عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 24-10-2025, 04:54 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,239
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للشيخ محمد الشنقيطي





أدلة القائلين بجواز التداوي بالخمر
أما الذين قالوا بالجواز فقالوا: إننا نحتج بعدة أدلة: الدليل الأول: من الكتاب، فإن الله سبحانه وتعالى يقول: {وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه} [الأنعام:119] قالوا: إنه إذا وجد الداء، أو المرض ولا يمكن علاجه إلا بالخمر فنحن مضطرون إلى الخمر، مدفوعون إليها بغير اختيار، ومأمورون أن نعالج أبداننا، كما في حديث أسامة بن شريك رضي الله عنه وأرضاه: أن الأعراب أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من هاهنا، وهاهنا، وقالوا: (يارسول الله! أنتداوى؟ قال: تداووا عباد الله!) قالوا: نحن مأمورون بعلاج البدن، فإذا كنا مأمورين بعلاج البدن، وثبت أنه ما يوجد إلا هذا العلاج والدواء -وهو الخمر- فإننا مضطرون إليه، ومدفوعون إليه بغير اختيار، والله يقول: (وقد فصل لكم ما حرم عليكم) أي: بين لكم ما حرم، ثم قال: {إلا ما اضطررتم إليه} فنحن حينما اضطررنا إلى هذه الخمر انتقلت من كونها حراما إلى كونها حلالا.
الدليل الثاني: من السنة، ففي الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه أناس من عكل أو عرينة، فاجتووا المدينة -أي: أصابهم الجوى وهو: نوع من المرض الذي يصيب البدن لاختلاف الطعام، واختلاف البيئة- فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا إلى إبل الصدقة، وأن يشربوا من أبوالها وألبانها، فشربوا من أبوالها وألبانها، فلما صحوا قتلوا راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستاقوا الإبل) الحديث.
وجه الدلالة من هذا الحديث: إن أبوال الإبل نجسة على مذهبهم، فهم يرون أن أبوال الإبل نجسة، كما هو مذهب الشافعية وطائفة، فقالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لهم أن يشربوا الأبوال النجسة لوجود الضرورة وهي: العلاج، فمن هنا: يجوز شرب الخمر النجسة للضرورة والعلاج، كما أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتداوي بأبوال الإبل؛ لأنها كانت علاج الداء والمرض، فيجوز شرب الخمر ولو كانت نجسة محرمة.
كذلك أيضا استدلوا بالعقل، فقالوا: يجوز شرب الخمر دواء كما يجوز أكل الميتة عند الاضطرار؛ بجامع وجود الحاجة في كل، قالوا: أليست الميتة حراما؟ قلنا: بلى.
قالوا: لو أن إنسانا اضطر إليها ألا يأكلها؟ قلنا: بلى.
قالوا: فالخمر حرام شربها، فإذا اضطر إليها جاز له شربها كما جاز للمضطر أن يأكل الميتة بجامع وجود الضرورة، والحاجة في كل منهما.
هذا بالنسبة للأدلة التي ذكروها لجواز شرب الخمر للتداوي، والذي يترجح في نظري -والعلم عند الله- هو القول بتحريم التداوي بالخمور والمسكرات، والمخدرات أيضا في حكمها، وذلك لما يأتي: أولا: لصحة دلالة العقل والنقل على ماذكره أصحاب هذا القول.
ثانيا: لا يصح استدلالهم بقوله تعالى: {وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه} [الأنعام:119] ، ونقول: إن دعواكم وجود الضرورة إلى الخمر مردودة؛ لأن الأطباء لم يثبتوا كونها دواء، وجاء الشرع أيضا مثبتا لهذه الحقيقة، ونقول: أنت تقول: إنك مضطر إلى الخمر لأنها دواء، لكن لا نسلم لك أن الخمر دواء، فأنت تضطر إلى شيء ليس بدواء! فإذا كان ليس بدواء فلست بمضطر؛ لأن الذي ألجأك واضطرك كونها دواء، وقد ثبت بالشرع والدليل الصحيح الذي لا يمكن أن يكذبه أحد أنها داء، وليست بدواء، فكيف تقول إنك مضطر إليها؟! إنما تكون مضطرا إذا كان فيها دواء، ولكن الواقع أنه ليس فيها دواء، وذلك بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأطباء أكدوا هذا في العصر الحديث أنه ليس فيها علاج للأسقام والعلل، بل تزيد الجسد سقما وبلاء وضررا إلى ما يعانيه ويجده.
إذا: استدلالهم بقوله: {إلا ما اضطررتم إليه} غير مسلم، ولا يشمل هذه الحالة؛ لأن الشرع نفى الضرورة فيها.
ثالثا: استدلالهم بحديث العرنيين، الجواب عنه من وجهين: الوجه الأول: نقول: يحتمل أن هذا قبل إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بأن الله لم يجعل شفاء أمته فيما حرم عليها، لأنك ما تستطيع أن تجعل حديث العرنيين متأخرا عن هذا الحديث؛ ليكون أشبه بالناسخ، والقاعدة: أن الأخبار لا يدخلها النسخ، فهي أخبار متعلقة بالأمر الواقع: (إن الله لم يجعل) ، فلا يصح أن يقول: الله جعل، وما يمكن هذا! هذا تناقض ولغو ينزه عنه الشرع، لكن على تسليم ما ذكروه، نقول: حديث العرنيين يحتمل أنه سبق حديث تحريم الخمر، وكانت رخصة أن يتداووا بهذه الأشياء، ثم سلبت المنافع من المحرمات والنجاسات، والخمر منها، وبقيت حراما وداء إلى يوم القيامة.
الوجه الثاني وهو أقوى: نقول: لا نسلم أن بول الإبل نجس؛ وذلك أن بول الإبل ثبت ما يدل على طهارته؛ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على بعيره، وطاف على بعيره صلوات الله وسلامه عليه، ولو كان بوله نجسا لما لامس النجاسة عليه الصلاة والسلام، ولما صلى على الموضع النجس، فعن ابن عمر في الصحيحين: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي على بعيره إلا المكتوبة) فلو كان نجسا لم يصل عليه عليه الصلاة والسلام، والأشبه أن بول البعير وروثه طاهر، وسنقرر إن شاء الله في كتاب الأطعمة أن بول وروث ما يؤكل لحمه طاهر، ويؤكد هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز الصلاة في مرابض الغنم، ولم يجزها في معاطن الإبل، وعلل ذلك بالشياطين، ولم يعلله بالنجاسة، وهذا يؤكد أنها طاهرة، وليست بنجسة.
إذا ثبت هذا؛ فإنه يسقط استدلالهم بالآية والحديث، ويبقى قولهم: إنه يجوز شرب الخمر كما يجوز أكل الميتة عند الضرورة، نقول لهم: إن أكل الميتة عند الضرورة حينما تصيب الإنسان المخمصة، معناه أنه سيموت، فلو لم يأكل الميتة فإنه سيموت قطعا، فيباح له أكل الميتة، أرأيتم لو أكل إنسان جائع مشرف على الموت من الشاة الميتة ألا يحفظه ذلك بإذن الله من الموت؟ قطعا إنه سيكون سالما من الضرر، ومن الموت والهلاك، وهل المصلحة في أكل الميتة عند الضرورة مشكوك فيها أو مقطوع بها؟ مقطوع بها، فإذا أكل من الميتة عند الضرورة نجا، ويشهد الحس بأنه ينجو، ومن هنا فرق العلماء بين ترك التداوي وبين ترك الميتة، قالوا: لأنه إذا ترك التداوي ترك شيئا يحتمل أن ينجح فيصيب الداء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (فإذا أصاب الدواء الداء برئ بإذن الله) ، فيحتمل أن يصيب الداء، ويحتمل ألا يصيبه، فنقول: التداوي محتمل، ولكنه وجدت أدلة على أنه يصيب في غالب الأمر، والواقع هنا أنه شهد الحس، وشهد الأطباء، وشهد أهل الخبرة، أن الخمر لا يصيب الداء، وإنما يزيد الداء والبلاء، ومن هنا نقول: فرق بين الأمرين: فالأمر الأول: يحقق مصلحة، ويدرأ مفسدة أعظم، والأمر الثاني: يحقق مفسدة، ويحدث مفسدة أعظم، وعلى هذا نقول: لا يستقيم الاستدلال من هذه الوجوه، والذي يترجح: أنه لا يتداوى بالخمور، ولا يتداوى بالمخدرات؛ لأن الأدلة دلت على عدم جواز ذلك.
لا يجوز شرب الخمر عند العطش
قال المصنف رحمه الله: [ولا عطش] .
صورة المسألة: أن يكون الإنسان عاطشا ولا يجد ماء أو مائعا يذهب به العطش من المباحات، نسأل الله بعزته وجلاله ألا يبتلينا بذلك، فيصيبه العطش الشديد الذي يخاف معه الهلاك، هذه صورة، أو يصيبه العطش الشديد الموجب للحرج، فالعلماء والأئمة-رحمهم الله- اختلفوا: هل يجوز شرب الخمر عند العطش الشديد؟ ذهب جمهور العلماء إلى عدم جواز شرب الخمر عند العطش، وهذا مذهب الجمهور، وبعضهم ينسبه إلى عامة العلماء، والواقع أن فيه خلافا، فقد ذهب بعض العلماء إلى جواز إطفاء العطش بالخمر، كما هو منصوص عليه في مذهب الحنفية رحمهم الله، إذا وصل إلى مقام الحرج.
وذهبت طائفة ثالثة إلى التفصيل، وقالوا: إذا كانت الخمرة مستهلكة بشيء يمكن أن يحصل به انطفاء حرارة العطش، ويحصل بها المقصود فبها ونعمت، وإلا فلا، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وطائفة من أهل العلم من أصحاب الشافعي، وغيرهم رحمة الله عليهم.
أصحاب القول الأول يقولون: لا يجوز أن يطفئ العطش بالخمر؛ لأن الخمر تزيد الإنسان عطشا إلى عطشه، فمادتها -بشهادة الأطباء- حارة، قالوا: لذلك لا يشرب أحد الخمر إلا وعنده ما يطفئ حرارتها، والغالب فيهم أن يضعوا فيها المبردات، أو يضعون بجوارها ما يبرد، فهذا يدل على أن ما يذكرونه من كونها تطفئ العطش ليست مصلحة موجودة في الخمر، فإذا شككنا في وجودها فإننا لا نستطيع أن نستبيح المحرم الواضح لمصلحة محتملة، وهناك فرق بين التداوي وبين مسألة العطش.
قال أصحاب القول الثاني: يجوز إطفاء العطش بالخمر، وذلك لأنه في مقام الحرج، فإذا شرب الخمر أطفأ عطشه، وهذا يدفع عنه الحرج، ولربما يكون يخشى الموت، فإذا شرب ذهب عطشه.
وفي الحقيقة: مذهب التفصيل هو أعدل الأقوال في المسألة، وكما ذكره شيخ الإسلام، ويشترط أولا أن يغلب على ظنه أنه إن لم يشربها سيهلك، ويصل إلى درجة الخوف من الهلاك، ولا يجوز له شربها لمجرد العطش الذي لا يخاف معه الهلاك.
ويشترط ثانيا: أن يغلب على ظنه أنه لو شربها أنها تطفئ عطشه، كما لو كان معها مادة مستهلكة فيها، أو عنده خبرة -كما يقع لبعض حديثي العهد بالجاهلية- أن هذا النوع يطفئ عطشه، فحدثت له هذه الحادثة، واضطر إلى شربها على هذا الوجه؛ فيرخص له، وهذا هو القول الأعدل والأقرب إلى الصواب إن شاء الله في هذه المسألة.
قال المصنف رحمه الله: [ولا غيره] يعني: غير العطش من الأمور الأخرى التي يتذرع بها، كما يفعله البعض من الدلك بها، فيأخذ مادة الكحول ويدلك بها اليد، أو للتعقيم من الجراثيم، أو زيادة النضرة والجمال، وأثر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كتب إلى خالد: (بلغني أنك تدلك بالخمر، وإن الله حرم الخمر ظاهرا وباطنا، فإياك! أن تفعل ذلك فإنها نجسة) وهذا يؤكد أنه لا يجوز تعاطيها في هذه الأمور ولا في غيرها؛ ولذلك عمم المصنف رحمه الله الحكم كما هو ظاهر العبارة.
الأسئلة




سلبت منافع الخمر عندما حرمت
السؤال في قوله تعالى: {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس} [البقرة:219] وقد أثبت الطب الحديث أنه ليس في الخمر علاج، وهذا مشكل، فما هي المنافع التي فيها؟
الجواب باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فكون الطب الحديث الآن يثبت أنه ليس فيها منافع، لا يعارض أن يكون فيها منافع في مرحلة من مراحل التشريع؛ وقد جاء في رواية صحيحة -صححها غير واحد من العلماء- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله لما حرم الخمر سلبها المنافع) ، فالذي يبحثه الأطباء الآن هو بعد سلبها المنافع، أما في القديم، في المرحلة الثانية من تحريم الخمر، وهي مرحلة التنفير، قال الله عز وجل: {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس} [البقرة:219] ، وهذا قبل التحريم، وبعد أن حرمت سلبت المنافع، وحينئذ لا إشكال؛ لأن محل الإشكال: لو كانت المنافع موجودة، والآية تتكلم بعد التحريم، فيصبح هناك تناقض بين نفي المنافع وإثباتها، والواقع أن نفي المنافع جاء بعد التحريم، والآية تتحدث عما قبل التحريم، وعلى هذا لا إشكال ولا تعارض؛ لأن القاعدة عند العلماء: إذا اختلف الموردان فلا يحكم بالتعارض، والله تعالى أعلم.

الحذر من خطر دعوى التدرج في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى
السؤال تدرج الله سبحانه وتعالى في تحريم الخمر، هل فيه دليل على أننا نتدرج أيضا في نصيحة الناس في أي معصية من المعاصي؟

الجواب هذه المسألة ينبغي الحذر كل الحذر منها، وأحب أن أنبه إخواني جميعا أن يتقوا الله عز وجل في الدعوة إلى الله، وأن يعلموا أن أمور الدعوة ينبغي أن ينتهج فيها المنهج الذي بينه الله في كتابه، وبينه رسول الهدى صلى الله عليه وسلم في سنته، ولا أحسن ولا أجمل ولا أكمل ولا أعلم ولا أحكم من هذا الشرع والطريق والسبيل، قال تعالى: {قل إني على بينة من ربي} [الأنعام:57] ، والبينة: الأمر الواضح الذي لا اختلاج فيه ولا خلل، لكن بينة من من؟ من ربه، وبين الله تعالى أنه على هدى، وأنه على صراط مستقيم، وأنه يدعو إلى هذا الهدى، وإلى الصراط المستقيم، إذا ثبت هذا؛ فلا يجوز لمسلم أن يدخل يجتهد في مجالات الدعوة برأيه، ويتحكم في الأمور بهواه، دون أن يكون قد ورث عن أهل العلم العلم الشرعي والبصيرة، عليه أن يتقي الله عز وجل، وألا يغش أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
والأصل الشرعي يقتضي أننا إذا نزل النص بتحريم أمر أن نبلغ الناس أنه حرام، فلو أنه دخل على رجل يشرب الدخان، لا يأتي ويقول له: والله! الدخان ما هو طيب، لكي يقول له بعد ذلك: الدخان حرام، فيقول له في اليوم الأول: الدخان ما هو طيب، أو يقول له: إن الأطباء يقولون: إن الدخان فيه أضرار، فيبدأ يقنعه عقليا، ثم يقنعه نقليا، افعل ذلك إذا ظننت أنك تبقى إلى غد، أو يبقى هذا الشخص إلى غد، فلو مات ولم تقم حجة الله عليه، وكان بإمكانك أن تقول له الحق، فستلقى الله عز وجل به، ولذلك لا يجوز تأخير الحجج والبراهين والإعذار إلى الله عز وجل في خلقه، ومن أغرب ما ترى! التساهل في إقامة الحجج، أما من يسير على المنهج السوي، يأتي إلى الشخص ويقول له: يا أخي! دل الدليل من كتاب الله عز وجل، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم على أن هذا الخمر حرام، فاتق الله عز وجل، ودع ما حرم الله يغنك الله، ويكفك بحلاله عن حرامه، يا هذا! اتق الله في نفسك، واتق الله في مالك، واتق الله عز وجل في حدود الله التي أمرك الله باجتنابها، فيعطيه الأمر واضحا.
فإذا نظرت: وجدت الداعية الذي يسير على هذه الأمور الواضحة مباركا له في دعوته، ومن يلتزم بسببه يلتزم بقوة، ويلتزم باستجابة للحق، بخلاف الذي يرقع له، ويحاول أن يلطف يلطف يلطف حتى إنه لربما جاءت عزائم الإسلام فنكص على عقبيه والعياذ بالله! فهو يلتزم بين بين! إن نظر إلى مجلس فيه ضحك ولهو، وأخذت أمورالدعوة بإضحاك الناس واللهو معهم؛ استقام على دين الله، فإن خرج إلى مجلس فيه جد، وفيه أحكام الشريعة، وفيه سنن الهدى التي تستنير بها البصائر ضعفت نفسه، ولربما قال كلمة يزل بها إلى لقاء الله عز وجل، فيقول مثلا: هذا تعقيد! وتجد بعضهم يستحدث في الدعوة أمورا غير شرعية، ويقول: لا تدع الناس مباشرة! بل إن بعضهم-والعياذ بالله- يأخذ آلات اللهو ويضربها لمن يدعوهم حتى يجذبهم إلى الإسلام! إنا لله وإنا إليه راجعون، من الذي قال لك: إن هذا الحرام قد صار حلالا لك؟! ومن الذي فتح لك أبواب المحرمات تستبيحها في سمتك ودلك وتستخف بدين الله عز وجل هذا الاستخفاف؟! من الذي قال لك: إن هذا الدين ضحك ولهو؟ هذا يماثل قلوب الذين: {قالوا أتتخذنا هزوا} [البقرة:67] ، والهزو: الضحك، {قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين} [البقرة:67] ، فموسى نبي من أنبياء الله برأ رسالته التي بعث بها أن تكون بطريق الجهل، فالدين علم وبصيرة، كما قال الله: {يا يحيى خذ الكتاب بقوة} [مريم:12] أي: بعزيمة، وصبر، وتحمل، ومناهج واضحة، وحجج بينة، هذا ربك، وهذا دينك، وهذا نبيك، توصيه بطاعة الله عز وجل وتقواه، وتقرعه بقوارع التنزيل إن كان مثله يقرع، أو تأخذه بمحاسن الإسلام ترغيبا، ولك في كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم من الحجج الواضحة البينة ما ترق به القلوب، فليس الإسلام بهذه التأويلات وهذه التعسفات، ولا تجد هذه التأويلات عند أهل العلم والبصيرة، ولذلك تجد أهل العلم الذين عرفوا كتاب الله، وعلموا حلاله وحرامه، الراسخون في العلم؛ لا يدعون الناس بمثل هذه التهكمات، وبمثل هذه الاجتهادات، هذه تجدها عند أناس مفلوتين لا زمام لهم ولا بصيرة، تجدهم الواحد منهم يختلق في دين الله وفي دعوته ومنهجه فكرا جديدا؛ لكي يضيفه لنا، وكأن الشريعة ناقصة! الشريعة منهج واضح، ليس فيها اجتهاد ولا تأويل، فيما لا اجتهاد فيه ولا تأويل، فطرق الدعوة واضحة، ومناهج الدعوة واضحة، ومن هنا يقول الله عز وجل: {إنه لقول فصل * وما هو بالهزل} [الطارق:13 - 14] ، أسلوب التوكيد: (إنه) أي: إنه شرع الله الذي في القرآن، الذي هو الفصل والأساس، فالتدرج عطفا على الناس، واستخدام الأساليب المضحكة والملهية لتأليف الناس، هذه أمور خلاف المنهج والسنن، وينبغي للإنسان أن يرتبط بمنهج الكتاب والسنة، وأن يصحح مساره، وأن يعرف كيف يدعو! وما هو الأصل! وقد عايشنا العلماء، وجالسنا أئمة من أهل الفضل، ممن فسر كتاب الله عز وجل عشرات السنين، وممن فسر السنة عشرات السنين، فيأتيهم من هو أشقى الناس، ونعرف أن من دخل عليهم من أفسق الناس فجورا وانتهاكا لحدود الله عز وجل، وقد كان بالإمكان أن يضحك معه أو يلهو معه، فإذا به يقف معه الموقف الواضح البين، ويقول له: هذا دين الله وشرعه.
سبحان الله! حينما أدعو الناس بكتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فأقرأ عليهم كتاب الله، وأذكرهم بسنة النبي صلى الله عليه وسلم وما استجابوا، وقامت عليهم الحجة، هل معنى ذلك أن الكتاب والسنة نفرة؟ لا أبدا، الخلل ليس في كتاب الله، ولا في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، إنما في النفوس والقلوب، فهي التي تستجيب، فإن وعت وأراد الله هدايتها فالحمد لله، وقد كان رسول الهدى صلى الله عليه وسلم أصدق الناس مقالا، وأوضحهم منهجا واعتدالا، وعلما بالحكمة ومواضعها، ومع ذلك قال بقول الله عز وجل، وبلغ عن الله صلوات الله وسلامه عليه، ولم يأخذ الناس بالسخرية، ولا باللهو والضحك.
ذكر عن بعض هؤلاء أنه في محاضراته -والناس يحضرون من أجل أن يسمعوا منه- يمثل للمرأة: كيف تتدلل! وكيف تضحك! من أجل أن يضحك الناس! هذا انحطاط وحط لقدر الشريعة، الشريعة لها مكانة وقدر، على الإنسان أن يستبين منهج الله عز وجل، لا يقول لك شخص: قم وادع بما فتح الله عليك! فتأتي بالطوام، وبالأمور الغريبة العجيبة التي تصطدم مع الشرع تماما.
حدث لبعض هؤلاء موقفا: استدعاه بعض مشايخنا رحمة الله عليه؛ لأنه جاء وأضحك الناس في زواج، فقال كلاما من أجل إضحاكهم، فقال: مو يهديني! ثم استدعاه شيخنا رحمه الله وهو الوالد، وقال له: يا فلان! هل حضرت زواج فلان؟ قال: نعم، قال: هل قلت: كذا وكذا؟ قال: يا شيخ! قلت ذلك، والحمد لله، نفع الله بذلك القول، وما أريد إلا الخير، قال: أوكل مبتغ للخير مصيب له؟! يا هذا! اتق الله في أمة محمد صلى الله عليه وسلم! تأتي على مرأى ومسمع من الناس لتضحكهم، وتستخف بدين الله عز وجل؛ لأنه قال كلمة عجيبة، وقال كلمة غريبة ينزه الشرع عنها، ثم قال له: أتعرف أن هذه الكلمة بعض العلماء يراها كفرا واستهزاء بالدين؟! قال: أعوذ بالله! ما كنت أظن هذا، قال: إذن أنصحك أن تجثو على ركبتيك في مجالس العلماء؛ حتى تتأهل للعلم، والدعوة والبصيرة.
وانظر إلى العلماء كيف يدعون الناس! وكيف يغضبون في مواطن من حقهم فيها أن يغضبوا! وكيف يأخذون الناس بالتي هي أحسن في مواطن يحسن فيها أخذهم بالرفق! إذا لا بد أن نرجع إلى كتاب الله عز وجل، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولذلك قل أن تجد مناهج تخرج عن هذا الأساس، ويوضع فيها البركة، ولا يمكن أن تستقيم أمور العبد بغير كتاب الله عز وجل، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك يقول تعالى: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه} [الأنعام:153] ،هذه الوصية كان ابن مسعود يقول: (من أراد أن ينظر إلى وصية محمد صلى الله عليه وسلم التي عليها خاتمه فليقرأ: قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم.
[الأنعام:151] ، وآخر هذه الوصية وكلها مسك: (وأن هذا صراطي) صراط الله، ما هو صراط الله؟ قيل: هو القرآن، فمن دعى بعلم بالقرآن وبصيرة بالقرآن فإن الله يبارك دعوته، ويبارك قوله وعمله، حتى لو لم يستجب لدعوته إلا عشرة؛ فإنهم خير من ملء الأرض ممن يستقيم على الترهات والضحك، والاستخفاف والعبث، ولذلك كم وجدنا، وكم سمعنا من أخبار عجيبة ممن يختلق هذه الأمور في الدعوة! فيتدرج في أمور الحكم فيها واضح، ويأتي يريد أن يختلق للناس تدرجا في الأحكام! كم سمعنا من محق للبركة في دعوتهم! وكم وجدنا من الآثار التي لا يحمد عقباها لمن دعوهم! لأن الله يقول: {ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين} [الحج:11] ، قال بعض العلماء: إني لأعرف من عبث مع البعض فأدخله باللهو والضحك، حتى جلس عشر سنوات على التزام، فجاءته مصيبة فانتكس فمات شر ميتة-والعياذ بالله-، فهو يلتزم على أشياء محدودة، ومن العجيب أنك تسمع بعضهم يقول: إذا أردت أن ترى الداعية الحق فاذهب إلى فلان، فهؤلاء هم الذين يعرفون كيف يدعون! وهؤلاء هم الذين يعرفون كيف يؤثرون! إن الذي يعلم التأثير، ويعلم مواطن التأثير هو الله وحده المطلع على السرائر والضمائر، وهو سبحانه الذي يضع البركة لمن ابتع كتابه، وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام، وليس هذا أو ذاك، الله وحده هو المطلع على السرائر والضمائر، والمطلع على عواقب هذا الوحي، وآ

حكم من فاتته ركعة رابعة ثم صلاها مع إمام زاد خامسة سهوا

السؤال رجل فاتته ركعة في صلاة الظهر، والإمام أتى بركعة خامسة، فهل تجزئ؟

الجواب إذا قام الإمام إلى الركعة الخامسة فإن المأمومين على قسمين: من كانت صلاته أربعا، وحضر الصلاة تامة فلا يجوز له أن يتابع الإمام، بل يبقى، ويطيل التشهد والدعاء حتى يتم الإمام الخامسة؛ لأنه معذور في ظنه، وله أن يتعبد الله بما يظن، وأنت لست معذورا في متابعته على الخطأ؛ لأنك مأمور باتباع الإمام فيما شرع، لا فيما لم يشرع، ومن هنا تطيل التشهد كما أطال الصحابة رضوان الله عليهم التشهد وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف، فتثبت وتطيل التشهد، فإذا نبه ورجع إلى المصيبين الذين يعرفون الزيادة، وعلم أنه زاد، فرجع؛ فلا إشكال، فيسلم بالجميع، ويسجد للزيادة وتسجد معه؛ لأنك تبع للإمام في خطئه وصوابه.
وأما إذا أصر على موقفه، وأتم الركعة، فله عذر، وصلاته صحيحة، وصلاتك أنت صحيحة؛ لأنها تمت لك أربع ركعات.
القسم الثاني من المأمومين: الذين ورد السؤال عنهم: من جاء متأخرا، فقام الإمام لخامسة، سواء علم أو لم يعلم أنها خامسة، فيتابع الإمام، والسبب في هذا: أنه مأمور باتباع هذا الإمام، وصلاته ناقصة، فالإمام قائم لركعة نافلة -وهي الخامسة- لعذر، فحينئذ لا وجه أن ينفصل عنه؛ لأن صلاته لم تتم، فيتابعه في هذه الركعة، ويسلم معه، وصلاته صحيحة، ولو فاتتك ركعتان، فقام الإمام إلى ركعة زائدة قضيت معه ركعة واحدة، وهذا مبني على اقتداء المفترض بالمتنفل، والأدلة دالة على جواز ذلك، كما في قضية صلاة الخوف، والله تعالى أعلم.

إذا لم يأت الخطيب يوم الجمعة

السؤال جماعة مسجد غاب عنهم خطيبهم يوم الجمعة، فصلوا ذلك اليوم ظهرا بلا خطبة، بحجة عدم وجود من هو أهل للخطابة، هل فعلهم هذا صحيح؟ وإن لم يكن فماذا يلزمهم؟

الجواب لا شك أنه ينبغي عدم الاستعجال، المشكلة هنا في الاستعجال، فالمؤذن بمجرد ألا يجد الإمام يخاف الإحراج، فيقول مباشرة: يا جماعة! سنصلي الظهر، ثم يصلي بهم ظهرا، فالمنبغي أن يسألهم، ويقول: هل فيكم أحد من طلبة العلم ممن يستطيع أن يصلي بنا الجمعة؟ حتى يعذر إلى الله عز وجل، فإن وجد أحدا بهذه الصفة مكنه أن يقوم ويخطب بالناس، ويؤدي لهم صلاتهم؛ لأن الأصل: أنه يجب عليهم أن يصلوا الجمعة، وأما إذا لم يوجد فحينئذ ينظر: فإن وجدت مساجد أخرى فيها الجمعة، فإنه يجب عليهم أن يخرجوا من هذا المسجد ويدركوا الجمعة في المساجد الأخرى؛ لأن الله فرض عليهم جمعة، ولم يفرض عليهم ظهرا، ولا يستقيم أن يصلوا ظهرا والمساجد الأخرى فيها جمعة، وعلى هذا ينبغي تنبيه الناس لهذا لأمر؛ أنهم لا يصلون ظهرا مع إمكان أداء الفرض-أعني الجمعة- للحاضر المقيم.
أما لو تعذر، ما في في القرية إلا هذا المسجد، وليس هناك إلا إمام واحد، وليس هناك أحد يستطيع أن يخطب، وهذه مصيبة، المؤذن لو وقف وقام وقال: أيها الناس! اتقوا الله ربكم، وذكرهم بآية من كتاب الله، أو بحديث من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، أو حتى قال: أيها الناس! اتقوا ربكم، أمامكم الجنة! أمامكم النار! رغب ورهب، فجمعتهم صحيحة، حتى: لو خطب عشر دقائق، أو حتى سبع دقائق، أو حتى خمس دقائق، حتى لو قال: أيها الناس! اتقوا ربكم، واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله، اتقوا الله في أنفسكم، في أهليكم، في أولادكم، ولو قالها من قلبه لربما كانت مغنية عن عشرات الخطب، وخير الكلام ما قل ودل، فهذا لا يؤثر في صحة الجمعة، ثم جلس، ثم قام مرة ثانية: يحمد الله، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: أيها الناس! أذكركم ما ذكرتكم في الخطبة الأولى، ما يضر، هي كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (حولها ندندن) أي: الجنة التي نرجو من الله تعالى أن يجعلنا من أهلها، والنار التي نرجو من الله عز وجل أن ينجينا وإياكم منها، هي كلها ندور حولها، والنبي صلى الله عليه وسلم كانت صلاته أطول من خطبته، وهذا من مئنة فقه الرجل، وصلاته يقرأ فيها بسبح والغاشية، وسبح والغاشية مقدارها صفحتان، يعني: ورقة واحدة، والأئمة الآن يأتي الواحد منهم ومعه درزن من الأوراق، يريد ألا ينفض الناس إلا وقد علموا تفاصيل الشريعة من أول الإسلام إلى آخره، خير الكلام ما قل ودل، فإنه قد يقوم الرجل العامي الغيور، ويتكلم على أمر من الأمور التي يعلم حكم الله عز وجل فيه، أو يرى الناس تقصر فيه، فيقف ويقول: يا ناس! اتقوا ربكم، بأسلوب عامي، لكنها تقع في القلوب، ويقوم البلغاء والفصحاء والمتكلمون، وإن شئت قلت: الثرثارون، ولا يغني ذلك شيئا، ويخرج الناس كما دخلوا! إذا: قد يعظ الإنسان بالكلام القليل ويكفي، فلا تصعب الجمعة، وما ذكر من اشتراط الحمدلة، وقراءة الآية، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فهذه شروط معروفة، لكن تكلم العلماء فيها، وأنها اجتهادية، والصحيح أن خطبة الجمعة شرطها: البشارة والنذارة، وهي رسالة الرسل؛ لأن أصل الرسالة: السفارة، أي: سفارة الرسل من الله عز وجل إلى العباد، وقد بينها الله في هاتين الكلمتين: {رسلا مبشرين ومنذرين} [النساء:165] ، ومن هنا بعض الناس يقول: العلماء قصروا، وخانوا الأمة؛ لأنهم لم يبينوا دينه، ألا تعلم أنه لو وقف عالم وقال: أيها الناس! اتقوا ربكم، أنه قد أعذر إلى الله في شرائع للإسلام لا يحصيها إلا الله عز وجل؟! من هذا الذي يستطيع أن يقول: اتقوا ربكم، من قلب مخلص؛ فإذا قالها هز القلوب إلى ربها؟ ومن يستطيع أن يقول هذه الكلمة التي كثر قائلوها، وقل العاملون بها؟ ومن يستطيع أن يقولها من قرارة قلبه فلا تجاوز أذنا حتى تستقر في قلبها؟ إنما هو المخلص لله عز وجل.
وأذكر الشيخ ناصر الدين الألباني رحمه الله برحمته الواسعة كنا ذات يوم في المسجد النبوي بعد صلاة الظهر -وهذا من تواضعه رحمه الله برحمته الواسعة-، وكان هناك حريق في سوق المدينة، واستمر قرابة سبعة أيام، وكان عبرة! سوق للذهب حرق ومكث أياما آية من آيات الله، هذا الموضع كان فيه بعض التقصير والتساهل من بعض الناس، وكأنه ابتلاء من الله عز وجل، فلما صلى الناس الظهر، قام رجل من عامة المسلمين، ولكنه قل أن يغيب عن الصف الأول في الحرم، وقل أن يغيب عن مجلس الذكر في المسجد النبوي، ما يمكن أن يغيب بعد المغرب إلى العشاء، لا بد أن تراه في حلق أهل العلم، وعنده عناية بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعطش للخير، وكان غيورا على الطاعة والخير، فقام هذا الرجل الكبير السن، ووقف موقفا مؤثرا جدا، وقف بعد الصلاة وهو شيخ حطمة! ضعيف البدن! ضعيف الصوت! وقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه كلاما مؤثرا، ومما قال: أين السوق بالأمس؟ أين الذهب؟ أين المجوهرات؟ انظروا كيف أن الله عز وجل يبتلي عباده! وكيف تأتي نقم الله عز وجل! تحدث قرابة عشر دقائق، لكن فيها تذكرة لمن عقلها، وله أذن واعية، فأثر فينا كثيرا، وكان الشيخ رحمه الله جالسا في الصف الثاني تقريبا في الحرم، وكان بيني وبينه شخصان، وما كنت أعلم أنه في الحلقة، وفجأة الرجل قال: الله أكبر، الشيخ ناصر موجود؟! فكان كما يقولون: خرب الذي فعل، كنا في الموعظة، وتأثرنا، فإذا بالشيخ رحمه الله ينشج من البكاء، ويرفع صوته، ويقول: أناشدك الله استمر! استمر! استمر! فتأثر بكلامه، وهو رجل من العامة، فوضع الشيخ يديه على رأسه وهو جالس وقد نشج وتأثر وبكى.
فهذا الرجل من عامة المسلمين، ومع ذلك يعظ علماء، ويؤثر فيهم؛ لأن الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب، وإذا خرجت كذبة منمقة محسنة -ولوكانت من أبلغ الناس إذا لم يرد بها وجه الله- لم تبلغ مبلغها أبدا؛ ولذلك وعظ أحدهم بكلام بليغ مؤثر في القلوب، فجاءه رجل بعد الخطبة، وقال له: يا فلان! إنك قلت كلاما تندك منه الجبال، من قوته وبلاغته وفصاحته، ولكني أقسم بالله أنه ما بقي في قلبي منه شيء، فإما أن يكون فيك العيب أو في العيب! يعني: إما أن تكون لا تريد وجه الله-أستغفر الله- بهذا الكلام؛ فاتق الله، وإما أن أكون أنا لا أحسن سماع المواعظ، ولا التأثر بكلام الله عز وجل وكلام رسوله؛ فأنا الذي في العيب، فأعطاه موعظة قصيرة، لكنها مؤثرة.
فتأثر الناس في خطبة الجمعة لا يشترط أن يأتي الإنسان بكلام كثير، وكم رأينا من أمور مؤثرة جدا؟ الشخص يجلس يخطب قرابة النصف ساعة، والناس في شدة الظهيرة، وقد يكون هذا في شدة الصيف، والناس في أحوج ما يكونون إلى من يرفق بهم، وإلى من يتألفهم.
وتجد بعض الخطباء الحكما يختصرون بكلام قليل، وتجد لهم من القبول ومحبة الناس، وغشيانهم لمساجدهم وقبولهم لمواعظهم الخير الكثير؛ لأنهم حببوا الناس في دين الله عز وجل، ولم ينفروهم.
فالشاهد: أن الخطبة -وينبه المؤذنون على هذا- تتوقف على التذكير بالله عز وجل، فإذا قام شخص وذكر بالله كفى، لكن إذا وجد مسجد تقام فيه الخطبة فأنا أنصح أنه لا يقوم أحد ليخطب إذا كان نفع الناس بالخطب الأخرى أعظم، وقد يؤم بهم عامي يلحن في الفاتحة أو يخل بها، فتبطل صلاتهم.
فخلاصة القول: إذا لم يوجد مسجد آخر -وهذا الشرط الأول- فيه جمعة جاز لهم أن يصلوا الجمعة.
الشرط الثاني: أن يغلب على ظنه أنه لا يوجد الخطيب إلى آخر الوقت، وهذا يغفله كثير ممن يفتي في هذه المسألة، فإن العلماء قالوا: إن الجمعة واجبة في هذا اليوم، فمنهم من شدد إلى آخر وقت الظهر، فلم يعط رخصة بصلاتها ظهرا إلا إذا ضاق عليهم الوقت, ولم يبق إلا قدر ما يصلون الظهر؛ لأنها فريضة لازمة عليهم، فإن رجوا حضور الإمام أو حضور من يقوم بالخطبة ولو بعد وقت؛ ينتظرون في المسجد، وحينئذ تكون الجمعة لازمة عليهم، فإذا تحقق الشرطان جاز لهم أن يصلوا ظهرا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 43.11 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 42.48 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.46%)]