الموسوعة التاريخية
علوي عبد القادر السقاف
المجلد السابع
صـــ21 الى صــ 30
(348)
خروج نائب الشام عن الطاعة ومقاتلته.
العام الهجري: 802الشهر القمري: رجبالعام الميلادي: 1400تفاصيل الحدث:
كان تنم قد تغلب على دمشق أيام موت السلطان الظاهر برقوق ثم إن السلطان الناصر فرج أقره وأعطاه نيابة دمشق وأجيز بإخراج من أراد من السجون فأخرج عدة أمراء من السجون وزاد أمره فأراد تملك أكثر من دمشق كحلب وحمص وطرابلس وغيرها، ثم إن أيتمش لما هرب في الفتنة التي حصلت بينه وبين يشبك جاء إلى تنم هذا هو ومن معه من الأمراء ففي خامس ربيع الآخر قدم الأمير أيتمش، ممن معه إلى دمشق، فخرج الأمير تنم إلى لقائه، وبالغ في إكرامه وإكرام من معه، وعظم شأن تنم بقدوم أيتمش عليه، وأطاعه من خالف عليه، وفي ثامنه: قدم عليه كتاب الملك الناصر بمسك أيتمش ومن معه وقدومه إلى مصر، فأحضر الكتاب وحامله إلى عند أيتمش، وأعلمه بذلك، ثم جهز أيتمش وتغري بردي قصادهما إلى نائب حماة، ونائب حلب، بدعواهما إلى ما هم عليه، فأجابا بالسمع والطاعة في خامس عشر جمادى الأولى: ورد الخبر بخروج تنم نائب الشام، وأيتمش، ممن معهما من دمشق إلى جهة غزة، فرسم بالتجهيز للسفر، وفي سابع عشره: اجتمع الأمراء والمماليك بمجلس السلطان، فحثهم على السفر في أول جمادى الآخرة، وأن يخرج ثمانية أمراء من الألوف بألف وخمسمائة من المماليك المشتراوات وخمسمائة من المستخدمين، فاختلف الرأي فمنهم من أجاب، ومنهم من قال لابد من سفر السلطان، وانفضوا على غير شيء، ونفوسهم متغيرة من بعضهم على بعض، ثم وفي شهر رجب، في أوله يوم الجمعة في رابعه: نزل السلطان من القلعة إلى الريدانية ليتوجه إلى قتال أيتمش ونائب الشام، فأقام بمخيمه، وتلاحق به الأمراء، والعساكر، والخليفة، وقضاة القضاة، وفي ثامنه: رحل السلطان ببقية العسكر، وعدة من سار أولا وثانيا نحو سبعة آلاف فارس وأما تنم نائب الشام، فإنه وجه نائب حلب بعسكره إلى جهة مصر في ثامنه، وخرج في تاسعه ومعه الأمير أيتمش وبقية العساكر، ومن انضم إليهم من التركمان، وخيم على قبة يلبغا خارج دمشق، حتى لحقه بقية العسكر، ومن سار معه من القضاة، وعمل الأمير جركس أبو تنم نائب الغيبة، وفي حادي عشره: رحل الأمير تنم من ظاهر دمشق، وتبعه ابن الطبلاوي في ثاني عشره، وسار نائب طرابلس بعسكره ساقة، ثم إن تنم نزل على الرملة بمن معه، وكان لما قدم عليه من انكسر من عسكره على غزة، شق عليه ذلك، وأراد أن يقبض على بتخاص والمنقار، ففارقاه ولحقا بالسلطان، وأن السلطان بعث إليه من غزة بقاضي القضاة صدر الدين المناوي في يوم الثلاثاء تاسع عشره، ومعه ناصر الدين محمد الرماح أمير أخور، وطغاي تمر مقدم البريدية، وكتب له أمانا، وأنه باق على كفالته بالشام إن أراد ذلك، وكتب إليه الأمراء يقولون له: أنت أبونا وأخونا، وأنت أستاذنا، فإن أردت الشام فهي لك، وإن أردت مصر كنا مماليكك وغلمانك، فصن الدماء، وكان الأمراء والعسكر في غاية الخوف منه لقوته، وكثرة عدده، وتفرقهم، واختلافهم، فسار إليه القاضي وحدثه في الصلح ووعظه، وحذره الشقاق والخروج عن طاعة السلطان، فقال: ليس لي مع السلطان كلام، ولكن يرسل إلى الأمير يشبك وسودون طاز وجركس المصارع، وجماعه عينهم، ويعود الأمير أيتمش كما كان هو وجميع الأمراء الذين معه، فإن فعل ذلك، وإلا فما بيني وبينهم إلا السيف، وثبت على ذلك، فقام القاضي ليخرج، فخرج معه بنفسه إلى خارج الخيمة، وأركبه فرسا في غاية الحسن، وعضده لما ركب، فقدم القاضي يوم الخميس حادي عشرينه ومعه أحد خاصكية السلطان، ممن كان عند تنم، وعوقه نحو أربعة أشهر عن الحضور، وأعاد الجواب فاتفق الجميع على محاربته، فلما كان يوم السبت ثالث عشرينه: ورد الخبر أنه ركب، ممن معه يريد الحرب، فسار السلطان بعساكره من غزة، إلى أن أشرف على الجينين قريب الظهر، فعاين تنم قد صف عساكره، ويقال إنهم خمسة آلاف فارس وستة آلاف راجل، فتقدمت عساكر السلطان إليهم وقاتلوهم، فلم يكن غير يسير حتى انهزمت عساكر تنم، ووقع في الأسر تنم نائب الشام، وأقبغا نائب حلب، ويونس نائب طرابلس، وأحمد ابن الشيخ علي، وفارس حاجب الحجاب وبيغوت، وشادي خجا، وبيرم رأس نوبة أيتمش، وجلبان نائب حلب، ومن أمراء الطبلخاناه والعشرات ما ينيف على مائة أمير، وفر أيتمش، وتغري بردي، ويعقوب شاه، أرغون شاه، وطيفور، في ثلاثة آلاف إلى دمشق ليملكوها، وعندما قبض على تنم كتب إلى دمشق بالنصرة ومسك تنم، فوصل البريد بذلك يوم الثلاثاء سادس عشرينه على نائب الغيبة بدمشق، فنودي بذلك, ثم قدم الأمير أيتمش إلى دمشق يوم الأربعاء سابع عشرينه، فقبض عليه، وعلى تغري بردي، وطيفور، وأقبعا اللكاش، وحبسوا بدار السعادة، ثم مسك بعد يومين أرغون شاه، ويعقوب شاه، وتقدم القاضي سعد الدين إبراهيم بن غراب إلى دمشق، فقدمها في يوم السبت سلخه، دخل السلطان بأمرائه وعساكره إلى قلعة دمشق، فكان يوما مشهودا وسر الناس به سرورا كبيرا في ليلة الخميس رابعه: رمضان قتل الأمير تنم نائب الشام والأمير يونس الرماح نائب طرابلس بقلعة دمشق خنقا بعد أن استصفيت أموالهما، ولم يبق لهما شيء، ثم سلما إلى أهلهما، فدفن تنم بتربته بميدان الحصى خارج دمشق، ودفن يونس بالصالحية، فكانت مدة ولاية تنم نيابة الشام سبع سنين وستة أشهر ونصفا، وولاية يونس طرابلس نحو ست سنين.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظرا لاشتماله على أكثر من عام هجري أحيانا
حريق هائل في المسجد الحرام يحرق ثلثه.
العام الهجري: 802الشهر القمري: شوالالعام الميلادي: 1400تفاصيل الحدث:
في ليلة الثامن والعشرين شوال ظهرت نار بالمسجد الحرام من رباط، ومشت بالجانب الغربي من المسجد، فعمت النار، واحترقت جميع سقف هذا الجانب، وبعض الرواقين المقدمين من الجانب الشامي، وعم الحريق فيه إلى محاذاة باب دار العجلة لخلوه بالهدم وقت السيل، وصار موضع الحريق أكواما عظيمة، وتكسر جميع ما كان في موضع الحريق من الأساطين، وصارت قطعا، وقدر الذي احترق من المسجد فكان قدر الثلث تقريبا.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظرا لاشتماله على أكثر من عام هجري أحيانا
أحمد بن أويس ملك بغداد يهرب منها ويقاتله أهلها ويلجأ للسلطان.
العام الهجري: 802الشهر القمري: ذو القعدةالعام الميلادي: 1400تفاصيل الحدث:
في ثاني ذي القعدة ورد البريد من حلب ودمشق بأن ألقان أحمد بن أويس صاحب بغداد، لما توجه إلى بغداد واستولى عليها، كان لقرا يوسف في مساعدته أثر كبير، فعندما تمكن قبض على كثير من أمراء دولته وقتلهم، وأكثر من مصادرات أهل بغداد وأخذ أموالهم، فثار عليه من بقي من الأمراء، وأخرجوه منها، وكاتبوا صاحب شيراز أن يحضر إليهم، فلحق ابن أويس بقرا يوسف بن قرا محمد التركماني صاحب الموصل، واستنجد به، فسار معه إليها، فخرج أهل بغداد وكسروهما بعد حروب، فانهزما إلى شاطئ الفرات، وبعثا يسألان نائب حلب أن يستأذن السلطان في نزولهما بالشام، وأن الأمير دمرداش استدعى الأمير دقماق نائب حماة إلى حلب، وخرجا في عسكر جريدة يبلغ عددهم الألف، وكبسا ابن أويس وقرا يوسف، وهما في نحو سبعة آلاف فارس، فاقتتلا قتالا شديدا في يوم الجمعة رابع عشرين شوال، قتل فيه الأمير جاني بلث اليحياوي أتابك حلب، وأسر دقماق نائب حماة، وانهزم دمرداش نائب حلب، وصار إلى حلب ولحقه بعد ان افتك نفسه، بمائة ألف درهم وعد بها، وأن سودون بن واده - القادم من مصر إلى حلب بالبشارة بقدوم السلطان إلى مصر سالما - بعث المائة ألف إليهما، مبعثا إليه: إنا لم نأت محاربين وإنما جئنا مستجيرين، ومستنجدين بسلطان مصر، فحاربنا هؤلاء فدفعنا عن أنفسنا، فكتب إلى نائب الشام بمسير عساكر الشام جميعا، وأخذ ابن أويس وقرا يوسف وإرسالهما إلى مصر.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظرا لاشتماله على أكثر من عام هجري أحيانا
وفاة الملك الأشرف إسماعيل صاحب اليمن وتولي ابنه الناصر أحمد بعده.
العام الهجري: 803العام الميلادي: 1400تفاصيل الحدث:
توفي الملك الأشرف إسماعيل بن الأفضل عباس بن المجاهد علي بن المؤيد داود ابن المظفر يوسف بن منصور عمر بن على بن رسول، في ليلة السبت ثامن عشر ربيع الأول، بمدينة تعز من بلاد اليمن، عن سبع وثلاثين سنة، ولى سلطنة اليمن بعد أبيه، في سنة ثمان وسبعين وسبعمائة، حتى مات، وكان حليما، كثير السخاء، مقبلا على العلم، محبا للغرباء، وصنف تاريخا لليمن، وقام بمملكة اليمن بعده ابنه الملك الناصر أحمد.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظرا لاشتماله على أكثر من عام هجري أحيانا
تيمورلنك يذبح سكان مدينتي حلب عينتاب وبهنسا.
العام الهجري: 803الشهر القمري: ربيع الأولالعام الميلادي: 1400تفاصيل الحدث:
بعد أن انتهى تيمورلنك من سيواس، توجه إلى جهة حلب فوصل إلى عينتاب ووصل إلى بهنسا وأخذها بعد أن حصرها، ثم نزل على بزاعة ظاهر حلب، فبرز نائب طرابلس بسبعمائة فارس إلى جيش تيمورلنك وهم نحو ثلاثة آلاف، وترامي الجمعان بالنشاب، ثم اقتتلوا، وأخذ من التتار أربعة، وعاد كل من الفريقين إلى موضعه فوسط الأربعة على أبواب مدينة حلب، وأما دمشق فإن أهلها بدؤوا يتجهزون والقضاة تحرض الناس على الجهاد ضد تيمورلنك، وأما عساكر مصر فبدأت كذلك بالتجهز، ثم لما نزل تيمورلنك على عين تاب، بعث إلى دمرداش نائب حلب يعده باستمراره في نيابة حلب، ويأمره بمسك الأمير سودن نائب الشام، فلما قدم عليه الرسول بذلك أحضره إلى نواب ممالك الشام، وقد حضروا إلى حلب وهم: سودن نائب دمشق، وشيخ المحمودي نائب طرابلس ودقماق نائب حماة، وألطنبغا العثماني نائب صفد، وعمر بن الطحان نائب غزة بعساكرها، فاجتمع منهم بحلب نحو ثلاثة آلاف فارس منهم عسكر دمشق ثمانمائة فارس، إلا أن الأهواء مختلفة، والآراء مفلولة، والعزائم محلولة والأمر مدبر، فبلغ رسول تيمورلنك الرسالة دمرداش، فأنكر مسك سودن نائب دمشق، فقال له الرسول إن الأمير - يعني تيمورلنك - لم يأت إلا بمكاتبتك إليه، وأنت تستدعيه أن ينزل على حلب، وأعلمته أن البلاد ليس بها أحد يدفع عنها، فحنق منه دمرداش، وقام إليه وضربه، ثم أمر به فضربت رقبته، ويقال إن كلام هذا الرسول كان من تنميق تيمورلنك ومكره، ليغرق بذلك بين العساكر، ونزل تيمورلنك على جبلان خارج حلب، يوم الخميس تاسع ربيع الأول، وزحف يوم الجمعة، وأحاط بسور حلب، وكانت بين الحلبيين وبينه في هذين اليومين حروب، فلما أشرقت الشمس يوم السبت حادي عشره، خرجت نواب الشام بالعساكر وعامة أهل حلب إلى ظاهر المدينة وعبوا للقتال، ووقف سودن نائب دمشق في الميمنة، ودمرداش في الميسرة، وبقية النواب في القلب، وقدموا أمامهم عامة أهل حلب، فزحف تيمورلنك بجيوش قد سدت الفضاء، فثبت الأمير شيخ نائب طرابلس، وقاتل - هو وسودن نائب دمشق - قتالا عظيما، وبرز الأمير عز الدين أزدمر أخو أينال اليوسفي، وولده يشبك ابن أزدمر في عدة من الفرسان، وأبلوا بلاء عظيما، وظهر عن أزدمر وولده من الإقدام ما تعجب منه كل أحد، وقاتلا قتالا عظيما، فقتل أزدمر وفقد خبره، وثخنت جراحات يشبك، وصار في رأسه فقط زيادة على ثلاثين ضربة بالسيف، سوى ما في بدنه، فسقط بين القتلى، ثم أخذ وحمل إلى تيمورلنك ولم يمض غير ساعة حتى ولت العساكر تريد المدينة، وركب أصحاب تيمورلنك أقفيتهم، فهلك تحت حوافر الخيل من الناس عدد لا يدخل تحت حصر، فإن أهل حلب خرجوا حتى النساء والصبيان، وازدحم الناس مع ذلك في دخولهم من أبواب المدينة، وداس بعضهم بعضا، حتى صارت الرمم طول قامة، والناس تمشي من فوقها، وتعلق نواب المماليك بقلعة حلب، ودخل معهم كثير من الناس، وكانوا قبل ذلك قد نقلوا إلى القلعة سائر أموال الناس بحلب، واقتحمت عساكر تيمورلنك المدينة وأشعلوا بها النيران، وجالوا بها ينهبون ويأسرون ويقتلون، واجتمع بالجامع وبقية المساجد نساء البلد، فمال أصحاب تيمورلنك عليهن، وربطوهن بالحبال، ووضعوا السيف في الأطفال فقتلوهم بأجمعهم، وأتت النار على عامة المدينة فأحرقتها، وصارت الأبكار تفتض من غير تستر ولا احتشام، بل يأخذ الواحد الواحدة ويعلوها في المسجد والجامع، بحضرة الجم الغفير من أصحابه، ومن أهل حلب، فيراها أبوها وأخوها ولا يقدر أن يدفع عنها، لشغله بنفسه، وفحش القتل، وامتلأ الجامع والطرقات برمم القتلى، واستمر هذا الخطب من صحوة نهار السبت إلى أثناء يوم الثلاثاء، والقلعة قد نقب عليها من عدة أماكن، وردم خندقها، ولم يبق إلا أن تؤخذ، فطلب النواب الأمان، ونزل دمرداش إلى تيمورلنك فخلع عليه ودفع إليه أمانا، وخلعا للنواب، وبعث معه عدة وافرة إلى النواب، فأخرجوهم، ممن معهم، وجعلوا كل اثنين في قيد وأحضروا إليه، فقرعهم ووبخهم، ودفع كل واحد منهم إلى من يحتفظ به، وسيقت إليه نساء حلب سبايا، وأحضرت إليه الأموال، ففرقها على أمرائه، واستمر بحلب شهرا، والنهب في القرى لا يبطل، مع قطع الأشجار، وهدم البيوت وجافت حلب وظواهرها من القتلى، بحيث صارت الأرض منهم فراشا، لا يجد أحد مكانا يمشي عليه إلا وتحت رجليه رمة قتيل، وعمل من الرؤوس منابر عدة، مرتفعة في السماء نحو عشرة أذرع، في دور عشرين ذراعا، حرز ما فيها من رؤوس بني آدم، فكان زيادة على عشرين ألف رأس، وجعلت الوجوه بارزة يراها من يمر بها، ثم رحل تمر عنها، وهي خاوية على عروشها، خالية من ساكنها وأنيسها، قد تعطلت من الأذان، وإقامة الصلوات، وأصبحت مظلمة بالحريق، موحشة، قفراء مغبرة، لا يأويها إلا الرخم، ثم بعد أن رحل الجيش عنها سائرا إلى جهة دمشق ورد الخبر أن أحمد بن رمضان التركماني، وابن صاحب الباز، وأولاد شهري، ساروا وأخذوا حلب، وقتلوا من بها من أصحاب تيمورلنك وهم زيادة على ثلاثة آلاف فارس، وأن تيمورلنك بالقرب من سليمة.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظرا لاشتماله على أكثر من عام هجري أحيانا
جيش تيمورلنك يدخل حماة ويقتل أهلها ويخربها.
العام الهجري: 803الشهر القمري: ربيع الأولالعام الميلادي: 1400تفاصيل الحدث:
أخذت مدينة حماة أيضا وكان من خبرها أن مرزه شاه ابن تيمورلنك نزل عليها بكرة يوم الثلاثاء رابع عشر ربيع الأول، وأحاط بسورها، ونهب المدينة، وسبى النساء والأطفال، وأسر الرجال، ووقع أصحابه على النساء يطؤوهن ويفتضوا الأبكار جهارا، من غير استتار، وخربوا جميع ما خرج عن السور، وقد ركب أهل البلد السور، وامتنعوا بالمدينة، وباتوا على ذلك، فلما أصبحوا يوم الأربعاء فتحوا بابا واحدا من أبواب المدينة، ودخل ابن تمر في قليل من أصحابه ونادي بالأمان، فقدم الناس إليه أنواع المطاعم فقبلها، وعزم أن يقيم رجلا من أصحابه على حماة، فقيل له أن الأعيان قد خرجوا منها، فخرج إلى مخيمه، وبات به، ودخل يوم الخميس ووعد الناس بخير، وخرج، ومع ذلك، فإن القلعة ممتنعة عليه، فلما كان ليلة الجمعة نزل أهل القلعة إلى المدينة وقتلوا من أصحاب مرزه شاه رجلين كانا أقرهما بالمدينة، فغضب من ذلك وأشعل النار في أرجاء البلد، واقتحمها أصحابه يقتلون ويأسرون وينهبون، حتى صارت كمدينة حلب، سوداء، مغبرة، خالية من الأنيس.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظرا لاشتماله على أكثر من عام هجري أحيانا
تيمورلنك يدمر مدينة دمشق ويذبح أهلها.
العام الهجري: 803الشهر القمري: رجبالعام الميلادي: 1401تفاصيل الحدث:
أما دمشق، فإنه لما قدم عليهم الخبر بأخذ حلب، نودي في الناس بالتحول إلى المدينة والاستعداد للعدو، فاختبط الناس، وعظم ضجيجهم وبكاؤهم، وأخذوا ينتقلون في يوم الأربعاء نصفه من حوالي المدينة إلى داخلها، واجتمع الأعيان للنظر في حفظ المدينة، فقدم في سابع عشر ربيع الأول المنهزمون من حماة، فعظم الخوف، وهم الناس بالجلاء، فمنعوا منه، ونودي من سافر نهب، فورد في ثامن عشره الخبر بنزول طائفة من العدو على حماة، فحصنت مدينة دمشق، ووقف الناس على الأسوار، وقد استعدوا، ونصبت المجانيق على القلعة، وشحنت بالزاد، وهم نائب الغيبة بالفرار ولكن العامة ردته ردا قبيحا وهاج الناس وماجوا ونادوا بتسليم البلد من غير قتال، وكل هذا وعسكر مصر لم يخرج منها بعد، ثم في ربيع الآخر بدأ جيش مصر بالخروج منها متوجهين إلى دمشق، هذا وجيش تيمورلنك قد وصل قريبا من حمص فبدأ الناس بالهرب وخاصة أن أهل بعلبك أيضا هربوا لنزول تيمورلنك عليهم، ثم في سادس جمادى الأولى قدم السلطان دمشق بعساكره، وقد وصلت أصحاب تيمورلنك إلى البقاع، وفي يوم السبت الخامس عشر من الشهر هذا نزل تيمورلنك إلى قطا فملأت جيوشه الأرض، وركب طائفة منهم إلى العسكر وقاتلوهم، فخرج السلطان من دمشق يوم الثلاثاء ثامن عشره إلى يلبغا، فكانت وقعة انكسرت ميسرة العسكر، وانهزم أولاد الغزاوي وغيرهم إلى ناحية حوران، وجرح جماعة، وحمل تمر حملة منكرة، ليأخذ بها دمشق، فدفعته عساكر السلطان، ونزل كل من العسكرين بمعسكره وبعث تيمور إلى السلطان في طلب الصلح وإرسال أطلمش أحد أصحابه إليه، وأنه هو أيضا يبعث من عنده من الأمراء المقبوض عليهم في وقعة حلب فأشار تغري بردي ودمرداش وقطلوبغا الكركي في قبول ذلك لما يعرفوا من اختلاف كلمتهم، لا لضعف عسكرهم، فلم يقبلوا وأبوا إلا القتال، ثم أرسل تيمور رسولا آخر في طلب الصلح، وكرر القول ثانيا، وظهر للأمراء ولجميع العساكر صحة مقالته، وأن ذلك على حقيقته، فأبى الأمراء ذلك، هذا والقتال مستمر بين الفريقين في كل يوم، فلما كان ثاني عشر جمادى الآخرة اختفى من أمراء مصر والمماليك السلطانية جماعة، منهم الأمير سودون الطيار، وقاني باي العلائي رأس نوبة، وجمق، ومن الخاصكية يشبك العثماني وقمش الحافظي وبرسبغا الدوادار وطرباي في جماعة أخر، فوقع الاختلاف عند ذلك بين الأمراء، وعادوا إلى ما كانوا عليه من التشاحن في الوظائف والإقطاعات والتحكم في الدولة، وتركوا أمر تيمورلنك كأنه لم يكن، وأخذوا في الكلام فيما بينهم بسبب من اختفى من الأمراء وغيرهم، هذا وتيمورلنك في غاية الاجتهاد في أخذ دمشق وفي عمل الحيلة في ذلك، ثم أعلم بما الأمراء فيه، فقوي أمره واجتهاده، بعد أن كان عزم على الرحيل، واستعد لذلك، فلما كان آخر ليلة الجمعة حادي عشرين جمادى الأولى ركب الأمراء وأخذوا السلطان الملك الناصر فرج على حين غفلة، وساروا به من غير أن يعلم العسكر به من على عقبة عمر يريدون الديار المصرية، وتركوا العساكر والرعية من المسلمين غنما بلا راع وأما بقية أمراء مصر وأعيانها من القضاة وغيرهم لما علموا بخروج السلطان من دمشق خرجوا في الحال في إثره طوائف طوائف يريدون اللحاق بالسلطان، فأخذ غالبهم العشير، وسلبوهم، وقتلوا منهم خلقا كثيرا، وأما العساكر الذين خلفوا بدمشق من أهل دمشق وغيرها، فإنه كان اجتمع بها خلائق كثيرة من الحلبيين والحمويين والحمصيين وأهل القرى ممن خرج جافلا من تيمور، ولما أصبحوا يوم الجمعة، وقد فقدوا السلطان والأمراء والنائب، غلقوا أبواب دمشق، وركبوا أسوار البلد، ونادوا بالجهاد، فتهيأ أهل دمشق للقتال وزحف عليهم تيمورلنك بعساكره، فقاتله الدمشقيون من أعلى السور أشد قتال، وردوهم عن السور والخندق، وأسروا منهم جماعة ممن كان اقتحم باب دمشق، وأخذوا من خيولهم عدة كبيرة، وقتلوا منهم نحو الألف، وأدخلوا رؤوسهم إلى المدينة، وصار أمرهم في زيادة فأعيا تيمورلنك أمرهم، وعلم أن الأمر يطول عليه، فأخذ في مخادعتهم، وعمل الحيلة في أخذ دمشق منهم، وبينما أهل دمشق في أشد ما يكون من القتال والاجتهاد في تحصين بلدهم، قدم عليهم رجلان من أصحاب تيمورلنك من تحت السور وصاحا من بعد الأمير يريد الصلح، فابعثوا رجلا عاقلا حتى يحدثه الأمير في ذلك، ولما سمع أهل دمشق كلام أصحاب تيمورلنك في الصلح وقع اختيارهم في إرسال قاضي القضاة تقي الدين إبراهيم بن مفلح الحنبلي، فأرخى من سور دمشق إلى الأرض، وتوجه إلى تيمورلنك واجتمع به وعاد إلى دمشق وقد خدعه تيمورلنك بتنميق كلامه، وتلطف معه في القول، وترفق له في الكلام، وقال له: هذه بلدة الأنبياء والصحابة وقد أعتقتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة عني وعن أولادي، ولولا حنقي من سودون نائب دمشق عند قتله لرسولي ما أتيتها وقد صار سودون المذكور في قبضتي وفي أسري؛ وقد كان الغرض في مجيئي إلى هنا، ولم يبق لي الآن غرض إلا العود، ولكن لا بد من أخذ عادتي من التقدمة من الطقزات، وكانت هذه عادته إذا أخذ مدينة صلحا يخرج إليه أهلها من كل نوع من أنواع المأكول والمشروب والدواب والملابس والتحف تسعة؛ يسمون ذلك طقزات؛ والطقز باللغة التركية: تسعة، وهذه عادة ملوك التتار، فعاد ابن مفلح يثني على تيمورلنك ويحث الناس على عدم القتال وإعطائه ما يريد وكاد يحصل بسبب ذلك فتنة إلى أن جمع ابن مفلح ما يريده تيمورلنك وحمله إليه وعاد هو ومن معه ومعهم فرمان من تيمورلنك لهم، وهو ورقة فيها تسعة أسطر يتضمن أمان أهل دمشق على أنفسهم وأهليهم خاصة؛ فقرىء الفرمان المذكور على منبر جامع بني أمية بدمشق وفتح من أبواب دمشق باب الصغير فقط، وقدم أميرمن أمراء تيمور، جلس فيه ليحفظ البلد ممن يعبر إليها من عساكر تيمور فمشى ذلك على الشاميين وفرحوا به، لكن تيمورلنك لم يرض بالمال الذي أحضر له بل طلب أضعافه، فحصل من الغلاء في دمشق ما لا يصدق بسبب ذلك، ثم إن الجمعة قد دعي فيها لابن تيمورلنك في الخطبة ثم قدم شاه ملك أحد أمراء تيمورلنك إلى مدينة دمشق على أنه نائبها من قبل تيمور، ثم بعد جمعتين منعوا من إقامة الجمعة بدمشق لكثرة غلبة أصحاب تيمورلنك بدمشق كل ذلك ونائب القلعة ممتنع بقلعة دمشق، وأعوان تيمورلنك تحاصره أشد حصار، حتى سلمها بعد تسعة وعشرين يوما وقد رمي عليها بمدافع ومكاحل لا تدخل تحت حصر، هذا وليس بالقلعة المذكورة من المقاتلة إلا نفر قليل دون الأربعين نفرا، وطال عليهم الأمر، ويئسوا من النجمة، وطلبوا الأمان، وسلموها بالأمان، وكان تيمورلنك لما اتفق أولا مع ابن مفلح على ألف ألف دينار يكون ذلك على أهل دمشق خاصة، والذي تركته العساكر المصرية من السلاح والأموال يكون لتيمور فخرج إليه ابن مفلح بأموال أهل مصر جميعها فلما صارت كلها إليه وعلم أنه استولى على أموال المصريين ألزمهم بإخراج أموال الذين فروا من دمشق، فسارعوا أيضا إلى حمل ذلك كله، وتدافعوا عنده حتى خلص المال جميعه فلما كمل ذلك ألزمهم أن يخرجوا إليه جميع ما في البلد من السلاح جليلها وحقيرها، فتتبعوا ذلك وأخرجوه له حتى لم يبق بها من السلاح شيء فلما فرغ ذلك كله قبض على ابن مفلح ورفقته، وألزمهم أن يكتبوا له جميع خطط دمشق وحاراتها وسككها، فكتبوا فلك ودفعوه إليه، ففرقه على أمرائه، وقسم البلد بينهم، فساروا إليها بمماليكهم وحواشيهم ونزل كل أمير في قسمه، وطلب من فيه، وطالبهم بالأموال، فحينئذ حل بأهل دمشق من البلاء مالا يوصف وأجرى عليهم أنواع العذاب من الضرب والعصر والإحراق بالنار، والتعليق منكوسا، وغم الأنف بخرقة فيها تراب ناعم، كلما تنفس دخل في أنفه حتى تكاد نفسه تزهق؛ فكان الرجل إذا أشرف على الهلاك يخلى عنه حتى يستريح، ثم تعاد عليه العقوبة أنواعا، فكان المعاقب يحسد رفيقه الذي هلك تحت العقوبة على الموت، ويقول: ليتني أموت وأستريح مما أنا فيه، ومع هذا تؤخذ نساؤه وبناته وأولاده الذكور، وتقسم جميعهم على أصحاب ذلك الأمير، فيشاهد الرجل المعذب امرأته أو بنته وهي توطأ، وولده وهو يلاط به، فيصرخ هو من ألم العذاب، والبنت والولد يصرخان من إزالة البكارة واللواط، وكل ذلك من غير تستر في النهار بحضرة الملأ من الناس، ورأى أهل دمشق أنواعا من العذاب لم يسمع بمثلها، واستمر هذا البلاء والعذاب بأهل دمشق تسعة عشر يوما، آخرها يوم الثلاثاء ثامن عشرين شهر رجب، فهلك في هذه المدة بدمشق بالعقوبة والجوع خلق لا يعلم عددهم إلا الله تعالى، فلما علمت أمراء تيمورلنك أنه لم يبق بالمدينة شيء خرجوا إلى تيمورلنك فسألهم هل بقي لكم تعلق في دمشق؟ فقالوا: لا فأنعم عند ذلك بمدينة دمشق أتباع الأمراء، فدخلوها يوم الأربعاء آخر رجب، ومعهم سيوف مسلولة مشهورة وهم مشاة، فنهبوا ما قدروا عليه من آلات الحرب وغيرها، وسبوا نساء دمشق وساقوا الأولاد والرجال، وتركوا من الصغار من عمره خمس سنين فما دونها، وساقوا الجميع مربوطين في الحبال، ثم طرحوا النار في المنازل والدور والمساجد، وكان يوم عاصف الريح، فعم الحريق جميع البلد حتى صار لهيب النار يكاد أن يرتفع إلى السحاب، وعملت النار في البلد ثلاثة أيام بلياليها آخرها يوم الجمعة، وكان تيمورلنك - لعنه الله - سار من دمشق في يوم السبت ثالث شهر شعبان بعد ما أقام على دمشق ثمانين يوما، وقد احترقت كلها وسقطت سقوف جامع بني أمية من الحريق، وزالت أبوابه وتفطر رخامه، ولم يبق غير جدره قائمة، وذهبت مساجد دمشق ودورها وقياسرها وحماماتها وصارت أطلالا بالية ورسوما خالية، ولم يبق بها دابة تدب، إلا أطفال يتجاوز عددهم آلاف، فيهم من مات، وفيهم من سيموت من الجوع.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظرا لاشتماله على أكثر من عام هجري أحيانا
تيمورلنك يدخل بغداد ويقتل أهلها ويخربها.
العام الهجري: 803الشهر القمري: رمضانالعام الميلادي: 1401تفاصيل الحدث:
كان رحيل تيمورلنك عن دمشق في يوم السبت ثالث شعبان من هذه السنة واجتاز على حلب وفعل بها ما قدر عليه ثانيا، ثم سار منها حتى نزل على ماردين يوم الاثنين عاشر شهر رمضان من السنة، ووقع له بها أمور، ثم رحل عنها، وأوهم أنه يريد سمرقند، يوري بذلك عن بغداد، وكان السلطان أحمد بن أويس قد استناب ببغداد أميرا يقال له فرج، وتوجه هو وقرا يوسف نحو بلاد الروم، فندب تيمور على حين غفلة أمير زاده رستم ومعه عشرون ألفا لأخذ بغداد، ثم تبعه بمن بقي معه ونزل على بغداد، وحصرها حتى أخذها عنوة في يوم عيد النحر من السنة، ووضع السيف في أهل بغداد، لما استولى على بغداد ألزم جميع من معه أن يأتيه كل واحد منهم برأسين من رؤوس أهل بغداد؛ فوقع القتل في أهل بغداد وأعمالها، حتى سالت الدماء أنهارا، حتى أتوه بما أراد، فبنى من هذه الرؤوس مائة وعشرين مئذنة، فكانت عدة من قتل في هذا اليوم من أهل بغداد تقريبا مائة ألف إنسان - وقال المقريزي: تسعين ألف إنسان - وهذا سوى من قتل في أيام الحصار، وسوى من قتل في يوم دخول تيمور إلى بغداد، وسوى من ألقى نفسه في الدجلة فغرق، وهو أكثر من ذلك، قال: وكان الرجل المرسوم له بإحضار رأسين إذا عجز عن رأس رجل قطع رأس امرأة من النساء وأزال شعرها وأحضرها، قال: وكان بعضهم يقف بالطرقات ويصطاد من مر به ويقطع رأسه، ثم رحل تيمور عن بغداد وسار حتى نزل قراباغ بعد أن جعلها دكا خرابا.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظرا لاشتماله على أكثر من عام هجري أحيانا
الصلح بين تيمورلنك والسلطان فرج بن برقوق.
العام الهجري: 804العام الميلادي: 1401تفاصيل الحدث:
بعد أن تم للمغول بقيادة تيمورلنك تديمر مدن الشام، أرسل تهديداته للسلطان فرج بن برقوق سلطان المماليك في مصر، وكان قد أسر أميرا من المغول يدعى (أطلمس) فطالب تيمورلنك بإطلاق سراحه فورا وإلا فسيزحف المغول على مصر ويرفعون راياتهم على ربوعها. وقد أذعن السلطان فرج لهذه التهديدات وأطلق سراح أطلمس وعقد صلحا مع تيمورلنك يتعهد فيه السلطان فرج بطاعة تيمورلنك والدعوة باسمه في مساجد مصر، وقد أدى هذا الصلح المهين إلى ذهاب حرمة المملكة واختفاء احترام الأمراء والعامة للسلطان فرج، فلم تمض سنوات ثلاث حتى عزل. والواقع أن هزائم دولة المماليك الثانية على عهد فرج بن برقوق تعتبر أقسى الهزائم التي تعرض لها المسلمون في العصور الوسطى وهذا بسبب تصارع المماليك المتعصبين لأصولهم العرقية.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظرا لاشتماله على أكثر من عام هجري أحيانا
نائب الشام السابق تغري بردي يعصي على السلطان وينضم له دمرداش نائب حلب.
العام الهجري: 804الشهر القمري: محرمالعام الميلادي: 1401تفاصيل الحدث:
كان قد رسم لتغري بردي بنيابة دمشق ثم في محرم سنة أربع وثمانمائة، كتب الأمراء بمصر لأمراء دمشق بالقبض على الأمير تغري بردي فكتب له بذلك بعض أعيان أمراء مصر، فسبق ذلك المثال السلطاني، فركب من دار السعادة بدمشق في نفر من مماليكه في ليلة الجمعة ثاني عشرين المحرم وخرج إلى حلب، فتعين لنيابة دمشق، عوضا عنه الأمير آقبغا الجمالي الأطروش أتابك دمشق، وكتب بانتقال دقماق نائب صفد إلى نيابة حلب، عوضا عن دمرداش المحمدي بحكم عصيانه وانضمامه إلى تغري بردي لما قدم عليه من دمشق، واستقر الأمير تمربغا المنجكي في نيابة صفد عوضا عن دقماق، وأما تغري بردي فإنه لما سار إلى حلب وجد الأمير دمرداش نائب حلب قد قبض على الأمير خليل بن قراجا بن دلغادر أمير التركمان، فأمره تغري بردي بإطلاقه، فأطلقه، واتفق الجميع على الخروج عن طاعة السلطان بسبب من حوله من الأمراء، واجتمع عليهم خلائق من التركمان وغيرهم فإن دقماق جمع جموعه من العساكر والتركمان لقتال تغري بردي ودمرداش نائب حلب، وسار إلى جهة حلب، فخرج إليه تغري بردي وعلى مقدمته دمرداش، وصدموه صدمة واحدة انكسر فيها بجموعه وولوا الأدبار، ونهب ما معهم، وعاد دقماق منهزما إلى دمشق، واستنجد بنائبها الأمير آقبغا الجمالي الأطروش، وكتب أيضا دقماق لجميع نواب البلاد الشامية بالحضور والقيام بنصرة السلطان، وجمع من التركمان والعربان جمعا كبيرا، وخرج معه غالب العساكر الشامية، وعاد إلى جهة حلب بعساكر عظيمة، وتغري بردي ودمرداش في مماليكهم لا غير، مع جدب البلاد الحلبية، وخراب قراها، فإنه كان، عقيب توجه تيمور بسنة واحدة وأشهر، فلما قارب دقماق بعساكره حلب أشار دمرداش على تغري بردي بالتوجه إلى بلاد التركمان من غير قتال، فقال تغري بردي لا بد من قتالنا معه، فإن انتصرنا وإلا توجهنا إلى بلاد التركمان بحق، فبرزا لدقماق بمماليكهما، وقد صف دقماق عساكره، واقتتلا قتالا شديدا، وثبت كل من الفريقين، وقد أشرف دقماق على الهزيمة، وبينما هو في ذلك خرج من عسكر تغري بردي ودمرداش جماعة إلى دقماق، فانكسرت عند ذلك الميمنة، ثم انهزم الجميع إلى نحو بلاد التركمان، فلم يتبعهم أحد من عساكر دقماق، وملك دقماق حلب، واستمر تغري بردي ودمرداش ببلاد التركمان، وكانت الأخبار وردت بجمع التركمان ونزولهم مع دمرداش إلى حلب، وأن دقماق نائب حلب اجتمع معه نائب حماة والأمير نعير، ثم في السنة التالية في محرم قدم تغري بردي إلى دمشق بأمان كان كتب له من قبل السلطان مع كتب جميع الأمراء وقد فارق دمرداش ورغب في الطاعة، ثم انتقل منها إلى مصر في وصلها في آخر الشهر.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظرا لاشتماله على أكثر من عام هجري أحيانا