عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 20-10-2025, 04:08 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,655
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للشيخ محمد الشنقيطي





حق الأمة في الوطء أو الزواج
قال رحمه الله: [وإن طلبته؛ وطئها أو زوجها أو باعها] .
وإن طلبت الأمة الزواج وطئها، فإذا وطئها عفها عن الحرام، أو باعها.
وطئها لأنها ملك يمين، وحق من حقوقها أن تعف عن الحرام، فإما أن يعفها هو أو ييسر لها سبيل الإعفاف بأن يزوجها من آخر، والدليل على ذلك الآية المتقدمة من سورة النور: {وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم} [النور:32] ، فهذا يدل على أنه يجب عليه أن يزوجها.
فالأمة تختلف عن الرجل؛ لأنها توطأ، ومن هنا جاء فيها الخيار الثالث، وأما العبد الرجل ففيه خياران: إما أن يزوجه وإما أن يبعه.




الأسئلة




جواز أخذ العبد ما زاد عن الخراج بإذن السيد
السؤال أشكل علي جواز الاتفاق على المخارجة مع أن مال المملوك كله للسيده أثابكم الله؟
الجواب باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد: فلا إشكال في هذا؛ لأن السيد له الحق أن يملك مولاه؛ ولذلك يأذن له بالتجارة ويمكن من المال، وإذا مكنه من المال فلا حرج في ذلك ولا بأس، فإذا قال له: أعطني ثلاثة دراهم يوميا والباقي لك فله ذلك، أي: إذا أذن له بالملكية ثبتت له يد الملكية على ما المال، والله تعالى أعلم.
حكم خصم صاحب العمل على العامل من أجرته لسبب يراه
السؤال يعمل عندي عامل ولم يقم بالعمل على الوجه المطلوب، فخصمت عليه من الأجرة ثم أعطيته المتبقي، فلم يقبل فما العمل، أثابكم الله؟
الجواب هذه قضية فيها طرفان وخصمان فلا يحكم لشخص على آخر، ولا يحكم بين خصمين بقول أحدهم؛ لكن ننبه على الأصل، وهذا أمر ينبغي أن ينتبه له في فقه الفتوى، قد يأتيك من يسألك فتحكم له على الطرف الثاني وأنت لم تسمع منه؛ ولذلك عتب الله على داود من فوق سبع سماوات حينما قال: {خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط * إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب} [ص:22 - 23] ، لما قال الخصم دعواه، قال داود: {لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه} [ص:24] ، كان المفروض أن ينتظر حتى يتكلم الخصم الثاني، وهذا تعليم من الله عز وجل لنبيه عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
ومن هنا أخذ العلماء الأصل الشرعي؛ أنه لا يجوز في القضاء أن يحكم على خصم دون أن يسمع من خصمه، لابد أن يسمع من الطرفين، ومن هنا كانت الحكمة المأثورة عن علي رضي الله عنه وتحكى عن غيره: (إذا جاءك الخصم وقد فقئت عينه فلا تحكم له، فلعل خصمه فقئت عيناه) ، يعني: إذا جاءك يشتكي من مظلمة فقد يكون صاحبه عنده عشرات المظالم يقول: ضربني فلان، وتجد أنه قد ضربه أضعاف الذي ضربه، أو تجده فعل فعلا يستحق به الضرب؛ فإذا لا يحكم بين طرفين ما لم يسمع منهما.
هذا عامل وهو خصمك أمام الله جل وعلا، هو أجير استأجرته؛ والأصل أنك لست من يقدر عمله، الخطأ الذي أخطأته أنك قدرت عمله وخصمت عليه، وهذا ليس من حق أحد كائنا من كان أنه يخصم من العامل شيئا بل ينبغي أن يقدر عمله الذي قام به، ويعاقب على خطئه، فالعمل الذي قام به لست أنت الذي تقدره، وليس من حقك أن تقدره، وإنما تنظر إلى اثنين من أهل الخبرة يأتون وينظرون إلى عمله الذي قام به ويقدرونه، فإن قدروه بالأجرة التي دفعتها، فما ظلمته، وإن قالوا: إن أجرته ستة آلاف ريال وأنت أعطيته أقل منها فقد ظلمته، ومن حقه أن يمتنع؛ لأنك لم تعطه حقه، فنحن لا نستطيع أن نقول: هو المخطئ أو أنت، إنما نقول: الأصل الشرعي يقتضي أنك لا تقدر العمل، وإذا امتنع لا تترك الأمر هملا، وهذا أمر ننبه عليه، أنت الآن تتحمل مسئولية أمام الله عز وجل عن هذه المظلمة وعن منع الأجير أجرته.
الواجب على الشخص إذا حدثت بينه وبين العامل خصومة ألا يتركه حتى يفصلها بالوجه الشرعي، ويقول له: ما أدعك، إما أنك محق فأعطيك حقك، وإما أن أكون محقا فاعرف ما الذي أريده، أما أن تترك الأمر هكذا، وتترك الرجل يذهب، فليس من حقك هذا، وقد قصرت في الجانبين: الجانب الأول: أنك قدرت عمله وليس من حقك أن تقدره، هذا مرده إلى أهل الخبرة.
وثانيا: أنك تركته يذهب، المفروض أن تذهب به إلى أهل الخبرة، أو كانت المسألة مشكلة عندك تذهب إلى من تثق بعلمه أو إلى القاضي تقاضيه، أو تنظر من عنده معرفة يفصل بينك وبينه؛ أما أن تعطيه باجتهادك ورأيك، ثم إذا امتنعت يذهب هكذا، فلا فإنه هو خصمك في هذه الأجرة.
والذي أوصيك به: أن ترى أناسا من أهل الخبرة يقدرون عمله، ثم إذا كان المبلغ الذي أعطيته دون الذي يستحقه تبحث عنه وتعطيه حقه كاملا، هذا الذي أوصيك به، فإن عجزت عن معرفته والوصول إليه وتعذر عليك ذلك، تصدقت بهذا الثمن على نيته؛ حتى إذا وافيت الله عز وجل وسألك عن حقه؛ أخذ من حسناتك مما تصدقت به فكفيت مظلمته، والله تعالى أعلم.
الفرق بين مصطلح الجمهور والجماهير
السؤال ما الفرق بين قولنا: جمهور العلماء، وجماهير العلماء، أثابكم الله؟
الجواب هذا مصطلح، فإذا قيل: الجمهور.
فهم الثلاثة في مقابل الواحد من الأربعة، مثلا الحنفية والمالكية والشافعية، يقولون: يجوز، والحنابلة قالوا: لا يجوز، تقول: قال الجمهور: يجوز، وتقصد الثلاثة في مقابل الواحد.
وممكن أن تقول الجمهور.
إذا كان خلاف بين الحنفية والمالكية من وجه والشافعية والحنابلة من وجه، إلا أن أصحاب الشافعي مع الحنفية والمالكية، فحينئذ تقول: الجمهور، إذا انسحبوا واختاروا قول غير إمامهم.
وممكن أن تقول: الجمهور النسبي، وصورته: أن يختلف العلماء الثلاثة على الجواز، ويخالف غيرهم بالتحريم، ثم الذين قالوا بالجواز يختلفون في الجواز مع الكراهة والجواز مطلقا، فهؤلاء فيما بينهم يختلفون في مسألة أو في قيد، فتقول: جمهور الجمهور، ويكونون -مثلا- ثلاثة فيكون اثنان في مقابل الواحد، هذا يقال له: جمهور القائلين بالمسألة.
وأما بالنسبة للجماهير فهذا مصطلح يقارب الإجماع، إذا قيل: جماهير العلماء.
فيقصد به عامة العلماء وهو يكاد يقارب الإجماع، وغالبا لا يقال: جماهير إلا إذا ضعف المخالف، أعني: إذا كان المخالف له أفراد فيقال: جماهير العلماء على الجواز.
وتجد هذا عند أصحاب المذاهب، فمثلا: عند الحنفية عالم، ومن علماء المالكية عالم، والشافعية كذلك، فهم أفراد يقولون بضد هذا القول، حينها تقول: الجماهير؛ لأن الخلاف ليس بين الأربعة أنفسهم؛ فالأربعة مع بعضهم على الجواز أو عدمه؛ فتقول: الجماهير.
والجماهير غالبا مصطلح لا أستعمله إلا فيما يقارب الإجماع، إذا قلت: الجماهير فهذا مصطلح ألتزم به في الغالب فيما يقارب الإجماع، أو يكون الخلاف في المقابل ضعيفا في أغلب الأحوال، والله تعالى أعلم.
حكم قراءة المسبوق التشهد
السؤال المسبوق بركعة هل يقرأ التشهد الأول والأخير أم يبقى صامتا، أثابكم الله؟
الجواب المسبوق فيه وجهان للعلماء رحمهم الله: القول الأول: بعض العلماء يرى أنك إذا صليت وقد سبق الإمام فعلت كل شيء مع الإمام كأنك تابعته من أول الصلاة، وبناء على هذا القول: يقرأ التشهد الأول والتشهد الثاني كاملا ويدعو؛ لأنه بحال المتابعة فيتابع الإمام.
القول الثاني: بعض العلماء يرى أن المتابعة في الظاهر دون الباطن، ومن هنا قالوا بالاختلاف والافتراق، فيقرأ التشهد الأول مرتين، ففي التشهد الأخير لا يتم ويحتسبه كالتشهد الأول، وحينئذ يبقى صامتا بعد فراغه كما لو قرأ التشهد الأول وراء الإمام وطول الإمام فإنه يبقى صامتا.
إذا كان التشهد عند قوله: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وبينا أن هذا هو الراجح، وأن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم تجب في التشهد الثاني دون الأول؛ لأن التشهد أصل من الشهادتين، فإذا بلغ قوله: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ فقد وصل وأتم التشهد.
أما الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فهي دعاء واستفتاح للدعاء، ولذلك كان التشهد الثاني دون الأول.
وأكد هذا الحديث الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان إذا جلس في التشهد الأول كأنه على الرضف) ، وهي الحجارة المحماة، أي: أنه كان يبادر بالقيام، وهذا يدل على أنه ما كان يطيل في التشهد الأول، ثم إن إيجاب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأول والإطالة فيه ليس لها دليل قوي يدل عليها.
على كل حال: يقرأ التشهد الأول في التشهدين، ويكون جلوسه لعذر المتابعة في الظاهر ولا يتابع في الباطن.
بناء على هذا الخلاف: هل المسبوق يتابع الإمام أو يخالفه؟ وهنا ترد مسألة الصلاة على الجنازة؛ فمن دخل والإمام في تكبيرة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم مسبوقا، أو دخل والإمام في تكبيرة الدعاء، فعلى القول بالمتابعة يدخل بالدعاء، وعلى القول بأنه ينظر حال نفسه: يدخل بقراءة الفاتحة، ثم بعد ذلك يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يدعو؛ لأنه لخاصة نفسه، ثم إذا سلم الإمام والى بين التكبيرات على التفصيل الذي تقدم معنا في الجنائز.
على كل حال: المسألة فيها القولان المشهوران، وإذا قرأ التشهد كاملا فله وجه، وإن كان الأشبه في الحقيقة أن المتابعة للظاهر دون الباطن، والله تعالى أعلم.
حكم خروج الطائف بالبيت إلى المسعى بسبب الزحام
السؤال بعض الناس عند طوافهم بالكعبة على سطح المسجد الحرام يخرجون إلى المسعى لإكمال الشوط اجتنابا للزحام الذي يوجد بمحاذاة الحجر الأسود، فهل في هذا العمل شيء، أثابكم الله؟
الجواب اختلف العلماء رحمهم الله في المسعى، هل يعتبر داخل المسجد أو خارجه، والصحيح: أن المسعى خارج المسجد وليس بداخله، وعليه قرار المجمع الفقهي، وهو الأشبه في زماننا أنه خارج المسجد وليس بداخله.
فائدة الخلاف: أن المرأة لو جاءت في العمرة وطافت وصلت ركعتي الطواف، ثم خرجت إلى المسعى وحاضت، شرع لها أن تتم عمرتها؛ لأنه لا تشترط الطهارة لصحة السعي، وليست بداخل المسجد، فتتم سعيها.
كذلك أيضا يتفرع على هذا: أنه لو طاف فوق المسعى -إذا قلنا: إنه ليس من المسجد- فإنه قد خرج عن المسجد، ويشترط لصحة الطواف أن يكون داخل المسجد، ومن خرج من باب من أبواب المسجد أثناء الطواف ودخل من باب آخر فقد بطل شوطه، وذلك لأن الله تعالى يقول: {وطهر بيتي للطائفين} [الحج:26] ، فدل على أن الطواف لا يصح إلا داخل مسجد البيت، وبناء على ذلك: لو خرج إلى جهة المسعى فهذا يؤثر، ولا يصح ذلك الشوط إلا إذا رجع من المكان الذي خرج منه، وأتم طوافه، فحينئذ يجزيه، والله تعالى أعلم.
إجزاء السعي والطواف عن المطوف به والمطوف
السؤال من يدفع الكرسي المتحرك في الطواف والسعي هل يجزئ الطواف عمن يجلس على الكرسي، أو عمن يدفع الكرسي، أو عن الاثنين سويا، أثابكم الله؟
الجواب يجزئ عن الاثنين؛ لأن الطواف من القاعد على الكرسي وقع تاما كاملا، وقد طائف المطوف على قدميه؛ لأن العربة هي التي استغرقت مكان الطواف فكانت كرجلي البعير ويديه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف طواف الإفاضة على بعيره لما ركبه الناس كما في الصحيح، وهذه المسألة غير مسألة حمل الصبي؛ لأنه إذا حمل الصبي أو حمل غيره، فكلاهما على قدميه، ولا يجزئ طواف القدمين إلا عن شخص واحد لا عن شخصين، ومن هنا إذا كان على عربته أو دابة فإنه يجزيه حتى ولو لم يقده أحد، وكما لو كانت تتحرك بالكهرباء ونحو ذلك، فإنها تجزيه ويصح طوافه، والله تعالى أعلم.
نفقة الخدم والسائقين وحقوقهم
السؤال هل الخدم والسائقون والخادمات لهم من النفقة والحقوق مثل ما للأرقاء، وبماذا يوصى في التعامل معهم، أثابكم الله؟
الجواب ليس للخدم حقوق الأرقاء؛ لأنهم ليسوا بملك اليمين، فهم أحرار ولا يثبت لهم ما يثبت لملك اليمين، ملك اليمين له حقه، والخادم حقه يندرج تحت أصل يسمى بحق الأجير، هذه إجارة وهذه ملك يمين، هذا باب له أحكامه، وهذا باب له أحكامه.
الخدم يوصى بتقوى الله عز وجل فيه، وأول ما يفكر فيه المسئول عنهم أن يكفهم عما حرم الله، وأن يحملهم على طاعة الله عز وجل، وأن لا يفكر في مصلحته ومصلحة أهله وولده قبل أن يفكر في هذا الأمر، وليعلم أنه ابتلاء من الله سبحانه وتعالى، وأنها عورة من عورات المسلمين وضعت أمانة في رقبته، فإذا اتقى الله عز وجل فيها فقد نجح وأفلح وصلح له أمره، وبارك الله له فيما يكون منها.
وإن ضيق فالله محاسبه وسائله، خاصة إذا كانت خادمة، فأمرها عظيم، فيرى أنها كواحدة من بناته أو أخواته، وأنها عرض من أعراض المسلمين، وأن كونها أجيرة لا يسقط حقها خاصة إذا كانت مسلمة؛ فعليه أن يتقي الله عز وجل فيها، وأن يحفظها ويصونها، ولا يفتح لها أبواب الشر، وإذا فتحت عليها أبواب الشر قفلها عنها كما يقفلها عن عرضه؛ لأن المسلم مؤتمن على عرض أخيه المسلم، فما بالك إذا كانت أجيرة عنده؛ فإن نصوص الكتاب والسنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم توصي بالجار، فما بالك بالأجير الذي هو تحت كفالة الإنسان! فالواجب أولا: حق الله عز وجل، بأن تتفقد الخدم في الصلوات الخمس، وأمرهم بها ومتابعتهم في ذلك ومراقبتهم؛ لأنهم إذا صلوا استقامت لهم أمور دينهم ودنياهم وآخرتهم، وإذا لم يكونوا مصلين محقت البركة، فما من إنسان لا يصلي إلا كان شؤما على من كان معه، نسأل الله السلامة والعافية.
فيتفقدهم في الصلاة، وفي أخلاقياتهم ومحافظتهم على أمور دينهم، فيأمرهم بما أمر الله، وينهاهم عما نهى الله عز وجل عنه، بعد هذا يفكر في مصالحه الدنيوية، ويحدد ماذا لهم وماذا عليهم، فإذا وجد أنهم يحملون ما لا يطيقون، فإنه يوصي زوجته وبناته وأهله أن يتقوا الله عز وجل في الخادمة ويحفظوا ألسنتهم عن أذيتها وسبها وشتمها، ويذكرهم بأنها غائبة عن أهلها، وأنها غريبة عندهم كالضيف، فيحرص الناس على الإحسان إليها، فإنك إن رحمتها رحمك الله كما رحمتها، فالراحمون يرحمهم الله ارحموا عزيز قوم قد ذل، فقد تكون عزيزة في أهلها فاضطرتها الأمور والظروف أن تتغرب، فيحرص كل الحرص على أن يهيئ لها بين أهله وولده من يحفظ حقها، وأهم شيء الرحمة؛ فإن الرحمة إذا سكنت في القلوب أصلح الله بها القوالب، ومن كان قاسي القلب فهو بعيد عن الله عز وجل، لا يرحم ولا يرحم، ولما قال الأقرع للنبي صلى الله عليه وسلم: إن لي عشرة من الأولاد ما قبلت أحدا منهم قال: (أو أملك أن نزع الله الرحمة من قلبك) ، فالإنسان ينبغي أن يحرص على سكون الرحمة في قلبه.
وعليه أيضا أن يتقي الله عز وجل في الحقوق في الأجرة، يعطيها أجرتها عند نهاية العمل، ولا يؤخر الراتب، ومن أعظم الظلم تأخير الرواتب عن العمال والمستخدمين؛ لأنهم في أمس الحاجة إلى هذه الرواتب، وقد يحتاجها لعلاج مريض، أو لسداد ديون، وقد يأتي بعضهم تحت وطأة الديون، وهو أحوج ما يكون إلى أن يفك أسره منها، وقد يكون بيته ومتاعه مرهونا في بلده؛ هذا كله ينبغي أن يحس بها الإنسان ويستشعرها ويتقي الله عز وجل.
وهذا حقه وهذه أجرته، وإذا جاءه يعطيه الأجرة فلا يعنته ولا يؤذيه، لا تعطيه الأجرة بطريقة يذل بها، ولا تحيله على مكان يذهب يأخذ منه راتبه أو أجرته، لأنه ليس من حقك هذا، فيذهب في الشمس والحر ليقف مع الناس، وهذا ليس من حق أحد في أجور الناس وحقوقهم؛ لأن الأجير يعطى أجره، فكما أنه وفى لك في عملك وأعطاك عملك فعليك أن تعطيه أجرة عمله، وتتقي الله عز وجل، وهذه من حقوق العامل مطلقا.
كذلك أيضا من حقه عدم تعريضه للخطر والضرر كما تقدم معنا في ملك اليمين، فالأعمال التي فيها خطورة عليه في نفسه وبدنه يحفظهم منها سواء كان خادما أو خادمة.
كذلك أيضا يحفظ السائقين من مواضع الفتن والريب، ويحجبهم عنها إذا نزلوا في أماكن تكثر فيها الفتن، ويختار أوقاتا ليس فيها فتن، يتقي الله عز وجل فيهم ويرحم غربتهم، ويحرص كل الحرص على الإحسان إليهم.
كذلك مما يوصى به في حقهم: القبول للمحسنين والتجاوز عن المسيء، فإذا أخطأ في كلمة فقد تكون هذه كلمة خرجت من لسانه دون أن يشعر، فالعامل حينما يكون سائقا قد يسوق ويرهق إلى ساعات متأخرة من الليل، وهذه زائدة على الاتفاق بينه وبين الأجير، ومقاطع الحقوق عند الشروط، فانظر العقد الذي بينك وبينه ووفه له كاملا، وإلا كان خصما لك أمام الله عز وجل، فخير لك أن تلقى الله خفيف الحمل خفيف الظهر.
وكم من إنسان يمسي ويصبح وهو في كرب وهم وبلاء وغم في نفسه، لأنه قد ظلم غيره وهو لا يدري، فإن المظلوم إذا رفع كفه على من ظلمه فإنه يؤذنه بدمار والعياذ بالله، والله تعالى يقول: (وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين) ، وأجمع العلماء على أن دعوة المظلوم تستجاب على من ظلمه ولو كان المظلوم كافرا؛ لأن الله يقول: (وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين) ، فليتق الله الإنسان وليعلم أن هناك عقدا واتفاقا؛ إذا كان الاتفاق أن يعمل إلى المغرب فإنه ينتهي عمله عند أذان المغرب، فما زاد فإنه يخير هل يريد أن يعمل أو لا، وإذا كان يعمل فتسأله: كم يريد؟ ثم تعطيه أجرته.
كذلك إذا كان يراد لأعمال معينة ينجزها، فإذا أنجز هذه الأعمال، فمن حقه أن يستوفي حقه، وجماع الخير كله في تقوى الله عز وجل، وكما أن رب المال ورب العمل له حق، فكذلك عليه حق للأجير.
وكذلك على الأجير أن يتقي الله في حقوق أصحاب الأعمال، وأن يتقي الله عز وجل في أداء العمل بالنصيحة والشعور بأن ماله كماله، وحينما يكون خادما في البيت؛ فليعلم أن أسرار البيت أمانة ومسئولية أمام الله عز وجل، والإنسان يعلم خادمه هذا، ويقول: هذه الأسرار أمانة في عنقك، ويعلمه أن فضيحة سر المسلم تؤذي العبد بفضيحة الله عز وجل، فقد تأتي الخادمة وتجلس مع خادمة ثانية تحكي لها جميع ما تراه في البيت، وهذه أمانة ومسئولية أمام الله عز وجل، فلا يجوز للمسلم أن يهتك ستر أخيه المسلم، ولو قال: عندنا بعض الناس يفعل كذا، فيفهم من كلامه أنه يقصد هؤلاء حتى ولو لم يذكرهم، ما دام أنه معلوم أنه لا يعمل إلا عند هؤلاء؛ فطبيعة الحال تظهر أنه يقصد من يعمل عندهم.
ومثل هذا أسرار التجارة، فهناك أسرار للعمل في التجارة لا يفشيها، وهناك أسرار لزوجته وولده من خصومات ونزاعات، فلا يقول: والله فلان يكره ولده، فلان يضرب ولده، فلان يفعل مع أولاده وهم يفعلون، هذه أسرار ينبغي حفظها.
ومن حقوق أصحاب الأعمال على العمال أن يتقوا الله عز وجل ويحفظوا ألسنتهم، وأن لا يفشوا هذه الأسرار؛ لأن المسلم مأمور بالستر على أخيه المسلم؛ لأنه مع أخيه المسلم كالجسد الواحد؛ يحب له ما يحبه لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة؛ ولذلك ينبغي على العمال أن يتقوا الله عز وجل في حقوق أصحاب الأعمال، وأن يؤدوها كاملة.
كذلك من الخيانة أن يتقن العمل حال وجود صاحب العمل، فإذا غاب عنه تساهل في أداء العمل ولم يبال بعمله؛ فإن الله رقيب وحسيب وشهيد، ومراقبة الله لك أعظم من مراقبة المخلوق لك، وإذا نصحت في غيبته سخر الله لك من ينصح لك في غيبتك كما نصحت للناس، والله جل وعلا يجزي المحسن بإحسانه، وجماع الخير كله في تقوى الله عز وجل.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يسلمنا، وأن يتوب علينا، وأن يتجاوز عنا.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 34.10 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 33.47 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.84%)]