
13-11-2025, 02:29 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,303
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي
الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثانى
صـــ 148 الى صـــ 157
(40)
[فصل وقع الشك في صلاة التراويح أن الإمام صلى عشر تسليمات]
(الفصل التاسع أنه متى وقع الشك) في أن الإمام صلى عشر تسليمات فالصحيح من المذهب أن يصلوا ركعتين فرادى لتصير عشرا بيقين ولئلا يصير مؤديا للتطوع بجماعة إذ هي مكروهة على ما بينا.
[فصل تفضيل التسليمتين على البعض في صلاة التراويح]
(الفصل العاشر في تفضيل التسليمتين على البعض)
وهو جائز من غير كراهة والتسوية أفضل، وأما تفضيل إحدى الركعتين على الأخرى فإن فضل الثانية على الأولى لا شك أنه يكره إلا بما لا يمكن الاحتراز عنه كآية أو آيتين وفي تفضيل الأولى على الثانية اختلفوا فيه قال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله تعالى التعديل أفضل وقال محمد - رحمه الله تعالى - الأفضل تفضيل الأولى على الثانية كما في سائر الصلوات.
[فصل وقت صلاة التراويح المستحب]
(الفصل الحادي عشر في وقتها المستحب)
الأفضل إلى ثلث الليل أو إلى النصف اعتبارا بالعشاء ولو أخرها إلى ما وراء النصف اختلف فيه: قال بعضهم يكره استدلالا بالعشاء؛ لأنه تبع لها والصحيح أنه لا يكره؛ لأنها صلاة الليل والأفضل فيه آخر الليل فإن فاتت عن وقتها هل تقضى؟ قال بعضهم تقضى ما دام الليل
باقيا وقال بعضهم تقضى ما لم يأت وقتها في الليلة المستقبلة وقال بعضهم تقضى ما دام الشهر باقيا، وقال آخرون لا تقضى أصلا كسنة المغرب وغيرها من السنن في غير وقتها إلا سنة الفجر في قول محمد - رحمه الله تعالى - على ما عرف في الأصل وقالوا جميعا إنها لا تقضى بجماعة ولو كانت مما تقضى لكانت تقضى على صفة الأداء.
[فصل إمامة الصبي في التراويح]
(الفصل الثاني عشر في إمامة الصبي في التراويح) جوزها مشايخ خراسان رحمهم الله تعالى ورضي عنهم ولم يجوزها مشايخ العراق رحمهم الله تعالى - رضي الله عنهم - والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.
[كتاب الزكاة]
بسم الله الرحمن الرحيم (قال) الشيخ الإمام الأجل الزاهد شمس الأئمة أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي - رحمه الله تعالى: الزكاة في اللغة عبارة عن النماء والزيادة ومنه يقال زكا الزرع إذا نما فسميت الزكاة زكاة لأنها سبب زيادة المال بالخلف في الدنيا والثواب في الآخرة قال الله تعالى {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه} [سبأ: 39] وقيل أيضا إنها عبارة عن الطهر قال الله تعالى {قد أفلح من تزكى} [الأعلى: 14] أي تطهر وإنما سمي الواجب زكاة؛ لأنها تطهر صاحبها عن الآثام، قال الله تعالى {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} [التوبة: 103] وهي فريضة مكتوبة وجبت بإيجاب الله تعالى فإنها في القرآن ثالثة الإيمان قال الله تعالى {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة} [التوبة: 5] وفي السنة هي من جملة أركان الدين الخمس قال - صلى الله عليه وسلم - «بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت من استطاع إليه سبيلا» فأصل الوجوب ثابت بإيجاب الله تعالى وسبب الوجوب ما جعله الشرع سببا وهو المال قال الله تعالى {خذ من أموالهم صدقة} [التوبة: 103] ولهذا يضاف الواجب إليه فيقال زكاة المال والواجبات تضاف إلى أسبابها، ولكن المال سبب باعتبار غنى المالك «، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ - رضي الله عنه - أعلمهم أن الله تعالى فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم». والغنى لا يحصل إلا بمال مقدر وذلك هو النصاب الثابت ببيان صاحب الشرع والنصاب إنما يكون سببا باعتبار صفة النماء، فإن
الواجب جزء من فضل المال قال الله تعالى {ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو} [البقرة: 219] أي الفضل فصار السبب النصاب النامي ولهذا يضاف إلى النصاب وإلى السائمة يقال زكاة السائمة وزكاة التجارة والدليل عليه أن الواجب يتضاعف بتضاعف النصاب فإن قيل الزكاة تتكرر في النصاب الواحد بتكرر الحول ثم الحول شرط وليس بسبب قلنا التكرر باعتبار تجدد النمو، فإن النماء لا يحصل إلا بالمدة فقدر ذلك الشرع بالحول تيسيرا على الناس فيتكرر الحول بتجدد معنى النمو ويتجدد وجوب الزكاة باعتبار تجدد السبب إذا عرفنا هذا فنقول بدأ محمد - رحمه الله تعالى - الكتاب بزكاة المواشي، وإنما فعل ذلك اقتداء بكتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإنها كانت مبتدأة كلها بزكاة المواشي، وقيل: لأن قاعدة هذا الأمر كان في حق العرب وهم كانوا أرباب المواشي وكانوا يعدونها من أنفس الأموال، وقيل: لأن زكاة السائمة مجمع عليها فبدأ بما هو المجمع عليه ليرتب عليه المختلف فيه.
[زكاة الإبل]
(قال) وليس في أربع من الإبل السائمة صدقة لحديث علي - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «من لم يكن عنده إلا أربع من الإبل فلا زكاة عليه وإذا كانت خمسا ففيها شاة» على هذا اتفقت الآثار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأجمعت الأمة، وقيل: المعنى فيه أن العبرة للقيمة في المقادير، فإن الشاة تقوم بخمسة دراهم في ذلك الوقت وبنت المخاض بأربعين درهما فإيجاب الزكاة في خمس من الإبل كإيجاب الزكاة في مائتي درهم. وإن أدنى الأسباب التي تجب فيها الزكاة من الإبل بنت مخاض وفي العشر شاتان وفي خمسة عشر ثلاث شياه وفي عشرين أربع شياه وفي خمس وعشرين بنت مخاض وعلى هذا اتفقت الآثار وأجمع العلماء - رحمهم الله - إلا ما روي شاذا عن علي - رضي الله عنه - أنه قال في خمس وعشرين خمس شياه وفي ست وعشرين بنت مخاض قال سفيان الثوري - رحمه الله تعالى - وهذا غلط وقع من رجال علي - رضي الله عنه -، أما علي - رضي الله عنه -، فإنه كان أفقه من أن يقول هكذا؛ لأن في هذا موالاة بين الواجبين بلا وقص بينهما وهو خلاف أصول الزكاة، فإن مبنى الزكاة على أن الوقص يتلو الواجب وعلى أن الواجب يتلو الوقص وفي ست وثلاثين بنت لبون وفي ست وأربعين حقة وفي إحدى وستين جذعة وهي أعلى الأسنان التي تؤخذ في زكاة الإبل؛ لأن ما بعدها ثني وسديس وبازل وبازل عام وبازل عامين ولا يجب شيء من ذلك في الزكاة «لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - السعاة عن أخذ كرائم أموال الناس».
وبنت المخاض التي تم لها سنة وطعنت في الثانية سميت به لمعنى في أمها، فإنها صارت مخاضا
أي حاملا قال الله تعالى {فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة} [مريم: 23] . وبنت اللبون التي تم لها سنتان وطعنت في الثالثة سميت به لمعنى بها في أمها، فإنها لبون بولادة أخرى. والحقة التي لها ثلاث سنين وطعنت في الرابعة سميت به لمعنى فيها وهو أنه حق لها أن تركب ويحمل عليها. والجذعة التي تم لها أربع سنين وطعنت في الخامسة سميت به لمعنى في أسنانها معروف عند أرباب الإبل ثم بعد ذلك يزاد القدر بزيادة الإبل فيجب في ست وسبعين بنتا لبون وفي إحدى وتسعين حقتان إلى عشرين ومائة وعلى هذا اتفقت الآثار وأجمع العلماء - رحمهم الله تعالى - ثم الاختلاف بينهم بعد ذلك، فالمذهب عندنا استئناف الفريضة بعد مائة وعشرين فإذا بلغت الزيادة خمسا ففيها حقتان وشاة إلى مائة وثلاثين ففيها حقتان وشاتان وفي مائة وخمس وثلاثين حقتان وثلاث شياه وفي مائة وأربعين حقتان وأربع شياه وفي مائة وخمس وأربعين حقتان وبنت مخاض إلى مائة وخمسين ففيها ثلاث حقاق، ثم تستأنف الفريضة فيجب في مائة وخمس وخمسين ثلاث حقاق وشاة وفي مائة وستين ثلاث حقاق وشاتان وفي مائة وخمس وستين ثلاث حقاق وثلاث شياه وفي مائة وسبعين ثلاث حقاق وأربع شياه وفي مائة وخمس وسبعين ثلاث حقاق وبنت مخاض وفي مائة وست وثمانين ثلاث حقاق وبنت لبون وفي مائة وست وتسعين أربع حقاق إلى مائتين، فإن شاء أدى عنها أربع حقاق عن كل خمسين حقة وإن شاء خمس بنات لبون عن كل أربعين بنت لبون، ثم تستأنف كما بينا، وقال مالك - رحمه الله - بعد مائة وعشرين يجب في كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة، والأوقاص تسع تسع فلا يجب في الزيادة شيء حتى تكون مائة وثلاثين ففيها حقة وبنت لبون؛ لأنها مرة خمسون ومرتين أربعون وفي مائة وأربعين حقتان وبنت لبون وفي مائة وخمسين ثلاث حقاق وفي مائة وستين أربع بنات لبون وفي مائة وسبعين حقة وثلاث بنات لبون وفي مائة وثمانين حقتان وبنتا لبون وفي مائة وتسعين ثلاث حقاق وبنت لبون إلى مائتين، فإن شاء أدى أربع حقاق وإن شاء خمس بنات لبون.
وقال الشافعي - رضي الله عنه - مثل قول مالك - رضي الله عنه - إلا في حرف واحد وهو أن عند الشافعي - رحمه الله تعالى - إذا زادت الإبل على مائة وعشرين واحدة ففيها ثلاث بنات لبون إلى مائة وثلاثين، ثم مذهبه كمذهب مالك - رحمه الله تعالى - وعند مالك لا يجب شيء حتى تكون الإبل مائة وثلاثين وحجتهما في ذلك ما روي عن عبد الله بن عمر وأنس بن مالك - رضي الله عنه - «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتب كتاب الصدقة وقربه
بقراب سيفه ولم يخرجه إلى عماله حتى قبض فعمل به أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - حتى قبضا وكان فيه إذا زادت الإبل على مائة وعشرين ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة» إلا أن مالكا - رحمه الله - حمله على الزيادة التي يمكن اعتبار المنصوص عليه فيها، وذلك لا يكون فيما دون العشرة والشافعي - رحمه الله تعالى - يقول إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد علق هذا الحكم بنفس الزيادة، وذلك بزيادة الواحدة فعندها يوجب في كل أربعين بنت لبون وهذه الواحدة لتعيين الواجب بها فلا يكون لها حظ من الواجب. واستدل عليه بالحديث الذي ذكره أبو داود وابن المبارك - رحمهما الله تعالى - بالإسناد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «إذا زادت الإبل على مائة وعشرين واحدة ففيها ثلاث بنات لبون» وهذا نص في الباب والمعنى فيه أن الواجب في كل مال من جنسه، فإن الواجب جزء من المال إلا أن الشرع عند قلة الإبل أوجب من خلاف الجنس نظرا للجانبين، فإن خمسا من الإبل مال عظيم ففي إخلائه عن الواجب إضرار بالفقراء، وفي إيجاب الواحدة إجحاف بأرباب الأموال، وكذلك في إيجاب الشقص، فإن الشركة عيب فأوجب من خلاف الجنس دفعا للضرر وقد ارتفعت هذه الضرورة عند كثرة الإبل فلا معنى لإيجاب خلاف الجنس. ومبنى الزكاة على أن عند كثرة العدد وكثرة المال يستقر النصاب والوقص والواجب على شيء معلوم كما في زكاة الغنم عند كثرة العدد يجب في كل مائة شاة، ثم أعدل الأسنان بنت اللبون والحقاق، فإن أدناها بنت المخاض وأعلاها الجذعة والأعدل هو الأوسط، وكذلك أعدل الأوقاص هو العشر، فإن الأوقاص في الابتداء خمس، وفي الانتهاء خمسة عشر فالمتوسط هو العشر وهو الأعدل فلهذا أوجبنا في كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة.
(ولنا) حديث قيس بن سعد - رحمه الله تعالى - قال قلت لأبي بكر محمد بن عمرو بن حزم - رضي الله تعالى عنهم - أخرج لي «كتاب الصدقات الذي كتبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعمرو بن حزم فأخرج كتابا في ورقة وفيه إذا زادت الإبل على مائة وعشرين استؤنفت الفريضة فما كان أقل من خمس وعشرين ففيها الغنم في كل خمس ذود شاة». وروي بطريق شاذ «إذا زادت الإبل على مائة وعشرين فليس في الزيادة شيء حتى تكون خمسا فإذا كانت مائة وخمسا وعشرين ففيها حقتان وشاة» وهذا نص ولكنه شاذ.
والقول باستقبال الفريضة بعد مائة وعشرين مشهور عن علي وابن مسعود - رضي الله عنهما -، ثم نقول وجوب الحقتين في مائة وعشرين ثابت باتفاق الآثار وإجماع الأمة فلا يجوز
إسقاطه إلا بمثله وبعد مائة وعشرين اختلفت الآثار فلا يجوز إسقاط ذلك الواجب عند اختلاف الآثار بل يؤخذ بحديث عمرو بن حزم - رضي الله عنه - ويحمل حديث ابن عمر - رضي الله عنه - على الزيادة الكبيرة حتى يبلغ مائتين وبه نقول إن في كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة وحديث ابن المبارك - رحمه الله تعالى - محمول على ما إذا كانت مائة وعشرين من الإبل بين ثلاثة نفر لأحدهم خمس وثلاثون وللآخر أربعون وللآخر خمس وأربعون، فإذا زادت لصاحب الخمس وثلاثين واحدة ففيها ثلاث بنات لبون وهذا التأويل وإن كان فيه بعض بعد فالقول به أولى مما ذهب إليه الشافعي - رحمه الله تعالى -، فإنه أوجب ثلاث بنات لبون وهو مخالف للآثار المشهورة، وإن كان لم يجعل لهذه الواحدة حظا من الواجب كما هو مذهبه فهو مخالف لأصول الزكوات، فإن ما لا حظ له من الواجب لا يتغير به الواجب كما في الحمولة والعلوفة. وحقيقة الكلام في المسألة وهو أن بالإجماع يدار الحكم على الخمسينات والأربعينات ولكن اختلفنا في أن أي الإدارتين أولى ففي حديث عمرو بن حزم - رضي الله عنهما - أدار على الخمسينات وفيها الحقة، ولكن بشرط عود ما دونها، وفي حديث ابن عمر - رضي الله عنه - على الأربعينات والخمسينات فنقول الأخذ بما كان في حديث عمرو بن حزم - رضي الله عنه - أولى، فإن مبنى أصول الزكاة على أن عند كثرة المال يستقر النصاب على شيء واحد معلوم كما في نصاب البقر، فإنه يستقر على شيء واحد وهو المسنة في الأربعين ولكن بشرط عود ما دونها وهو التبيع، فكذلك زكاة الإبل ولهذا لم تعد الجذعة؛ لأن الإدارة على الخمسينات ولا يوجد فيها نصاب الجذعة، فأما ما دون الجذعة فيوجد نصابها في الخمسينات فتعود لهذا ولسنا نسلم احتمال الزيادة الواجب من الجنس، فإن حكم الزيادة كالمقطوع عن مائة وعشرين لإيفاء الحقتين فيها كما ثبت باتفاق الآثار فلم يكن محتملا للإيجاب من جنسه فلهذا صرنا إلى إيجاب الغنم فيها كما في الابتداء حتى إنه لما أمكن البناء مع إبقاء الحقتين بعد مائة وخمس وأربعين بنينا فنقلنا من بنت المخاض إلى الحقة إذا بلغت مائة وخمسين، فإنها ثلاث مرات خمسون فيؤخذ من كل خمسين حقة
وإن كانت السائمة بين رجلين لم يجب على كل واحد منهما في نصيبه من الزكاة إلا مثل ما يجب عليه في حال انفراده حتى إن النصاب الواحد وهو خمس من الإبل إذا كان مشتركا بين اثنين لا تجب فيها الزكاة عندنا. وقال الشافعي - رحمه الله تعالى: إذا كان كل واحد
منهما من أهل وجوب الزكاة عليه تجب الزكاة إذا استجمعت شرائط الخلطة، وذلك باتحاد البئر والدلو والراعي والمرعى والكلب، وحجته الحديث المشهور أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة وما كان بين الخليطين، فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية» قال يحيى بن سعيد القطان: والخليطان ما اجتمعا في الدلو والحوض والراعي وقد نهى - صلى الله عليه وسلم - عن التفريق بين المجتمع، وهذا النصاب مجتمع فلا يفرق واعتبر الخلطة في إثبات التراجع، والتراجع إنما يكون بعد وجوب الزكاة فدل أن للخلطة تأثيرا في وجوب الزكاة، والمعنى أن هذا نصاب تام مملوك لمن هو أهل لوجوب الزكاة عليه فيجب فيه الزكاة كما إذا كان لواحد بخلاف ما إذا كان أحد الشريكين ذميا أو مكاتبا؛ لأنه ليس من أهل وجوب الزكاة عليه، وهذا؛ لأن بسبب الخلطة تخف المؤنة على كل واحد منهما ولخفة المؤنة تأثير في وجوب الزكاة ولهذا وجبت في السائمة دون العلوفة، وأوجب صاحب الشرع فيما سقت السماء العشر وفيما يسقى بالغرب والدالية نصف العشر.
(ولنا) قوله - صلى الله عليه وسلم - «وسائمة المرء إذا كانت أقل من أربعين من الغنم فليس فيها الزكاة» وهنا سائمة كل واحد منهما أقل من أربعين، والمعنى فيه أن غنى المالك بملك النصاب معتبر لإيجاب الزكاة، قال - صلى الله عليه وسلم - «لا صدقة إلا عن ظهر غنى» وكل واحد منهما ليس بغني بما يملك بدليل حل أخذ الصدقة له فلا يجب عليه الزكاة، ولأنه من نصيب شريكه أبعد من المكاتب من كسبه فللمكاتب حق ملك في كسبه، وليس للشريك في نصيب شريكه حق الملك، فإذا لم تجب الزكاة على المكاتب باعتبار كسبه فلأن لا تجب على كل واحد من الشريكين باعتبار ملك صاحبه كان أولى.
(وأما الحديث) فدليلنا؛ لأن المراد به الجمع والتفريق في الملك لا في المكان لإجماعنا على أنه إذا كان في ملك رجل واحد نصاب كامل في أمكنة متفرقة يجمع فدل أن المتفرق في الملك لا يجمع في حكم الصدقة ونحن نقول بالتراجع بين الخليطين، فإن مائة وعشرين من الغنم إذا كانت لرجلين لأحدهما أربعون وللآخر ثمانون فحال الحول فجاء المصدق وأخذ من عرضها شاتين يرجع صاحب الكثير على صاحب القليل بثلث شاة، ثم في الحول الثاني إنما يجب شاة في نصيب صاحب الكثير خاصة دون صاحب القليل؛ لأن نصابه قد نقص عن الأربعين، فإذا أخذ المصدق شاة رجع صاحب القليل على صاحب الكثير بثلث شاة فهذا هو معنى التراجع
واعتبار النصاب بدون غنى المالك في حكم الزكاة لا يجوز كما إذا كان أحد الشريكين ذميا أو مكاتبا وبه يبطل اعتبارهم خفة المؤنة
(قال) وإذا كان عشر من الإبل بين رجل وبين عشرة نفر كل بعير بينه وبين أحدهم فعلى قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - يجب عليه شاة وعلى قول زفر - رحمه الله تعالى - لا يجب شيء. زفر يقول: كل بعير غير محتمل للقسمة فلم يجتمع في ملكه نصاب تام وأبو يوسف - رحمه الله تعالى - يقول: لو كان شريكه فيها رجلا واحدا تجب عليه الزكاة فتعدد الشركاء لا ينقص ملكه ولا يعدم صفة الغنى في حقه بل هو غني بملك خمس من الإبل فتلزمه الزكاة
(قال) وإذا وجبت الفريضة في الإبل ولم يوجد ذلك السن ووجد أفضل من ذلك أو دونه أخذ المصدق قيمة الواجب إن شاء وإن شاء أخذ ما وجد ورد فضل القيمة إن كان أفضل، فإن كان دونه أخذ فضل القيمة دراهم. والكلام في هذه المسألة يشتمل على فصول: أحدها - أن جبران ما بين السنين غير مقدر عندنا ولكنه بحسب الغلاء والرخص، وعند الشافعي - رحمه الله تعالى - يتقدر بشاتين أو بعشرين درهما واستدل بالحديث المعروف أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «من وجب في إبله بنت لبون فلم يجد المصدق فيها إلا حقة أخذها ورد شاتين أو عشرين درهما مما استيسر عليه، وإن لم يجد إلا بنت مخاض أخذها وأخذ شاتين أو عشرين درهما مما استيسر عليه» ولكنا نقول إنما قال - صلى الله عليه وسلم - ذلك؛ لأن تفاوت ما بين السنين في زمانه كان ذلك القدر لا أنه تقدير شرعي بدليل ما روي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه قدر جبران ما بين السنين بشاة أو عشرة دراهم وهو كان مصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فما كان يخفى عليه هذا النص ولا يظن به مخالفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإنما يحمل على أن تفاوت ما بين السنين في زمانه كان ذلك القدر، ولأنا لو قدرنا تفاوت ما بين السنين بشيء أدى إلى الإضرار بالفقراء أو الإجحاف بأرباب الأموال، فإنه إذا أخذ الحقة ورد شاتين فربما تكون قيمتهما قيمة الحقة فيصير تاركا للزكاة عليه معنى، وإذا أخذ بنت مخاض وأخذ الشاتين فقد تكون قيمتهما مثل قيمة بنت اللبون فيكون آخذا للزكاة بأخذهما وبنت المخاض تكون زيادة وفيه إجحاف بأرباب الأموال.
(الفصل الثاني) إذا وجب عليه في إبله بنت مخاض فلم توجد ووجد ابن اللبون فعندنا لا يتعين أخذ ابن اللبون، وعند الشافعي - رحمه الله تعالى - يتعين وهو رواية عن أبي يوسف
رحمه الله تعالى - في الأمالي واستدلا في ذلك بقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «في خمس وعشرين من الإبل بنت مخاض، فإن لم تكن فابن لبون» ذكر عين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ابن اللبون عند عدم ابنة مخاض، ولكنا نقول: إنما اعتبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهذا المعادلة في المالية معنى، فإن الإناث من الإبل أفضل قيمة من الذكور والمسنة أفضل قيمة من غير المسنة فأقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زيادة السن في المنقول إليه مقام زيادة الأنوثة في المنقول عنه ونقصان الذكورة في المنقول إليه مقام نقصان السن في المنقول عنه ولكن هذا يختلف باختلاف الأوقات والأمكنة فلو عينا أخذ ابن اللبون من غير اعتبار القيمة أدى إلى الإضرار بالفقراء أو الإجحاف بأرباب الأموال
(الفصل الثالث) إن أداء القيمة مكان المنصوص عليه في الزكاة والصدقات والعشور والكفارات جائز عندنا خلافا للشافعي - رحمه الله تعالى - فظن بعض أصحابنا أن القيمة بدل عن الواجب حتى لقبوا هذه المسألة بالإبدال، وليس كذلك، فإن المصير إلى البدل لا يجوز إلا عند عدم الأصل، وأداء القيمة مع قيام عين المنصوص عليه في ملكه جائز عندنا (حجته) في ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - «في أربعين شاة شاة»، وهذا بيان لما هو مجمل في كتاب الله تعالى؛ لأن الإيتاء منصوص عليه والمؤتى غير مذكور فالتحق بيانه بمجمل الكتاب فصار كأن الله تعالى قال وآتوا الزكاة من كل أربعين شاة شاة فتكون الشاة حقا للفقير بهذا النص فلا يجوز الاشتغال بالتعليل لإبطال حقه من العين. والمعنى فيه أن هذا حق مالي مقدر بأسنان معلومة شرعا فلا يتأدى بالقيمة كالهدايا والضحايا أو يقال قربة تعلقت بمحل عين فلا يتأدى بغيره كالسجود لما تعلق بالجبهة والأنف لم يتأد بالخد والذقن، وجواز أداء البعير عن خمس من الإبل عندي باعتبار النص لا باعتبار القيمة، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «خذ من الإبل الإبل» إلا أنه عند قلة الإبل أوجب من خلاف الجنس للتيسير على أرباب الأموال، فإذا سمحت نفسه بأداء البعير فقد ترك هذا التيسير فجاز باعتبار النص لا باعتبار القيمة.
(ولنا) قوله تعالى {خذ من أموالهم صدقة} [التوبة: 103] فهو تنصيص على أن المأخوذ مال، وبيان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما ذكر للتيسير على أرباب المواشي لا لتقييد الواجب به، فإن أرباب المواشي تعز فيهم النقود والأداء مما عندهم أيسر عليهم، ألا ترى أنه قال «في خمس من الإبل شاة»، وكلمة "في" حقيقة للظرف وعين الشاة لا توجد في الإبل فعرفنا أن المراد قدرها
من المال «ورأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في إبل الصدقة ناقة كوماء فغضب على المصدق، وقال: ألم أنهكم عن أخذ كرائم أموال الناس، فقال الساعي أخذتها ببعيرين من إبل الصدقة». وفي رواية قال «ارتجعتها ببعيرين فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأخذ البعير ببعيرين» إنما يكون باعتبار القيمة، وقال معاذ - رضي الله عنه - في خطبته باليمن ائتوني بخميس آخذ منكم مكان الصدقة أو قال مكان الذرة والشعير، وذلك لا يكون إلا باعتبار القيمة، والمعنى فيه أنه ملك الفقير مالا متقوما بنية الزكاة فيجوز كما لو أدى بعيرا عن خمس من الإبل، وهذا لأن المقصود إغناء الفقير كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - «اغنوهم عن المسألة» في مثل هذا اليوم، والإغناء يحصل بأداء القيمة كما يحصل بأداء الشاة وربما يكون سد الخلة بأداء القيمة أظهر ولا نقول بأن الواجب حق الفقير. ولكن الواجب حق الله تعالى خالصا ولكنه مصروف إلى الفقير ليكون كفاية له من الله تعالى عما وعد له من الرزق فكان المعتبر في حق الفقير أنه محل صالح لكفايته له فكان هذا نظير الجزية، فإنها وجبت لكفاية المقاتلة فكان المعتبر في حقهم أنه محل صالح لكفايتهم حتى تتأدى بالقيمة بخلاف الهدايا والضحايا، فإن المستحق فيها إراقة الدم حتى لو هلك بعد الذبح قبل التصدق به لم يلزمه شيء، وإراقة الدم ليس بمتقوم ولا معقول المعنى، والسجود على الخد والذقن ليس بقربة أصلا حتى لا يتنفل به ولا يصار إليه عند العجز وما ليس بقربة لا يقام مقام القربة، فأما التصدق بالقيمة فقربة وفيه سد خلة الفقير فيحصل به ما هو المقصود.
الفصل الرابع إن ظاهر ما ذكر في الكتاب يدل على أن الخيار في هذه الأشياء إلى المصدق يعين أيها شاء، وليس كذلك بل الخيار إلى صاحب المال إن شاء أدى القيمة، وإن شاء أدى سنا دون الواجب وفضل القيمة، وإن شاء أدى سنا فوق الواجب واسترد فضل القيمة حتى إذا عين شيئا فليس للساعي أن يأبى ذلك؛ لأن صاحب الشرع اعتبر التيسير على أرباب الأموال، وإنما يتحقق ذلك إذا كان الخيار لصاحب المال
(قال) وليس في الحملان والفصلان والعجاجيل زكاة في قول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله تعالى - وقال أبو يوسف - رحمه الله تعالى - يجب فيها واحدة منها وهو قول الشافعي - رحمه الله -، وقال زفر - رحمه الله تعالى: يجب فيها ما يجب في المسان وهو قول مالك - رحمه الله تعالى - وذكر الطحاوي في اختلاف العلماء عن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - قال: دخلت على أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - فقلت ما تقول فيمن ملك أربعين حملا، فقال: فيها شاة مسنة فقلت ربما تأتي قيمة الشاة على أكثرها أو
على جميعها فتأمل ساعة، ثم قال لا ولكن تؤخذ واحدة منها، فقلت: أو يؤخذ الحمل في الزكاة؟ فتأمل ساعة، ثم قال: إذا لا يجب فيها شيء فأخذ بقوله الأول زفر - رحمه الله تعالى - وبقوله الثاني أبو يوسف وبقوله الثالث محمد - رحمه الله تعالى - وعد هذا من مناقبه حيث تكلم في مسألة في مجلس بثلاثة أقوال فلم يضع شيء منها. فأما زفر - رحمه الله تعالى - فاستدل بقوله - صلى الله عليه وسلم - «في خمس من الإبل السائمة شاة»، وهذا اسم جنس يتناول الصغار والكبار كاسم الآدمي، ولأن بالإجماع لو كانت واحدة منها بنت مخاض تجب شاة فيها ولا تجب الشاة في تلك الواحدة بل في الكل، فإذا جاز إيجاب أربعة أخماس شاة باعتبار أربعة من الفصلان جاز إيجاب الشاة باعتبار خمس من الفصلان، وهذا لأن زيادة السن عفو لأرباب الأموال لا يزداد بها الواجب، فكذلك نقصان السن عفو في حق الفقراء لا ينتقص به الواجب
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|