدق كان يأخذ منها في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والخليفتين من بعده - رضي الله عنهما - حتى فوض عثمان - رضي الله عنه - الأداء إلى أرباب الأموال لما خاف المشقة
والحرج في تفتيش الأموال عليهم من سعاة السوء فكان ذلك توكيلا منه لصاحب المال بالأداء فنفذ توكيله؛ لأنه كان عن نظر صحيح، وقد تثبت المطالبة به للمصدق إذا مر بالمال عليه في سفره فلهذا منع وجوب الزكاة، وعن أبي يوسف - رحمه الله - أن دين الزكاة عن المال القائم يمنع وجوب الزكاة، وعن المال المستهلك لا يمنع وجوب الزكاة؛ لأن المال القائم يتصور أن يمر به على العاشر حتى يثبت له حق الأخذ بخلاف المستهلك
(قال) وإن كانت الإبل خمسا وعشرين فعليه للحول الأول بنت مخاض وللحول الثاني أربع شياه لما بينا
(قال) رجل له أربع وعشرون فصيلا وناقة مسنة فعليه فيها بنت مخاض؛ لأن الصغار تبع للمسنة تعد معها كما قال - صلى الله عليه وسلم - «وتعد صغارها وكبارها»، وهذا لأن ما هو الواجب موجود في ماله فإذا أوجبنا لم يخرج الواجب من أن يكون جزءا من النصاب بخلاف ما إذا كان الكل صغارا.
، فإن كان له خمس وسبعون فصيلا وناقة مسنة فعلى قول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله تعالى - لا يجب إلا تلك الواحدة؛ لأن الوجوب باعتبارها وعند أبي يوسف - رحمه الله تعالى - يجب تلك الواحدة مع فصيل؛ لأنه يوجب في الصغار منها، وقد بينا هذا
(قال): رجل له إبل سائمة قد اشتراها للتجارة فعليه فيها زكاة التجارة عندنا. وقال الشافعي - رحمه الله تعالى: فيها زكاة السائمة إلا أن لا يكون نصاب السائمة تاما فحينئذ عليه زكاة التجارة إذا كانت القيمة نصابا ولا خلاف في أنه لا تلزمه الزكاتان جميعا؛ لأن وجوب كل واحد منهما باعتبار صفة المالية، ثم قال الشافعي - رحمه الله تعالى: زكاة السائمة أقوى؛ لأن وجوبها باتفاق الأمة والنصوص الظاهرة، والضعيف لا يعارض القوي، فإذا أمكن إيجاب زكاة السائمة لا تظهر زكاة التجارة وفي ترجيح زكاة السائمة منفعة للفقراء؛ لأن الساعي يأخذها وزكاة التجارة مفوض أداؤها إلى من وجبت عليه وربما لا يؤدي وعلماؤنا - رحمهم الله تعالى - قالوا: إن بنية التجارة ينعدم ما هو المقصود بالسوم وما لأجله أوجب زكاة السائمة؛ لأن النماء في السائمة مطلوب من عينها، وذلك لا يحصل إلا باستبقاء الملك فيها وبنية التجارة ينعدم هذا فكانت سائمة صورة لا معنى وهو مال التجارة صورة ومعنى فترجح زكاة التجارة لهذا وحق الأخذ ثابت للساعي سواء أوجب فيها زكاة السائمة أو زكاة التجارة، فإنه مال ظاهر يحتاج صاحبه إلى حماية الإمام وثبوت حق الأخذ باعتبار الحاجة إلى الحماية بخلاف سائر أموال التجارة حتى إذا احتاج إلى الحماية فيها بالمرور على العاشر كان له أن يأخذ الزكاة منها
قال) وإن كانت السائمة بين رجل مسلم عاقل وبين صبي أو مجنون أو كافر فعلى الرجل المسلم العاقل زكاة نصيبه لو بلغ نصابا ولا شيء على الآخر لما بينا أن حالة الاختلاف معتبرة بحالة الانفراد
(قال) وإذا ذهب العدو بالسائمة أو غصبها غاصب ثم رجعت إلى صاحبها بعد سنين فلا زكاة عليه لما مضى عندنا.
، وقال زفر - رحمه الله تعالى - كذلك في الذي ذهب بها العدو؛ لأنهم ملكوها بالإحراز، وفي المغصوب المجحود تلزمه الزكاة لما مضى إذا وصلت إلى يده. وقال الشافعي - رحمه الله تعالى: يلزمه فيها الزكاة لما مضى إذا وصلت إلى يده بناء على أصله أنهم لا يملكون أموالنا بالإحراز. وجه قولهما إن وجوب الزكاة في السائمة باعتبار الملك دون اليد، ألا ترى أن ابن السبيل تلزمه الزكاة لما مضى إذا وصلت يده إلى الأموال لقيام ملكه فيها، فكذلك في المغصوب، فإن بالغصب تنعدم اليد بالمغصوب منه دون الملك. وجه قولنا حديث علي - رضي الله عنه - موقوفا عليه ومرفوعا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا زكاة في مال الضمار» ومعناه مال يتعذر الوصول إليه مع قيام الملك من قولك بعير ضامر إذا كان نحيفا مع قيام الحياة فيه وأن عمر بن عبد العزيز في خلافته لما أمر برد أموال بيت المال على أصحابها قيل أفلا نأخذ منهم زكاتها لما مضى قال: لا، فإنها كانت ضمارا والمعنى فيه أن وجوب الزكاة في السائمة كان باعتبار معنى النماء، وقد انسد على صاحبها طريق يحصل النماء منها بجحود الغاصب إياها فانعدم ما لأجله كان نصاب الزكاة بخلاف ابن السبيل، فإن النماء يحصل له بيد ثانية كما يحصل بيده فكان نصاب الزكاة لهذا، وكذلك الضالة وما سقط منه في البحر من مال التجارة إذا وصلت يده إليه بعد الحول فليس عليه الزكاة لما مضى؛ لأن معنى المالية في النمو والانتفاع، وذلك منعدم فكان مستهلكا معنى، وإن كان قائما صورة وكذلك الدين المجحود وأطلق الجواب فيه في الكتاب، وروى هشام عن محمد - رحمهما الله تعالى - قال: إن كان معلوما للقاضي فعليه الزكاة لما مضى لتمكنه من الأخذ بعلم القاضي. وجه رواية الكتاب أنه لا زكاة عليه سواء كانت له بينة أو لم تكن له بينة إذ ليس كل شاهد يعدل ولا كل قاض يعدل، وفي المحاباة بين يديه في الخصومة ذل فكان له أن لا يذل نفسه وكثير من أصحابنا - رحمهم الله تعالى - قالوا: إذا كانت له عليه بينة تلزمه الزكاة لما مضى؛ لأن التقصير جاء منه. وروى ابن سماعة عن أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى - إن المديون إذا كان يقر معه سرا ويجحد في العلانية فليس عليه
الزكاة لما مضى إذا أخذه بمنزلة الجاحد سرا وعلانية
(قال) وإذا كان النصاب كاملا في أول الحول وآخره فالزكاة واجبة، وإن انتقص فيما بين ذلك وقتا طويلا ما لم ينقطع أصله من يده ومال السائمة والتجارة فيه سواء عندنا. وقال زفر - رحمه الله تعالى: لا تلزمه الزكاة إلا أن يكون النصاب من أول الحول إلى آخره كاملا، وقال الشافعي - رحمه الله - في السائمة كذلك، وفي مال التجارة قال: إنما يعتبر كمال النصاب في آخر الحول خاصة ولا يعتبر في أوله. وجه قول زفر - رحمه الله تعالى - أن حولان الحول على المال شرط لوجوب الزكاة وكل جزء من الحول بمنزلة أوله وآخره، ألا ترى أنه لو هلك جميع النصاب في خلال الحول يجعل كهلاكه في أول الحول وآخره، وكذلك السائمة إذا جعلها حمولة أو علوفة في وسط الحول انقطع به الحول كما لو فعل ذلك في أوله وآخره وهذا لأن ما دون النصاب ليس بمحل لوجوب الزكاة فيه كالعلوفة. وقال الشافعي - رحمه الله تعالى - في السائمة كذلك، وفي مال التجارة قال: القياس هكذا ولكني أزكيه؛ لأن النصاب فيها معتبر من القيمة ويشق على صاحب المال تقويم ماله في كل يوم فلدفع المشقة قلنا: إنما يعتبر كمال النصاب عند وجوب الزكاة، وذلك في آخر الحول.
(ولنا) أن اشتراط كمال النصاب ليحصل به صفة الغنى للمالك، والغنى معتبر عند ابتداء الحول لينعقد الحول على المال وعند كماله لتجب الزكاة فأما فيما بين ذلك فليس بحال انعقاد الحول ولا بحال وجوب الزكاة فلا يشترط غنى المالك فيه إنما هو حال بقاء الحول المنعقد فلا بد من بقاء شيء من المحل لبقاء الحول، فإذا هلك كله لم يبق شيء من المحل صالحا لبقاء الحول، وكذلك إذا جعلها علوفة أو أعدها للاستعمال لم يبق شيء من المحل صالحا لبقاء الحول، فأما بعد هلاك البعض فبقي المحل صالحا لبقاء الحول وهو نظير عقد المضاربة يبقي على الألف ببقاء بعضها حتى إذا ربح فيها يحصل جميع رأس المال أولا بخلاف ما إذا هلكت كلها وما اعتبره الشافعي - رحمه الله تعالى - من المشقة صالح لإسقاط اعتبار كمال النصاب في خلال الحول لا في أوله؛ لأنه لا يشق عليه تقويم ماله عند ابتداء الحول ليعرف به انعقاد الحول كما لا يشق عليه ذلك في آخر الحول ليعرف به وجوب الزكاة في ماله
(قال) ويحتسب على الرجل في سائمته العمياء والعجفاء والصغيرة وما أشبهها ولا يؤخذ شيء منها؛ لأن المعتبر فيها كمال النصاب من حيث العدد، وذلك حاصل بالكل والأصل فيه حديث عمر - رضي الله عنه -، فإن الناس شكوا إليه من السعاة فقالوا: إنهم يعدون علينا السخال ولا يأخذونها
فقال عمر - رضي الله عنه - للساعي: عد عليهم السخلة، وإن جاء بها الراعي يحملها على كتفه ألسنا تركنا لكم الربى والأكيلة والماخض وفحل الغنم، وذلك عدل بين خيار المال ورذاله فبقول عمر - رضي الله عنه - أخذنا وقلنا لا تؤخذ الربى وهي التي تربي ولدها ولا الأكيلة وهي التي تسمن للأكل قال يونس - رحمه الله تعالى - هي الأكولة وأما الأكيلة فهي التي تكثر تناول العلف ولكن في عادة العوام أنهم يسمون التي تسمن للأكل الأكيلة ومقصود محمد - رحمه الله تعالى - تعليم العوام فاختار ما كان معروفا في لغتهم ليكون أقرب إلى أفهامهم مع ما فيه من اتباع الأثر إلا أن يشكل عليه هذه اللغة والماخض هي التي في بطنها ولد وفحل الغنم ظاهر لا يؤخذ من ذلك شيء؛ لأنها من أعز الأموال عند أرباب المواشي. وقال - صلى الله عليه وسلم - «إياكم وكرائم أموال الناس»، ثم كما نظرنا لأرباب الأموال في ترك الأخذ من الكرائم نظرنا للفقراء في ترك الأخذ من الصغار والعجاف مع عدها عليهم ليعتدل النظر من الجانبين
(قال) وإذا وجبت الصدقة في السائمة، ثم باعها صاحبها جاز بيعه عندنا، ولم يجز في قدر الزكاة عند الشافعي - رحمه الله تعالى - قولا واحدا وله فيما وراء ذلك قولان. وحجته أن نصاب الزكاة صار مشغولا بحق الفقراء فيمتنع على صاحبها بيعها كالعبد المديون والنصاب لوجوب الزكاة فيه يصير كالمرهون بما وجب فيه وبيع المرهون لا يجوز. وعلماؤنا - رحمهم الله تعالى - استدلوا بحديث حكيم بن حزام - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دفع إليه دينارا وأمره أن يشتري به أضحية فاشترى شاة بالدينار، ثم باعها بدينارين فاشترى شاة أخرى بدينار وجاء بالشاة والدينار إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «بارك الله لك في صفقتك» فقد جوز بيع الأضحية بعد ما وجب حق الله تعالى فيها فصار هذا أصلا لنا أن تعلق حق الله تعالى في المال لا يمنع جواز البيع فيه والمعنى أن البيع يعتمد الملك والقدرة على التسليم وملكه باق بعد وجوب الزكاة فيها وقدرته على التسليم باعتبار يده ولم يختل ذلك بوجوب الزكاة فيه فكان بيعه نافذا بخلاف المرهوق، فإن اليد هناك مستحقة عليه للمرتهن فلم يكن مقدور التسلم له بخلاف العبد المديون فإن ماليته مستحقة عليه للغريم بدينه وجواز البيع باعتبار المالية، ثم الزكاة في المال لا تتعلق بالمال تعلقا يتعين فيه حتى إن لصاحب المال اختيار الأداء من موضع آخر فهو نظير تعلق حق أولياء الجناية برقبة الجاني، وذلك لا يمنع صحة بيع المولى فيه كما قلنا فكذلك هذا
(قال) وإذا حضر المصدق بعد البيع فالقياس أن يأخذ
الصدقة من البائع ولا سبيل له على عين السائمة؛ لأنها صارت مملوكة للمشتري ولا زكاة عليه ولكن البائع صار متلفا محل حق الفقراء فيضمنه ولكن استحسن فقال: إن حضر المصدق قبل أن يتفرقا عن المجلس فله الخيار إن شاء أخذ الصدقة من العين ورجع المشتري على البائع بحصته من الثمن، وإن شاء أخذ من البائع، وإن حضر بعد التفرق أخذ الصدقة من البائع ولا سبيل له على العين، وهذا؛ لأن العلماء - رحمهم الله تعالى - اختلفوا في زوال الملك قبل التفرق وظاهر قوله - صلى الله عليه وسلم - «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» يدل على عدم زوال ملك البائع والساعي مجتهد فإن شاء اعتبر ظاهر الحديث وأخذ الصدقة من العين، وإن شاء اعتمد القياس الظاهر أن عقد البيع يوجب زوال الملك بنفسه وأخذ الصدقة من البائع، وذكر ابن سماعة عن محمد - رحمهما الله تعالى - أن العبرة بنقل الماشية، فإن حضر بعد ما نقلها المشتري لم يأخذ شيئا، وإن حضر قبل أن ينقلها يخير؛ لأنها إنما تصير داخلة في ضمان المشتري حقيقة بالنقل حتى إذا هلكت قبل النقل ثم استحقت لم يضمن المشتري شيئا بخلاف ما بعد النقل، وهذا بخلاف العشر، فإن صاحب الطعام إذا باعه، ثم حضر المصدق فله أن يأخذ العشر من العين تفرقا أو لم يتفرقا نقله المشتري أو لم ينقله؛ لأن الواجب عشر الطعام بعينه ولا معتبر بالملك فيه وفي الزكاة الوجوب على المالك حتى لا تجب إلا باعتبار المالك فلهذا افترقا
(قال) وإذا نفقت السائمة كلها بعد حول الحول عليها سقطت الزكاة عنها، وقال الشافعي - رحمه الله تعالى: إن هلكت بعد التمكن من الأداء ضمن صاحبها الزكاة، فأما قبل التمكن فلا ضمان وله قولان في وجوب الزكاة قبل التمكن من الأداء قال في كتاب الأم: لا تجب الزكاة إلا بثلاث شرائط كمال النصاب وحولان الحول والتمكن من الأداء، وقال في الإملاء: التمكن شرط الضمان لا شرط وجوب الزكاة، وحجته أن هذا حق مالي وجب بإيجاب الله تعالى فلا يسقط بهلاك المال بعد التمكن من الأداء كصدقة الفطر واستدل بالحج، فإنه إن كان موسرا وقت خروج القافلة من بلده، ثم هلك ماله لا يسقط عنه الحج ولأن أكثر ما في الباب أن قدر الزكاة أمانة في يده وهو مطالب شرعا بالأداء بعد التمكن منه، فإذا امتنع بعد توجه المطالبة عليه صار ضامنا كسائر الأمانات والخلاف ثابت فيما إذا طالبه الفقير بالأداء والحق ثابت للفقير، فإذا امتنع بعد وجوب الطلب ممن له الحق صار ضامنا.
(وحجتنا) فيه أن محل الزكاة هو النصاب والحق لا يبقى بعد فوات محله كالعبد الجاني
أو المديون إذا مات والشقص الذي فيه الشفعة إذا صار بحرا بطل حق الشفيع ولا يجوز أن يصير ضامنا؛ لأن وجوب الضمان بتفويت ملك أو يد كسائر الضمانات وهو بهذا التأخير ما فوت على الفقير يدا ولا ملكا فلا يصير ضامنا له شرعا بخلاف صدقة الفطر والحج، فإن محل الوجوب هناك ذمته لا ماله وذمته باقية بعد هلاك المال، ولأن وجوب الزكاة لمواساة الفقراء وبعد هلاك المال استحق المواساة معهم فلا يلزمه أن يواسي غيره والواجب قليل من كثير على وجه لا يكون أداؤه ملحقا الضرر به ولهذا اختص بالمال النامي حتى ينجبر بالنماء ما يلحقه من الخسران بالأداء، وهذا لا يتحقق بعد هلاك المال فلو استوفى كان المستوفي غير ما وجب، وذلك لا يجوز بخلاف صدقة الفطر والحج فإن المال هناك شرط الوجوب لا شرط الأداء فإذا تقرر الوجوب في ذمته لم يسقط بهلاك ماله. أما إذا طالبه الفقير فهذا الفقير ما تعين مستحقا له وله رأي في الصرف إلى من شاء من الفقراء، وإنما امتنع من الأداء إليه ليصرفه إلى من هو أحوج منه، فإن طالبه الساعي وامتنع من الأداء إليه حتى هلك المال فالعراقيون من أصحابنا - رحمهم الله تعالى - يقولون: يصير ضامنا؛ لأن الساعي متعين للأخذ فيلزمه الأداء عند طلبه وبالامتناع يصير مفوتا، ومشايخنا - رحمهم الله تعالى - يقولون: لا يصير ضامنا وهو الأصح فقد قال في الكتاب: إذا حبسها بعد ما وجبت الزكاة حتى ماتت لم يضمنها وليس مراده بهذا الحبس أنه يمنعها العلف والماء، فإن ذلك استهلاك وبه يصير ضامنا إنما مراده بهذا الحبس بعد طلب الساعي والوجه فيه أنه ما فوت بهذا الحبس على أحد ملكا ولا يدا فلا يصير ضامنا وله رأي في اختيار محل الأداء إن شاء من السائمة وإن شاء من غيرها، فإنما حبس السائمة ليؤدي من محل آخر فلا يصير ضامنا، فإن هلك نصفها فعليه في الباقي حصته من الزكاة إذا لم يكن في المال فضل على النصاب ولا خلاف فيه والبعض معتبر بالكل فكما أنه إذا هلك النصاب كله سقط جميع الزكاة فكذلك إذا هلك البعض يسقط بقدره، فإن قيل ما هو شرط الوجوب وهو ملك المال جعلتموه شرط الأداء، فكذلك كمال النصاب شرط الوجوب فينبغي أن يجعل شرط الأداء حتى لا يلزمه أداء شيء إذا انتقص النصاب قلنا كمال النصاب ليس بشرط الوجوب لعينه ولكن لحصول الغنى للمالك به وغنى المالك إنما يعتبر وقت الوجوب، فإن الغنى ليس شرطا لتحقق أداء الصدقة
(قال) وإن كان المال مشتملا على النصاب والوقص فهلك منه شيء فعلى
قول أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله تعالى - يجعل الهالك من الوقص دون النصاب حتى لا يسقط شيء من الزكاة إذا لم ينقص من النصاب ومحمد وزفر - رحمهما الله تعالى - يجعلان الهالك من الكل حتى إذا كان له تسع من الإبل فحال الحول فهلك منها أربع فعليه في الباقي شاة عند أبي حنيفة وأبي يوسف وعند محمد وزفر - رحمهم الله تعالى - في الباقي خمسة أتساع شاة. (حجتهما) قوله - صلى الله عليه وسلم - «في خمس من الإبل السائمة شاة إلى تسع» أخبر أن الوجوب في الكل، والمعنى يشهد له، فإن المال النامي لا يخلو عن الزكاة وما زاد على النصاب مال نام لا يجب بسببه زيادة فعرفنا أن الوجوب في الكل وهو نظير ما لو شهد له ثلاثة نفر بحق فقضى به القاضي، فإن القضاء يكون بشهادة الكل، وإن كان القاضي يستغني عن الثالث وإذا ثبت أن الوجوب في الكل فما هلك يهلك بزكاته وما بقي يبقى بزكاته كالمال المشترك وأبو حنيفة وأبو يوسف - رحمهما الله تعالى - استدلا بحديث عمرو بن حزم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «في خمس من الإبل السائمة شاة وليس في الزيادة شيء حتى يكون عشرا فهذا» تنصيص على أن الواجب في النصاب دون الوقص، والمعنى فيه أن الوقص تبع للنصاب والنصاب باسمه وحكمه يستغني عن الوقص، والوقص لا يستغني باسمه وحكمه عن النصاب، والمال متى اشتمل على أصل وتبع فإذا هلك منه شيء يصرف الهلاك إلى التبع دون الأصل كمال المضاربة إذا كان فيها ربح فهلك شيء منها يصرف الهلاك إلى الربح دون رأس المال فكذا هذا، ثم الأصل عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أن أول النصاب يجعل أصلا وما بعده بناء وتبعا فيجعل الهلاك فيما زاد على أول النصاب كأنه لم يكن في ملكه إلا أول النصاب، وعند أبي يوسف - رحمه الله تعالى - هو كذلك ما لم يأت نصاب آخر، فإذا أتى نصاب آخر فحينئذ يجعل آخر النصاب أصلا، وبيانه أن من له خمس وثلاثون من الإبل فحال الحول، ثم هلك خمسة عشر فعند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - في الباقي أربع شياه وما هلك صار كأن لم يكن وعند أبي يوسف - رحمه الله تعالى - في الباقي أربعة أخماس بنت مخاض؛ لأنه يجعل آخر النصاب أصلا والهالك فيما زاد عليه يصير كأن لم يكن، وعند محمد - رحمه الله تعالى - في الباقي أربعة أسباع بنت مخاض؛ لأن بنت المخاض واجبة في الكل عنده فيسقط حصة ما هلك ويبقى حصة ما بقي
(قال) وتعجيل الزكاة عن المال الكامل الموجود في ملكه من سائمة أو غيرها جائز عن سنة أو سنتين أو أكثر من ذلك والكلام في هذه المسألة في فصول (أحدها)
في جواز التعجيل، فإن مالكا - رحمه الله تعالى - لا يجوز التعجيل أصلا ويعتبر العبادة المالية بالعبادة البدنية ويقول أداء الزكاة إسقاط الواجب عن ذمته فلا يتصور قبل الوجوب.
(ولنا) ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه استسلف من العباس صدقة عامين، ثم بكمال النصاب» حصل الوجوب على أحد الطريقين لاجتماع شرائط الزكاة من النصاب النامي وغنى المالك وحولان الحول تأجيل وتعجيل الدين المؤجل صحيح وعلى الطريق الآخر إن سبب الوجوب قد تقرر وهو المال والأداء بعد تقرر سبب الوجوب جائز كالمسافر إذا صام في رمضان والرجل إذا صلى في أول الوقت جاز لوجود سبب الوجوب، وإن كان الوجوب متأخرا، أو لأن تأخر الوجوب لتحقق النماء، فإذا تحقق استند إلى أول السنة فكان التعجيل صحيحا، ولهذا قلنا إن تعجيل الزكاة قبل كمال النصاب لا يجوز؛ لأن سبب الوجوب لا يتحقق إلا بعد كمال النصاب وبعد كمال النصاب يجوز التعجيل لسنتين عندنا، وقال الشافعي - رحمه الله تعالى: لا يجوز إلا لسنة واحدة فإن التعجيل عنده على آخر الحول لا على أوله قال: ألا ترى أن التعجيل قبل كمال النصاب لا يجوز؛ لأن الحول غير منعقد عليه، فكذلك الحول الثاني بعد كمال النصاب.
(ولنا) حديث العباس - رضي الله عنه -، والمعنى فيه أن ملك النصاب سبب لوجوب الزكاة في كل حول ما لم ينتقص عنه وجواز التعجيل باعتبار تمام السبب وفي ذلك الحول الثاني كالحول الأول بخلاف ما قبل كمال النصاب، ثم بعد كمال النصاب يجوز التعجيل عن النصب عندنا وعلى قول زفر - رحمه الله - لا يجوز التعجيل إلا عن النصاب الموجود في ملكه حتى إذا كان له خمس من الإبل فعجل أربع شياه، ثم تم الحول، وفي ملكه عشرون من الإبل عندنا يجوز التعجيل عن الكل، وعند زفر - رحمه الله تعالى - لا يجوز إلا عن زكاة الخمس قال: لأن جواز التعجيل بعد وجود ملك بدليل النصاب الأول. (وحجتنا) فيه أن ملك النصاب كما هو سبب لوجوب الزكاة فيه عند كمال الحول فهو سبب لوجوب الزكاة فيه في نصب يملكها عند كمال الحول، فإذا جعل الملك الحاصل في خلال الحول كالموجود في أوله في وجوب الزكاة، فكذلك في جواز التعجيل يجعل المستفاد في خلال الحول كالموجود في أوله.
وإذا لم يجب عليه الزكاة عند كمال الحول لهلاك ماله فليس له أن يسترد من الفقير ما أداه إليه عندنا، وقال الشافعي - رحمه الله تعالى: له أن يسترد المال من الفقراء الذين دفع إليهم إن بين له أنه يعطي معجلا وإن أطلق عند الأداء لم يكن له أن يرجع عليه، وقال: إذا بين له أنه يعطيه ما يستحقه عليه بوجوب الزكاة، فإذا لم يثبت الاستحقاق كان له أن يرجع عليه كمن قضى دين إنسان، ثم انفسخ السبب الموجب للدين.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|