عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 24-10-2025, 05:01 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,381
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للشيخ محمد الشنقيطي

شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع
(مقدمة كتاب الحدود)
شرح فضيلة الشيخ الدكتور
محمد بن محمد المختار بن محمد الجكني الشنقيطي
الحلقة (522)

صـــــ(1) إلى صــ(23)


شرح زاد المستقنع - باب حد المسكر [3]
تعاطي المخدرات بلاء عظيم، وإثمه كبير، وشره كثير، وما انتشر في أمة إلا فتك فيها فتك النار في الهشيم، فلا تبقى لها حرمة، ولا تقوم لها قائمة، فإذا فسدت عقول الناس فسد دينهم، وفسدت أخلاقهم، وصاروا في فتن ومحن وشرور لا يعلمها إلا الله.
جواز شرب الخمر في إزالة غصة اللقمة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه من سار على سبيله ونهجه إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [ولا يباح شربه للذة ولا لتداو ولا عطش ولا غيره إلا لدفع لقمة غص بها] .
تقدم معنا تحريم شرب الخمر، وأن هناك بعض المسائل استثنيت من هذا التحريم، وذكرنا مسألة التداوي، وبينا خلاف العلماء رحمهم الله فيها، وبعد هذا ذكر المصنف رحمه الله ما يستثنى من تحريم شرب الخمر، وهي حالة الضرورة، عندما يخشى الإنسان أن يموت ويهلك، وقد ذكر الأئمة والعلماء رحمهم الله من المتقدمين والمتأخرين مثالا على ذلك بالغصة.
والغصة صورتها: أن يأكل طعاما فيغص، فإذا لم يشرب ما يفك غصته فإنه ستتلف نفسه وتهلك روحه، وحينئذ تكون حالته حالة اضطرار يخشى فيها عليه الموت، وهذه المسألة تعرف بإساغة الغصة بالخمرة، وهي مسألة قديمة، وعامة أهل العلم على الترخيص، وأن المسلم يباح له في هذه الحالة أن يشرب الخمر بقدر ما يسيغ هذه الغصة، ويذهب الخطر والضرر.
إذا: يشترط أول شيء أن يكون هناك خوف على النفس، بمعنى: أن يغلب على ظنه أنه سيموت.
ثانيا: ألا يجد شيئا غير الخمر مما هو دون الخمر أو من المباحات يمكن إساغة الغصة به، فإن وجد ما دون الخمر فإنه يقدمه، فلو وجد ماء فبالإجماع يحرم عليه أن يشرب الخمر؛ لأن الأصل أن الخمر محرمة، لكن لو أنه وجد نجاسة -أكرمكم الله- كالبول، فهل يقدم الخمر أو البول؟ كلاهما نجس، قال بعض العلماء: يقدم البول على الخمر؛ والسبب في ذلك: أن البول لا حد ولا عقوبة في شربه، ولكن الخمر فيه عقوبة، والوعيد فيه أعظم، فيقدم شربه للبول على شربه للخمر.
ولو وجد ماء متنجسا وبولا وخمرا، فأيهما يقدم؟ قالوا: يقدم الماء المتنجس؛ لأن الأصل أنه مطعوم، لأن الله وصف الماء بكونه طعاما فقال: {ومن لم يطعمه فإنه مني} [البقرة:249] ؛ ولأن الماء الأصل حله، والنجاسة عارضة عليه، بخلاف البول الذي يحكم بنجاسته بقوة أقوى من الماء المتنجس.
وعلى هذا: يشترط ألا يوجد بديل، وهذه قاعدة تضعها معك أنه لا يفتى بالرخص مع وجود البديل المباح، وبجميع مسائل الرخص لا يمكن لعالم أو فقيه أن يفتي فيها بالرخصة مع وجود البديل.
وإذا خاف الموت ولم يجد بديلا عن الخمر، فيشترط الشرط الثالث: أن يكون شربه للخمر بقدر الحاجة والضرورة، فلا يزيد عن قدر حاجته، وإنما يقتصر على قدر إساغة اللقمة أو ما غص به؛ لأن القاعدة تقول: (ما جاز للضرورة يقدر بقدرها) ، فلا يجوز له أن يزيد عن القدر الذي تندفع به الغصة.
المسائل المستثناة في النجاسات
وهذه المسألة يعتبرها العلماء من المسائل المستثناة في النجاسات، ونظمها بعض العلماء في عشر مسائل، فقال: وجاز الانتفاع بالأنجاس في مسائل نظم بعدها يفي في جلد ميتة إذا ما دبغ ولحمها للاضطرار سوغ وشحمها تدهن منه البكرة عظامها بها تصفى الفضة وجاز أن تشلى عليها الغلف بوفقهم والحمل فيه الخلف ولبن الأتن للسعال والجلد للرئمان فيه جالي وغصة تزال بالرياح وبول الآدمي للجراح
حكم جلد الميتة إذا دبغ
هذه عشر مسائل: المسألة الأولى في قوله رحمه الله: وجاز الانتفاع بالأنجاس في مسائل نظم بعدها يفي في جلد ميتة إذا ما دبغ، هذا فيه نص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أيما إهاب دبغ فقد طهر) .
أكل لحم الميتة حال الاضطرار
(ولحمها للاضطرار سوغ)؛ لأن الله يقول: {إلا ما اضطررتم إليه} [الأنعام:119] فاستثنى المضطر في أكل الميتة.
استعمال شحم الميتة
(وشحمها تدهن منه البكرة)، وهي بكرة البئر، فإنهم لا يستطيعون أبدا أن ينزعوا من البئر إلا بوجود الشحم، والماء يكون غالبا في مقام الحاجيات، فإذا لم يتوصل إلى الماء إلا بالنزع، والنزع لا يمكن الوصول إليه إلا بشحم الميتة؛ جاز له في هذه الحالة أن ينتفع به.
استعمال عظم الميتة في تصفية المعادن والفضة
(عظامها بها تصفى الفضة)، في بعض الأحوال تستخدم العظام في المعادن ويحتاج الصاغة إلى تصفية الفضة بعظام الميتة، ولكن الآن يستغنى عنه بوجود المواد البديلة.
تحريش الكلب على الصيد
(وجاز أن تشلى عليها الغلف)، الغلف هي: الكلاب -أكرمكم الله- في لغة العرب، (تشلى عليها) يعني: إذا أراد أن يعلم الصيد فإنه يحرشه ويشترط -كما سيأتينا إن شاء الله في إثبات صفة التعليم للكلب وللطائر الجارح حتى يجوز أكل ميتته وصيده- أنه إذا أشلاه ينشلي، وإشلاء الصيد للعلماء فيه قولان: قيل: الإشلاء أن يدعوه فيستجيب، فإذا ناداه يأتي، وهذا كقول الشاعر: أشليت عنزي ومسحت قعبي ثم انثنيت وشربت قأبي فمعناه: أنه نادى عنزه لأجل أن يحلبها.
ويطلق الإشلاء في لغة العرب على المعنى الثاني -وهو المقصود هنا- وهو: تحريش الكلب وتحريش الصقر والباز والباشق والنسور عند تعليمها للصيد، يحرشها بالفريسة فتذهب إلى الفريسة، وهذا هو المراد هنا، قال الشاعر: أتينا أبا عمرو فأشلى علينا كلابه فكدنا بين بيتيه نؤكل هذا رجل بخيل جاءوا يزورونه فأشلى عليهم الكلاب أكرمكم الله! فالإشلاء هنا بمعنى: التحريش، قالوا: لا يكون الكلب معلما إلا إذا حرشته ثلاث مرات فيتحرش، وقد يستجيب مباشرة، وقيل: بمرتين، وسيأتي إن شاء الله الخلاف بين العلماء في ذلك.
فهنا قوله: (وجاز أن تشلى عليها الغلف) يعني: تحرش الكلاب عليها، (بوفقهم) يعني: باتفاق العلماء.
حكم حمل الميتة إلى الكلب
(والحمل فيه الخلف) يعني: حمل الميتة إلى الكلب من أجل أن يأكلها مختلف فيه؛ لأنه فرق بين أن يذهب بنفسه ويأخذ الميتة وبين أن تحمل له، ولذلك حرم بعض العلماء حملها وقالوا: لا رخصة.
استخدام لبن الأتان لعلاج السعال الديكي
(ولبن الأتن للسعال) لبن الأتان للسعال الديكي عند تعذر العلاج والدواء عند من يقول بالتداوي بالنجس، فيرخص لهذا المريض أن يستعمل لبن الأتان إذا خشي الهلاك، قالوا: إنه مجرد دواء للسعال الديكي إذا أعيت فيه العلة، وهذا يقولونه من باب الضرورة، وقد قدمنا مسألة التداوي بالنجس.
وضع العلف في جلد البقرة التي ماتت لمصلحة ولدها ليأكل
(والجلد للرئمات فيه جالي)، الرئمات: هن صغار البقر، إذا ماتت أمه امتنع من الأكل والشرب، فيتأثر ولا يأكل شيئا من شدة حزنه على أمه، ووجده عليها، حتى البهائم فيها رحمة، بخلاف -نسأل الله العافية- قساة القلوب حينما يقال له: أمك مريضة يقول: اذهبوا بها إلى المستشفى! وهذا الحيوان يمتنع من الأكل؛ لأنه اعتاد أمه، ولا يمكن أن يشرب الماء ولا أن يأكل الطعام حتى يشم أمه، فماذا يفعلون؟ ماتت أمه، ويغلب على الظن أنه سيموت بعدها؛ لأنه يمتنع من الأكل والشرب، فحينئذ هذا تلف مال، ولذلك رخص العلماء أن يأتوا له بالطعام محفوفا بجلد أمه بعد موتها، فلما يشم رائحة أمه يقبل على الطعام ويأكل: {الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} [طه:50] ، حتى البهيمة هداها!
إنزال الغصة بالخمر
(وغصة تزال بالرياح) الرياح: اسم من أسماء الخمر، فقوله: (غصة تزال بالرياح) يعني: إذا اضطر إلى إزالة الغصة بالخمرة فهو معذور، ولا حرج عليه ولا إثم.
استخدام البول لتجفيف الجروح النازفة
(وبول الآدمي للجراح)، أي: الجرح -أجاركم الله- إذا كان ينزف، كانوا في القديم في الحروب يتعرضون له للإصابات، فينزف الجرح فلا يرقأ، فيصب عليه البول فيتماسك، وهذا مجرب ومشهود إذا صب البول -أكرمكم الله- على الجرح يتماسك ويلتئم؛ لأنه حارق فيحرقه، وهو من طبيعة البدن، ولذلك تقول العامة: (الجرح النحس ما له إلا البول النجس) ، فهم يقولون هذا بطبيعتهم، فإذا أعياهم أن يجدوا له دواء إلا هذا فلا بأس، فهذه عشر مسائل ومنها مسألة الباب: (وغصة تزال بالرياح) ، وهذه يقول عنها: الإمام ابن قدامة وغيره: عامة العلماء أنه إذا حصل اضطرار إلى الخمر بأن تساغ بها الغصة فلا بأس ولا حرج، وهذا لا يدخل في التداوي بما حرم الله؛ لأنه ليس علاجا لداء، وإنما هو مقام اضطرار، ألجئ إلى هذا الخمر، فرخص له ذلك جماهير السلف والخلف، وهو قول العامة.
ويحكى عن الإمام مالك وبعض السلف أنهم شددوا في هذه المسألة، ولكن المذهب عند المالكية أنها تزال الغصة بالخمر، وأنه لا حرج ولا بأس حينئذ.
قال المصنف رحمه الله: [ولم يحضره غيره] فهذا شرط، لم يحضره غير الخمر، فإذا وجد غير الخمر يمكن إساغة الغصة به، فإنه لا رخصة له في الخمر، بشرط ألا يكون غير الخمر متضمنا للضرر، مثل أن يجد سائلا ساما غير الخمر إذا شربه سيموت، فليس هناك علاج للموت بالموت، وحينئذ قوله: (لم يحضره غيره) يعني: مما هو أخف من الخمر، ويمكن إساغة الغصة به، وهذا مراده رحمه الله.
حد شرب الخمر
قال المصنف رحمه الله: [وإذا شربه المسلم مختارا عالما أن كثيره يسكر فعليه الحد] .
بين رحمه الله الشروط التي ينبغي توافرها لإقامة حد الخمر، فلابد أن يكون مسلما، والكافر فيه تفصيل.
قال بعض العلماء: إن الخمر محرمة في الأديان كلها حتى عند أهل الكتاب، لكنهم حرفوا دينهم وشربوا الخمر، فالأصل تحريمها في جميع الأديان لعظيم ما فيها من الضرر والأذية، وهذا القول قاله بعض علماء الحنفية وغيرهم.
وقال بعض العلماء: إن الخمر مباح لبعض الأديان دون بعضها، ولذلك خففوا على أهل الكتاب إذا شربوها، فلا يقيموا عليهم الحد، والذي عليه بعض الأئمة أن أهل الكتاب -وقد نبهنا على هذا القول في مسألة احتكام أهل الذمة- إذا شربوا الخمر ثم رفعوا القضية إلى قاض فإنه يحكم بينهم بشريعة الله عز وجل، فيقام عليهم حد الله عز وجل إذا ترافعوا إلينا، كما قال الله: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم} [المائدة:49] فحينئذ نقيم عليهم شرع الله عز وجل ويقام عليهم الحد.
واستثني الحربي والمستأمن، والأصل ما ذكرناه أنهم إذا رفعوا إلينا وجب أن نحكم فيهم بحكم الله عز وجل الذي نسخ الأحكام، وبشريعة الله عز وجل وبكتاب الله الذي جعله مهيمنا على ما قبله.
وعلى هذا؛ اشترط المصنف الإسلام من حيث أنه ملتزم بالأحكام.
ويشترط أن يكون مسلما مكلفا، فلا يقام الحد على مجنون، فلو أن مجنونا شرب الخمر لا يقام عليه الحد، ولذلك لما هم عمر رضي الله عنه أن يجلد امرأة زنت، مر عليها علي رضي الله عنه فأمر بإطلاقها وقال: (يا أمير المؤمنين! أما سمعت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رفع القلم عن ثلاثة: وذكر منهم المجنون حتى يفيق) ثم قال: إن هذه مجنونة آل فلان، ولعلها زنت أو غشيها الرجل حال جنونها) فعذرها بإسقاط حد الزنا، وكذلك يسقط حد الخمر على المجنون لأنه ليس بمكلف، وقد نص النبي صلى الله عليه وسلم على سقوط المؤاخذة عنه.
وكذلك إذا كان صبيا سواء كان مميزا أو غير مميز؛ لأنه غير مكلف، ولكن إذا كان مميزا يعزر.
ويشترط أن يكون مختارا أي: لا يكره على شرب الخمر، فلو أن شخصا هدده بالسلاح، وغلب على ظنه أنه إذا لم يشرب الخمر فإنه سيقتله أو هدده بشيء أعظم من الخمر حسب الشروط التي ذكرناها في الإكراه، أن فيهدده بما فيه ضرر، ويغلب على ظنه أنه يفعل به ما هدده به، ولا يمكنه الاستنجاد والخروج من هذا البلاء، ويكون ما طلب منه أخف مما هدده به أو يقع عليه من الضرر، ويكون الإكراه بظلم لا بحق، كما في مسألتنا؛ لأنه إكراه على محرم، فإذا استوفيت هذه الشروط المعتبرة للإكراه سقط الحد عمن شرب الخمر مكرها؛ لأن الله عز وجل أسقط عن المكره المؤاخذة، قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح الذي رواه الحاكم عن ابن عباس رضي الله عنه: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) ، وقوله: (وما استكرهوا عليه) يدل على أنهم متجاوز عنهم حال الإكراه؛ ولأن الله أسقط بالإكراه أعظم الأشياء وهو الردة، فقال سبحانه: {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} [النحل:106] ، فأعظم الذنوب وأشدها جرما الكفر بالله، فإذا أسقط الإكراه الردة فمن باب أولى أن يسقط المؤاخذة بما سواها، وعلى هذا يشترط أن يكون مختارا.
وقوله رحمه الله: (عالما أن كثيره يسكر) .
يشترط أن يكون عالما بأن ما يشربه خمر، وأن كثيره يسكر، فإذا علم أنها خمر وشربها دون عذر وجب عليه الحد، لكن لو شربها وهو لا يعلم أنها خمر، كأن قيل له: هذا عصير، أو وضع له في شرابه كما يفعله -نسأل الله السلامة والعافية- أهل البطالة والفسوق لأبناء المسلمين، إذا أرادوا أن يغروهم وضعوا لهم في شرابهم المادة المخدرة، فإذا شربها وهو لا يعلم أنها مخدرة فإنه في هذه الحالة يعذر، ولا يكون مؤاخذا ولا يقام عليه الحد، خاصة إذا أقر شخص أنه وضعها له في شرابه، أو وضعها له في حقنة حقنه بها أو نحو ذلك.
فالإكراه والجهل بكونه مسكرا يسقط الحد في هذه الأحوال كلها، كذلك ألا يكون معذورا مثل ما ذكرنا: إذا شرب الخمر لقطع عضو على القول أنه يجوز له ذلك كما في القديم كانوا يسقون الخمر لقطع الأعضاء، لمن خشي الضرر، ولم يستطع تحمل الألم، أو وضع مادة التخدير لأجل الجراح الموجودة إذا تعاطاها أو حقن بالمخدر من أجل عملية جراحية، فهذه كلها أحوال هو معذور فيها، وحينئذ لا يحكم بوجوب الحد عليه؛ لوجود الشبهة الموجبة لإسقاط الحد، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (ادرءوا الحدود بالشبهات) .
خلاف العلماء في حد شرب الخمر
قال المصنف رحمه الله: [ثمانون جلدة مع الحرية] .
أي: الحد على الشارب (ثمانون جلدة مع الحرية) حد الخمر أجمع جماهير السلف والخلف رحمهم الله على وجوبه وثبوته، واختلفوا في تقدير حده، فمذهب الجمهور من الحنفية والمالكية وقول عند الشافعية، ورواية عند الحنابلة على أنه ثمانون، وهذا هو الذي اختاره المصنف رحمه الله، وهذه الثمانون لا ينقص منها شيء، يجلد ثمانين جلدة لا تنقص منها جلدة واحدة.
وأصحاب هذا القول احتجوا بحديث أنس بن مالك رضي الله عنه في الصحيح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم جلد شارب الخمر بجريدتين نحوا من أربعين) ، فقالوا: (بجريدتين نحوا من أربعين) ، فكل جريدة أربعون، فأصبح المجموع ثمانين جلدة، وهناك أحاديث ضعيفة ترفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه جلد ثمانين جلدة، ولكن لم يصح شيء منها.
واستدلوا بأثر عمر بن الخطاب رضي الله عنه في قصته المشهورة، حيث كتب إليه خالد بن الوليد رضي الله عنه وهو بالشام إبان الفتوحات، وأرسل إليه أبا وبرة الكلبي، فجاء أبو وبرة إلى عمر وقال: (يا أمير المؤمنين! إن خالدا بعثني إليك أن الناس قد تحاقروا عقوبة الخمر، وانهمكوا في شربها، فقال: دونك القوم فاسألهم، وكان في القوم علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وطائفة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال علي رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين! إنه إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وأرى أن يجلد حد الفرية، وحد الفرية ثمانون جلدة، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لـ أبي وبرة: أبلغ صاحبك ما قال) ، أي: أنه يجلدهم ثمانين جلدة.
قالوا: ولم ينكر هذا القول أحد من الصحابة، ووقع في زمان الخلفاء الراشدين، وهي سنة، وأكدوا هذا بالرواية الصحيحة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فإنه أتي بـ الوليد وقد صلى بالناس الصبح أربعا، وقال لهم: أزيدكم؟! القصة المشهورة، وكان وراءه عبد الله بن مسعود، فقال: (ما زلنا اليوم معك في زيادة) ؛ لأنه صلى بهم ثلاث ركعات، ثم قال: أزيدكم؟ وعبد الله بن مسعود رضي الله عنه تكلم في الصلاة لأنه علم أنها باطلة باطلة، والبعض يقول: هذا يدل على جواز الكلام في الصلاة، فعلم عبد الله رضي الله عنه أن الإمام سكران، وإذا فقد الإمام عقله بطلت إمامته، وبطلت الصلاة كلها، فمادام أن الصلاة باطلة قال: (ما زلنا اليوم معك في زيادة) ، وهذا لا يصلح الاحتجاج به على جواز الكلام في الصلاة، إنما يجوز لو كانت الصلاة باطلة، المهم أنه لما صلى بالناس الصبح أربعا شهد عليه حمران مولى عثمان! وشهد آخر أنه تقيأ الخمر، فصارت شهادتان، حتى إنه لما شهد الثاني وقال: أنا رأيته يتقيأ الخمر، قال عثمان قولته المشهورة: (والله ما تقيأها إلا وقد شربها) ، غير معقول أن تدخل إلى جوفه دون أن يشربها.
ومن هنا أخذ طائفة من العلماء أنه إذا تقيأ الخمر فإنه دليل على الابتلاء بالمسكر وأنه شارب له.
فلما تمت البينة قال عثمان رضي الله عنه كما في الصحيح: (يا علي! قم فاجلده، فقال علي: يا حسن! قم فاجلده، فقال الحسن: ول حارها من تولى قارها) ، فكأنه وجد عليه، والحسن قصد أن الخليفة ليتحمل ضرب الناس، ولا نتحمل نحن، فقال له: (ول حارها من تولى قارها) فكأنه وجد عليه علي رضي الله عنه، فقال لـ عبد الله بن جعفر: (قم فاجلده، فقام عبد الله بن جعفر فجلده وعلي يعد الجلد، حتى بلغ أربعين، فقال له: أمسك، جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر أربعين، وجلد عمر رضي الله عنه ثمانين، وكل سنة وهذا أحب إلي) ، يعني: إن جلد أربعين فسنة، وإن جلد ثمانين فسنة.
قالوا: نص علي رضي الله عنه على أن الثمانين سنة، فإذا كانت سنة فإنه حينئذ يجب العمل بها؛ لأن السنة إذا سيقت في مقام الاحتجاج، وفي مقام الاحتكام فإنه يقصد بها السنة التي يجب العمل بها والرجوع إليها، فلا يقول علي رضي الله عنه هذا إلا في معرض الاحتجاج، هذا حاصل أدلة من قال بأنه يجلد ثمانين جلدة، ولا ينقص منها.
أما الذين قالوا بأنه يجلد أربعين جلدة، فقالوا: الأربعون هي الحد، والزائد عن الأربعين إلى الثمانين يترك الأمر فيه للقاضي، إن رأى الناس تساهلوا وانهمكوا في شرب الخمر وعلم أنه لابد من زجرهم جعلها ثمانين، وإن كان الناس لم يصلوا إلى هذا الحد بقي على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى الحد الأصلي وهو أربعون جلدة، وهذا القول هو مذهب الشافعية والظاهرية ورواية عن الإمام أحمد اختارها الإمام الموفق ابن قدامة رحمه الله، وشيخ الإسلام ابن تيمية وطائفة من المحققين.
وهذا القول يحتج له بأدلة: أولا: لا غبار أن الأربعين هي الأصل، وأنها هي سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الزيادة كانت من عمر، وأما الاحتجاج بحديث أنه جلد بجريدتين نحوا من أربعين، فهذا نص محتمل، يحتمل بجريدتين أي: كل جريدة أربعين، ويحتمل أنه ضرب بالأولى قدرا ثم أتم بالثانية بقية الجلد فأصبح المجموع أربعين، لأنه قال: (جلد نحوا من أربعين بجريدتين) ، فهذا يحتمل أنها منفصلة، فجلد بكل واحدة منهما أربعين، ويحتمل أنها مجموعة، والظاهر أن الأربعين هو مجموع الكل، وهو ظاهر السياق، والمعنى الظاهر أقوى من المعنى الخفي المحتمل الآخر.
وعلى هذا فيكون القول: بإن الأصل أنها أربعون هو الأعدل والأوفق والأقرب إلى السنة، وأما كون عمر رضي الله عنه زاد إلى الثمانين فنحن نسلم بهذا، ونقول: يزيد القاضي إلى الثمانين متى رأى المصلحة، وعمر رضي الله عنه ما زاد إلى الثمانين إلا لما اشتكى إليه خالد رضي الله عنه وأرضاه.
وجاءت روايات صحيحة عن بعض التابعين وكبار التابعين أن عمر رضي الله عنه تدرج في الزيادة، والرواية صححها الحافظ ابن حجر رحمه الله، ففي مصنف ابن أبي شيبة أنه جلد أربعين، ثم جلد ستين، ثم أوصلها إلى ثمانين، وهي أقل الحدود حد الفرية، وهذا من فقهه رضي الله عنه وأرضاه.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 37.12 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 36.49 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.69%)]