الموسوعة التاريخية
علوي عبد القادر السقاف
المجلد الخامس
صـــ121 الى صــ 130
(258)
استعداد النصارى لحرب المسلمين واسترداد بيت المقدس فأهلكهم الله بالبرد والجوع.
العام الهجري: 586العام الميلادي: 1190تفاصيل الحدث:
جهزت النصارى ثلاث حملات ألمانية وإنكليزية وفرنسية كل ذلك لمحاولة استرداد بيت المقدس، فسارت الحملتان الإنكليزية والفرنسية بحرا إلى عكا وساهمت في الحصار البحري وكان فيهم ريتشارد المعروف بقلب الأسد، وأما الحملة الألمانية فجاءت برا وهم من أكثرهم عددا، وأشدهم بأسا، فكان طريقهم على القسطنطينية، فأرسل ملك الروم بها إلى صلاح الدين يعرفه الخبر ويعد أنه لا يمكنه من العبور في بلاده، فلما وصل ملك الألمان إلى القسطنطينية عجز ملكها عن منعه من العبور لكثرة جموعه، لكنه منع عنهم الميرة، ولم يمكن أحدا من رعيته من حمل ما يريدونه إليهم، فضاقت بهم الأزواد والأقوات، وساروا حتى عبروا خليج القسطنطينية، وصاروا على أرض بلاد الإسلام، وهي مملكة الملك قلج أرسلان ابن مسعود بن سليمان بن قتلمش بن سلجق. فلما وصلوا إلى أوائلها ثار بهم التركمان الأوج، فما زالوا يسايرونهم ويقتلون من انفرد ويسرقون ما قدروا عليه، وكان الزمان شتاء والبرد يكون في تلك البلاد شديدا، والثلج متراكما، فأهلكهم البرد والجوع والتركمان فقل عددهم فلما قاربوا مدينة قونية خرج إليهم الملك قطب الدين ملكشاه بن قلج أرسلان ليمنعهم، فلم يكن له بهم قوة، فعاد إلى قونية فلما عاد عنهم قطب الدين أسرعوا السير في أثره، فنازلوا قونية، وأرسلوا إلى قلج أرسلان هدية وقالوا له: ما قصدنا بلادك ولا أردناها، وإنما قصدنا البيت المقدس؛ وطلبوا منه أن يأذن لرعيته في إخراج ما يحتاجون إليه من قوت وغيره، فأذن في ذلك، فأتاهم ما يريدون، فشبعوا، وتزودوا، وساروا؛ وسار ملك الألمان حتى أتى بلاد الأرمن وصاحبها لافون بن اصطفانة بن ليون، فأمدهم بالأقوات والعلوفات، وحكمهم في بلاده، وأظهر الطاعة لهم، ثم ساروا نحو أنطاكية، وكان في طريقهم نهر، فنزلوا عنده، ودخل ملكهم إليه ليغتسل، فغرق في مكان منه لا يبلغ الماء وسط الرجل وكفى الله شره، وكان معه ولد له، فصار ملكا بعده، وسار إلى أنطاكية، فاختلف أصحابه عليه، فأحب بعضهم العود إلى بلاده، فتخلف عنه، وبعضهم مال إلى تمليك أخ له، فعاد أيضا، وسار فيمن صحت نيته له، فعرضهم، وكانوا نيفا وأربعين ألفا، ووقع فيهم الوباء والموت، فوصلوا إلى أنطاكية وكأنهم قد نبشوا من القبور، فتبرم بهم صاحبها، وحسن لهم المسير إلى الفرنج الذين على عكا، فساروا على جبلة ولاذقية وغيرهما من البلاد التي ملكها المسلمون، وخرج أهل حلب وغيرها إليهم، وأخذوا منهم خلقا كثيرا، ومات أكثر ممن أخذ، فبلغوا طرابلس، وأقاموا بها أياما، فكثر فيهم الموت، فلم يبق منهم إلا نحو ألف رجل، فركبوا في البحر إلى الفرنج الذين على عكا، ولما وصولوا رأوا ما نالهم في طريقهم وما هم فيه من الاختلاف عادوا إلى بلادهم فغرقت بهم المراكب ولم ينج منهم أحد.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظرا لاشتماله على أكثر من عام هجري أحيانا
ملك البرتغال مدينة شلب بالأندلس وعودها إلى المسلمين.
العام الهجري: 586العام الميلادي: 1190تفاصيل الحدث:
ملك ابن الرنك، وهو من ملوك الفرنج البرتغال، غرب بلاد الأندلس، مدينة شلب وهي من كبار مدن المسلمين بالأندلس، واستولى عليها، فوصل الخبر بذلك إلى الأمير أبي يوسف يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن، صاحب الغرب والأندلس، فتجهز في العساكر الكثيرة وسار إلى الأندلس، وعبر المجاز، وسير طائفة كثيرة من عسكره في البحر، ونازلها وحصرها، وقاتل من بها قتالا شديدا، حتى ذلوا وسألوا الأمان فأمنهم وسلموا البلد وعادوا إلى بلادهم، وسير جيشا من الموحدين ومعهم جمع من العرب إلى بلاد الفرنج، ففتحوا أربع مدن كان الفرنج قد ملكوها قبل ذلك بأربعين سنة، وفتكوا في الفرنج، فخافهم ملك طليطلة من الفرنج، وأرسل يطلب الصلح، فصالحه خمس سنين، وعاد أبو يوسف إلى مراكش، وامتنع من هذه الهدنة طائفة من الفرنج لم يرضوها ولا أمكنهم إظهار الخلاف، فبقوا متوقفين حتى دخلت سنة تسعين وخمسمائة، فتحركوا.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظرا لاشتماله على أكثر من عام هجري أحيانا
الحرب بين غياث الدين وسلطان شاه بخراسان.
العام الهجري: 586العام الميلادي: 1190تفاصيل الحدث:
كان سلطان شاه أخو خوارزم شاه قد تعرض إلى بلاد غياث الدين ومعز الدين ملكي الغورية، من خراسان، فتجهز غياث الدين وخرج من فيروزكوه إلى خراسان سنة خمس وثمانين وخمسمائة، فبقي يتردد بين بلاد الطالقان، وبنجده، ومرو، وغيرها يريد حرب سلطان شاه، فلم يزل كذلك إلى أن دخلت سنة ست وثمانين، فجمع سلطان شاه عساكره وقصد غياث الدين، فتصافا واقتتلا، فانهزم سلطان شاه، وأخذ غياث الدين بعض بلاده وعاد إلى غزنة.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظرا لاشتماله على أكثر من عام هجري أحيانا
وقعة الفرنج واليزك.
العام الهجري: 586الشهر القمري: صفرالعام الميلادي: 1190تفاصيل الحدث:
بعد رحيل صلاح الدين عن عكا إلى الخروبة لمرضه، سمع الفرنج أن صلاح الدين قد سار للصيد، ورأى العسكر اليزك عندهم قليلا، وأن الوحل الذي في مرج عكا كثير يمنع من سلوكه من أراد أن ينجد اليزك، فاغتنموا ذلك، وخرجوا من خندقهم على اليزك وقت العصر، فقاتلهم المسلمون، وقتل من الفريقين جماعة كثيرة، وعاد الفرنج إلى خندقهم، ولما عاد صلاح الدين إلى المعسكر سمع خبر الوقعة، فندب الناس إلى نصر إخوانهم، فأتاه الخبر أن الفرنج عادوا إلى خندقهم، فأقام، ثم إنه رأى الشتاء قد ذهب، وجاءته العساكر من البلاد القريبة منه دمشق وحمص وحماة وغيرها، فتقدم من الخروبة نحو عكا، فنزل بتل كيسان، وقاتل الفرنج كل يوم ليشغلهم عن قتال من بعكا من المسلمين، فكانوا يقاتلون الطائفين ولا يسأمون، وكان الفرنج، في مدة مقامهم على عكا، قد عملوا ثلاثة أبراج من الخشب عالية جدا، وعملوا كل برج منها خمس طبقات، كل طبقة مملوءة من المقاتلة، وغشوها بالجلود والخل والطين والأدوية التي تمنع النار من إحراقها، وأصلحوا الطرق لها، وقدموها نحو مدينة عكا من ثلاث جهات، وزحفوا بها في العشرين من ربيع الأول، فأشرفت على السور، وقاتل من بها من عليه، فانكشفوا، وشرعوا في طم خندقها، فأشرف البلد على أن يملك عنوة وقهرا، فأرسل أهله إلى صلاح الدين إنسانا سبح في البحر، فأعلمه ما هم فيه من الضيق، وما قد أشرفوا عليه من أخذهم وقتلهم، فركب هو وعساكره وتقدموا إلى الفرنج وقاتلوهم من جميع جهاتهم قتالا عظيما دائما يشغلهم عن مكاثرة البلد، فافترق الفرنج فرقتين: فرقة تقاتل صلاح الدين، وفرقة تقاتل أهل عكا، إلا أن الأمر قد خف عمن بالبلد، ودام القتال ثمانية أيام متتابعة، آخرها الثامن والعشرون من الشهر، وسئم الفريقان القتال، وملوا منه لملازمته ليلا ونهارا، والمسلمون قد تيقنوا استيلاء الفرنج على البلد، لما رأوا من عجز من فيه عن دفع الأبراج، فإنهم لم يتركوا حيلة إلا وعملوها، فلم يفد ذلك ولم يغن عنهم شيئا، وتابعوا رمي النفط الطيار عليها، فلم يؤثر فيها، فأيقنوا بالبوار والهلاك، فأتاهم الله بنصر من عنده وإذن في إحراق الأبراج، فلما احترق البرج الأول انتقل إلى الثاني، وقد هرب من فيه لخوفهم، فأحرقه، وكذلك الثالث، وأرسل لاح الدين يطلب العساكر الشرقية، فأول من أتاه عماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي، وهو صاحب سنجار وديار الجزيرة، ثم أتاه علاء الدين ولد عز الدين مسعود بن مودود بن زنكي، سيره أبوه مقدما على عسكره وهو صاحب الموصل، ثم وصل زين الدين يوسف صاحب إربل؛ وكان كل منهم إذا وصل يتقدم إلى الفرنج بعسكره، وينضم إليه غيرهم، ويقاتلونهم، ثم ينزلون، ووصل الأسطول من مصر، فلما سمع الفرنج بقربه منهم جهزوا إلى طريقه أسطولا ليلقاه ويقاتله، فركب صلاح الدين في العساكر جميعها، وقاتلهم من جهاتهم ليشتغلوا بقتاله عن قتال الأسطول ليتمكن من دخول عكا، فلم يشتغلوا عن قصده بشيء، فكان القتال بين الفريقين برا وبحرا، وكان يوما مشهودا لم يؤرخ مثله، وأخذ المسلمون من الفرنج مركبا بما فيه من الرجال والسلاح، وأخذ الفرنج من المسلمين مثل ذلك، إلا أن القتل في الفرنج كان أكثر منه في المسلمين، ووصل الأسطول الإسلامي سالما.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظرا لاشتماله على أكثر من عام هجري أحيانا
وقعة للمسلمين والفرنج على عكا.
العام الهجري: 586الشهر القمري: رمضانالعام الميلادي: 1190تفاصيل الحدث:
في العشرين من جمادى الآخرة، خرجت الفرنج فارسها وراجلها من وراء خنادقهم، وتقدموا إلى المسلمين، وهم كثير لا يحصى عددهم، وقصدوا نحو عسكر مصر، ومقدمهم الملك العادل أبو بكر بن أيوب، وكان المصريون قد ركبوا واصطفوا للقاء الفرنج، فالتقوا، واقتتلوا قتالا شديدا، فانحاز المصريون عنهم، ودخل الفرنج خيامهم، ونهبوا أموالهم، فعطف المصريون عليهم، فقاتلوهم من وسط خيامهم فأخرجوهم عنها، وتوجهت طائفة من المصريين نحو خنادق الفرنج، فقطعوا المدد عن أصحابهم الذين خرجوا، وكانوا متصلين كالنمل، فلما انقطعت أمدادهم ألقوا بأيديهم، وأخذتهم السيوف من كل ناحية فلم ينج منهم إلا الشريد، وقتل منهم مقتلة عظيمة، يزيد عدد القتلى على عشرة آلاف قتيل، وكانت عساكر الموصل قريبة من عسكر مصر، وكان مقدمهم علاء الدين خرمشاه بن عز الدين مسعود صاحب الموصل، فحملوا أيضا على الفرنج، وبالغوا في قتالهم، ونالوا منهم نيلا كثيرا، ولما جرى على الفرنج هذه الحادثة خمدت جمرتهم، ولانت عريكتهم، فلما كان بعد يومين أتت الفرنج أمداد في البحر فعادت نفوسهم فقويت واطمأنت، وأخبرهم أن الأمداد واصلة إليهم يتلو بعضها بعضا، فتماسكوا وحفظوا مكانهم، ثم إن الكند هري نصب منجنيقا ودبابات وعرادات، فخرج من بعكا من المسلمين فأخذوها، وقتلوا عندها كثيرا من الفرنج؛ ثم إن الكند هري بعد أخذ مجانيقه أراد أن ينصب منجنيقا، فلم يتمكن من ذلك لأن المسلمين بعكا كانوا يمنعون من عمل ستائر يستتر بها من يرمي من المنجنيق، فعمل تلا من تراب بالبعد من البلد، ونصبوا وراءه منجنيقين، وصار التل سترة لهما، وكانت الميرة قد قلت بعكا، فأرسل صلاح الدين إلى الإسكندرية يأمرهم بإنفاذ الأقوات واللحوم وغير ذلك في المراكب إلى عكا، فتأخر إنفاذها، فسير إلى نائبه بمدينة بيروت في ذلك، فسير بطسة عظيمة مملوءة من كل ما يريدونه، وأمر من بها فلبسوا ملبس الفرنج وتشبهوا بهم ورفعوا عليها الصلبان، فلما وصلوا إلى عكا لم يشك الفرنج أنها لهم، فلم يتعرضوا لها، فلما حاذت ميناء عكا أدخلها من بها، ففرح بها المسلمون، وانتعشوا وقويت نفوسهم، وتبلغوا بما فيها إلى أن أتتهم الميرة من الإسكندرية، ثم في حادي عشر شوال، خرج النصارى في عدد كالرمل كثرة وكالنار جمرة؛ فلما رأى صلاح الدين ذلك نقل أثقال المسلمين إلى قيمون، وهو على ثلاثة فراسخ عن عكا، وكان قد عاد إليه من فرق من عساكره لما هلك ملك الألمان، ولقي الفرنج على تعبئة حسنة، فسار الفرنج، شرقي نهر هناك، حتى وصلوا إلى رأس النهر، فشاهدوا عساكر الإسلام وكثرتها، فارتاعوا لذلك، ولقيهم الجالشية، وأمطروا عليهم من السهام ما كاد يستر الشمس، فلما رأوا ذلك تحولوا إلى غربي النهر، ولزمهم الجالشية يقاتلونهم، والفرنج قد تجمعوا، ولزم بعضهم بعضا، فلما كان الغد عادوا نحو عكا ليعتصموا بخندقهم، والجالشية في أكتافهم يقاتلونهم تارة بالسيوف وتارة بالرماح وتارة بالسهام، فلما بلغ الفرنج خندقهم، ولم يكن لهم بعدها ظهور منه، عاد المسلمون إلى خيامهم، وقد قتلوا من الفرنج خلقا كثيرا، وفي الثالث والعشرين من شوال أيضا كمن جماعة من المسلمين، وتعرض للفرنج جماعة أخرى، فخرج إليهم أربعمائة فارس، فقاتلهم المسلمون شيئا من قتال، وتطاردوا لهم، وتبعهم الفرنج حتى جازوا الكمين، فخرجوا عليهم فلم يفلت منهم أحد.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظرا لاشتماله على أكثر من عام هجري أحيانا
توجه الفرنجة لبيت المقدس لاحتلالها.
العام الهجري: 587العام الميلادي: 1191تفاصيل الحدث:
سار صلاح الدين إلى البيت المقدس فيمن بقي معه من العساكر، فنزلوا جميعا داخل البلد، فاستراحوا مما كانوا فيه، ونزل هو بدار الأقسا مجاور بيعة قمامة، وقدم إليه عسكر من مصر مقدمهم الأمير أبو الهيجاء السمين، فقويت نفوس المسلمين بالقدس، وسار الفرنج من الرملة إلى النطرون ثالث ذي الحجة، على عزم قصد القدس، فكانت بينهم وبين يزك المسلمين وقعات، أسر المسلمون في وقعة منها نيفا وخمسين فارسا من مشهوري الفرنج وشجعانهم، وكان صلاح الدين لما دخل القدس أمر بعمارة سوره، وتجديد ما رث منه، فأحكم الموضع الذي ملك البلد منه، وأتقنه، وأمر بحفر خندق خارج الفصيل، وسلم كل برج إلى أمير يتولى عمله.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظرا لاشتماله على أكثر من عام هجري أحيانا
استرداد شواطئ الشام من الصليبين.
العام الهجري: 587العام الميلادي: 1191تفاصيل الحدث:
دخلت سنة ست وثمانين والسلطان بالخروبة على حصار الفرنج، وقدمت عساكر المسلمين من الشرق ومن بقية البلاد، فرحل من الخروبة لاثنتي عشرة بقيت من ربيع الأول إلى تل كيسان وتتابع مجيء العساكر. وكملت أبراج الفرنج الثلاثة، التي بنوها تجاه عكا في مدة سبعة أشهر، حتى علت على البلد، وامتلأت بالعدد والعدة، وطموا كثيرا من الخندق، وضايقوا البلد. واشتد خوف المسلمين، واشتدت الحرب بين الفريقين، حتى احترقت الأبراج الثلاثة، وخرج أهل عكا منها، فنظفوا الخندق، وسدوا الثغر، وغنموا ما كان في الأبراج من الحديد، فتقووا به. وكان بين أسطول المصريين وبين مراكب الفرنج عدة معارك، قتل فيها كثير من الفرنج. ودخل ملك الألمان بجيوشه إلى حدود بلاد الإسلام، وقد فني منهم كثير، فواقعهم الملك عز الدين قلج بن أرسلان السلجوقي، فانكسر منهم، فلحق به الفرنج إلى قونية وهاجموها، وأحرقوا أسواقها، وساروا إلى طرسوس يريدون بيت المقدس، واسترجاع ما أخذ منهم السلطان من البلاد والحصون، فمات بها ملكهم. وقام من بعده ابنه، فسار إلى أنطاكية. وندب السلطان كثيرا ممن كان معه على حرب عكا إلى جهة أنطاكية، ووقع فيمن بقي معه مرض كثير، وأمر بتخريب سور طبرية ويافا وأرسوف وقيسارية وصيدا وجبيل فخرب ذلك، ونقل من كان فيها إلى بيروت وطمع الفرنج في السلطان لقلة من بقي معه، فركبوا لحربه ونهبوا وطاق الملك العادل. وكانت للمسلمين معهم حرب، انكسر فيها الفرنج إلى خيامهم، وقتل منهم آلاف، فوهنت قواهم. غير أن المدد أتاهم، ونصبوا المجانيق على عكا، فتحول السلطان إلى الحزوبة، فوافى كتاب ملك الروم بقسطنطينية، يخبر بوصول المنبر من عند السلطان، وكذلك الخطيب والمؤذنين والقراء، وأن الخطبة أقيمت بالجامع القديم بالقسطنطينية للخليفة الناصر لدين الله. وسار ابن ملك الألمان عن أنطاكية إلى طرابلس في جيوشه، وركب منها البحر إلى عكا، فوصل إليها سادس رمضان، فأقام عليها إلى أن هلك ثاني عشر ذي الحجة، بعدما حارب المسلمين فلم ينل منهم كبير عرض. ودخل الشتاء وقد طالت مدة البيكار، وضجرت العساكر من كثرة القتال، فرحل صاحب سنجار وصاحب الجزيرة وصاحب الموصل.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظرا لاشتماله على أكثر من عام هجري أحيانا
أخذ عكا من يدي السلطان صلاح الدين الأيوبي.
العام الهجري: 587الشهر القمري: جمادى الآخرةالعام الميلادي: 1191تفاصيل الحدث:
في يوم الجمعة، سابع عشر جمادى الآخرة، استولى الفرنج، على مدينة عكا، وكان أول وهن دخل على من بالبلد أن الأمير سيف الدين علي بن أحمد الهكاري، المعروف بالمشطوب، كان فيها، ومعه عدة من الأمراء كان هو أمثلهم وأكبرهم، خرج إلى ملك إفرنسيس وبذل له تسليم البلد بما فيه على أن يطلق المسلمين الذين فيه، ويمكنهم من اللحاق بسلطانهم، فلم يجبه إلى ذلك، فعاد علي بن أحمد إلى البلد، فوهن من فيه، وضعفت نفوسهم، وتخاذلوا، وأهمتهم أنفسهم، ثم إن أميرين ممن كانا بعكا، لما رأوا ما فعلوا بالمشطوب، وأن الفرنج لم يجيبوا إلى الأمان، اتخذوا الليل جملا، وركبوا في شيني صغير، وخرجوا سرا من أصحابهم، ولحقوا بعسكر المسلمين، وهم عز الدين أرسل الأسدي، وابن عز الدين جاولي، ومعهم غيرهم، فلما أصبح الناس ورأوا ذلك ازدادوا وهنا إلى وهنهم، وضعفا إلى ضعفهم، وأيقنوا بالعطب، ثم إن الفرنج أرسلوا إلى صلاح الدين في معنى تسليم البلد، فأجابهم إلى ذلك، والشرط بينهم أن يطلق من أسراهم بعدد من في البلد ليطلقوا هم من بعكا، وأن يسلم إليهم صليب الصلبوت، فلم يقنعوا بما بذل، فأرسل إلى من بعكا من المسلمين يأمرهم أن يخرجوا من عكا يدا واحدة ويسيروا مع البحر ويحملوا على العدو حملة واحدة، ويتركوا البلد بما فيه، ووعدهم أنه يتقدم إلى تلك الجهة التي يخرجون منها بعساكره، يقاتل الفرنج فيها ليلحقوا به، فلم يدركوا ذلك، وحملوا على الفرنج من جميع جهاتهم ظنا منهم أن الفرنج يشتغلون عن الذين بعكا، وصلاح الدين يحرضهم، وهو في أولهم، وكان الفرنج قد زحفوا من خنادقهم ومالوا إلى جهة البلد، فقرب المسلمون من خنادقهم، حتى كادوا يدخلونها عليهم ويضعون السيف فيهم، فوقع الصوت فعاد الفرنج ومنعوا المسلمين، وتركوا في مقابلة من بالبلد من يقاتلهم، فاتفقوا على تسليم البلد فلما ملكه الفرنج غدروا واحتاطوا على من فيه من المسلمين وعلى أموالهم، وحبسوهم، وأظهروا أنهم يفعلون ذلك ليصل إليهم ما بذل لهم بالتسليم وراسلوا صلاح الدين في إرسال المال والأسرى والصليب، حتى يطلقوا من عندهم، فعلم الناس غدرهم، وإنما يطلقون غلمان العسكر والفقراء والأكراد ومن لا يؤبه له، ويمسكون عندهم الأمراء وأرباب الأموال، يطلبون منهم الفداء، فلم يجبهم السلطان إلى ذلك، فلما كان يوم الثلاثاء السابع والعشرين من رجب، ركب الفرنج، وخرجوا إلى ظاهر البلد بالفارس والراجل، وركب المسلمون إليهم وقصدوهم، وحملوا عليهم، فانكشفوا عن موقفهم، وإذا أكثر من كان عندهم من المسلمين قتلى قد وضعوا فيهم السيف وقتلوهم واستبقوا الأمراء والمقدمين ومن كان له مال، وقتلوا من سواهم من سوادهم وأصحابهم ومن لا مال له، فلما رأى صلاح الدين ذلك تصرف في المال الذي كان جمعه، ورد الأسرى والصليب إلى دمشق.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظرا لاشتماله على أكثر من عام هجري أحيانا
وفاة الفقيه الحنفي أبي بكر بن مسعود الكاساني.
العام الهجري: 587الشهر القمري: رجبالعام الميلادي: 1191تفاصيل الحدث:
توفي الفقيه الحنفي علاء الدين أبو بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني، وكاسان بلدة وراء الشاس بها قلعة حصينة، وقد لقب بملك العلماء لبراعته في الفقه. ألف كتابه "بدائع الصنائع وترتيب الشرائع" . تفقه صاحب "البدائع" على محمد بن أحمد بن أبي أحمد السمرقندي المنعوت علاء الدين وقرأ عليه معظم تصانيفه مثل "التحفة في الفقه" وغيرها من كتب الأصول وزوجه شيخه ابنته الفقيهة العالمة فقال الفقهاء في عصره: شرح تحفته وزوجه ابنته. توفي يوم الأحد بعد الظهر وهو عاشر رجب من هذه السنة.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظرا لاشتماله على أكثر من عام هجري أحيانا
رحيل الفرنج إلى ناحية عسقلان.
العام الهجري: 587الشهر القمري: شعبانالعام الميلادي: 1191تفاصيل الحدث:
لما فرغ الفرنج من إصلاح أمر عكا، ساروا مستهل شعبان نحو حيفا مع شاطئ البحر لا يفارقونه؛ فلما سمع صلاح الدين برحيلهم نادى في عسكره بالرحيل فضايقوا الفرنج في مسيرهم، وأرسلوا عليهم من السهام ما كاد يحجب الشمس، ووقعوا على ساقة الفرنج، فقتلوا منها جماعة، وأسروا جماعة، وأرسل الأفضل إلى والده يستمده ويعرفه الحال، فأمر العساكر بالمسير إليه، فاعتذروا بأنهم ما ركبوا بأهبة الحرب، وإنما كانوا على عزم المسير لا غير، فبطل المدد وعاد ملك الإنكليز إلى ساقة الفرنج، فحماها، وجمعهم، وساروا حتى أتوا حيفا، فنزلوا بها، ونزل المسلمون بقيمون، قرية بالقرب منهم، وأحضر الفرنج من عكا عوض من قتل منهم وأسر ذلك اليوم، وعوض ما هلك من الخيل، ثم ساروا إلى قيسارية، والمسلمون يسايرونهم ويتخطفون منهم من قدروا عليه فيقتلونه، لأن صلاح الدين كان قد أقسم أنه لا يظفر بأحد منهم إلا قتله بمن قتلوا ممن بعكا، فلما قاربوا قيسارية لاصقهم المسلمون، وقاتلوهم أشد قتال، فنالوا منهم نيلا كثيرا، ونزل الفرنج بها، وبات المسلمون قريبا منهم، فلما نزلوا خرج من الفرنج جماعة فأبعدوا عن جماعتهم، فأوقع بهم المسلمون الذين كانوا في اليزك، فقتلوا منهم وأسروا، ثم ساروا من قيسارية إلى أرسوف، وكان المسلمون قد سبقوهم إليها، ولم يمكنهم مسايرتهم لضيق الطريق، فلما وصل الفرنج إليهم حمل المسلمون عليهم حملة منكرة وألحقوهم بالبحر، ودخله بعضهم فقتل منهم كثير، فلما رأى الفرنج ذلك اجتمعوا، وحملت الخيالة على المسلمين حملة رجل واحد، فولوا منهزمين فلما انهزم المسلمون عنهم قتل خلق كثير، والتجأ المنهزمون إلى القلب، وفيه صلاح الدين، وكان بالقرب من المسلمين شعرة كثيرة الشجر، فدخلوها وظنها الفرنج مكيدة، فعادوا، وزال عنهم ما كانوا فيه من الضيق، ثم سار الفرنج إلى يافا فنزلوها، ولم يكن بها أحد من المسلمين، فملكوها، وسار صلاح الدين عنهم إلى الرملة، واجتمع بأثقاله بها، وجمع الأمراء واستشارهم فيما يفعل، فأشاروا عليه بتخريب عسقلان، فأمر بتخريبها، فخربت تاسع عشر شعبان، وألقيت حجارتها في البحر، وهلك فيها من الأموال والذخائر التي للسلطان والرعية ما لا يمكن حصره، وعفى أثرها حتى لا يبقى للفرنج في قصدها مطمع، ولما سمع الفرنج بتخريبها أقاموا مكانهم ولم يسيروا إليها، فلما خربت عسقلان رحل صلاح الدين عنها ثاني شهر رمضان، ومضى إلى الرملة فخربت حصنها وخرب كنيسة لد، ثم سار صلاح الدين إلى القدس بعد تخريب الرملة، فاعتبره وما فيه من سلاح وذخائر، وقرر قواعده وأسبابه، وما يحتاج إليه، وعاد إلى المخيم ثامن رمضان، وفي هذه الأيام خرج ملك إنكلتار من يافا، ومعه نفر من الفرنج من معسكرهم، فوقع به نفر من المسلمين، فقاتلوهم قتالا شديدا، وكاد ملك إنكلتار يؤسر، ففداه بعض أصحابه بنفسه، فتخلص الملك وأسر ذلك الرجل.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظرا لاشتماله على أكثر من عام هجري أحيانا