من الكبائر الشائعة (8)
أبو حاتم سعيد القاضي
غصب الأرض ولو شبرًا
من أخَذَ مِنَ الأرْضِ ولو شبرًا بغيرِ حَقٍّ فقد أتى كبيرةً؛ لأنَّ فاعلَه مُتَوَعَّدٌ بأن يُخسَفَ به يومَ القيامةِ:
عن أبي سلمة بن عبدالرحمن رحمه الله أنه كانت بينه وبين أُناسٍ خصومةٌ، فذكرَ لعائشة رضي الله عنها، فقالت: يا أبا سلمة، اجتنِبِ الأرضَ؛ فإنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: ((من ظلَمَ قيْدَ شبرٍ من الأرضِ، طُوِّقَه من سبعِ أرضِين)) [1].
وعن عروة بن الزبير رحمه الله أن أروَى بنتَ أويس ادَّعَتْ على سعيد بن زيد أنه أخذَ شيئًا من أرضِها، فخاصَمَتْه إلى مَرْوان بن الحَكَم، فقال سعيد: أنا كنتُ آخذُ من أرضِها شيئًا بعد الذي سمِعتُ من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: وما سمِعْتَ من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: سمِعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من أخذَ شِبرًا من الأرضِ ظُلْمًا، طُوِّقَه إلى سبعِ أرَضِين))، فقال له مروان: لا أسألُك بيَّنَةً بعد هذا، فقال: "اللهمَّ إن كانت كاذبةً فعَمِّ بصرَها، واقتُلْهَا في أرضِها"، قال: "فما ماتتْ حتى ذهبَ بَصَرُها، ثم بيْنا هي تمشِي في أرضِها، إذْ وقعَتْ في حفرةٍ فماتَتْ" [2].
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ أخَذَ من الأرضِ شيئًا بغير حقِّه، خُسِفَ به يومَ القيامةِ إلى سبعِ أرَضِين)) [3].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يأخُذُ أحَدٌ شِبْرًا من الأرضِ بغيرِ حقِّه، إلا طَوَّقَه الله إلى سبعِ أرَضِين يومَ القيامةِ"[4].
قال القرطبي رحمه الله [5]: "هذا وعِيدٌ شديدٌ يفيدُ أنَّ أخْذَ شَيءٍ من الأرضِ بغيرِ حَقِّه من أكبرِ الكبائرِ على أيِّ وجْهٍ كانَ من غصْبٍ، أو سرِقَةٍ، أو خديعةٍ، قليلًا كانَ أو كثيرًا".
وقال ابن النَّحَّاس رحمه الله في الكبائر [6]: "غصبُ الأرضِ"، قال: "ولا فرْقَ بين أن يغصِبَ ذلك من أرضِ مسلمٍ معيَّنٍ، أو مِمَّا هو مشتَرَكٌ بين النَّاسِ كالطُّرُقِ ونحوِها، والأحاديثُ المُتَقدِّمةُ تدلُّ على ذلك".
[1] أخرجه البخاري (2453)، ومسلم (1612).
[2] أخرجه البخاري (2452) مرفوعًا بدون القصة، ومسلم (1610)، واللفظ له.
[3] أخرجه البخاري (2454).
[4] أخرجه مسلم (1611).
[5] "المفهم" (4/ 427).
[6] "تنبيه الغافلين" (254).