عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 08-11-2025, 01:15 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,351
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة التاريخية ___ متجدد إن شاء الله





الأمير شيخ والأمير نوروز يحاولان خلع السلطان فرج بن برقوق.
العام الهجري: 813الشهر القمري: محرمالعام الميلادي: 1410تفاصيل الحدث:
في شهر ذي الحجة من سنة اثنتي عشرة وثمانمائة سبعة أشهر وهو (الأمير شيخ) يقاتل نوروزا ودمرداش، ويحاصرهما بحماة، ووقع بينهم في هذه المدة المذكورة حروب وخطوب يطول شرحها، وقتل بينهم خلائق لا تحصى، واشتد الأمر على نوروز وأصحابه بحماة، وقلت عندهم الأزواد وقاسوا شدائد حتى وقع الصلح بينه وبين الأمير شيخ، وذلك عندما سمعوا بخروج الملك الناصر فرج إلى البلاد الشامية، وخاف نوروز إن ظفر به الملك الناصر لا يبقيه، فاحتاج إلى الصلح، وحلف كل من نوروز وشيخ لصاحبه، وأما السلطان الملك الناصر، فإنه أخذ في التجهيز إلى السفر نحو البلاد الشامية، وعظم الاهتمام في أول محرم هذه السنة، وأما الأمير شيخ، فإنه لما بلغه خروج السلطان من الديار المصرية، لم يثبت، وداخله الخوف، وخرج من دمشق في يوم الثلاثاء سادس عشرين شهر ربيع الأول المذكور بعساكره ومماليكه، وتبعه الأمير جانم نائب حماة، فدخل بكتمر جلق إلى الشام من الغد في يوم سابع عشرينه - على حين غفلة - حتى يطرق شيخا، ففاته شيخ بيوم واحد، لكنه أدرك أعقابه وأخذ منهم جماعة، ونهب بعض أثقال شيخ، ثم دخل السلطان الملك الناصر إلى دمشق بعد عشاء الآخرة من ليلة الخميس ثامن عشرينه، وقد ركب من بحيرة طبرية في عصر يوم الأربعاء على جرائد الخيل ليكبس شيخا، ففاته بيسير، وكان شيخ قد أتاه الخبر وهو جالس بدار السعادة من دمشق، فركب من وقته وترك أصحابه، ونجا بنفسه بقماش جلوسه، فما وصل إلى سطح المزة إلا وبكتمر جلق داخل دمشق؟ ومر شيخ على وجهه منفردا عن أصحابه، ومماليكه وحواشيه في أثره، والجميع في أسوء ما يكون من الأحوال، وسار السلطان بعساكره إلى جهة حلب حتى وصلها، في قصد شيخ ونوروز بمن معهما من الأمراء، ثم كتب السلطان لنوروز وشيخ يخيرهما، إما الخروج من مملكته، أو الوقوف لمحاربته، أو الرجوع إلى طاعته فأجابه الأمير شيخ بأنه ليس بخارج عن طاعته، ويعتذر عن حضوره بما خامر قلبه من شدة الخوف والهيبة عندما قبض عليه السلطان مع الأتابك يشبك الشعباني في سنة عشر وثمانمائة، وأنه قد حلف لا يحارب السلطان ما عاش، من يوم حلفه الأمير الكبير تغري بردي في نوبة صرخد، وكرر الإعتذار عن محاربته لبكتمر جلق، حتى قال: وإن كان السلطان ما يسمح له بنيابة الشام على عادته، فينعم عليه بنيابة أبلستين، وعلى الأمير نوروز بنيابة ملطية، وعلى يشبك بن أزدمر بنيابة عين تاب، وعلى غيرهم من الأمراء ببقية القلاع، فإنهم أحق من التركمان المفسدين في الأرض فلم يرض السلطان بذلك، وصمم على الإقامة ببلاد الشام، وبينما السلطان بحلب، ورد عليه الخبر بأن شيخا ونوروزا وصلا عين تاب، وسارا على البرية إلى جهة الشام، فركب السلطان مسرعا من حلب على حين غفلة في ثالث عشرين شهر رجب ببعض عساكره، وسار حتى دخل دمشق في أربعة أيام، وأما شيخ ونوروز، فإنهما لما سار السلطان عن أبلستين خرجا من قيسارية بمن معهم، وجاؤوا إلى أبلستين فمنعهم أبناء دلغادر وقاتلوهم، فانكسروا منهم وفروا إلى عين تاب، فلما قربوا من تل باشر تمزقوا، وأخذت كل طائفة جهة من الجهات، فلحق بحلب ودمشق منهم عدة وافرة، واختفى منهم جماعة، ومر شيخ ونوروز بحواشيهما على البرية إلى تدمر فامتاروا منها، ومضوا مسرعين إلى صرخد وتوجهوا إلى البلقاء ودخلوا بيت المقدس، ثم توجهوا إلى غزة وأقاموا بها حتى أخرج السلطان إليهم بكتمر جلق على عسكر كبير، فسار إلى زرع، ثم كتب للسلطان يطلب نجدة، فأخرج إليه السلطان من دمشق بعسكر هائل من الأمراء والمماليك السلطانية فلما وصل بكتمر جلق بمن معه من الأمراء إلى غزة، وبلغه توجه شيخ ونوروز إلى جهة مصر، إلى أن وصلوا إلى مصر في يوم الأحد ثامن شهر رمضان ودخل معهم إلى القاهرة خلائق من الزعر، وبني وائل - من عرب الشرقية - والأمير سعيد الكاشف - هو معزول وأصبح الأمير شيخ أقام رجلا في ولاية القاهرة فنادى بالأمان، ووعد الناس بترخيص الأسعار، وبإزالة المظالم، فمال إليه جمع من العامة، وأقاموا ذلك اليوم، وملكوا مدرسة الملك الأشرف شعبان التي كانت بالصوة تجاه الطبلخاناة السلطانية، هذا والقتال مستمر بينهم وبين أهل القلعة، ثم طلبوا من الأمراء الذين بالقلعة فتح باب القلعة لهم قالوا: مالنا غرض في النهب وإنما نريد أن نأخذ ابن أستاذنا - يعنون بابن أستاذنا: الأمير فرج ابن السلطان الملك الناصر فرج، فقال كافور الزمام وأيش صاب السلطان حتى تأخذوا ولده؟ فقالوا: لو كان السلطان حيا ما كنا هاهنا - يعنون أنهم قتلوا السلطان، وساروا إلى الديار المصرية ليسلطنوا ولده - فلم يمش ذلك على كافور ولا على غيره، وطال الكلام بينهم في ذلك، فلم يلتفت كافور إلى كلامهم، فهددوه بإحراق الباب، فخاف وبدأ يماطلهم لعلمه بمجيء العسكر المصري من الشام، وبينما كافور الزمام في مدافعتهم لاحت طلائع العسكر السلطاني لمن كان شيخ أوقفه من أصحابه يرقبهم بالمآذن بقلعة الجبل، وقد ارتفع العجاج، وأقبلوا سائقين سوقا عظيما جهدهم، فلما بلغ شيخا وأصحابه ذلك لم يثبتوا ساعة واحدة، وركبوا من فورهم ووقفوا قريبا من باب السلسلة، فدهمهم العسكر السلطاني فولوا هاربين نحو باب القرافة، والعسكر في أثرهم، فكبا بالأمير شيخ فرسه عند سوق الخيم بالقرب من باب القرافة، فتقنطر من عليه، فلم يستطع النهوض ثانيا، لعظم روعه وسرعة حركته، فأركبه بعض أمراء آخوريته وركب شيخ ولحق بأصحابه، فمروا على وجوههم على جرائد الخيل، وتركوا ما أخذوه من القاهرة، وأيضا ما كان معهم، وساروا على أقبح وجه بعد أن قبض عسكر السلطان على جماعة من أصحاب شيخ، ودخل الأمير بكتمر جلق بعساكره، وأرسل الأمير سودون الحمصي فاعتقل جميع من أمسك من الشاميين، وأخذ يتتبع من بقي من الشامية بالقاهرة، ثم نادى في الوقت بالأمان، وقدم عليه الخبر في ليلة الأربعاء حادي عشر من شهر رمضان المذكور بأن شيخا نزل إطفيح وأنهم افترقوا فرقتين، فرقة رأسها الأمير نوروز الحافظي ويشبك بن أزدمر وسودون بقجة، وفرقة رأسها الأمير شيخ المحمودي وسودون تلي المحمدي وسودون قراصقل، وكل فرقة منهما معها طائفة كبيرة من الأمراء والمماليك، وأنهم لما وصلوا إلى الشوبك دفعهم أهلها عنها، فساروا إلى جهة الكرك وبها سودون الجلب، فتضرعوا له حتى نزل إليهم من قلعة الكرك، وتلقاهم وأدخلهم مدينة الكرك، وأنهم استقروا بالكرك، واستمر السلطان بدمشق إلى يوم سابع عشر ذي القعدة، وخرج منها إلى قبة يلبغا، ورحل من الغد بأمرائه وعساكره يريد الكرك بعد ما تحقق نزول الأمراء بالكرك، وأما شيخ ونوروز وجماعتهما، فإنهم أقاموا بالكرك أياما، واطمأنوا بها، ثم أخذوا في تحصينها، وأما السلطان الملك الناصر، فإنه سار من مدينة دمشق حتى نزل على مدينة الكرك في يوم الجمعة رابع عشرين ذي القعدة، وأحاط بها ونصب عليها الآلات، وجد في قتالها، وحصرها وبها شيخ ونوروز وأصحابهما، واشتد الحصار عليهم بالكرك، وأخذ الملك الناصر يلازم قتالهم حتى أشرفوا على الهلاك والتسليم، ثم أخذ شيخ ونوروز والأمراء يكاتبون الأمير تغري بردي ويتضرعون إليه، وهو يتبرم من أمرهم والكلام في حقهم، ويوبخهم بما فعله الأمير شيخ مع بكتمر جلق بعد حلفه في واقعة صرخد، فأخذ شيخ يعتذر ويحلف بالأيمان المغلظة أن بكتمر جلق كان الباغي عليه والبادئ بالشر، وأنه هو دفع عن نفسه لا غير، وأنه ما قصده في الدنيا سوى طاعة السلطان، ولازالوا حتى تكلم تغري بردي مع السلطان في أمرهم، ثم ترددت الرسل بينهم وبين السلطان أياما حتى انعقد الصلح، على أن يكون تغري بردي نائب الشام، وأن يكون الأمير شيخ نائب حلب، وأن يكون الأمير نوروز نائب طرابلس، وكان ذلك بإرادة شيخ ونوروز، فإنهما قالا: لا نرضى أن يكون بكتمر جلق أعلى منا رتبة بأن يكون نائب الشام، ونحن أقدم منه عند السلطان، فإن كان ولا بد، فيكون الأمير الكبير تغري بردي في نيابة الشام، ونكون نحن تحت أوامره، ونسير في المهمات السلطانية تحت سنجقه، وأما بكتمر ودمرداش فلا، وإن فعل السلطان ذلك لا يقع منا بعدها مخالفة أبدا ولما بلغ الأمراء والعساكر هذا القول أعجبهم غاية الإعجاب، وقد ضجر القوم من الحصار، وملوا من القتال، فلا زالوا بالسلطان حتى أذعن ومال إلى تولية تغري بردي نيابة الشام، وكان السلطان قد شرط على الأمراء شروطا كثيرة فقبلوها، على أن يكون تغري بردي نائب دمشق.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظرا لاشتماله على أكثر من عام هجري أحيانا
انقضاء دولة بني جلائر بموت الملك أحمد بن أويس الجلائري وتملك قرا يوسف بغداد.
العام الهجري: 813الشهر القمري: ربيع الثانيالعام الميلادي: 1410تفاصيل الحدث:
وصل قرا يوسف صاحب أذربيجان إلى توريز وقد جمع أحمد بن أويس ملك بغداد والعراق قدر ستين ألف فارس، فيهم ابن الشيخ إبراهيم بن الدربندي، وأمراء البلاد، فاقتتلا قتالا عظيما في يوم الجمعة ثامن والعشرين من شهر ربيع الآخر، فانكسرت عساكر ابن أويس، وقتل هو وولده سلطان علي، في ليلة الأحد آخره، وقتل أيضا كثير من الأمراء، وأسر ابن الشيخ إبراهيم، وعدة من الأمراء، ونهبت أموالهم، وملك قرا يوسف بلاد توريز وغيرها، وقدم كتابه بهذا إلى السلطان، ويقال أن ابن أويس لما وقعت الكسرة اختفى في عين ماء، ودخل عليه بعض فرسان قرا يوسف ليقتله، فعرفه بنفسه، فأخذه، وأعلم قرا يوسف به، فأحضره إليه وبالغ في إكرامه، ووكل به أحد أمرائه، فلم يرض كثير ممن مع قرا يوسف بذلك، وما زالوا به حتى قتله خنقا، وفي شهر رجب قدم محمد شاه بن قرا يوسف بغداد، وقد امتنع من بها من تسليمه، فحاصرها مدة عشرة أشهر، فكانت فيها أمور عجيبة، حاصلها أن قرا يوسف لما هزم ابن أويس وقتله، بلغ ذلك أهل بغداد، وكان عليها من قبل أحمد بن أويس مملوكه بخشايش، فلم يصدق ذلك، واستمر على الخطة له، فبعث قرا يوسف ابنه، فلما قارب بغداد بعث إلى الأعيان يعدهم ويرغب إليهم في تمكينهم من البلد، فأبوا عليه وقالوا لرسوله، إن ابن أويس لم يقتل وإنما هو حي، وأقاموا صبيا لم يبلغ الحلم، يقال له أويس، من أخي أحمد أويس وسلطنوه، فنزل بن قرا يوسف على بغداد، فقاتلوه من فوق الأسوار مدة أربعة أشهر، ثم قامت ببغداد ضجة عظيمة في الليل، قتل فيها بخشايش، وأصبح ملقى في بعض الشوارع، وأشيع أن الذي أمر بقتله أحمد بن أويس، وأنه في بعض الدور ببغداد، فصار يخرج من الدار - التي قيل أنه بها - أوامر على لسان رجلين، أحدهما يقال له المحب، والآخر يقال له ناصر الدين، وقام بعد بخشايش عبد الرحيم بن الملاح، وأعيدت الخطبة باسم أحمد بن أويس، وضربت السكة باسمه، وانقطع ذكر أويس الصبي، فسار محمد شاه بن قرا يوسف عن بغداد، وكتب إلى أبيه، يخبره بما وقع ببغداد، فخرج من بغداد عسكر نحو خمسمائة وكبسوا بعض أمراء ابن قرا يوسف، فقتل وأسر عده من أصحابه، وكان في جهة غير جهة ابن قرا يوسف، وزعموا أن هذا بأمر أحمد بن أويس، ثم قتل المحب وناصر الدين، وعبد الرحيم الملاح ببغداد، ونسبوا قتلهم أيضا إلى أحمد بن أويس، فلما كان بعد إشاعة حياته بأربعين يوما، أشيعت وفاته، وكان الذي أشاع وفاته، أم الصبي أويس، وذلك أنها استدعت الأعيان، وأعلمتهم أنها هي التي أمرت بما وقع من القتل، وإشاعة حياة أحمد بن أويس، وأنه ليس بحي، وما زالت بهم حتى أعادوا ابنها أويس إلى السلطنة، وعملوا عزاء أحمد بن أويس ببغداد، فلما بلغ ذلك ابن قرا يوسف عاد إلى بغداد وحاصرها، فأشيع أيضا أن أحمد بن أويس حي لم يمت، فعوقب جماعة ممن ذكر هذا، ثم بعد أربعة أشهر من إظهار موت أحمد بن أويس وقعت ضجة عظيمة ببغداد على حين غفلة، وقيل ظهر أحمد بن أويس، فاجتمع الناس إلى دار، فخرج إليهم منها رجل في زي أحمد بن أويس على فرس، فقبلوا له الأرض، وتناقل الناس حياته، ثم سألوا ذلك الشخص أن يروه رؤية يتبين لهم فيها أكثر من المرة الأولى، فوعدوا بذلك في دار عينت لهم، فلما صاروا إليها خرج إليهم عند غروب الشمس شخص راكب على فرس في زي أحمد بن أويس، فصاح غوغاء العامة هذا السلطان أحمد، وتناقلوا ذلك، ثم أشاعوا أنه غير موجود، فكانت مدة إشاعة وجوده ثانيا خمسة عشر يوما، وفي أثنائها خرج من بغداد نحو خمسمائة فارس إلى جهة البصرة بأمر أحمد بن أويس على زعمهم، ثم خرجت أم الصبي أويس به ومعها خواصها، وسارت من بغداد إلى ششتر، فبعث أهل بغداد إلى ابن قرا يوسف يستدعونه، وقد رحل عندما أشيع ظهور أحمد ابن أويس مرة ثانية، فقدم ودخلها في أثناء سنة أربع عشرة وثمان مائة فكان خبر بغداد هذا من أغرب ما يحكي.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظرا لاشتماله على أكثر من عام هجري أحيانا
الفرنج يعيدون عمارة بيت لحم.
العام الهجري: 813الشهر القمري: جمادى الآخرةالعام الميلادي: 1410تفاصيل الحدث:
وصل إلى ميناء يافا، أربع قطع، فيها نحو سبعمائة من الفرنج، فأسروا جماعة من المسلمين، وأخذوا مركبا فيه خام للسلطان قدم من مصر، وقدم أيضا إلى يافا، مركب فيه فرنج، معهم أخشاب، وعجل، وصناع، برسم عمارة بيت لحم، بالقدس، حيث مولد عيسى عليه السلام، وبيدهم مرسوم السلطان بتمكينهم من العمل، فدعوا الناس للعمل بالأجرة، فأتاهم عدة من القلعة والصناع، وشرعوا في إزاحة ما بطريقهم من الأوعار، وكان سبب هذا أن موسى - صبي بطرك النصارى الملكانية - سأل السلطان لما قدم إلى القدس، بعد نوبة صرخد، في سنة اثنتي عشرة وثمانمائة، أن يمكن النصارى من إعادة عمارة مولد عيسى - بيت لحم - على ما كان عليه، فكتب له بذلك مرسوما، فطار به كل مطار، وبعثه إلى بلاد الفرنج فاغتنموا الفرصة، وبعثوا هؤلاء، فبدءوا بتوسعة الدرب، الآخذ من ميناء روبيل إلى القدس، وقصدوا أن يصير سعته بحيث يمر فيه عشرة فرسان متواكبين، فأنه لم يكن يسع غير فارس واحد بمشقة، وأحضروا معهم دهنا إذا وضعوه على تلك الصخرة، سهل قطعها.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظرا لاشتماله على أكثر من عام هجري أحيانا
عودة الأميرين شيخ ونوروز للخروج عن الطاعة ومسير السلطان فرج بن برقوق إليهم.
العام الهجري: 814الشهر القمري: جمادى الآخرةالعام الميلادي: 1411تفاصيل الحدث:
تواترت الأخبار بأن الأميرين شيخ ونوروز قد اتفقا على الخروج عن طاعة السلطان، وعزما على أخذ حماة، فوقع الشروع في عمارة قلعة دمشق، وكتب تقدير المصروف على ذلك، مبلغ ثلاثين ألف دينار، وفيه وقع الاهتمام في بلاد الشام بتجهيز الإقامات للسلطان وفي شهر رجب قدم الخبر بأن الأمير نوروز نائب طرابلس توجه منها إلى حصن الأكراد، وحاصرها، وأن الأمير شيخ كتب إليه أنه اتفق مع جماعة من قلعة حلب على أن يسلموها له، وأشار عليه أن يرجع إلى طرابلس يحصل قلعة حلب بيده، وأن الاتفاق وقع بينهما على أن يجهزا سودن الجلب على ثلاثمائة فارس ليأخذ حماة، وأن الأمير شيخ أرسل إلى ناصر الدين محمد بن دلغادر يعرض عليه نيابة عينتاب فلم يقبل ذلك، وأنه خرج من حلب يريد العمق، فنزله سلخ جمادى الآخرة، وجمع عليه طائفة التركمان البياضية وابن سقل سيز، ابن صاحب الباز، وغيرهم من التركمان والعرب، وأنه أوقع بعمر بن كندر في ثالث رجب ثم قاتل التركمان في سابعه، فكسرهم، وأسر منهم جماعة، وأنه بعث أحمد الجنكي أحد ندمائه بهدية إلى قرا يوسف، وأن نوروز بعث إليه بهدية أخرى، صحبة بهلوان، من أصحابه، وفي شهر رمضان تأكد عند السلطان خروج الأميرين شيخ ونوروز عن طاعته، وأنهما عزما على أخذ دمشق، وأن سودن الجلب ويشبك بن أزدمر سعيا في ذلك، وأن الأمير نوروز قتل أقسنقر الحاجب، ثم في شهر ذي الحجة خرج السلطان بجيشه من مصر يريد الشام وأن يأخذ شيخ ونوروز ثم جاء الخبر بأن الأمراء الذين تقدموه قد خرجوا عن الطاعة، فلم يثبت، وسار من غزة مجدا في طلبهم، وقد نفرت منه القلوب، وتمالت على بغضه، لقبح سيرته، وسوء سريرته، وفي سادس عشرين ذي الحجة نزل الأمراء الذين تقدموا بقبة يلبغا خارج دمشق، وركبوا إلى الأمير تغري بردي نائب الشام، فعادوه، وقد اشتد به مرضه، وأعلنوا بما هم عليه من الخلاف للسلطان، والخروج عن طاعته، ثم رحلوا عن قبة يلبغا في تاسع عشرينه، ونزلوا على برزة يريدون اللحاق بالأميرين شيخ ونوروز على حمص، فلم يوافقهم على ذلك الأمير شاهين الزردكاش، فقبضوا عليه ومضوا، ونزل السلطان الكسوة في بكرة يوم الثلاثاء سلخه، وقد فت في عضده مخالفة الأمراء عليه، ولاحت إمارات الخذلان عليه، وظهرت كآبة الزوال والإدبار، فألبس من معه من العسكر السلاح، ورتبهم بنفسه، ثم ساق بهم، وقصد دمشق.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظرا لاشتماله على أكثر من عام هجري أحيانا
السلطان فرج بن برقوق يقتل المماليك الشراكسة مماليك أبيه وغيرهم.
العام الهجري: 814الشهر القمري: شعبانالعام الميلادي: 1411تفاصيل الحدث:
قبض السلطان على جماعة من كبار المماليك الظاهرية - برقوق - وحبسهم بالبرج من القلعة، ثم قتلهم بعد شهر، وكانوا جمعا كبيرا، ثم في شهر رجب نزل السلطان من القلعة إلى الصيد، فبات ليلة وعزم على مبيت ليلة أخرى سرياقوس، فبلغه أن طائفة من الأمراء والمماليك اتفقوا على قتله، فعاد إلى القاهرة مسرعا، وأخذ يتتبع ما قيل حتى ظفر بمملوكين عندهما الخبر، فعاقبهما في ثامن عشر شهر رجب المذكور، فأظهرا ورقة فيها خطوط جماعة كبيرة، كبيرهم الأمير جانم وكان جانم المذكور قد سافر قبل تاريخه إلى منية ابن سلسيل، وهي من جملة إقطاعه، فندب السلطان الأمير بكتمر جلق، والأمير طوغان الحسني الدوادار، لإحضار جانم المذكور ومسك السلطان بعد خروجهما جماعة كبيرة من الأمراء والمماليك الظاهرية ووسط منهم خمسة، فنفرت القلوب منه، ووجد شيخ ونوروز للوثوب عليه سبيلا ذبح السلطان في ليلة الأربعاء - مستهل شعبان - عشرين مملوكا ممن قبض عليهم، ثم وسط من الأمراء في يوم الأربعاء ثامنه عشرة أخر تحت القلعة، وفي ليلة الأربعاء المذكورة قتل السلطان أيضا بالقلعة من المماليك الظاهرية زيادة على مائة مملوك من الشراكسة من مماليك أبيه، ثم إن السلطان نادى في أول شهر رمضان بالقلعة بالأمان، وأنهم عتقاء شهر رمضان، فظهر منهم جماعة، فأمنوا، وتتابع بقيتهم حتى ظهر قريب من ثلاثين مملوكا في عدة أيام، فوعدوا بخير، وأن يعطوا الخيل، ورسم لهم بيوم يجتمعون فيه لأخذ خيولهم فاغتروا وحضروا، فقبض عليهم كلهم وحبسوا، وتتبع الممالك السلطانية، وجلس السلطان لتفريق القرقلات برسم الرسم عليهم، فقبض على جماعة كثيرة منهم، وسجنهم، فما انقضى شهر رمضان حتى زادت عدة المسجونين من المماليك السلطانية على أربعمائة رجل ثم ذبح السلطان في ليلة ثالث شوال أزيد من مائة نفس من المماليك السلطانية الظاهرية المحبوسين بالبرج، ثم ألقوا من سور القلعة إلى الأرض، ورموا في جب مما يلي القرافة، واستمر الذبح فيهم.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظرا لاشتماله على أكثر من عام هجري أحيانا
نزول الفرنج دمياط وهزيمتهم.
العام الهجري: 814الشهر القمري: شوالالعام الميلادي: 1412تفاصيل الحدث:
نزل عدد من الفرنج على دمياط في أربعة أغربة وبيونيين؛ فقاتلهم المسلمون على بر الطينة قتالا كبيرا، جرح فيه جماعة من المسلمين، وقتلت خيولهم. فمضى الفرنج في آخر النهار إلى بر الطينة القديمة، ونهبوا ما كان هناك، وأتوا من الغد إلى حيث كانوا، فقاتلوا المسلمين مرة ثانية قتالا كثيرا، وعادوا إلى مراكبهم. فقدم في الحال غراب من أغربة المسلمين، فأحاط به الفرنج، فلم يثبت من كان في الغراب وألقوا أنفسهم في الماء، وخلصوا إلى البر - وكانوا قريبا منه - ثم مضوا إلى دمياط. فتكاثر المسلمون على الفرنج، وأخذوا منهم غراب المسلمين بعد قتال شديد، وقتلوا منهم إفرنجيين وأخذوا سلاحا، فانهزم بقيتهم، وحمل الرأسان والسلاح إلى السلطان.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظرا لاشتماله على أكثر من عام هجري أحيانا
خروج السلطان الناصر فرج بن برقوق لقتال الأمراء المتمردين واعتقال السلطان.
العام الهجري: 815الشهر القمري: محرمالعام الميلادي: 1412تفاصيل الحدث:
خرج السلطان الملك الناصر من دمشق بعساكره في يوم الاثنين سادس المحرم، ونزل برزة، ثم رحل منها يريد محاربة الأمراء الخارجين عليه نوروز الحافظي وشيخ المحمودي، ونزل حسيا بالقرب من حمص، فبلغه رحيل القوم من قارا إلى جهة بعلبك، فترك أثقاله بحسيا وساق أثرهم إلى بعلبك، فوجدهم قد توجهوا إلى البقاع، فقصدهم، فمضوا نحو الصبيبة، فتبعهم حتى نزلوا باللجون، فساق خلفهم وهو سكران لا يعقل، فما وصل إلى اللجون حتى تقطعت عساكره عنه من شدة السوق، ولم يبق معه غير من ثبت على سوقه، وهم أقل ممن تأخر، وكان قد وصل وقت العصر من يوم الاثنين ثالث عشر المحرم فوجد الأمراء قد نزلوا باللجون وأراحوا، وفي ظنهم أنه يتمهل ليلته ويلقاهم من الغد، فإذا جنهم الليل ساروا بأجمعهم من وادي عارة إلى جهة الرملة، وسلكوا البرية عائدين إلى حلب، وليس في عزمهم أن يقاتلوه أبدا، لا سيما الأمير شيخ فإنه لا يريد ملاقاته بوجه من الوجوه، فحال وصول الملك الناصر إلى اللجون أشار عليه الأتابك دمرداش المحمدي أن يريح خيله وعساكره تلك الليلة، ويقاتلهم من الغد، فأجابه السلطان بأنهم يفرون الليلة، فقال له دمرداش المذكور: إلى أين بقوا يتوجهوا يا مولانا السلطان بعد وقوع العين في العين؟ يا مولانا السلطان مماليكك في جهد وتعب من السوق، والخيول كلت، والعساكر منقطعة، فلم يلتفت إلى كلامه، وحرك فرسه ودق بزخمته على طبله، وسار نحو القوم، وحمل عليهم بنفسه من فوره حال وصوله، فارتضمت طائفة من مماليكه في وحل كان هناك، ثم قبل اللقاء خرج الأمير قجق أحد أمراء الألوف بطلبه من مماليكه وعسكره، وذهب إلى الأمراء، وتداول ذلك من المماليك الظاهرية واحدا بعد واحد، والملك الناصر لا يلتفت إليهم، ويشجع من بقي معه حتى التقاهم وصدمهم صدمة هائلة، وتقهقر عسكره مع قلتهم، فانهزم السلطان عند ذلك، بعد أن قاتل بنفسه، وساق يريد دمشق - وكان الرأي توجهه إلى مصر - وتبعه سودون الجلب، وقرقماس ابن أخي دمرداش، ففاتهما الملك الناصر ومضى إلى دمشق، وأحاط القوم بالخليفة المستعين بالله، وفتح الدين فتح الله كاتب السر، وناظر الجيش بدر الدين حسن بن نصر الله، وناظر الخاص أبن أبي شاكر، واستولوا على جميع أثقال الملك الناصر وأمرائه، وامتدت أيدي أصحاب الأمراء إلى النهب والأسر في أصحاب الملك الناصر، وما غربت الشمس حتى انتصر الأمراء وقوي أمرهم، وباتوا تلك الليلة بمخيماتهم، وهي ليلة الثلاثاء، وأصبح الأمراء وليس فيهم من يرجع إليه، بل كل واحد منهم يقول: أنا رئيس القوم وكبيرهم، وأما الملك الناصر، فإنه لما انكسر سار نحو دمشق حتى دخلها ليلة الأربعاء في ثلاثة نفر، ونزل بالقلعة واستدعى القضاة والأعيان ووعدهم بكل خير، وحثهم على نصرته والقيام معه، فانقادوا له، فأخذ في تدبير أموره، وتلاحقت به عساكره شيئا بعد شيء في العاشر من محرم ثم أحضر السلطان الأموال وصبها وأتاه الناس من كل فج من التركمان والعربان والعشير وغيرهم، فكتب أسماءهم وأنفق عليهم وقواهم بالسلاح، وأنزل كل طائفة منهم بموضع يحفظه فكان عدة من استخدمه من المشاة زيادة على ألف رجل، وحصن القلعة، بالمناجيق والمدافع الكبار، وأتقن تحصين القلعة بحيث إنه لم يبق سبيل للتوصل إليها بوجه من الوجوه واستمر ذلك إلى بكرة يوم السبت ثامن عشر المحرم، فنزل الأمراء على قبة يلبغا خارج دمشق، فندب السلطان عسكرا فتوجهوا إلى القبيبات، فبرز لهم سودون المحمدي، وسودون الجلب، واقتتلوا حتى تقهقر السلطانية منهم مرتين، ثم انصرف الفريقان، وفي يوم الأحد تاسع عشر المحرم ارتحل الأمراء عن قبة يلبغا، ونزلوا غربي دمشق من جهة الميدان، ووقفوا من جهة القلعة إلى خارج البلد، فتراموا بالنشاب نهارهم وبالنفط، فاحترق ما عند باب الفراديس من الأسواق، فلما كان الغد من يوم الاثنين عشرين المحرم اجتمع الأمراء للحصار، فوقفوا شرقي البلد وقبليه، ثم كروا راجعين ونزلوا ناحية القنوات إلى يوم الأربعاء ثاني عشرينه، ووقع القتال من شرقي البلد، ونزل الأمير نوروز بدار الطعم، وامتدت أصحابه إلى العقيبة، ونزل طائفة بالصالحية والمزة، ونزل شيخ بدار غرس الدين خليل تجاه جامع كريم الدين الذي بطرف القبيبات ومعه الخليفة وكاتب فتح الله، ونزل بكتمر جلق وقرقماس - سيدي الكبير - في جماعة من جهة بساتين معين الدين ومنعوا الميرة عن الملك الناصر، وقطعوا نهر دمشق، ففقد الماء من البلد، وتعطلت الحمامات، وغلقت الأسواق، واشتد الأمر على أهل دمشق، واقتتلوا قتالا شديدا، وتراموا بالسهام والنفوط، فاحترق عدة حوانيت بدمشق، وكثرت الجراحات في أصحاب الأمراء من الشاميين، وأنكاهم السلطانية بالرمي من أعلى السور، وعظم الأمر، وكلوا من القتال، ثم بلغ شيخا أن الملك الناصر عزم على إحراق ناحية قصر حجاج حتى يصير فضاء ثم يركب بنفسه ويواقع القوم هناك بمن يأتيه من التركمان وبمن عنده، فبادر شيخ وركب بعد صلاة الجمعة بأمير المؤمنين ومعه العساكر، وسار من طريق القبيبات ونزل بأرض الثابتية، وقاتل الملك الناصر في ذلك اليوم أشد قتال إلى أن مضى من الليل جانب، وكثر من الشاميين الرمي بالنفط عليهم، فاحترق سوق خان السلطان وما حوله، وحملت السلطانية على الشيخية حملة عظيمة هزموهم فيها، وتفرقوا فرقا، وثبت شيخ في جماعة قليلة بعد ما كان انهزم هو أيضا إلى قريب الشويكة، ثم تكاثر الشيخية وانضم عليهم جماعة من الأمراء، فحمل شيخ بنفسه بهم حملة واحدة أخذ فيها القنوات، ففر من كان هناك من التركمان والرماة وغيرهم، وكان الأتابك دمرداش المحمدي نازلا عند باب الميدان تجاه القلعة، فلما بلغه ذلك ركب وتوجه إلى الملك الناصر وهو جالس تحت القبة فوق باب النصر، وسأله أن يندب معه طائفة كبيرة من المماليك السلطانية، ليتوجه بهم إلى قتال شيخ، فإنه قد وصل إلى طرف القنوات، وسهل أخذه على السلطان، فنادى الملك الناصر لمن هناك من المماليك وغيرهم بالتوجه مع دمرداش، فلم يجبه منهم أحد، ثم كرر السلطان عليهم الأمر غير مرة حتى أجابه بعضهم جوابا فيه جفاء وخشونة ألفاظ، معناه أنهم ملوا من طول القتال، وضجروا من شدة الحصار، وبينما هم في ذلك، إذ اختبط العسكر السلطاني وكثر الصراخ فيهم بأن الأمير نوروزا قد كبسهم، فسارعوا بأجمعهم وعبروا من باب النصر إلى داخل مدينة دمشق، وتفرقوا في خرائبها بحيث إنه لم يبق بين يدي السلطان أحد، فولى دمرداش عائدا إلى موضعه، وقد ملك شيخ وأصحابه الميدان والإسطبل، فبعث دمرداش إلى السلطان مع بعض ثقاته بأن الأمر قد فات، وأن أمر العدو قوي، وأمر السلطان أخذ في إدبار، والرأي أن يلحق السلطان بحلب ما دام في الأمر نفس، فلما سمع الملك الناصر ذلك قام من مجلسه وترك الشمعة تقد حتى لا يقع الطمع فيه بأنه ولى، ويوهم الناس أنه ثابت مقيم على القتال، ثم دخل إلى حرمه وجهز ماله، وأطال في تعبئة ماله وقماشه، فلم يخرج حتى مضى أكثر الليل، والأتابك دمرداش واقف ينتظره، فلما رأى دمرداش أن الملك الناصر لا يوافقه على الخروج إلى حلب، خرج هو بخواصه ونجا بنفسه، وسار إلى حلب وترك السلطان، ثم خامر الأمير سنقر الرومي على الملك الناصر، وأتى أمير المؤمنين وبطل طبول السلطان والرماة، ثم خرج الملك الناصر من حرمه بماله، وأمر غلمانه فحملت الأموال على البغال ليسير بهم إلى حلب، فعارضه الأمير أرغون من بشبغا الأمير آخور الكبير وغيره، ورغبوه في الإقامة بدمشق، وقالوا له: الجماعة مماليك أبيك لا يوصلون إليك سوءا أبدا، ولا زالوا به حتى طلع الفجر، فعند ذلك ركب الملك الناصر بهم، ودار على سور المدينة فلم يجد أحدا ممن كان أعده للرمي، فعاد ووقف على فرسه ساعة، ثم طلع إلى القلعة والتجأ بها بمن معه - وقد أشحنها - وترك مدينة دمشق، وبلغ أمير المؤمنين والأمراء ذلك، فركب شيخ بمن معه إلى باب النصر، وركب نوروز بمن معه إلى نحو باب توما، ونصب شيخ السلالم حتى طلع بعض أصحابه، ونزل إلى مدينة دمشق وفتح باب النصر، وأحرق باب الجابية، ودخل شيخ من باب النصر، وأخذ مدينة دمشق، ونزل بدار السعادة، وذلك في يوم السبت تاسع صفر، بعد ما قاتل الملك الناصر نحو العشرين يوما، قتل فيها من الطائفتين خلائق لا تحصى، ووقع النهب في أموال السلطان وعساكره، وامتدت أيدي الشيخية وغيرهم إلى النهب، فما عفوا ولا كفوا، وركب أمير المؤمنين ونزل بدار في طرف ظواهر دمشق، وتحول شيخ إلى الإسطبل، وأنزل الأمير بكتمر جلق بدار السعادة، كونه قد ولي نيابة دمشق قبل تاريخه، هذا والسلطانية ترمي عليهم من أعلى القلعة بالسهام والنفوط يومهم كله، وباتوا ليلة الأحد على ذلك، فلما كان يوم الأحد عاشر صفر المذكور بعث الملك الناصر بالأمير أسندمر أمير آخور في الصلح، وتردد بينهم غير مرة حتى انعقد الصلح بينهم، وحلف الأمراء جميعهم وكتبت نسخة اليمين، ووضعوا خطوطهم في النسخة المذكورة، وكتب أمير المؤمنين أيضا خطه فيها، وصعد بها أسندمر المذكور إلى القلعة ومعه الأمير ناصر الدين محمد بن مبارك شاه الطازي - أخو الخليفة المستعين بالله لأمه - ودخلا على الملك الناصر وكلماه في ذلك، وطال الكلام بينهم فلم يعجب الملك الناصر ذلك، وترددت الرسل بينهم غير مرة بغير طائل، وأمر الملك الناصر أصحابه بالرمي عليهم، فعاد الرمي من أعلى القلعة بالمدافع والسهام، وركب الأمراء واحتاطوا بالقلعة، فأرسل الملك الناصر يسأل بالكف عنه، فضايقوا القلعة خشية أن يفر السلطان منها إلى جهة حلب، ومشت الرسل أيضا بينهم ثانيا، وأضر الملك الناصر التضييق والغلبة إلى أن أذعن إلى الصلح، وحلفوا له ألا يوصلوا إليه مكروها، ويؤمنوه على نفسه، وأن يستمر الخليفة سلطانا، وقيل غير ذلك وهو أنه ينزل إليهم، ويتشاور الأمراء فيمن يكون سلطانا، فإن طلبه المماليك فهو سلطان على حاله، وإن لم يطلبوه فيكون الخليفة، ويكون هو مخلوعا يسكن بعض الثغور محتفظا به، ومحصول الحكاية أنه نزل إليهم في ليلة الاثنين حادي عشر صفر، ومعه أولاده يحملهم ويحملون معه، وهو ماش من باب القلعة إلى الإسطبل والناس تنظره، وكان الأمير شيخ نازلا بالإسطبل المذكور، فعندما عاينه شيخ قام إليه وتلقاه وقبل الأرض بين يديه، وأجلسه بصدر المجلس، وجلس بالبعد عنه وسكن روعه، ثم تركه بعد ساعة وانصرف عنه، فأقام الملك الناصر بمكانه إلى يوم الثلاثاء ثاني صفر، فجمع الأمراء والفقهاء والعلماء المصريون والشاميون بدار السعادة بين يدي أمير المؤمنين - وقد تحول إليها وسكنها - وتكلموا في أمر الملك الناصر والمحضر المكتب في حقه، فأفتوا بإراقة دمه شرعا، فأخذ في ليلة الأربعاء من الإسطبل، وطلع به إلى قلعة دمشق، وحبسوه بها في موضع وحده، وقد ضيق عليه وأفرد من خدمه، فأقام على ذلك إلى ليلة السبت سادس عشر صفر، وقتل حسبما سنذكره في موضعه بعد اختلاف كبير وقع في أمره بين الأمراء: فكان رأي شيخ إبقاءه محبوسا بثغر الإسكندرية، وإرساله إليها مع الأمير طوغان الحسني الدوادار، وكان رأي نوروز قتله، وقام نوروز وبكتمر جلق في قتله قياما بذلا فيه جهدهما، وكان الأمير يشبك بن أزدمر أيضا ممن امتنع من قتله، وشنع ذلك على نوروز، وأشار عليه ببقائه، واحتج بالأيمان التي حلفت له، واختلف القوم في ذلك، فقوي أمر نوروز وبكتمر بالخليفة المستعين بالله، فإنه كان أيضا اجتهد هو وفتح الله كاتب السر في قتله، وحملا القضاة والفقهاء على الكتابة بإراقة دمه بعد أن توقفوا عن ذلك، حتى تجرد قاضي القضاة ناصر الدين محمد بن العديم الحنفي لذلك، وكافح من خالفه من الفقهاء بعدم قتله بقوة الخليفة ونوروز وبكتمر وفتح الله، ثم أشهد على نفسه أنه حكم بقتله شرعا، فأمضي قوله وقتل الناصر.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظرا لاشتماله على أكثر من عام هجري أحيانا
خلع السلطان الناصر فرج بن برقوق وتولية الخليفة العباسي المستعين بالله السلطنة.
العام الهجري: 815الشهر القمري: محرمالعام الميلادي: 1412تفاصيل الحدث:
دار الأمر بين السلطان والأمراء العصاة عليه وفي هذه الأثناء وفي يوم السبت خامس عشرين المحرم، خلع الخليفة المستعين بالله الملك الناصر فرج من السلطنة، واتفق الأمراء على إقامة الخليفة المستعين بالله أبو الفضل العباس ابن الخليفة المتوكل على الله أبي عبد الله محمد ابن الخليفة المعتصم بالله أبي بكر ابن الخليفة المستكفي بالله أبي الربيع سليمان ابن الخليفة الحاكم بأمر الله أبي العباس أحمد بن الحسن بن أبي بكر بن علي بن الحسين في السلطنة لتستقيم بسلطنته الأحوال، وتنفذ الكلمة، وتجتمع الناس على سلطان، وثبت خلع الملك الناصر على القضاة، وأجمعوا على إقامة الخليفة سلطانا، فامتنع الخليفة من ذلك غاية الامتناع، وخاف ألا يتم له ذلك فيهلك، وصمم على الامتناع، وخاف من الملك الناصر خوفا شديدا، فلما عجز عنه الأمراء دبروا عليه حيلة، وطلبوا الأمير ناصر الدين محمد بن مبارك شاه الطازي - وهو أخو الخليفة المستعين بالله لأمه - وندبوه بأن يركب ومعه ورقة تتضمن مثالب الملك الناصر ومعايبه، وأن الخليفة قد خلعه من الملك وعزله من السلطنة، ولا يحل لأحد معاونته ولا مساعدته، فلما بلغ الخليفة ذلك لام أخاه ناصر الدين بن مبارك شاه على ذلك، وأيس الخليفة عند ذلك من انصلاح الملك الناصر له، فأذعن لهم حينئذ بأن يتسلطن؟ فبايعوه بأجمعهم، وحلفوا له بالأيمان المغلظة والعهود على الوفاء له وعلى القيام بنصرته ولزوم طاعته، وأما الملك الناصر، فإنه لما تسلطن الخليفة، وخلع هو من الملك، نفر الناس عنه، وصاروا حزبين: حزبا يرى أن مخالفة الخليفة كفر، والناصر قد عزل من الملك، فمن قاتل معه فقد عصى الله ورسوله، وحزبا يرى أن القتال مع الملك الناصر واجب، وأنه باق على سلطنته، ومن قاتله إنما هو باغ عليه وخارج عن طاعته، ومن حينئذ أخذ أمر الملك الناصر في إدبار.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظرا لاشتماله على أكثر من عام هجري أحيانا
اغتيال السلطان المخلوع الناصر فرج بن برقوق في حبسه في قلعة دمشق.
العام الهجري: 815الشهر القمري: صفرالعام الميلادي: 1412تفاصيل الحدث:
تم القبض على السلطان الناصر فرج وحبسه في القلعة ثم استخرجت فتوى بحل دمه لأمور قام بها ثم وفي ليلة السبت سادس عشر صفر دخل عليه ثلاثة نفر هم الأمير ناصر الدين محمد بن مبارك شاه الطازي أخو الخليفة المستعين بالله لأمه، وآخر من ثقات شيخ، وآخر من أصحاب نوروز، ومعهم رجلان من المشاعلية، فعندما رآهم الملك الناصر فرج قام إليهم فزعا، وعرف فيما جاؤوا، ودافع عن نفسه، وضرب أحد الرجلين بالمدورة صرعه، ثم قام الرجل هو ورفيقه ومشوا عليه وبأيديهم السكاكين، ولا زالوا يضربونه بالسكاكين المذكورة وهو يعاركهم بيديه، وليس عنده ما يدفع عن نفسه به، حتى صرعاه، بعد ما أثخنا جراحه في خمسة مواضع من بدنه، وتقدم إليه بعض صبيان المشاعلية فخنقه وقام عنه، فتحرك الملك الناصر، فعاد إليه وخنقه ثانيا حتى قوي عنده أنه مات، فتحرك، فعاد إليه ثالثا وخنقه، وفرى أوداجه بخنجر كان معه، وسلبه ما عليه من الثياب، ثم سحب برجليه حتى ألقي على مزبلة مرتفعة من الأرض تحت السماء، وهو عاري البدن، يستر عورته وبعض فخذيه سراويله، وعيناه مفتوحتان، والناس تمر به ما بين أمير وفقير ومملوك وحر قد صرف الله قلوبهم عن دفنه ومواراته، وبقيت الغلمان والعبيد والأوباش تعبث بلحيته وبدنه، واستمر على المزبلة المذكورة طول نهار السبت المذكور، فلما كان الليل من ليلة الأحد حمله بعض أهل دمشق وغسله وكفنه، ودفنه بمقبرة باب الفراديس احتسابا لله تعالى، بموضع يعرف بمرج الدحداح، ولم تكن جنازته مشهودة، ولا عرف من تولى غسله ومواراته، فكانت مدة ولاية السلطان الناصر فرج الثانية حوالي السبع سنين والأولى مثلها تقريبا.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظرا لاشتماله على أكثر من عام هجري أحيانا




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 45.97 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 45.34 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.37%)]