عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 03-11-2025, 04:35 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,239
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شمولية الحضارة الإسلامية

شمولية الحضارة الإسلامية -2-





الدكتور حمزة الكتاني


شمولية الإسلام لكافة مظاهر الحياة:

هذا؛ ومن حيث النطاق الذي غطته الحضارة الإسلامية، رسالة وفعلا، فإنها لم تدع مجالا من مجالات الحياة قل أو كثر، كبر أو صغر، إلى ودخلت فيه دخول الروح في الجسد، وصبغته بصبغة الحق تعالى وناموسه الذي خلق الخلق من أجله، كما في قوله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}. [الذاريات/ 56].

إن أبرز ما يلفت النظر لحضارتنا – حسب الأستاذ مصطفى السباعي رحمه الله – أنها تميزت بالخصائص التالية:

1- أنها قامت على أساس الوحدانية المطلقة في العقيدة.
2- أنها إنسانية النزعة والهدف.
3- أنها جعلت للمباديء الأخلاقية المحل الأول في كل نظمها ومختلف ميادين نشاطها، خاطبت العقل والقلب معا، وأثارت العاطفة والفكر في وقت واحد.
4- وآخر ما نذكره من خصائصها: هذا التسامح الديني العجيب، الذي لم تعرفه حضارة مثلها قامت على الدين(4).

وعلاوة على كون الحضارة هي نتاج لتراكمات معرفية، وتجارب إنسانية، فإن حضارة الإسلام أُسست نواتها، وظهرت معالمها كاملة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى يديه الكريمتين، وبتربيته وتعليمه ونهجه القويم، بحيث ما ترك للناس بابا من أبواب السعادة إلا أرشدهم إليه، ولا مزلقا من مزالق الضلال والغواية إلا وحذرهم منه، وذلك مصداق قول الحق تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وـأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا}. [المائدة/ 3].

قال حافظ المغرب الشيخ عبد الحي الكتاني رحمه الله، في "التراتيب الإدارية": "إنه – عليه السلام – حيث كان يشغل منصب النبوة الديني على قاعدة جمع دينه القويم بين سياسة الدين والدنيا جمعا مزج بين السلطتين بحيث كادا أن يدخلا تحت مسمى واحد، وهو الدين. وكذلك وقع؛ كانت الإدارات اللازمة للسياستين على عهده صولجانا دائرا، والعمالات بأتم أعمالها إلى الترقي والعمل سائر، بحيث يجد المتتبع أن وظائف حاشية الملك اليوم الخاصة بشخصه؛ من صاحب الوضوء، والفراش، والنعال، والاصطبل، والحاجب وغير ذلك، كانت موجودة عند النبي صلى الله عليه وسلم، ولعل عن ذلك العهد أخذها ملوك الإسلام".

"كما إذا التفت إلى ما يتعلق بالمراتب الإدارية؛ من وزارة بأنواعها، وكتابة بأنواعها، والرسائل والإقطاعات، وكتابة العهود والصلح، والرسل والترجمان، وكتاب الجيش والقضاة، وصاحب المظالم، وفارض المواريث، وصاحب العسس في المدينة، والسجان والعيون، والجواسيس، والمارستان، والمدارس والزوايا، ونصب الأوصياء والممرضات، والجراحين والصيارفة، وصاحب بيت المال ومتولي خراج الأرض، وقاسم الأرض، وصانع المنجنيقات، والرامي بها، وصاحب الدبابات، وحافر الخنادق والصواغين، وأنواع المتاجر، والصناعات والحرف؛ تجد أن مدته – عليه السلام – مع قصرها لم تخل من أعمال هذه الوظائف وإدارة هذه العمالات، وتجدها كانت مسندة للأكفاء من أصحابه وأعوانه عليه السلام".

قال: "ومن عرف نهضة الإسلام وتعاليم النبي عليه السلام، وأمعن النظر في تلك النهضة؛ تحقق أن ليس هناك من أساليب التمدن ما لم يكن الإسلام في وقت ظهوره أصلا له وينبوعا، فمن تأمل ما بثه النبي صلى الله عليه وسلم من التعاليم وأنواع الإرشاد، وما حوى القرآن من آداب الاجتماع ومن طرق التعارف والتمازج، وما أودع الله غضون كلماته الجوهرية من أحكام الطبيعة وأسرار الوجود وفرائد الكائنات، وما ضبط من الحقوق وسن من نظامات الحياة، وما تلته به السنة النبوية من تهذيب النفوس والأخلاق والإرشاد للأخذ بالتي هي أحسن فالأحسن، وما أحكمته من سنن الارتقاء والإخاء البشري والمتمع بضروب الحرية؛ علم أن التمدن الإسلامي في إبان ظهوره قامت معه تلك الأعمال لتأثير تلك التعاليم على قلوب سامعيها في ذلك الحين"(5).

فالإسلام حدد العلاقة بين العبد وربه، وحددها بين العبد ونفسه، وبين العبد وغيره من الناس، وبينه وبين الطبيعة والبيئة، كما أرسى أسس الحرية والعدالة والمساواة، حرية مقيدة بحقوق الآخر، وبالقيم الأخلاقية العليا، بخلاف الحرية المعاصرة التي خرقت حجب الأخلاق والقيم.

وبذلك شرع لكل نوع من تلك العلاقات شرائع وأحكاما نظمتها، وأسست الحدود والقواطع لها، لتغطي كافة الاحتياجات البشرية في الماضي والمستقبل.

فالإسلام إنما جاء بنظريات عامة، وشرائع مرنة، تتكيف مع كل زمان ومكان، وشعب وجنس، بحيث جعل الله تعالى شرائعه متعلقة بمفاصل النفس البشرية، ومجامع النوع الإنساني، تلك التي يمكننا تسميتها بــ: نقاط الالتقاء بين الطبائع البشرية، ولا شك أنه علميا كل نقطة التقاء تتضمن مجموع الصفات التي تعود نفسها لكل طرف من الملتقيات، ففلسفة العالم إنما تكمل وتكتسب الشمول عندما تغطي أكبر قدر من نقط الالتقاء، وكلما زادت معرفة المنظر باختلاف العالم واتفاقه؛ كلما تمكن من حشذ القواعد المتعلقة بنقط الالتقاء، وبذلك تعميم نظريته على أكبر شريحة من المجتمعات(6).

ثم تفاعلت تلك الشرائع مع عادات الشعوب التي انتشرت بينهم، وفهومهم، وتجاربهم، فقبلت منها ما وافق قواعدها، ونسخت ما خالفها، لتتكون فسيفساء من القيم الأخلاقية والاجتماعية، ذات لون وطابع هو نسيج الإسلام وتعاليمه.

ونستخلص من ذلك: أن الإسلام نظام حكم، ودولة، سواء في سياستها الداخلية والخارجية، وتشريعاتها المدنية والجنائية والأسرية، بحيث يؤسس هيكلا نظاميا فيردا في نفسه.

وحدد الإسلام العلاقة بين العبد وربه، من حيث الطاعة، والذكر، والخشوع، والنية الصالحة، والتوبة، والإنابة، والخشية، والتجلي، والفناء، والفرق والجمع...إلخ، وجماع ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مرفوعا: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امريء ما نوى". وهو ما يسمى في الحضارة الإسلامية بالتصوف.

كما حدد الإسلام علاقة الزوج بزوجته، وبأبنائه، وفرض عليه حسن معاشرتهم، والقيام بحقوقهم، وكيفية تربية الأبناء، ومسايسة المرأة، فقال صلى الله عليه وسلم وعلى آله فيما رواه الإمام أحمد في مسنده (2/ 5)، والبخاري في صحيحه (3/ 196) وغيرهما عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعا: "كلكم راع ومسؤول عن رعيته؛ فالإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسؤولة عن رعيتها، والخادم في مال سيده راع وهو مسؤول عن رعيته" قال الراوي: فسمعت هؤلاء من النبي صلى الله عليه وسلم وأحسب النبي صلى الله عليه وسلم قال: "والرجل في مال أبيه راع ومسؤول عن رعيته، فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته".

وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه الترمذي قس سننه (3895)، وأبو داود في سننه أيضا (4899)، والدارمي في سننه (2265) عن أمنا عائشة الصديقة رضي الله عنها مرفوعا: "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي". بحيث يعتبر الإسلام أول من نادى بالإعلان العالمي لحقوق المرأة، بما يتلاءم مع فطرتها وخصوصياتها، وأول من نادى بالإعلان العالمي لحقوق الطفل، بما يأخذ بعين الاعتبار مكانته وفطرته، وطريقة تربيته وتوجيهه.

كما أسس أسس وقوانين الحياة الاجتماعية، ومعاشرة الجيران، سواء كانوا أفرادا أو دولا، أشخاصا أو جماعات، وكيفية تساوي حقوقهم وواجباتهم، ونوع تلك الحقوق والواجبات، بما يعنون عنه بالنظام الاجتماعي في الإسلام. فقال صلى الله عليه وسلم وعلى آله فيما رواه الشيخان البخاري (8/ 12)، ومسلم (8/ 36) عن عائشة رضي الله عنها: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه".

كما بلور الإسلام - دينا وحضارة – الأسلوب العلمي الرزين للبحث والتنقيب، والتوثيق، فكانت الحضارة الإسلامية رائدة المنهج التجريبي في البحث العلمي، ومؤسسة قواعده وهياكله، بحيث يعود لها الفضل في ذلك، ويعود الفضل الكبير لعلماء المسلمين في اكتشاف أهم الاكتشافات العلمية التي العالم عالة عليها إلى الآن.

فقد "أعطى علماء العرب والمسلمين للتجربة في منهج البحث العلمي مكانا مهما جدا، ولكنهم لم يغفلوا أهمية الفرض النظري في كشف زوايا التجربة العلمية واحتمالاتها أيضا، وبذلك حققوا لعلم الكيمياء ما يعتبر ضروريا لكل علم من العلوم من وجود موضوع محدد ومنهاج يناسب ذلك الموضوع، ونظرية العلاقات الكائنة بين أجزائه المختلفة". على حد قول الأستاذ زكي نجيب محفوظ.

كما أن الحضارة الإسلامية كانت أول من أرسى دعائم علاقة الإنسان بغير الإنسان، فقد حض الإسلام على إكرام كل ذات نفس طرية، وأن في الإنعام عليها اجرا كبيرا من الله تعالى، وفي الإساءة إليها عقوبة من الله تعالى، فقد قال صلى الله عليه وسلم وعلى آله فيما أخرجه الإمام أحمد في مسنده (2/ 222) عن ابن عمرو رضي الله عنهما مرفوعا: "في كل ذات كبد حرّى أجر". وما قصة العابدة التي حبست القطة فما أطعمتها ولا تركتها تسرح تنقب في أرض الله حتى ماتت، فعاقبها الله تعالى بالنار. ولا الرجل الذي أشفق على الكلب فسقاه من البئر حتى روي فأكرمه الله بالجنة، ما تلك القصص بعازبة عن الباحث. وذلك يعد أول إعلان في التاريخ عن حقوق الحيوان قبل الحضارة الغربية بأربعة عشر قرنا.

ولا كذلك الحض على مراعاة الطبيعة، وعدم إفسادها وتلويثها، فكانت الحضارة الإسلامية هي السباقة للدعوة لحماية البيئة وصيانتها من الضياع والفساد.


-يتبع-
الحلقة السابقة هنا
------------------------------------------------------------------------
(4) عن كتابه "من روائع حضارتنا". بواسطة "العلوم البحتة في الحضارة العربية والإسلامية" ص15.
(5) "التراتيب الإدارية في الحكومة النبوية" ص1-2.
(6) انظر مقدمتنا لكتاب "الاجتهاد والمجتهدون بالأندلس والمغرب" تأليف الإمام أبي المزايا محمد إبراهيم بن أحمد الكتاني.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 23.61 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 22.98 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.66%)]