
13-11-2025, 02:33 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,795
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي
الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثانى
صـــ 158 الى صـــ 167
(41)
(وحجتنا) قوله - صلى الله عليه وسلم - «إياكم وكرائم أموال الناس، وقال: لا تأخذوا من حزرات أموال الناس شيئا» وإيجاب المسنة في الصغار يؤدي إلى هذا، ثم ربما تكون قيمة المسنة آتية على أكثر النصاب والواجب قليل من الكثير فأخذ المسنة من الصغار فيه إجحاف بأرباب الأموال بخلاف ما إذا كانت الواحدة مسنة، فإنه هو الأصل والصغار تبع له وقد ثبت الحكم في المحل تبعا، وإن كان لا يجوز إثباته مقصودا كالشرب والطريق في البيع وأبو يوسف - رحمه الله تعالى - استدل بحديث أبي بكر - رضي الله عنه - قال: لو منعوني عناقا مما كانوا يؤدونه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقاتلتهم عليه فدل أن للعناق مدخلا في الزكاة ولا يكون ذلك إلا من الصغار، ثم اعتبر نقصان العين بنقصان الوصف، فإن كل واحد منهما ينقص المالية ولا يعدمها، ونقصان الوصف لا يسقط الزكاة أصلا حتى إن في العجاف والمهازيل تجب الزكاة من جنسها، فكذلك نقصان السن ولنا حديث سويد بن غفلة قال «إيانا مصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتبعته فسمعته يقول في عهدي أن لا آخذ من راضع اللبن شيئا، وقال عمر - رضي الله عنه - للساعي: عد عليهم السخلة، ولو جاء بها الراعي يحملها على كتفه ولا تأخذها منهم فقد نهي عن أخذ الصغار» عند الاختلاط. والمعنى فيه أن هذا حق الله تعالى بأسنان معلومة فلا مدخل للصغار فيها مقصودا كالهدايا والضحايا، وهذا؛ لأن الأسنان التي اعتبرها صاحب الشرع لا تؤخذ في
الصغار وبه فارق العجاف، فإن تلك الأسنان تؤخذ فيها مع العجف وصاحب الشرع اعتبر السن في المأخوذ وحديث أبي بكر - رضي الله عنه - محمول على أنه قال ذلك على سبيل المبالغة والتمسك، ألا ترى أنه قال في بعض الروايات: والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقاتلتهم عليه، وهذا لا يدل على أن للعقال مدخلا في الزكاة، ثم اختلفت الروايات عن أبي يوسف في الفصلان فروى محمد عن أبي يوسف - رحمهما الله تعالى - أنه لا يجب فيها الزكاة حتى تبلغ عددا لو كانت كبارا تجب فيها الواحدة، وذلك بأن تبلغ خمسا وعشرين، ثم ليس في الزيادة شيء حتى تبلغ ستا وسبعين فحينئذ يجب ثنتان منها إلى مائة وخمس وأربعين فحينئذ يجب ثلاث منها قال محمد - رحمه الله: وهذا غير صحيح، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أوجب في خمس وعشرين واحدة من مال اعتبر قبله أربعة نصب وأوجب في ست وسبعين ثنتين في موضع اعتبر ثلاثة نصب بينها وبين خمس وعشرين ففي المال الذي لا يمكن اعتبار هذه النصب لو أوجبنا كان بالرأي لا بالنص.
وجه قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - أن تعيين الواجب بالنص كان باعتبار العدد والسن وقد تعذر اعتبار أحدهما وهو السن في الفصلان فبقي الآخر وهو العدد معتبرا وروى الحسن بن أبي مالك عن أبي يوسف - رحمهما الله تعالى - قال يجب في خمس فصلان الأقل من واحد منها ومن شاة وفي العشر الأقل من واحد منها ومن شاتين وفي الخمسة عشر الأقل من واحد منها ومن ثلاث شياه، وفي العشرين الأقل من واحد منها ومن أربع شياه، وفي خمس وعشرين واحدة ووجهه أن في الكبار الواجب في الخمس شاة للتيسير حتى لو أدى واحدة منها جاز، وكذلك ما بعدها إلى خمس وعشرين، فكذلك في الصغار يؤخذ على ذلك القياس وروى ابن سماعة عن أبي يوسف في الخمس خمس فصيل، وفي العشر خمسا فصيل وهكذا إلى خمس وعشرين فكأنه اعتبر البعض بالجملة في هذه الرواية وكثير من أصحابنا - رحمهم الله تعالى - خرجوا قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - في هذه المسألة على قياس ما ذكر محمد - رحمه الله تعالى - في الزيادات في زكاة المهازيل فقالوا: إذا ملك خمسا من الفصلان نظر إلى قيمة بنت مخاض والشاة، فإن كان قيمة بنت المخاض خمسين وقيمة الشاة عشرة فنقول: لو كانت الواحدة بنت المخاض لكان يجب فيها شاة تساوي عشرة، وذلك بمعنى خمس قيمة بنت المخاض، ثم ينظر إلى قيمة أفضلهن، فإن كانت عشرين يجب فيها شاة تساوي أربعة دراهم ليكون بمعنى خمس
أفضلهن فهذا هو الإيجاب في الصغار على قياس الإيجاب في الكبار
وإذا كان على صاحب السائمة دين يحيط بقيمتها فلا زكاة عليه فيها عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله - تجب الزكاة؛ لأن وجوب الزكاة باعتبار ملك النصاب الكامل النامي والمديون مالك لذلك، فإن دين الحر الصحيح يجب في ذمته لا تعلق له بماله ولهذا ملك التصرف فيه كيف شاء وصفة النماء بالإسامة، ولم ينعدم ذلك بسبب، ثم الدين مع الزكاة حقان اختلفا محلا ومستحقا وسببا فوجوب أحدهما لا يمنع وجوب الآخر كالدين مع العشر
(ولنا) حديث عثمان - رضي الله عنه - حيث قال في خطبته في رمضان، ألا إن شهر زكاتكم قد حضر فمن كان له مال وعليه دين فليحتسب ماله بما عليه، ثم ليزك بقية ماله، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة - رضي الله عنهم - فكان إجماعا منهم على أنه لا زكاة في القدر المشغول بالدين، ثم المديون فقير ولهذا تحل له الصدقة مع تمكنه من ماله والصدقة لا تحل لغني ولا تجب إلا على الغني.
قال - صلى الله عليه وسلم - «لا صدقة إلا عن ظهر غنى»، وهذا لأن الواجب إغناء المحتاج، والخطاب بالإغناء لا يتوجه إلا على الغني ومن كان مستحقا للمواساة شرعا لا يلزمه أن يواسي غيره والشرع لا يرد بما لا يفيد ولا فائدة في أن يأخذ شاة من سائمة الغير صدقة ويعطي شاة من سائمته، ولأن ملكه في النصاب ناقص، فإن صاحب الدين يستحقه عليه من غير قضاء ولا رضا، وذلك أنه عدم الملك كما في الوديعة والمغصوب فلأن يكون دليل نقصان الملك كان أولى، وقد جعل مال المديون في حكم الزكاة كالمملوك لصاحب الدين حيث يجب عليه الزكاة بسببه ومحمد - رحمه الله تعالى - أشار في الكتاب إلى هذا، وقال: إيجاب الزكاة في مال المديون يؤدي إلى تزكية مال واحد في حول واحد مرارا.
بيانه فيمن له عبد للتجارة يساوي ألف درهم باعه بألف نسيئة، ثم باعه المشتري من آخر حتى تداولته عشر من الأيدي فعنده يجب على كل واحد منهم زكاة الألف إذا تم الحول والمال في الحقيقة ليس إلا العبد حتى إذا أقيلت البيوع رجع العبد إلى الأول، ولم يبق لأحد سواه شيء، وروى ابن المبارك عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أن الدين يمنع وجوب العشر وبعد التسليم فالعشر مؤنة الأرض النامية كالخراج لا معتبر فيه بغنى المالك، فإن أصل المالك فيه غير معتبر عندنا حتى يجب في الأرض الموقوفة وأرض المكاتب بخلاف الزكاة، فإن وجوبها في المال النامي بواسطة غنى المالك، وذلك ينعدم بسبب الدين، فإن لحقه دين في خلال الحول قال أبو يوسف - رحمه الله تعالى: لا ينقطع به الحول
حتى إذا سقط قبل تمام الحول تلزمه الزكاة إذا تم الحول، وقال زفر - رحمه الله تعالى: ينقطع الحول بلحوق الدين، وهذا لأن الدين يعدم صفة الغنى في المالك فيكون نظير نقصان النصاب، وعند زفر - رحمه الله تعالى - بنقصان النصاب في خلال الحول ينقطع الحول، وعندنا لا ينقطع على ما تبين فهذا مثله
(قال) فإن حضر المصدق، فقال: لم يحل الحول على السائمة أو قال: علي دين يحيط بقيمتها أو قال: ليست هذه السائمة لي وحلف صدق على جميع ذلك؛ لأنه أمين فيما يجب عليه من الزكاة، فإنها عبادة خالصة لله تعالى وكل أمين مقبول القول في العبادات التي تجب لحق الله تعالى، فإذا أنكر وجوب الزكاة عليه بما ذكر من الأسباب وجب على الساعي تصديقه ولكن يحلفه على ذلك إلا في رواية عن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - قال: لا يمين عليه؛ لأن في العبادات لا يتوجه اليمين كما لو قال: صمت أو صليت يصدق في ذلك من غير يمين، وفي ظاهر الرواية قال: القول قول الأمين مع اليمين، وفي سائر العبادات إنما لا يتوجه اليمين؛ لأنه ليس هناك من يكذبه وهنا الساعي مكذب له فيما يخبر به فلهذا يحلف على ذلك
(قال) وإن قال: أخذها مني مصدق آخر وحلف على ذلك، فإن لم يكن في تلك السنة مصدق آخر لا يقبل قوله؛ لأن الأمين إذا أخبر بما هو محتمل كان مصدقا، وإذا أخبر بما هو مستنكر لم يكن مصدقا، وهذا أخبر بما هو مستنكر، وإن كان في تلك السنة مصدق آخر فالقول قوله أتى بالبراءة أو لم يأت بها هكذا ذكره في المختصر وهو رواية الجامع الصغير، وفي كتاب الزكاة يقول: وجاء بالبراءة وفيه إشارة إلى أن المجيء بالبراءة شرط لتصديقه وهو رواية الحسن بن زياد عن أبي حنيفة - رحمهم الله تعالى - وجهه أنه أخبر بخبر ولصدقه علامة، فإن العادة أن المصدق إذا أخذ الصدقة دفع البراءة، فإن وافقته تلك العلامة قبل خبره وإلا فلا كالمرأة التي أخبرت بالولادة، فإن شهدت القابلة بها قبلت وإلا فلا ووجه الرواية الأخرى وهو أصح أن البراءة خط والخط يشبه الخط، وقد لا يأخذ صاحب السائمة البراءة غفلة منه، وقد تضل البراءة منه بعد الأخذ فلا يمكن أن تجعل حكما فبقي المعتبر قوله مع يمينه
(قال) فإن قال: دفعتها إلى المساكين لم يصدق وتؤخذ منه الزكاة عندنا، وقال الشافعي - رحمه الله تعالى - يصدق في ذلك؛ لأن الزكاة إنما وجبت لحق الفقراء قال الله تعالى {إنما الصدقات للفقراء} [التوبة: 60] ، وقال {والذين في أموالهم حق معلوم} [المعارج: 24] {للسائل والمحروم} [المعارج: 25] ، فإذا أوصل الحق إلى المستحق والمستحق من أهل أخذ حقه برئت ذمته
كالمشتري من الوكيل إذا أقبض الموكل الثمن، وهذا؛ لأن الساعي يقبض ليصرف إلى الفقراء فهو كفى الساعي هذه المئونة وأوصلها إلى محلها فلم يبق عليه سبيل
(ولنا) أن هذا حق مالي يستوفيه الإمام بولاية شرعية فلا يملك من عليه إسقاط حقه في الاستيفاء كمن عليه الجزية إذا صرف بنفسه إلى المقاتلة، ثم تقرير هذا الكلام من وجهين: أحدهما - أن الزكاة محض حق الله تعالى، فإنما يستوفيه من يعين نائبا في استيفاء حقوق الله تعالى وهو الإمام فلا تبرأ ذمته إلا بالصرف إليه، وعلى هذا نقول: وإن علم صدقه فيما يقول يؤخذ منه ثانيا ولا يبرأ بالأداء إلى الفقير فيما بينه وبين ربه وهو اختيار بعض مشايخنا - رحمهم الله تعالى - أن للإمام رأيا في اختيار المصرف فلا يكون له أن يبطل رأي الإمام بالأداء بنفسه.
والطريق الآخر أن الساعي عامل للفقير وفي المأخوذ حق الفقير ولكنه مولى عليه في هذا الأخذ حتى لا يملك المطالبة بنفسه ولا يجب الأداء بطلبه فيكون بمنزلة دين لصغير دفعه المديون إليه دون الوصي وعلى هذا الطريق يقول يبرأ بالأداء فيما بينه وبين ربه، وظاهر قوله في الكتاب "لم يصدق في ذلك" إشارة إلى ذلك وهو أنه إذا علم صدقه لم يتعرض له، وهذا لأن الفقير من أهل أن يقبض حقه ولكن لا يجب الإيفاء بطلبه فجعل الساعي نائبا عنه كان نظرا من الشرع له، فإذا أدى من عليه من غير مطالبة إليه حصل به ما هو المقصود بخلاف الصبي، فإنه ليس من أهل أن يقبض حقه فلا يبرأ بالدفع إليه
(قال) ولا زكاة على الصبي والمجنون في سائمتهما عندنا وهو قول علي وابن عباس - رضي الله عنهما - قالا: لا تجب الزكاة على الصبي حتى تجب الصلاة عليه، وعند الشافعي - رحمه الله تعالى - تجب الزكاة في مالهما ويؤديها الولي وهو قول ابن عمر وعائشة - رحمهما الله تعالى - وكان ابن مسعود - رحمه الله تعالى - يقول يحصي الولي أعوام اليتم فإذا بلغ أخبره وهو إشارة إلى أنه تجب عليه الزكاة، وليس للولي ولاية الأداء وهو قول ابن أبي ليلى - رحمه الله تعالى - حتى قال: إذا أداه الولي من ماله ضمن واستدل الشافعي - رحمه الله تعالى - بقوله - صلى الله عليه وسلم - «ابتغوا في أموال اليتامى خيرا كي لا تأكلها الصدقة، أو قال: تأكلها الزكاة»، وذلك دليل وجوب الزكاة في ماله.
والمعنى أن هذا حق مالي مستحق يصرف إلى أهل السهمان شرعا فالصغر لا يمنع وجوبه كالعشر وصدقة الفطر وبالصرف إلى أهل السهمان يتبين أنه حق مستحق لهم والصغر لا يمنع وجوب حق العباد، وإن كان بطريق الصلة كالنفقة، ولا فرق بينهما فالنفقة صلة وجبت للمحاويج الماسين له في القرابة، والزكاة صلة للمحاويج
الماسين له في الملة فإذا ثبت الوجوب كان للولي ولاية الأداء من ماله؛ لأن هذا مما تجري فيه النيابة في أدائه حتى إن بعد البلوغ يتأدى بأداء وكيله، والولي نائب عن الصبي وبه فارق العبادات البدنية فلا تجري فيه النيابة في أدائها
(ولنا) قوله - صلى الله عليه وسلم - «رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يحتلم وعن النائم حتى ينتبه وعن المجنون حتى يفيق» وفي إيجاب الزكاة عليه إجراء القلم عليه، فإن الوجوب يختص بالذمة ولا يجب في ذمة الولي فلا بد من القول بوجوبه على الصبي وفيه يوجد الخطاب عليه والمراد بقوله كي لا تأكلها الصدقة أي النفقة، ألا ترى أنه أضاف الأكل إلى جميع المال والنفقة هي التي تأتي على جميع المال دون الزكاة، والمعنى فيه أنها عبادة محضة فلا تجب على الصبي كسائر العبادات وتفسير الوصف أنها أحد أركان الدين والمقصود من أصل الدين معنى العبادة، فكذلك ما هو من أركان الدين، وهذا؛ لأن المتصدق يجعل ماله لله تعالى، ثم يصرفه إلى الفقير ليكون كفاية له من الله تعالى، قال الله تعالى {هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات} [التوبة: 104] ، وقال {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا} [البقرة: 245] وبجعل المال له خالصا يكون عبادة خالصة ولهذا يحصل به التطهير وبه تبين أنه ليس فيه حق العباد؛ لأن الشركة تنافي معنى العبادة، وإذا ثبت أنه عبادة فلا بد فيه من نية وعزيمة ممن هي عليه عند الأداء.
وولاية الولي على الصبي تثبت من غير اختياره شرعا ومثل هذه الولاية لا تتأدى بها العبادة بخلاف ما إذا وكل بالأداء بعد البلوغ فتلك نيابة عن اختيار، وقد وجدت النية والعزيمة منه وبه فارق صدقة الفطر، فإن وجوبها لمعنى المؤنة حتى تجب على الغير بسبب الغير وفيه حق للأب فإنا لو لم نوجب في ماله احتجنا إلى الإيجاب على الأب كما إذا لم يكن للصبي مال بخلاف الزكاة وبه فارق العشر، فإنه مؤنة الأرض النامية كالخراج، وكذلك النفقة وجوبها لحق العبد بطريق المؤنة بخلاف الزكاة
ثم المجنون الأصلي لا ينعقد الحول على ماله حتى يفيق، فإن كان جنونه طارئا فقد ذكر هشام في نوادره أن على قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - العبرة لأكثر الحول، فإن كان مفيقا في أكثر الحول تجب الزكاة وإلا فلا وجعل هذا نظير الجزية، فإن الذمي إذا مرض في بعض السنة، فإن كان صحيحا في أكثر السنة تلزمه الجزية، وإن كان مريضا في أكثر السنة لم تلزمه الجزية. وقال محمد - رحمه الله تعالى - إن كان مفيقا في جزء من السنة في أوله أو آخره قل أو كثر تلزمه الزكاة هكذا روى ابن سماعة عن أبي يوسف - رحمهما الله تعالى - وجعل هذا نظير الصوم فالسنة للزكاة كالشهر للصوم والإفاقة في جزء من الشهر
كالإفاقة في جميعه في وجوب صوم جميع الشهر فهذا كذلك، وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أن المجنون إذا أفاق ينعقد الحول على ماله ولكن المراد بهذا المجنون المجنون الأصلي فقد ذكر بعده في كتاب الحسن - رحمه الله تعالى - إذا اعترض جنونه إن كان مفيقا في جزء من آخر السنة تلزمه الزكاة، وإن تم الحول وهو مجنون فقد انقطع حكم ذلك الحول ففي هذه الرواية اعتبر الإفاقة في آخر السنة؛ لأن الوجوب عندها يكون
(قال) ولا زكاة على المكاتب في كسبه؛ لأنه مصرف للزكاة بقوله تعالى {، وفي الرقاب} [التوبة: 60] ولأنه ليس بغني بكسبه فإنه لا يملك كسبه حقيقة؛ لأن الرق المنافي للملك موجود فيه وبدون الملك لا تثبت صفة الغنى والمال النامي سبب لوجوب الزكاة بواسطة غنى المالك فبدون هذه الواسطة لا يكون سببا كشراء القريب إعتاق بواسطة الملك وبدونه لا يكون إعتاقا وهو ما إذا اشتراه لغيره.
وأما العبد المأذون فإن كان عليه دين محيط بكسبه فلا زكاة فيه على أحد عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -؛ لأن المولى لا يملك كسبه، وكذلك عندهما؛ لأن المولى، وإن كان يملك كسبه فهو مشغول بالدين والمال المشغول بالدين لا يكون نصاب الزكاة، وإن لم يكن عليه دين فكسبه لمولاه وعلى المولى فيه الزكاة إذا تم الحول
(قال) وإذا كان عند الرجل من السائمة مقدار ما يجب فيه الزكاة فاستفاد من ذلك الجنس في خلال الحول بشراء أو هبة أو ميراث ضمها إلى ما عنده وزكاها كلها عند تمام الحول عندنا. وقال الشافعي - رحمه الله تعالى - يعتبر للمستفاد حول جديد من حين ملكه، فإذا تم الحول وجبت فيه الزكاة سواء كان نصابا أو لم يكن (وحجته) قوله - صلى الله عليه وسلم - «لا زكاة في مال حتى يحول فيه الحول» والمراد الحول المعهود وهو اثنا عشر شهرا، والمعنى فيه أن المستفاد أصل في الملك؛ لأنه أصل في سببه فيكون أصلا باعتبار الحول فيه كالمستفاد من خلاف الجنس بخلاف الأولاد والأرباح، فإنها متولدة من العين فيسري إليها حكم العين، وإنما لم يعتبر فيه النصاب؛ لأن اعتبار النصاب ليحصل الغنى به للمالك وذلك حاصل بالنصاب الأول فبالزيادة بعده يزداد الغنى، وذلك حاصل بالقليل والكثير واعتبار الحول لحصول النماء من المال حتى ينجبر بالنماء النقصان الحاصل بأداء الزكاة والمستفاد من هذا كأصل المال
(ولنا) قوله - صلى الله عليه وسلم - «اعلموا أن من السنة شهرا تؤدون فيه زكاة أموالكم فما حدث بعد ذلك من مال فلا زكاة فيه حتى يجيء رأس السنة» فهذا يقتضي أن عند مجيء رأس السنة تجب الزكاة في الحادث كما تجب في الأصل وأن وقت
الوجوب فيهما واحد، ثم الضم في خلال الحول بالعلة التي بها يضم في ابتداء الحول فضم بعض المال إلى البعض في ابتداء الحول باعتبار المجانسة دون التوالد فكذلك في خلال الحول ولو كان هذا مما يسري بعلة التوالد لكان الأولى أن يسري إلى الحادث بعد الحول لتقرر الزكاة في الأصل، ثم ما بعد النصاب الأول بناء على النصاب الأول وتبع له حتى يسقط اشتراط النصاب فيه، فكذلك يسقط اعتبار الحول فيه ويجعل حؤول الحول على الأصل حؤولا على التبع وتحريره أن كل مال لا يعتبر فيه كمال النصاب لإيجاب حق الله عز وجل لا يعتبر فيه الحول كالمستخرج من المعادن. وأما الحديث قلنا حؤول الحول عبارة عن آخر جزء منه، وقد حال ذلك على المستفاد؛ إذ حؤول الحول على الأصل يكون حؤولا على التبع معنى فإن كان إنما استفادها بعد تمام الحول فلا زكاة فيها لانعدام حؤول آخر جزء من الحول عليها، وإن كانت الفائدة من غير جنس ما عنده من السائمة لم يضمها إلى ما عنده؛ لأنها لو كانت موجودة في أول الحول لم يضمها إلى ما عنده، فكذلك إذا وجدت في خلال الحول كما لو كانت الفائدة من غير السائمة
(قال) وإذا لم تكن الإبل أو البقر أو الغنم سائمة فلا زكاة فيها، وذلك كالحوامل والعوامل، وقال مالك - رحمه الله تعالى: فيها الزكاة لظاهر قوله - صلى الله عليه وسلم - «في خمس من الإبل شاة»، ثم وجوب الزكاة باعتبار الملك والمالية شكرا لنعمة المال، وذلك لا ينعدم بالاستعمال بل يزداد الانتفاع بالمال بالاستعمال
(ولنا) قوله - صلى الله عليه وسلم - «في خمس من الإبل السائمة شاة» والصفة متى قرنت بالاسم العلم تنزل منزلة العلم لإيجاب الحكم والمطلق في هذا الباب بمنزلة المقيد؛ لأنهما في حادثة واحدة وحكم واحد، وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ليس في الحوامل والعوامل صدقة» وفي الحديث المعروف أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ليس في الجبهة ولا في النخة ولا في الكسعة صدقة» وفسر عبد الوارث بن سعيد الجبهة بالخيل والنخة بالإبل العوامل، وقال الكسائي - رحمه الله تعالى: النخة بضم النون وفسرها بالبقر العوامل وقال أبو عمرو غلام ثعلب: هو من النخ وهو السوق الشديد، وذلك إنما يكون في العوامل، ثم مال الزكاة ما يطلب النماء من عينه لا من منافعه، ألا ترى إلى دار السكنى وعبد الخدمة لا زكاة فيهما والعوامل إنما يطلب النماء من منافعها، وكذلك إن كان يمسكها للعلف في مصر أو غير مصر فلا زكاة فيها؛ لأن المئونة تعظم على صاحبها. ووجوب الزكاة في السائمة باعتبار خفة المئونة فلا تجب عند كثرة المئونة؛ لأن لخفة المئونة تأثيرا في
إيجاب حق الله تعالى قال - صلى الله عليه وسلم - «ما سقته السماء ففيه العشر وما سقي بغرب أو دالية ففيه نصف العشر» وإن كان يسيمها في بعض السنة ويعلفها في بعض السنة فالعبرة لأكثر السنة؛ لأن أصحاب السوائم لا يجدون بدا من أن يعفوا سوائمهم في زمان البرد والثلج فجعلنا الأقل تابعا للأكثر، وقال الشافعي - رحمه الله تعالى - إن علفها بقدر ما يتبين فيه مؤنة علفه أكثر مما كانت سائمة فلا زكاة فيها
(قال) والصدقة واجبة في ذكران السوائم وإناثها؛ لأن النصوص جاءت باسم الإبل والبقر والغنم وذلك يتناول الذكور والإناث، ثم طلب النماء من العين متحقق في كل نوع، إما من الأولاد إذا كن إناثا بأن يستعار لها فحل أو من السمن إذا كانوا ذكورا فإنها مأكولة اللحم
(قال) وإذا باع السائمة قبل الحول بيوم بجنسها أو بخلاف جنسها انقطع الحول عندنا، وقال زفر - رحمه الله تعالى: إذا باعها بخلاف جنسها فكذلك، وإذا باعها بجنسها لم ينقطع الحول، وقال الشافعي - رحمه الله تعالى - في القديم: سواء باعها بجنسها أو بخلاف جنسها لم ينقطع الحول؛ لأن الحكم الثابت في الأصل وهو غنى المالك به يبقى ببقاء البدل وقاسه بعروض التجارة وزفر - رحمه الله - يقول: إذا باعها بجنسها فحكم الزكاة في البدل لا يخالف حكم الزكاة في الأصل، وإذا باعها بخلاف جنسها فحكم الزكاة في البدل يخالف حكم الزكاة في الأصل ولا يمكن إبقاء ما كان ثابتا ببقاء البدل فوجب القول بالاستئناف، ألا ترى أن في ابتداء الحول يضم الجنس إلى الجنس ولا يضم إلى خلاف الجنس، فكذلك في أثناء الحول ينبني عند المجانسة ويستقل عند اختلاف الجنس.
(ولنا) أن وجوب الزكاة في السائمة باعتبار العين حتى يعتبر نصابه من العين والنماء فيه مطلوب من العين والعين الثاني غير الأول بخلاف مال التجارة، فإن المعتبر فيه صفة المالية دون العين حتى يعتبر النصاب من قيمته، ثم الاستبدال يحقق ما هو المقصود من مال التجارة وهو الاسترباح ويضاد ما هو المقصود بالسائمة؛ لأن مقصود أصحاب السوائم استبقاؤها في ملكهم عادة، وذلك ينعدم بالاستبدال فيكون نظير ترك الإسامة فيها، وكذلك إن باعها بدراهم يريد به الفرار من الصدقة أو لا يريد به ذلك فلا زكاة عليه إلا بحول جديد، ولم يبين في الكتاب أنه هل يكره له هذا الصنيع فعلى قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - لا يكره وعلى قول محمد - رحمه الله تعالى - يكره وهو نظير اختلافهم في الاحتيال لإبطال الشفعة ولإسقاط الاستبراء محمد - رحمه الله تعالى - يقول الزكاة عبادة محضة والفرار من العبادة ليس من أخلاق المؤمنين وأبو يوسف - رحمه الله -
يقول: هذا امتناع من التزام الحق مخافة أن لا يخرج منه إذا التزمه فلا يكون مكروها كمن امتنع من جمع المال حتى لا يلزمه حج أو زكاة، وهذا لأن المذموم منع الحق الواجب وليس في هذا الاستبدال من منع الحق الواجب شيء
(قال) وإن حال الحول على سائمته، وعنده نصاب من الدراهم فزكى السائمة، ثم باعها بدراهم ثم تم الحول على الدراهم التي كانت عنده لم يزك معها أثمان الإبل في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - ويزكيها في قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى - قالا: الضم لعلة المجانسة وهي موجودة في ثمن الإبل السائمة، وأداء الصدقة عن أصله لا يمنع ضم الثمن إلى ما عنده كمن أدى صدقة الفطر عن عبد الخدمة، ثم باعه بدراهم أو أدى عشر الطعام عن الخارج من أرضه، ثم باعه بدراهم أو جعل السائمة علوفة بعد أداء الزكاة عنها، ثم باعها بدراهم وأبو حنيفة - رحمه الله تعالى - استدل بقوله - صلى الله عليه وسلم - «لا ثنا في الصدقة» غير ممدود. وإيجاب الزكاة في ثمن السائمة في هذا الحول بعد ما أدى الزكاة عن أصلها يؤدي إلى الثنى في الصدقة ولأن وجوب الزكاة باعتبار صفة المالية وإنما يبقى بالثمن المالية التي كانت له بملك الأصل إلا أن يتجدد له ملك المالية، وإنما يتجدد له بالبيع ملك العين والعين بدون صفة المالية لا زكاة فيها، ثم زيادة الزكاة باعتبار زيادة الغنى، ولم يستفد ذلك بالبيع؛ لأنه كان غنيا بأصل هذا المال حقيقة وشرعا بخلاف المستفاد بهبة أو وراثة فقد استفاد به زيادة الغنى وبخلاف أداء صدقة الفطر عن عبد الخدمة فالمالية غير معتبرة فيه حتى تجب عن الحر والعبد المستغرق انتقص بالدين وإن كانت مالية مستحقة بخلاف الزكاة ولا معتبر للحول فيه حتى لو ملك عبدا ليلة الفطر أدى عنه صدقة الفطر والعشر كذلك لا معتبر بالحول فيه ووجوبه ليس باعتبار المالية بل هو مؤنة الأرض النامية، ثم هو لم يكن غنيا بما عنده من الطعام حتى إذا بقي في ملكه أحوالا لا شيء فيه فالبيع أفاده الغنى شرعا وكذلك السائمة إذا جعلها علوفة فقد خرج من أن يكون غنيا بها شرعا فبالبيع استفاد صفة الغنى فهو والمستفاد بالهبة سواء بخلاف ما نحن فيه على ما بينا
(قال) وإذا قتل الرجل فقضي على عاقلة القاتل لولده بالدية من الإبل ثم قبضها بعد الحول فلا زكاة عليه حتى يحول عليه الحول من حين يقبضها؛ لأن وجوب الزكاة في الإبل بصفة الإسامة وما يكون في الذمة لا يكون سائمة، ولأن الدية على العاقلة ليست بدين على الحقيقة حتى لا يستوفى من تركة من مات منهم فالملك للوارث يحصل بالقبض حقيقة
وكذلك لو تزوج امرأة على إبل بغير أعيانها لم يكن عليه فيها زكاة
حتى يحول الحول بعد القبض لما بينا أن ما في الذمة لا يكون سائمة، فإن تزوجها على إبل سائمة بأعيانها وحال الحول وهي في يد الزوج كان أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - يقول أولا إذا قبضت منها نصابا كاملا فعليها الزكاة لما مضى، ثم رجع وقال: لا زكاة عليها حتى يحول عليها الحول بعد القبض. وقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى: إذا قبضت منها شيئا يلزمها أداء الزكاة بقدر المقبوض لما مضى سواء كان نصابا أو دونه وجه قولهما أنها بالعقد ملكت الصداق ملكا تاما بدليل أنها تملك التصرف فيه على الإطلاق وإنما انعدم اليد، وذلك غير مانع من انعقاد الحول، ووجوب الزكاة فيه كالمبيع قبل القبض والمغصوب إذا كان الغاصب مقرا، وجه قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أنها ملكت المالية ابتداء بعقد النكاح فلا يتم ملكها فيه إلا بالقبض كالدية على العاقلة بخلاف المبيع، فإن ملك المالية لا يثبت ابتداء بالبيع بل يتحول من أصل كان مالا إلى بدله وهذا لأن وجوب الزكاة في السائمة باعتبار معنى النماء وقبل القبض الحكم متردد بين أن يسلم لها بالقبض أو ينتصف بالطلاق قبل الدخول بخلاف ما بعد القبض
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|