اعتبار قيمة المسروق عند إخراجه من الحرز
قال رحمه الله: [وتعتبر قيمتها وقت إخراجها من الحرز] .
أو عرض قيمته -أي: قيمة النصاب- وقت إخراجها من الحرز، مثل ما ذكرنا في الأطعمة والأكسية، لو أنه مثلا: جاء إلى مستودع فيه حديد وسرق قطع حديد، أو جاء إلى قطع غيار وهي في حرزها محفوظة وكسر أقفالها ودخل إلى الحرز فأخرج حديدا قيمته تعادل النصاب فأكثر؛ فإذا وقع الأمر على هذا الوجه فهو سرقة؛ لأنه عادل النصاب.
لكن
السؤال هل العبرة في قيمة النصاب أثناء أخذ المسروق أم العبرة بعد إخراجه من الحرز؟ بعض العلماء يقول: العبرة بوقت الأخذ، وبعضهم يقول: العبرة بوقت خروجه من الحرز.
قلنا: إنه يشترط أن تكون القيمة وقت الخروج؛ لأن السرقة لا تتحقق إلا بالإخراج، فلو أنه كسر القفل وأراد أن يخرج المال من الصندوق ولم يخرجه فليس بسارق؛ لأنه لم يأخذ، وكذلك لو أنه دخل إلى مستودع الحديد أو مستودع قطع الغيار، أو المكتبة، أو دخل إلى محل القماش، فهذا شروع في الجريمة، والشروع في الجريمة لا يعتبر جريمة، يعني: لا يأخذ حكم الجريمة كلها؛ لأن الله جعل لكل شيء قدره، فمن عمل مقدمات الزنا ولم يزن فليس بآخذ حكم الزاني، ومن هنا: شدد النبي صلى الله عليه وسلم في الجرائم التي لها عقوبات لمعرفة الفعل، حتى أنه سأل ماعزا رضي الله عنه، وشدد عليه حتى يتحقق أن الجريمة وقعت، وأن هناك فرقا بين الشروع في الجريمة وبين الجريمة نفسها، فالرجل حينما اشتكى إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه أصاب من المرأة دون الحد، فهذا شروع في الجريمة، ولكنه لم يصل إلى الجريمة نفسها، فمن دخل إلى محل فيه قطع غيار، أو دخل إلى محل فيه المال فكسر أغلاقه، ولكنه لم يخرج؛ فليس بسارق، فإذا أخرج المسروق فقد وقع فعل السرقة، حينئذ إذا أخرج وتمت صورة الإخراج المعتبرة شرعا؛ نظرنا في قيمة المخرج، وهنا يرد السؤال عن النصاب: هل الذي أخرجه يعادل النصاب أو لا يعادله؟ فائدة المسألة: أنه لو دخل وكسر الأغلاق ووصل إلى داخل الحرز، ولكنه لم يخرج المال من الحرز فليس بسارق كما سيأتينا، فلو كانت قيمة المال الذي أخذه أثناء أخذه تعادل ربع دينار، ولكنه لما أخرجه نقصت قيمته عن ربع الدينار؛ فليس بسارق، أي: أنه لم يبلغ نصاب السرقة؛ لأن العبرة بوقت الإخراج، وليس العبرة بوقت الشروع في الجريمة، أو فعل الجريمة نفسها، ومن هنا اشترط العلماء: أن تكون القيمة وقت الإخراج.
ويترتب على هذا: ما لو أفسد المال قبل إخراجه، فلو أنه جاء -مثلا- يريد أن يسرق وعاء من الزجاج نفيسا غاليا، وكسر الأغلاق ودخل، ثم أراد أن يحمل الوعاء فسقط من يده فانكسر، ولكنه لم يخرجه من حرز، فحينئذ لم تتحقق السرقة، ويعتبر جناية إتلاف، وفيها الضمان، فلو أخذ أجزاء هذا المكسور، وكانت أجزاء المكسور تعادل ربع الدينار فهي سرقة، ولو أخذ أجزاء المكسور وهي لا تعادل ربع الدينار فليست بسرقة؛ لأنها دون النصاب، ومن هنا قال صلى الله عليه وسلم: (وإذا أخذ -أي: من الثمر- بعد أن يؤويه الجرين ما قيمته ثمن المجن قطع) فقال: (أخذ) فاشترط عليه الصلاة والسلام الأخذ، وقال: (ما قيمته ثمن المجن) فجعله عدلا بالنصاب، ومن هنا نعتبر قيمة النصاب وقت الإخراج، ومن هنا: لو أنه أراد أن يسرق شاة، وهذه الشاة قيمتها ربع دينار، ثم دخل إلى زريبة الغنم وأمسك بالشاة، ثم ذبحها حتى لا تصيح وتفضحه، فلما ذبحها أخرجها وهي مذبوحة نظرنا: فإذا كانت بعد الذبح تعادل ربع الدينار؛ فحينئذ ثبتت السرقة، وإذا كانت بعد الذبح ينقصها الذبح عن ربع الدينار، وعن ثلاثة دراهم فليست بسرقة؛ لأنه لم يأخذ مالا معادلا للنصاب.
إذا: العبرة عند العلماء -كما اختاره المصنف رحمه الله- بقيمة النصاب وقت الإخراج، ولو أنه في الساعة الثانية كسر الأغلاق، وفي الساعة الثالثة جمع المسروقات وخرج بها، فعند خروجه في الساعة الثالثة كان قيمة هذه الأشياء المسروقة لا تعادل النصاب سقط الحد مع أنه وقت الكسر للأقفال، ووقت الشروع في الجريمة كانت تعادل النصاب.
هنا مسألة ذكرها بعض العلماء: يقولون: لو أنه دخل وأتلف الشيء، مثل: أن يبلعه، لو أنه مثلا: أخذ ذهبا وبلعه حتى لا يعرف أنه سرقه، ثم خرج به، فهل هو سارق؟
الجواب نعم، يعتبر سارقا؛ لأنه إذا بلعه فقد حفظه في جوفه كما لو حفظه في جيبه، فالجوف مثل الجيب، وهذه حيلة لبعضهم أثناء السرقة: أنهم يبلعون بعض الأشياء المسروقة، ثم يأخذونها -أكرمكم الله- إذا خرجت من الجسم، وبعض العلماء يقول: لا، هذه شبهة: إذا بلعه فليس بسارق؛ لأنه لم يأخذه محمولا، وهذا ضعيف؛ لأن الحمل بالجوف كالحمل باليد، ولا شك أنه إذا خرجت فضلات الجسم خرج هذا الشيء، وبعد ذلك يتحقق أنه سرق، فالذين يقولون: إنه لا يعتبر سارقا، يقولون: لا يعتبر سارقا إلا إذا أخرجه، فإذا أخرجه فإنه سارق، وإذا لم يخرجه فليس بسارق، لماذا؟ قالوا: لأنه إذا وضعه في جوفه ولم يخرجه احتمال أنه يموت قبل أن يخرجه، وحينئذ لا تتحقق السرقة، وهذا ضعيف؛ لأنه لا يشترط أن ينتفع به، وإنما يشترط فقط أن يتسبب في إخراجه من الحرز، كما لو أنه أخذ المال، ورماه من فوق الجدار، ثم تأخر بالخروج، وجاء سارق آخر وأخذه، ففي هذه الحالة يعتبر سارقا؛ لأن السرقة تتحقق بالإخراج، سواء هو الذي انتفع، أو انتفع غيره، فالجريمة وقعت، ومن هنا يقال: العبرة بوجود الأخذ، والعبرة في القيمة بوقت الإخراج، لا بوقت الأخذ.
قال رحمه الله: [فلو ذبح فيه كبشا، أو شق فيه ثوبا، فنقصت قيمته عن نصاب، ثم أخرجه، أو تلف فيه المال؛ لم يقطع] .
فلو ذبح فيه كبشا، في داخل الزريبة قبل أن يخرجه من الحرز، وكانت قيمة الكبش مذبوحا أقل من قيمة النصاب، وقيمته حيا تعادل قيمة النصاب سقط الحد؛ لأنه لما خرج أخرج مالا دون النصاب.
وقوله: (أو شق ثوبا) ، جاء إلى فستان يريد أن يسرقه، وهذا الفستان تعادل قيمته قيمة النصاب إذا كان مفصلا، ولكنه لو قطع فإنه لا يعادل قيمة النصاب، فجاء يريد أخذ الفستان فشاء الله عز وجل أن ينشق الفستان أو أنه فسد بأي طريقة، سواء نزعه أو أراد أن يحفظه فانشق، أو هو شقه بالقصد، فكل هذه الأحوال مادام أنه حصل الإتلاف الذي ينقص القيمة عن النصاب فإنه يؤثر.
وقوله: (فنقصت قيمته عن نصاب) ، يعني: أثناء الخروج.
وقوله: (ثم أخرجه، أو تلف فيه المال لم يقطع) ، أقول: لا تستعجبوا من الأمثلة! لأنه لا بد أن نأتي بأمثلة نطبق عليها قواعد العلماء -رحمهم الله- ومن هنا يظهر الفقه، فلو سرق شخص طبق بيض، وطبق البيض قيمته تعادل النصاب، فلما أراد أن يخرج سقط البيض من يده على الأرض وتلف قبل أن يخرج، فحينئذ لا قطع، ولو أنه أخذ خلا في إناء من زجاج، والخل هذا قيمته ربع دينار فأكثر، أو ثلاثة دراهم فأكثر، ثم جاء يحمله فانزلق من يده فانكسر، فحينئذ تلف الخل، وتلف البيض، فهذا التلف يذهب القيمة، فلا حد ولا قطع؛ لأنه لم يسرق، والشروع في الجريمة لا يوجب ثبوت الحد كما ذكرنا.
الأسئلة
لا ضمان ولا قطع في قتل أو سرقة الكلاب
السؤال هل كلب الصيد أو الحراسة من المال المحترم؟
الجواب باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصبحه ومن والاه.
أما بعد: كلب الصيد ليس بمال محترم، والدليل على ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه في الصحيحين من حديث رافع بن خديج رضي الله عنه أنه قال: (ثمن الكلب خبيث) وفي لفظ: (ثمن الكلب سحت) ، وفي الصحيحين أيضا من حديث عقبة بن عامر البدري رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: (نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب) ، وفي الصحيح من حديث جابر رضي الله عنه أنه سئل عن بيع الكلب والسنور فقال: (زجر النبي صلى الله عليه وسلم عنه) ، وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما في سنن أبو داود: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب، وقال: (إن جاءك يريد أخذ ماله، أو أخذ ثمنه فاملأ كفه ترابا) ، فهذه الأحاديث الصحيحة تدل على أن الكلب ليس بمال، وليس له قيمة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا جاءك يريد أخذ ماله فاملأ كفه ترابا) ، فأسقط المالية عن الكلب، ولم يفرق النبي صلى الله عليه وسلم بين الكلب المأذون باتخاذه -ككلب الصيد والحرث والماشية- وبين غيرها، ومن هنا: فالحكم عام، وعليه: فإنه لو قتل كلب صيد، فلا ضمان على من قتله، وقد تقدمت معنا في باب البيع هذه المسألة، والله تعالى أعلم. الفرق بين سرقة الثمار من النخل وبين السرقة من مكان مسور
السؤال أشكل علي أنه لا قطع على من سرق من النخل، وبين من سرق من مكان مسور لا يدخله أحد إلا بإذن صاحبه، مثل مزارع النخيل؟
الجواب الحرز لا بد من اعتباره في السرقة، والنبي صلى الله عليه وسلم فرق بين الثمرة على النخلة، وبين الثمرة في حرزها، فقال: (لا قطع في ثمر ولا كثر) ، والحديث في السنن عند أبي داود، وابن ماجة، والترمذي، وأحمد في مسنده، والنسائي، وهو حديث صحيح، فبين أنه لا قطع فيها، وروى النسائي -وهو حديث صحيح أيضا- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فإن أخذ بفيه -أكل- من غير خبنة، ولم يحمل شيئا فلا قطع، فإن أخذ -من الثمر- وخرج به -من البستان- قبل أن يؤويه الجرين فعليه العقوبة، وضعف القيمة ... ) يعني: يعاقب بأن يدفع قيمة الثمر مرتين، ويعاقب بالتعزير كما تقدم معنا ما كان دون الحد، (ومن أخذ بعد أن يؤويه الجرين ما قيمته ثمن المجن قطع) ، ففرق النبي صلى الله عليه وسلم بين الحرز، ولم يجعل الثمرة على النخل حرزا، ومن هنا لو قص العرجون من فوق النخلة، ولوكان يساوي ربع الدينار فإنه لا قطع عليه؛ لأنه لم يحصل الشرط وهو الدخول والأخذ من الحرز.
وأما مسألة البساتين نفسها إذا كانت محاطة، فإن هذا السياج ليس وحده هو الحرز؛ لأن السنة بينت أنه يشترط في الثمر أن يؤويه الجرين؛ لأن البساتين مثل المساجد، ومثل الأماكن العامة، يدخلها الناس، فمنهم من يدخل بإذنه، ومنهم من لا يدخل بإذنه، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن من مر ببستان فدخله فأكل منه غير متأثل -يعني: غير متمون- وأكل على قدر كفايته فإنه ليس بسارق، وهذا مما أذن به، ولذلك الخارص إذا خرص النخلة أسقط منها هذه الأشياء المأخوذة، ولا زكاة فيها، فالشريعة فرقت بين الأخذ من البساتين من ثمارها ومما فيها من النتاج مادام أنه لم يؤوه الحرز والجرين كما في الثمر، وبين الذي قد آواه الجرين، فما كان داخل الحرز وأخذ من حرزه ففيه القطع، وهذا تفريق السنة، وليس تفريقنا نحن, فليس بمحل إشكال.
وكونك تقول: لو جاء وأخذ من المستودعات المحاطة بأسورة أنه تقطع يده، فهناك فرق، فالمستودعات المعدة للحفظ أسورتها حرز لها، إذا وضعت عليها أسورة تتناسب مع المال المحفوظ، وكانت في موضع وعليها حراسها، ومن هنا: يكون الشيء الموضوع وفي الحرز، والعين الحافظة، فإذا جاء وتغفل الحافظ وسرق المال، فإنه قد سرق من حرز، بخلاف الثمر الذي على النخل، وهذا كله بتفريق الشرع، وهذا مال حرزه أن يؤوى إلى الجرين وهو الثمر، وهذا مال حرزه أن يكون محفوظا داخل هذه الأسورة، أو داخل هذا الحائط، ونحو ذلك، وعلى هذا لا إشكال، كل مال يعتبر فيه الحرز بحسبه، والله تعالى أعلم.
عدم الفرق بين قولك: اتفق العلماء وأجمع العلماء
السؤال هل هناك فرق بين الاتفاق والإجماع؟ وهل يعتبر اتفاق العلماء إجماعا؟
الجواب الإجماع له صيغتان: صيغة قوية، وصيغة ضعيفة، بعض العلماء يقول: قوية وضعيفة، وبعضهم يقول: صريحة وغير صريحة، فصيغة الإجماع القوية والصريحة: أجمعوا واتفقوا، فإذا قال العالم: اتفق العلماء، أو قال: أجمع العلماء، فهو إجماع، ولا يقال: اتفقوا وأجمعوا إلا فيما فيه إجماع مثل ما نقول: اتفقوا على وجوب الصلاة، واتفقوا على وجوب الوضوء، هذا إجماع، والاتفاق بهذه الصيغة يعتبر من صيغ الإجماع القوية والصريحة.
أما صيغة الإجماع الضعيفة فهي: لا خلاف، ولا نعلم مخالفا، ولا أعلم مخالفا، ولا يعلم له مخالف، فهذه كلها من الصيغ الضعيفة، يحتمل ما قلنا: لا نعلم خلافا، حسب علمنا، ولكننا لم نعلم، ولا يعلم مخالف -هذه بصيغة البناء للمجهول- ولكن قد يوجد المخالف، لكن حينما تقول: أجمعوا، فمعنى ذلك: أنهم اعتبروا الحكم المذكور في الإجماع، والاتفاق إجماع.
وبعضهم يقول: (اتفقوا) للأئمة الأربعة، و (أجمعوا) لغيرهم، وهذا غير صحيح، فالعلماء وأئمة الأصول يقولون: إن اتفقوا: من صيغ الإجماع الصريحة, وليست خاصة بالمذاهب الأربعة، فينبه على هذا، لكن إذا كان عالم من العلماء سار على مصطلح ففرق بين أجمعوا واتفقوا، فجعل اتفقوا في الأئمة الأربعة، وأجمعوا فيما زاد عنهم وهو الإجماع المحرر، فهذا اصطلاح خاص، ولكن الأصل عند علماء الأصول: أن صيغة أجمعوا واتفقوا واحدة، ولا فرق بينهما، والله تعالى أعلم.
الإمام ابن رشد والإمام ابن قدامة من أئمة النقل للإجماع يعبران بـ (اتفقوا) ، ويعبران بـ (أجمعوا) ، والإمام ابن حزم رحم الله الجميع يقول في مراتب الإجماع: واتفقوا، فيعبر عن الإجماع بالاتفاق، فمسألة أن صيغة (اتفقوا) لا تدل على الإجماع، هذا ليس بصحيح، بل تدل على الإجماع، وعلى هذا تعتبر من الصيغ القوية، وعرفوا الإجماع بقولهم: هو اتفاق مجتهدي أمة محمد صلى الله عليه وسلم على حكم من الأحكام الشرعية في أي عصر من العصور، قالوا: الإجماع: اتفاق، فعبروا بالاتفاق عن الإجماع، فدل على أنهم يعتبرون الإجماع اتفاقا. متى تدرك الركعة مع الإمام
السؤال بم تدرك الركعة مع الإمام؟
الجواب تدرك الركعة مع الإمام بإدراك التكبير للركوع والفراغ منه قبل أن يبدأ الإمام بالتسميع، فإذا وجدت الإمام قد حنى ظهره، وفرغت من الله أكبر، فكبرت للركوع قبل أن يبدأ بالسين من (سمع) فقد أدركت الركعة، وإذا أدركت الركعة أدركت الصلاة، وعلى هذا ففي يوم الجمعة، لو أنك جئت في الركعة الثانية والإمام في الركوع، وقلت: الله أكبر، وأدركت الركوع قبل أن يرفع الإمام، وقبل أن يبدأ بالسين من (سمع) فقد أدركتها جمعة، فتضيف ركعة واحدة، ولكن لو أن المأموم جاء وقال: (الله) وقبل أن يقول: (أكبر) ، قال الإمام: سمع، فحينئذ لم يدرك الركوع، ويبقى واقفا؛ لأنه أدرك ما بعد الركوع، فإذا بدأ الإمام بالسين من (سمع) انقطع الإدراك، سواء كان ذلك قبل أن يكبر للركوع، أو أثناء تكبيره للركوع، وقبل الفراغ، فالشرط أن يفرغ من الله أكبر، قبل أن يبدأ الإمام بالسين من سمع، حتى لو رأيت رأسه مرفوعا، ولم يتكلم وكبرت أنت بسرعة، وتكلم بعد أن كبرت فإنك قد أدركت الركوع، فالعبرة بالانتقال بالفعل وليس بالقول.كيفية صلاة المجتهدين المختلفين في القبلة جماعة
السؤال رجلان اجتهدا فتخالفا في القبلة، فأحدهما يصلي إلى جهة المشرق، والآخر إلى جهة الشمال، هل من الممكن أن يصليا جماعة وهما على هذه الحالة؟
الجواب يصلي كل واحد إلى جهته؛ لأنه يعتقد أن القبلة في غير جهته، فإذا صلى مع الآخر فقد صلى إلى غير قبلة، ومن هنا نص الجمهور على أنه: إذا اختلف مجتهدان في قبلة لم يجز لأحدهما أن يصلي وراء الآخر، وذهب بعض العلماء إلى أنه يجوز أن يصلي أحدهما وراء الآخر، وجعلوا هذه المسألة من مسألة الاقتداء في المخالف في الفروع، وهي مسألة تحتاج إلى تحرير، والأول أحوط وأقوى وأولى إن شاء الله، والله تعالى أعلم.
ترك صلاة الجماعة للضرورة
السؤال أنا طبيب في الطوارئ في أحد المستوصفات الطبية، هل يجوز لي الصلاة في جماعة في العمل حيث أنه توجد أحيانا حالات حرجة؟
الجواب الأطباء تتعلق بهم أرواح الناس، ولا شك إذا كان في وقت يخشى فيه إتيان الحالات الطارئة، أو خصص للحالات الطارئة، وهكذا من يكون في حراسة أموال الناس، أو حراسة أرواحهم كأجهزة الأمن ونحوها، أثناء تلبسهم بهذه الأعمال يرخص لهم في ترك الجماعة، ويرخص لهم في ترك الجمعة إذا حصلت ضرورة، وهذا مبني على أصول الشريعة: أنه إذا خشي على الأنفس يجوز لهم أن يصلوا جماعة في أعمالهم، خاصة وأنه يقول: أصلي جماعة في عملي، فهذا لا بأس فيه، ولا حرج، بل حتى لو أدى الأمر إلى ترك الجماعة فهو مرخص له.
وتوضيح ذلك: أنه لو جاءته حالة طارئة بين الحياة والموت، وتوقف لإنقاذ هذه الجراحة على عمل جراحي، أو تدبير جراحي، فإنه في هذه الحالة مسئول أمام الله عن هذه النفس، وتعين عليه شرعا أن ينقذها، حتى إن بعض العلماء يقول: كل طبيب قدر على إنقاذ نفس ولم ينقذها فإنه -والعياذ بالله- يعتبر قاتلا، كما لو رأى غريقا وهو قادر على إسعافه وإنقاذه، ولم يسعفه يعتبر قاتلا، حتى إن الإمام ابن حزم -رحمه الله- يرى أن عليه القصاص، ويقول: لأنه كان قادرا على إنقاذه، وهذا قول مرجوح؛ لأنه بعض الأحيان لا يقصد قتله، لكن انظروا كيف يشدد العلماء في التساهل في هذا الحق! فهم يعتبرونه من الفرض العيني إذا توقف إنقاذ هذه النفس عليه، وأما الدليل: فلا يخفى أن النبي صلى الله عليه وسلم تخلف عن الجماعة للمرض، وكان معه العباس، وعلي رضي الله عنهم، ثم خرج إلى الصلاة وهو يهادى بينهما، فمعنى ذلك: أنهما لم يحضرا الجماعة، وكانا مع النبي صلى الله عليه وسلم.
واستدلوا أيضا بحديث أنس في الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سقط عن فرسه فجحش شقه الأيمن، قال أنس رضي الله عنه: (فصلى في المشربة فصلينا بصلاته) ، فتركوا الجماعة في المسجد، وصلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في المشربة، وله أصل من فعل السلف: فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه سمع الصارخ على ابن عمه، وهو في سكرات الموت، وهو خارج إلى صلاة الجمعة، فترك الجمعة ورجع إلى ابن عمه، وهذه أحوال خاصة إذا خشي فيها على النفس الموت والهلاك.
فالأطباء عليهم مسئولية، تصور لو أن طبيبا قال: أذهب وأحضر الجمعة، وذهب وحضر الجمعة، وجاءت حالة طارئة في نفس وقت صلاة الجمعة، فمن يكون المسئول أمام الله عز وجل؟ هو خصص من ولي الأمر، وأعطي راتبه من بيت مال المسلمين على أن يقوم بهذا الأمر، ويكلف به، ويناط به، فقد تعين عليه أن يقوم به، لكن لو أنه أراد أن يخرج إلى موضع قريب يصلي به واحتاط، وقال لهم: بمجرد أن تروا حالة طارئة أخبروني، فهذا إذا كان يتدارك فيه الأمور لا بأس، أما لو أنه لا يتدارك الأمور، فلا يجوز التغرير بأرواح المسلمين، والمخاطرة بها، ولذلك أسقط الله عن المسلمين الجماعة عند الخوف على النفس، كما في حال المسايفة، فإنه في حال القتال في المسايفة يصلي الرجل وهو يضرب العدو، لماذا؟ لأنه لو تفرغ يصلي لقتله العدو، فحفظ الله النفس، وأسقط بحفظ النفس أفعال الصلاة كلها من الركوع والسجود، حتى إن الرجل ليضرب بسيفه، ويقول: الله أكبر! سبحان ربي العظيم، وهو لا يركع ولا يسجد ولا يستقبل القبلة، كما قال الله عز وجل: {فإن خفتم فرجالا أو ركبانا} [البقرة:239] ، فأحل في حال المسايفة أن نصلي رجالا، وركبانا، ولا نستقبل القبلة، ولا نركع ولا نسجد حفاظا على الأنفس والأرواح، فإذا كان في نفس واحدة تتخلف، فما بالك بمن أنيطت به أرواح الناس! وبمن أنيطت به أجسادهم! لا شك أن هذا أولى وأحرى، ولذلك هؤلاء الأطباء ونحوهم ممن تتعلق بهم أرواح الناس وتتعلق بهم المسئولية عن هذا الأمر العظيم يرخص لهم في ترك الجمعة والجماعة، ولكن ينبغي لكل طبيب أن يرجع إلى عالم ليضع له الضوابط المعتبرة لهذا الترك، ومتى يعتبر معذورا، ومتى لا يعتبر معذورا، والله تعالى أعلم. حكم من فقد الماء أثناء ركوب الطائرة
السؤال من أدركته الصلاة على الطائرة، ولم يجد ما يتوضأ به من الماء، ولا ما يتيمم به، فكيف يؤدي صلاته؟
الجواب هذا فيه تفصيل: إذا كان السفر يستغرق وقت الصلاة، بحيث لا يمكن أن ينزل إلى الأرض، ويجد الماء قبل خروج الوقت فإن حكمه حكم فاقد الطهورين، وفاقد الطهورين يصلي على حاله، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم حينما فقد النبي صلى الله عليه وسلم العقد لعائشة رضي الله عنها بذات الجيش، وطلبه الصحابة رضوان الله عليه، فذهبت طائفة من الصحابة، وأبعدت، فأدركتهم الصلاة، ولم يفرض التيمم بعد، فصلوا على غير وضوء وعلى غير تيمم، فلما رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم صحح صلاتهم؛ لأن التيمم ما شرع بعد، فنزلت آية التيمم بسبب هذه الحادثة، ومن هنا: أخذ العلماء أن فاقد الطهورين يصلي ولا يقضي، والشرط في هذا: أن يستغرق وقت الرحلة وقت الصلاة، فمثلا: يسافر وقت الفجر ويدركه وقت الفجر في الطائرة، ولا ينزل إلى الأرض إلا بعد طلوع الشمس، أما لو أنه نزل قبل طلوع الشمس بوقت يمكنه أن يدرك الصلاة في المطار ويتوضأ، فيجب عليه أن يؤخر الصلاة حتى يدرك الماء ويتطهر كما أمره الله عز وجل ويصلي.
وجمع الصلاتين له نفس الحكم، فلو أنه سافر وقت الظهر، وسينزل إلى الأرض في وقت العصر، فحينئذ يؤخر الظهر إلى وقت العصر، فإذا نزل توضأ وصلى الظهر والعصر جمع تأخير، وهكذا المغرب والعشاء، لكن لو أن السفر في ساعات تستغرق وقت المغرب مع العشاء، ولا يصل إلا في وقت الفجر، فحكمه حكم الصورة الأولى التي تقدمت، فيشترط أن يستغرق وقت الفريضة كاملة، سواء كانت مجموعة إلى غيرها، فينظر إلى وقت الثانية، أو كانت غير مجموعة فينظر إلى وقتها نفسها، والله تعالى أعلم. حكم التسول في المساجد
السؤال كثيرا ما نرى أناسا يقومون بعد انتهاء الصلاة فيقطعون على المصلين تسبيحهم، ويقومون بشرح ظروفهم المادية ويتسولون داخل المسجد، فهل هذا جائز؟ وهل يجوز منعهم؟ وما هو واجب إمام المسجد تجاه ذلك علما أن كثيرا منهم يصطنعون الإعاقة؟
الجواب بالنسبة للذي يكذب ويصطنع فلا إشكال أنه آذى المصلين في بيت الله عز وجل وكذب، وأخذ أموال الناس بالباطل، ومن سأل الناس تكثرا لم تزل المسألة فيه حتى يلقى الله عز وجل وليس في وجهه مزعة لحم.
والسؤال لا خير فيه ما لم يضطر إليه الإنسان لدين أو نحو ذلك؛ فإنه يسأل، أما هذا الشكل الموجود بمجرد انتهاء الناس من الصلاة يقوم ويصيح ويلغط، فالحقيقة لو منع هؤلاء برفق وقيل لهم: اذهبوا إلى باب المسجد، وانتظروا حتى يتصدق الناس عليكم، فالمساجد ما بنيت من أجل عرض حال المرضى وحالات المديونين، ولقد كان الرجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يربط على بطنه الحجر، ولربما صرع في المسجد، كما كان حال أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، ومع ذلك ما جعلوا المساجد لهذا.
الإشكال هو في الصياح، أما السؤال داخل المسجد لو مر على الناس وسألهم فأعطوه فجائز، لحديث علي رضي الله عنه المشهور، فيخفف فيه، ما لم يصل إلى حد الأذية.
لكن الذي نشاهده بعد السلام مباشرة والصياح واللغط فهو أمر فيه إزعاج، والأشبه أن هؤلاء يمنعون برفق حتى لا يقع في نهي السائل، وإن كان بعض العلماء يرى أن قوله تعالى: {وأما السائل فلا تنهر} [الضحى:10] أن المراد به: سائل العلم؛ لأن الله تعالى يقول: {ألم يجدك يتيما فآوى * ووجدك ضالا فهدى * ووجدك عائلا فأغنى} [الضحى:6 - 8] ، فقال: (( ألم يجدك يتيما )) ثم قال: {فأما اليتيم فلا تقهر} [الضحى:9] ، ولما قال: (( ووجدك ضالا )) قال: {وأما السائل فلا تنهر} ولما قال: (( ووجدك عائلا )) قال: {وأما بنعمة ربك فحدث} [الضحى:11] ، وهذه مقابلة، والمقابلة معتبرة في نصوص الكتاب والسنة، وإذا قلنا بالمقابلة فإن السائل المقصود به سائل العلم، ولذلك لا ينهر سائل العلم، ودلت على أنه لا يجوز أذية سائل العلم؛ لأن أمره عظيم، ولذلك عاتب الله نبيه من فوق سبع سماوات بسبب الإعراض عن السائل الذي هو عبد الله بن أم مكتوم رضي الله عنه وأرضاه.
فالشاهد: أن هؤلاء يشوشون على الناس ويؤذونهم، فذكر بعض الأحوال وبعض القصص، والكشف حتى عن مواضع لا يليق كشفها أمام الناس، فهذا أمر لا شك أنه مؤذ جدا، وإذا ضاق الأمر اتسع، وإذا اتسع ضاق، فقد توسع الناس بشكل فظيع جدا، وأعجب من هذا الكذب! ذات مرة قام رجل في مسجد وشكى، ويعلم الله حينما تسمع شكواه يرق قلبك، وكان هذا بعد صلاة المغرب، ففوجئت لما جلس للسؤال، جاءني رجل -هو ليس من المدينة وإنما جاء من مدينة أخرى- جاءني رجل من جماعته، وقال: هذا الرجل يملك ثلاث عمائر بهذه الطريقة التي يكذب بها على الناس، قلت له: أناشد الله أن تصدق فيما تقول، لا تتهم الناس، قال: والله! إني لأعرفه وأعرف أولاده، اسمه فلان بن فلان الفلاني، ويسكن في المكان الفلاني من المدينة الفلانية، وولده الكبير اسمه فلان، اذهب إليه، وقل له: أنت فلان؟ وانظر! وقفت أنا، وليس من شأني هذا، ولكني تألمت جدا أن يكذب على الناس، ويأخذ أموال الناس، وذكر أشياء ليست صحيحة، فقلت: فلان! فالتفت، قال: نعم، قلت: أنت أبو فلان، قال: نعم، قلت: أنت فلان بن فلان، قال: نعم، قلت: تعال أريدك، فسألته قلت: عندك في بلد كذا وكذا عمائر، وأنت رجل غني، فتغير وجهه ولم ينكر، قلت له: الآن تترك هذا المال في مكانه، وتصرفنا معه بما ينبغي، لكن الشاهد: ثلاث عمائر يملكها، ويكذب على الناس، ويأكل أموالهم بالباطل، هذا أمر جد خطير! فلا شك أن هناك من يكذب، وهناك من يتصنع، فنسأل الله السلامة والعافية، فمثل هؤلاء لا يجوز معاونتهم على الباطل، ولا يجوز معاونتهم على الكذب على المسلمين، وأيا ما كان أوصي إخواني ألا يتعجلوا في أذية هؤلاء؛ لأن هناك فعلا من عنده ظروف قاهرة، وهناك من ألجأته الحاجة، ولذلك يترفق الإنسان حتى لا يؤذي الصادق؛ لأن هناك أناسا هم صادقون، والسبب أن الناس تغيروا، وقل أن تجد من تسأله، حتى اضطر بعضهم إلى أن يقف أمام الناس ويسألهم، فنسأل الله العظيم للجميع التوفيق والهداية، والله تعالى أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.