شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع
(كتاب النفقات)
شرح فضيلة الشيخ الدكتور
محمد بن محمد المختار بن محمد الجكني الشنقيطي
الحلقة (480)
صـــــ(1) إلى صــ(22)
شرح زاد المستقنع - كتاب النفقات [4]
تستحق المرأة نفقة زوجها من حين أن تسلم نفسها له، والتسليم إما حقيقي وإما حكمي، والزوج إما أن يسلم النفقة كاملة، أو يعجز عنها كاملة، أو عن بعضها، ولكل حالة حكمها وتفصيلاتها.
وهي أحكام مهمة قد يترتب على بعضها فسخ النكاح.
وقت استحقاق المرأة للنفقة تسليمها نفسها للزوج
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: يقول المصنف رحمه الله تعالى: [فصل: ومن تسلم زوجته أو بذلت نفسها ومثلها يوطأ، وجبت نفقتها ولو مع صغر زوج ومرضه وجبه وعنته] .
بعد أن بين المصنف رحمه الله وجوب النفقة على الزوجة وبين ما تقدر به النفقة، والأحكام والمسائل المتعلقة بهذا الأصل، شرع في بيان متى تستحق المرأة النفقة.
فهناك أصل ينبغي اعتباره: وهو أن الزوج إذا سلمت إليه الزوجة ومكن منها فقد وجبت عليه نفقتها، وهذا الأصل نبه عليه رحمه الله في بداية هذا الفصل؛ لأن الله سبحانه وتعالى رتب النفقة على الاستمتاع وعلى قيام الزوجة بحقوق زوجها، وبينا ذلك في مسائل النشوز، وإذا ثبت هذا فإنه إذا تسلم الزوجة ومكن من الاستمتاع منها فإنه حينئذ تجب عليه نفقتها، لكنه لو عقد على الزوجة ولم يتسلمها ولم يمكن منها فإنه لا تجب عليه نفقتها، وتبقى نفقتها على أبيها أو على إخوانها وقرابتها أو على نفسها إن كانت مستطيعة أن تنفق على نفسها، حتى يمكن الزوج منها وتسلم إليه.
التسليم الحقيقي للمرأة
وهناك ضربان من التسليم: التسليم الحقيقي والتسليم الحكمي.
التسليم الحقيقي: مثل أن يكون له منزل ويؤتى بالزوجة وتسلم له بالمعروف وبالعرف، فحينئذ قد تسلمها وتمكن منها حقيقة، وتجب نفقتها عليه بإجماع العلماء رحمهم الله، لكن لو أنها بقيت في بيت أبيها، وقال أبوها: لا أمكنك من الدخول عليها إلا بعد شهر، أو بعد أن تجد عملا، أو بعد أن تتخرج، أو بعد كذا وكذا من الزمان أو من الشروط، فإنه في هذه الفترة لا يجب عليه أن ينفق عليها، وتبقى على نفقتها في الأصل، فإن كانت تحت رعاية أبيها وجبت نفقتها على أبيها، وإن كانت تحت رعاية قريب وجبت نفقتها على ذلك القريب حتى تسلم إلى الزوج.
التسليم الحكمي للمرأة
قوله رحمه الله: [أو بذلت نفسها ومثلها يوطأ] وهذا التسليم الحكمي: بألا يكون عندها مانع، ولا عند أهلها مانع، وقالوا له: في أي وقت تريد أن تأخذها فخذها، فحينئذ يكونون قد مكنوه منها، وقالوا له: أي وقت تشاء أن تدخل بها فنحن على استعداد، والأمر يسير بالنسبة لنا، فلم يمنعوه من شيء، فأصبح التأخير منه لا منها، ففي هذه الحالة قد مكنوه، وهو لم يتسلمها حقيقة لكنه تسلمها حكما؛ لأنهم لم يمنعوه منها، ولم يحولوا بينه وبين الدخول بها، وفي هذه الحالة تجب عليه نفقتها.
إذا: هناك التسليم الحقيقي وهناك التسليم الحكمي، فإذا بذلت نفسها له أن يستمتع بها، فحتى ولو كانت في بيت أبيها، فحينئذ تجب نفقتها عليه، ولا يشترط أن تنتقل إلى البيت، بل لو استمتع بها في بيتها، أو مكنته من نفسها في بيت والديها ولا يوجد مانع ولا حائل شرعي يحول دون ذلك؛ فإنه يكون في حكم من تسلم زوجته حقيقة.
وقد تقدم أن الشريعة الإسلامية تجعل التسليم الحكمي منزلا منزلة التسليم الحقيقي، ومن أظهر ذلك ما ذكرنا في الأجير، أن الأجير أو العامل -مثلا- لو استأجره شخص يوما كاملا على أن يعمل عنده فجاء العامل ومكن صاحب العمل من نفسه، ولكن صاحب العمل لم يعمل أو لم يطالبه بشيء، فإنه قد مكنه من نفسه، ويكون حينئذ رب العمل ملزما بدفع أجرة العامل، فكذلك المرأة إذا مكنت نفسها ولم يمنعه أولياؤها منها، صار ذلك موجبا لثبوت حقها في النفقة عليها.
لزوم نفقة المرأة بتسليمها لزوجها ولو كان صغيرا
قال رحمه الله: [وجبت نفقتها ولو مع صغر زوج] .
[وجبت نفقتها] أي: على الزوج، هنا (وجبت) بمعنى: لزمت أو ثبتت نفقتها؛ لأن الواجب يطلق بمعنى: الثابت والمستقر، كقوله تعالى: (( فإذا وجبت جنوبها )) [الحج:36] أي: ثبتت على الأرض واستقرت، ومنه قوله: (والمغرب إذا وجبت) أي: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي المغرب إذا سقط قرص الشمس وغاب، ويطلق الواجب بمعنى اللازم الذي هو الحكم الشرعي.
فمعنى (وجبت) أي: أصبحت النفقة واجبة على الزوج ولازمة، وفي الأول لم تكن واجبة عليه، لكن إذا تسلم الزوجة أو مكنته من نفسها فإنه في هذه الحالة يجب عليه أن ينفق عليها.
[ولو مع صغر زوج] من أهل العلم من قال: إن الزوج إذا سلمته الزوجة نفسها أو مكن الزوج منها، وجبت نفقتها بغض النظر عن كون الزوج صغيرا أو كبيرا، ومن أهل العلم من قال: إذا كان صغيرا لم تجب نفقتها عليه، وإذا كان كبيرا وجبت النفقة.
فالمصنف رحمه الله قال: (ولو مع صغر) إشارة إلى القول المخالف؛ لأننا قلنا: (لو) يؤتى بها إشارة إلى خلاف في المذهب، فيستعملها المصنف رحمه الله في المتن إشارة إلى القول المخالف في المذهب، فإذا قلنا: إن الصغير إذا مكنته الزوجة من نفسها أو تسلمها وجبت النفقة فإن الذي يدفع النفقة هو وليه؛ لأن الصغير لا يتولى القيام على ماله كما قال تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم} [النساء:5] وبالإجماع فإن الصبي لا يتصرف بماله، وإنما يتصرف وليه، فيجب على وليه أن ينفق على تلك المرأة.
لزوم نفقة المرأة على زوجها ولو كان مريضا أو معيبا
قوله: [ومرضه] أي: ولو مع مرض الزوج، فإذا كان الزوج مريضا، لا يمكن أن يطأ، أو كان صغيرا فالوطء منه ليس كما إذا كان كبيرا، فبين رحمه الله أننا لا نلتفت إلى العذر، بل نلتفت إلى أن المرأة لها حق النفقة متى مكنته من نفسها وسلمتها إلى هذا الزوج، مالمانع منه لا يعنيها، كما أن الأجير إذا مكن نفسه ممن يستأجره فإنه يجب عليه أن يدفع له أجره.
قوله: [وجبه] قد تقدم أنه من العيوب، فلو كان مقطوع الذكر لا يتأتى منه أن يجامع ففي هذه الحالة تلزمه النفقة؛ لأن النفقة ليست قضيتها قضية الجماع فقط، بل ولأن المرأة أسيرة عند الزوج، كما قال صلى الله عليه وسلم: (فإنهن عندكم عوان) وهو يقتضي ثبوت حق النفقة، ولذلك قد تكون المرأة عند زوج لا يأتيها ككبير السن ونحو ذلك، فلا يشترط أن يكون قادرا على الجماع، فالعبرة بكون المرأة مكنت من نفسها، وسلمت نفسها إلى الزوج.
قوله: [وعنته] هذا أيضا من العيوب، ومراده أن يقول: إذا كان العيب موجودا في الزوج وقالت الزوجة: مكنتك من نفسي، أو سلمها أولياؤها إليه، ففي هذه الحالة لا يعنينا وجود العيب فيه أو العذر، والذي يهمنا هو أن للمرأة حقا، وهو أنه متى مكنت الزوج من نفسها بغض النظر عن كونه يقدر كالكبير الصحيح القادر على الوطئ، أو لا يقدر كالصغير أو المجبوب أو من به عنة -وهو من لا ينتشر عضوه- وقد بينا هذا في عيوب النكاح، فهؤلاء كلهم فيهم عيوب تمنع الوطء.
ونحن بينا أن العلة ليست أن يجامع أو لا يجامع، فإذا مكنت من نفسها وسلمت إلى زوجها وجب حقها في النفقة، ووجب عليه أن ينفق عليها بالمعروف، وبينا أن هذا مبني على الأصل، وليس الجماع هو المعول عليه من كل وجه؛ إنما العبرة بكون المرأة سلمت ومكنت الزوج من نفسها.
حكم امتناع المرأة عن تسليم نفسها حتى تقبض صداقها الحال
قال رحمه الله: [ولها منع نفسها حتى تقبض صداقها الحال] إذا تزوج الرجل من امرأة، وعقد عليها وسمى لها صداقها حالا أي: نقدا، فقال: مهرك -مثلا- ثلاثون ألفا أدفعها نقدا، أو قال: ثلاثون وسكت، فإذا سكت وجب دفعها نقدا؛ لأن المؤجل خلاف الأصل؛ فإذا اتفقوا على الثلاثين ألفا ولكنه لم يحضرها، فمن حقها أن تمتنع من تمكينه من نفسها، ومن حق أوليائها أن يمنعوه حتى يدفع المهر؛ لأن مقاطع الحقوق عند الشروط.
فإذا سكتوا على كون المهر مسمى بدون تأجيل وجب تعجيله، وهذا أشبه بالشرط؛ لأن العقد أصلا يتضمن التزامات من الزوج والزوجة، فواجب على الزوج أن يؤدي ما التزم به وواجب على الزوجة أن تؤدي ما التزمت به، فمما فرض الله عز وجل أن يعطيها مهرها، ولذلك قال تعالى: {فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن} [النساء:24] فمن حقها أن تمنع زوجها أو يمتنع أولياؤها من تسليمها حتى يدفع الزوج المهر كاملا، وهذا قد يكون له سبب؛ فإن المرأة في زواجها قد تتحمل أمورا في لباسها، ويتحمل أولياؤها أمورا في تهيئتها لزوجها، وتهيئة بيتها لها، وهذا يحتاج أن يكون عندها المال أو يكون عندها المهر، فإذا قالت: أنا لا أمكنك من نفسي حتى تدفع لي صداقي، فهذا من حقها، وكذلك من حق والدها ومن حق وليها أن يمنعها منه حتى يؤدي صداقها الحال.
ولما قال رحمه الله: (الحال) مفهومه أن المؤجل ليس من حقها أن تمتنع بسببه، فلو قال: أدفع لك عشرة آلاف الآن وعشرين بعد سنة أو سنتين أو ثلاث، فإنه ليس من حقها أن تمتنع حتى يدفع لها المؤجل؛ لأن المؤجل إلى أجل، وبناء على ذلك لا تمتنع إلا إذا اشترطت وقالت له: أنا لا أمكنك من نفسي حتى تدفع لي الصداق كاملا، فقال: إذا: أدفع لك عشرة هذه السنة، والعشرة الثانية في السنة القادمة، والعشرة الثالثة في السنة الثالثة، فمعناه أنه سيكون الدخول بعد السنة الثالثة.
وهذا على حسب ما يتفق عليه الزوجان؛ لأنهم إذا تراضوا على شيء وتم العقد على اشتراط شرط لا يعارض الشرع ولا يناقضه، وجب الوفاء به.
حكم امتناع المرأة بعد تسليمها نفسها
قال رحمه الله: [فإن سلمت نفسها طوعا ثم أرادت المنع لم تملك] أي: (فإن سلمت نفسها) في هذه الحالة، وهي أن يكون لها استحقاق في المهر المعجل، فقال لها: مهرك ثلاثون، فاتفقا على ذلك، فقيل له: ادفع المهر، قال: ليس عندي إلا عشرون، فسلمت نفسها له على أساس أنه دفع ثلثي المهر، فلما سلمت نفسها أو مكنته من نفسها أرادت أن ترجع، فهنا سقط حقها في الرجوع، ووجب عليها أن تبقى في بيت الزوجية، وفائدة إسقاط حقها: أنها لو امتنعت تكون ناشزا ويسقط حقها في النفقة.
فإذا مكنت زوجها من نفسها مع أن من حقها أن تؤخر، فقد دل هذا الفعل على الرضا بالتأخير والرضا بإسقاط حقها، فإذا أسقطت الحق فليس من حقها أن ترجع عن هذا الإسقاط؛ لأن حقوق المقابلة لا يملك الإنسان الرجوع فيها.
إعسار الزوج بالنفقة
قال رحمه الله: [وإذا أعسر بنفقة القوت أو الكسوة أو ببعضها أو المسكن، فلها فسخ النكاح] العسر ضد اليسر، وعسر النفقة أن لا تتيسر للإنسان، ويكون عسر النفقة على صورتين: الصورة الأولى: أن لا يجد شيئا، وهو حال الفقير، فلا يجد شيئا له ولا لزوجته.
والحالة الثانية: أن يجد بعض النفقات، ويجد بعض القوت الذي لا يسد الكفاية.
خيار الفسخ للمرأة في حال إعسار الزوج بالنفقة
فإذا أعسر ولم يقم بواجب النفقة على الزوجة فإنه اختلف العلماء رحمهم الله فيه، من أهل العلم من يقول: الإعسار في النفقات يوجب الخيار للزوجات، فالزوجة إذا حبسها زوجها ولم ينفق عليها ولو كان فقيرا -أي: لم ينفق عليها لعذر - فإن من حقها أن تطلب فسخ النكاح، ومعنى الخيار: أنها تخير بين أن تستمر وتصبر حتى يأتي الله بالفرج، وبين أن تفارق الزوج، وحينئذ يفسخ النكاح بينهما.
ومن أهل العلم من قال: لا خيار في الإعسار بالنفقة.
والذين قالوا: إن الخيار ثابت في الإعسار في النفقة قالوا: إن أصول الشريعة دالة على دفع الضرر، ولا يمكن للحياة الزوجية أن تكون حياة زوجية والمرأة معذبة في عصمة الرجل، ولا يمكن أن تقوم المرأة بحقوق الرجل والرجل لا يقوم بحقوقها في النفقات، وهذا تكليف بما لا يطاق؛ لما فيه من الحرج والمشقة، ومعلوم أن المرأة إذا أعسرت ولم تجد طعاما -خاصة إذا كان عندها أولاد- ربما تعرضت للحرام لأجلهم، وتعرضت للضرر في دينها وفي عرضها، ومن هنا قالوا: إن الإعسار يوجب ثبوت الخيار.
وقالوا: إذا كانت الشريعة أعطت المرأة حق الخيار في عيوب تكون في الزوج، مثل عيوب الجماع إذا طرأت، فمن باب أولى في عيوب النفقة؛ لأن النفقة أعظم ضررا وأشد خطرا من عيوب النكاح، فمن هنا قالوا: يثبت الخيار للمرأة، ونقول لها إذا أعسر زوجها ولم ينفق عليها: إن شئت صبرت وإن شئت طلبت فسخ النكاح، فإن اختارت فسخ النكاح ورفعت الأمر للقاضي فإنه يوقف الزوج ويقول له: يا هذا، هل تستطيع أن تنفق على زوجك؟ فإن قال: لا أستطيع، ثبت عند القاضي إعساره وعدم قيامه بحق نفقة زوجته، فحينئذ يحكم بفسخ النكاح بينهما.
والذين يقولون: إن الخيار لا يثبت بالإعسار يحتجون بالأحاديث الصحيحة التي منها: ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم من شدة الحاجة والفاقة، حتى أن فاطمة رضي الله عنها زوجة علي وبنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، جاءت تشتكي إلى رسول الله من شدة ما تجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أمهات المؤمنين يمر عليه الشهر والشهران والثلاثة وما يوقد في بيته نار.
قالوا: فهذا يدل على أن الإعسار في النفقة لا يوجب الخيار.
والحقيقة أن هذا الاستدلال محل نظر؛ لأن فقه المسألة: إذا لم تصبر المرأة، وأمهات المؤمنين كن صابرات راضيات؛ لذلك خيرهن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الدنيا وبين الآخرة، فاخترن ما عند الله سبحانه وتعالى والرضا برسول الله صلى الله عليه وسلم.
فالحقيقة أن الاستدلال بهذه النصوص محل نظر؛ لأن الزوجات راضيات، ومحل الكلام إذا لم ترض الزوجة وقالت: أنا لا أستطيع، وهذا شيء أحمل فيه ما لا أطيق؛ فأصول الشريعة في الدلالة تقتضي ثبوت هذا النوع من الخيار، وهذا هو القول الصحيح إن شاء الله تعالى: أن الزوج إذا افتقر واشتد أمره حتى حبس عن المرأة نفقتها؛ فإننا نقول له: إما أن تنفق عليها بالمعروف؛ لأن الله أمرك بالعشرة بالمعروف، وإما أن تسرحها بإحسان، ولا نستطيع أن نقول للمرأة إنها ملزمة بشرع الله عز وجل أن تبقى على هذه الحال التي لا تجد فيها قوتها ولا قوت أولادها؛ فهذا لا شك أنه مخالف لأصول الشريعة، وبناء على ذلك: ترجح القول القائل بأن الخيار يثبت للزوجة إذا أعسر الزوج بالنفقات.
وأما إذا صبرت المرأة فلا شك أن هذا أفضل وأكمل، ما لم تخش على دينها، أو على عرضها، فإذا خافت الفتنة ووجدت أن هذا ليس بيدها فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها، لكن من حيث الأصل صبرها وتحملها واحتسابها للأجر عند ربها لا شك أنه أعظم، والله تعالى يجعل مع العسر يسرا، فمن هنا (لن يغلب عسر يسرين) لأن الله يقول: {فإن مع العسر يسرا * إن مع العسر يسرا} [الشرح:5 - 6] .
وشهد الله جل وعلا أنه لا يكون عسر إلا معه يسر، وكرر إثبات هذا اليسر مرتين، فصار العسر في الآية الأولى والثانية واحدا، واليسر الذي شهد الله به مرتين، فمن هنا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لن يغلب عسر يسرين) لأن الله شهد باليسر، فإذا صبرت المرأة واحتسبت فالحمد لله، وأما إذا طالبت بحقها فلها حق الفسخ.
تخيير المرأة عند إعسار الزوج بالكسوة
[أو الكسوة] بأن يطعمها ولكن لا يكسيها، مثلا: رجل عنده القوت وليس عنده المال الذي يشتري به الكسوة، فقلنا له: اكس زوجتك، فقال: ليس عندي ما أكسوها به، ففي هذه الحالة نقول للمرأة: أنت بالخيار، فإن تضررها بالعري وتضررها بعدم الكسوة قد يوجب لها الحرج، وقد يكون بالغا، مع أنه قد يعرضها للحرام كما لا يخفى، وقد يضرها؛ لأن كسوة الشتاء تحتاجها لصلاح نفسها، فإذا كان لا يكسوها وبقيت على كسوة واحدة أو على كسوة بالية، تضررت في صيفها وتضررت في شتائها، وهذا لا شك أن فيه حرجا وفيه ضيقا على المرأة، والله عز وجل يقول: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج:78] أي: ليس في حكم الله ولا في شرع الله الحرج والضيق الذي لا يتحمله الإنسان، أو يوجب له العنت.
ومن هنا نقول: إن المرأة إذا لم تكس تعرضت للحرج، فلو قلنا لها: اصبري، صار أمرا بالحرج، وهذا ليس من حكم الله عز وجل، ولذلك الذين قالوا بثبوت الخيار في الإعسار منهم من فصل فقال: الإعسار يثبت في القوت وفي الكسوة، أي: سواء أعسر في القوت، أو أعسر في الكسوة؛ لأن الزوجة تتضرر بهما.
تخيير المرأة عند إعسار الزوج ببعض النفقة
[أو ببعضها] قلنا: الإعسار على صورتين: إما إعسار كلي بأن لا يجد النفقة، أو إعسار جزئي وهو الذي يجد بعض النفقة، فالمرأة تتضرر بعدم وجود النفقة التي تحصل بها الكفاية، فإذا كان -مثلا- قوتها من الطعام لا يجد إلا نصفه، وقال: ليس عندي إلا نصف طعامك، أو نصف ما يكفيك وأولادك، فإنه إعسار.
ولو أنه كساها بعض الكسوة لا كل الكسوة، أي: أنه يكسوها في الصيف ولا يكسوها في الشتاء، على القول بأن لها كسوتين: كسوة في الصيف والشتاء؛ فإن كسوة الصيف تضرها في الشتاء، وإن قال لها: أكسوك في الشتاء ولكن لا أستطيع كسوة الصيف، فإن لباس الشتاء لا يمكن لباسه في الصيف، فهذا فيه ضرر على المرأة، وحينئذ يثبت لها الخيار في الإعسار، سواء كان بكل ما يجب أو ببعض ما يجب.
قوله: [أو المسكن] أي: بأن قال: إني لا أجد لك مسكنا، وهي ساكنة في بيت أبيها، أو مثلا أخذها وأسكنها في موضع عراء لا يعتبر مسكنا في العرف، فهو ملزم بأن يسكنها بالمعروف.
مثال الإعسار بكل السكن: أن يضعها في بستان أو في أرض عراء ويقول لها: ما عندي شيء حتى أسكنك في مسكن، فنقول لها في هذه الحالة: لك الخيار، إن شئت صبرت وإن شئت طلبت فسخ النكاح، ويقال له: إما أن تسكنها بالمعروف ويكون لها السكن الذي أمر الله عز وجل بما لا حرج عليك فيه ولا مشقة، وإما أن تسرحها بإحسان.
قوله: [فلها فسخ النكاح] أي: أنه من حقها، لكن لا نوجب عليها، فهو ما قال: فيجب عليها فسخ النكاح، أي: أنها بالخيار؛ ولذلك سموه خيارا، يعني: لها أن تختار أحد الأمرين إما أن تصبر وتحتسب، وإما أن تطالب بحقها فتفسخ النكاح.