الأسئلة
الفرق بين الطلاق والفسخ
السؤال ما الفرق بين الطلاق والفسخ عند الفقهاء رحمهم الله؟
الجواب فسخ النكاح يأتي على صور عديدة، والأصل أن العصمة إذا ثبتت فلا يحكم بزوالها إلا على وجه معتبر شرعا، وهو الطلاق أو الفسخ، ويفسخ النكاح أحيانا بطلب من المرأة، كما إذا ضاع حق من حقوقها، ومن أمثلة ذلك: إذا ظهر عيب في الرجل، كما لو كان الرجل يقوم بحقوقها الزوجية ثم أصبح عنينا أو أصبح مجنونا أو أي إعاقة، وتضررت المرأة فحينئذ تطلب فسخ النكاح، وترفعه إلى القاضي، وتطلب منه أن يفسخ نكاحها من هذا الرجل.
ولو أنه كان عاقلا ثم فجأة جن فتضررت من جنونه، فرفعت أمرها إلى القاضي، وقالت: أريد فسخ النكاح؛ لأن المجنون لا يمكن أن يطلق، فينظر القاضي ويحكم بفسخ نكاحها من هذا الزوج.
والفسخ لا يمكن أن يكون إلا عن طريق القاضي، فهو الذي يقدر وينظر هل من حق المرأة أن تفسخ النكاح بينها وبين زوجها أم لا؟ وفي بعض الأحوال إذا حصل الضرر، قد يتولى القاضي الفسخ في بعض الصور الخاصة، ويحكم بزوال العصمة، وارتفاع قيد النكاح، واختلف العلماء في مسألة الخلع في النكاح، وقالوا: هل هو طلاق أو فسخ؟ والصحيح: أن الخلع طلاق وليس بفسخ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اقبل الحديقة وطلقها تطليقه) والأصل في الطلاق أن يكون للرجل، وقد يقوم القاضي مقامه، أو ولي المجنون أو ولي الصبي، وكذلك الوكيل ينزل منزلة موكله، لكن الفسخ في أعظم صورة يكون عن طريق القضاء، والفسخ والطلاق قد يجتمعان وقد يختلفان، مثلا: يكون الطلاق رجعيا، ويكون بائنا، فلو طلقها قبل الدخول فهو طلاق بائن، ولا يمكن الرجعة فيه، لكن في الفسخ في جميع صوره إذا حكم بالفسخ فإنه لا يملك الارتجاع إلا بعقد جديد، وأما في الطلاق فيمتلك الارتجاع إذا دخل بها فطلقها طلقة واحدة أو طلقتين، ولم تخرج من عدته، ويملك ارتجاعها بدون عقد، سواء شاءت أو أبت، ولذلك هذا الذي جعل بعض العلماء يقول: إن الخلع فسخ، وليس بطلاق، لأنه لو قلنا: إنه طلاق، كان من حق الرجل أن يراجعها، والمقصود من الخلع: أن تدفع المرأة ضرر الزوج عنها، فتعطيه ماله وتخالعه، فلو قلنا: إنه طلاق.
كان من حقه بعد ما تخالعه أن يعود ويراجعها، فخرجوا من هذا الإشكال، وقالوا: الخلع طلقة بائنة، كما أنه لو طلقها طلقه قبل الدخول فإنه في هذه الحالة يحكم بكونه لا يحل له إرجاعها إلا بعقد جديد، وهي البينونة الصغرى، ومن الفوارق أيضا: أن الفسخ لا يحتسب في الطلاق.
أي: إذا فسخ النكاح لا يحتسب، لكن إذا طلق احتسبت، وأيضا من الفوارق: أن الفسخ يهدم النكاح، والطلاق قد لا يهدم، مثلما ذكرنا في الرجعيه، وعلى كل حال: فإن الفسخ أقوى من الطلاق -في بعض الصور- ولذلك لا يمكن أنه يحكم بانفساخ النكاح، إلا في صورة خاصة فيما يتعلق بالقضاء. حكم الائتمام بالمؤتم المسبوق بعد سلام إمامه
السؤال جماعة ائتمت بمأموم -ظنته إماما- وهو في الحقيقة يقضي ركعات فاتته مع إمام آخر، فما حكم صلاة الجميع؟
الجواب أولا: لا يجوز للإنسان أن يصير مأموما لمن هو مؤتم بالغير، فإذا جئت ووجدت إنسانا يصلي وراء إمام معه أو بعده قابلا لصلاته، فلا يجوز لك أن تأتم به؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما جعل الإمام ليؤتم به) ، فجعل المأموم مؤتما بالغير، وجعل الإمام غير مؤتم، فإذا ائتم بالمأموم صير المأموم إماما، والنبي صلى الله عليه وسلم جعله مؤتما، وصير المؤتم إماما، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم جعله تابعا، وبناء على ذلك: لا يجوز الائتمام بالمأموم، وقد اتفق العلماء وأجمعوا على أنه لو كان الإمام يصلي والمأموم وراءه يصلي أثناء الاقتداء بجماعة فإنه لا يجوز الائتمام ولا تحتسب الجماعة، ونبهت طائفة من العلماء إلى أنه إذا بطلت الجماعة وقد نواها بطلت الصلاة ولم تصح ولو توفرت فيها شروط صحتها، ويحكم ببطلان الصلاة ووجوب الإعادة عليه.
ومن العلماء -وهو مذهب ضعيف ولكن في بعض الصور يقوى- يرى أنه ينقلب منفردا، وتصح الصلاة له منفردا، يعني: لا ينال أجر الجماعة على القول بصحتها منفردا، ولا يمكن أبدا إيقاع هذا الحكم في صلاة الجمعة، فإنه لو ائتم في الجمعة بشخص يظنه الإمام وتبين أنه مأموم، ففي هذه الحالة يجب أن يعيدها ظهرا، لأنه لا يصح أن تنقلب له الجمعة منفردة، فيرجع إلى الأصل من صلاته -وهو أربع ركعات- وكونه يصلي بآخرين أثناء ائتمامه بإمام هذا لا يجوز له بالإجماع، لكن اختلفوا لو أن الإمام سلم وبقيت لك ركعة أو ركعتان، وقمت تقضي، وجاء أناس وائتموا بك، ففي هذه الحالة هناك وجه ضعيف عند بعض العلماء يقول به بعض أصحاب الإمام الشافعي رحمهم الله: أنه يجوز لهم أن يأتموا به، وهذا ضعيف لظاهر السنة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل من ارتبطت صلاته بالإمام مؤتما على كل حال، ولذلك قال: (إنما جعل الإمام ليؤتم به) ، ولذلك نجد المأموم مؤتما بإمامه بعد سلامه، ويبني على صلاته مع إمامه، ولا ينقطع عنها، وبناء على ذلك لا يصح أن يقتدي بالمأموم بعد أن قام للقضاء، لكن لو أنه لا يدرك مع الإمام شيئا، وجاء في التشهد الأخير ودخلتما معا المسجد، وقلت له: إذا سلم الإمام فائتم بي أو سأأتم بك فلا بأس في ذلك في قول طائفة من أهل العلم، لأنه ليس بمأموم من جهة الإدراك، لأن قوله: (إنما جعل الإمام ليؤتم به) من جهة الإدراك، ولذلك لا يحكم بكونه مؤتما على الحقيقة إلا بإدراك ركعة فأكثر، ومن هنا لو أن هذا المأموم دخل في يوم الجمعة والإمام قد رفع رأسه من الركعة الأخيرة، فإنه يتمها أربع ركعات؛ لأنه لم يدرك الجمعة، فدل على أن الإدراك الحقيقي شيء، والإدراك الحكمي شيء آخر، فمن أدرك حكم الجماعة فضلا ليس كمن أدرك حكمها حقيقة، فلا يؤتم بالمدرك حقيقة، لأنه مرتبط بإمامه، ويؤتم بالمدرك الحكمي التقديري على أصح قولي العلماء رحمهم الله، لأن الأصل في قوله: (إنما جعل الإمام) أن يراد به المدرك، ويحمل على المدرك الحقيقي لا غيره، والله تعالى أعلم. حكم دخول المرأة الحائض المسجد
السؤال كثير من الأخوات حريصات على حضور الدروس والمحاضرات التي تقام في المساجد فهل يجوز للمرأة إذا جاءتها الحيضة أن تحضر الدرس والمحاضرات وتجلس عند الدرج أو عند موضع الأحذية -أكرمكم الله- وهي عند مصلى النساء.
أي: داخل الباب من جهة المصلى أو من جهة المسجد؟
الجواب لا شك أن المرأة المؤمنة التي تطلب العلم وتريد وجه الله سبحانه وتعالى، وتخاف الله عز وجل في خروجها لطلب العلم بعيدا عن الفتنة، لا شك أن الله أراد بها خيرا، وخير ما يوصى به النسوة اللاتي وفقهن الله لحضور مجالس العلم: الإخلاص لله عز وجل، والبعد عن الفتنة ما أمكن، فإذا أراد الله عز وجل أن يعظم الأجر والمثوبة لطالبة العلم، وفقها إلى هذين الأصلين العظيمين: إخلاص لوجه الله، وبعد عن الفتنة في القول والعمل.
وأما ما ورد السؤال عنه من دخول المرأة الحائض المسجد، فإن المرأة الحائض لا تدخل إلى المسجد إذا كانت حال حيضها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـ عائشة: (ناوليني الخمرة، فقالت: إني حائض، قال: إن حيضتك ليست في يدك) ، فدل على أن الأصل عدم دخول الحائض، بدليل أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لما قال لها: (ناوليني الخمرة؛ قالت: إني حائض) ، فامتنعت من الدخول واعتذرت بكونها حائضا، فدل على أن هذا كان معمولا به في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، لأنها لا تنشئ الأحكام من عندها، وقد قال لها عليه الصلاة والسلام ذلك صريحا في قوله: (اصنعي ما يصنع الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت) حينما حاضت في حجة الوداع، فالذي على المرأة أن تلتزم به: أن لا تدخل مسجدا إذا كانت حائضة والله يأجرها ويكتب ثوابها، فوالله ما من مؤمنة حرصت على مجلس علم، وما من مؤمن حرص على مجلس علم، وواظب عليه ثم جاءه العذر إلا كتب الله أجره، ولو مضى في العذر سنوات، وهذه فائدة المداومة على الطاعة، فكم من رجل مشلول مقعد، تكتب له ملايين الحسنات في اليوم، لأنه نشأ نشأة صالحة، وجاءته تلك المصيبة والنقمة والبلية، وهو على طاعة الله ومرضاته، فلو أنه حصل لك أي ظرف أو أي عذر كتب أجرك كاملا، فالشخص يصلي ويقوم ويتهجد بالليل فيأتيه العذر، فإذا جاءه مرض أو سافر واتبع السنة وترك فيها القيام، كتب أجر ما يقوم به، ولو كان يختم القرآن كل ثلاث ليال، كتب الله له أجر ختم القرآن إذا سافر ثلاثة أيام وكأنه مقيم حاضر، فإنه يعامل الكريم سبحانه وتعالى، ومن أكرم من الله سبحانه وتعالى؟ الذي لا تنفد خزائنه، ويده سحاء الليل والنهار، لا تغيضها نفقة جل جلاله وتقدست أسماؤه، ومع هذا كله حتى إن كرمه جعله لكبير السن الذي كان في شبابه محافظا على الطاعة، ثم جاءه الشيب فإنه يكتب الله له الأجر كاملا غير منقوص، فإن كان في شبابه يجلس مجالس الذكر ثم لما كبر ضعف عنها، كتب له الله أجر مجالس الذكر، ولو كان في أيام شبابه حريصا على أن يذهب للرحم بنفسه، حريصا على أن يفرج كرباتهم، حريصا على أن يقف مع المكروبين والمنكوبين، ويذهب بنفسه للإصلاح بين الناس، كتب الله له الأجور، فما وقف أحد على بابه، وسأله المسألة، فقال له: والهل لو قدرت لفعلت، إلا كتب الله له الأجر كاملا، الأول للعمل، والثاني للعذر، قال تعالى: {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون} [التين:6] ، يعني: غير منقطع.
قال بعض أهل العلم في تفسيرها -وهو قول طائفة من المفسرين- (لهم أجر غير ممنون) أي: أن الله يكتب لهم أجر الشباب تاما كاملا غير منقطع، فلو عمر مائة سنة وكان خلال الخمسين سنة الأخيرة، عاجزا ولو كان مشلولا مقعدا فيكتب له الأجر تاما غير منقوص، وهذا فضل عظيم، بفضل الله والمواظبة على الطاعة، وليس هناك أكرم منه جل جلاله، ولا أتم رحمة بخلقه، ولذلك وصف نفسه سبحانه فقال تعالى: {وهو الغفور الودود} [البروج:14] ،الود: خالص الحب، تقول: يا فلان! إني أودك، ليس كقولك: إني أحبك، فالود خالص الحب، فالله يتودد لعباده سبحانه وتعالى، وهو أغنى ما يكون وهم أفقر ما يكونون إليه، فمن وده ولطفه ومحبته لخلقه، وإحسانه لهم: أن العبد ما حافظ على خصلة من خصال الخير إلا أدركها، وهذه فائدة المحافظة على السنة والأذكار.
قال بعض العلماء: حتى إن الرجل يكون على طاعة وخير ثم يسري به الجنون فجأة، فيزول عقله -يأتيه حادث فيصبح مجنونا- فيكتب له الأجر كاملا، وقالوا -والعياذ بالله-: يخشى على من كان على المعاصي ثم التزم بالدين، وما حال بينه وبين المعصية إلا العذر، لكن الصحيح: أنه لا يأثم، وهناك أشياء يسمونها التقديرات ذكر منها العز بن عبد السلام في قواعد: (التقدير تنزيل المعدوم منزلة الموجود والموجود منزلة المعدوم) ، قالوا: المجنون الآن ليس بمسلم لأنه لا يقدر أن يتلفظ بالشهادتين ولا يعرف، ولا يعقل، فقالوا: نحكم بإسلامه لأنه كان قبل جنونه مسلما، فنزلنا المعدوم منزلة الموجود استصحابا للأصل الذي كان عليه، ونقول: فلان صالح ولو أنه بعد جنونه وبعد سحره اقترف المعاصي، لأنه لا يشعر بنفسه، استصحابا للأصل الذي عرف عنه، وكل هذا فضل وكرم من الله سبحانه وتعالى، فالمرأة الصالحة التي تحافظ -هذا محل الشاهد- على دروس العلم، لا تحضر المسجد في أيام الحيض، ولا يقولن أحدكم هذا تشديد عليها، فهذا حكم الشرع، والشارع لا يحكم إلا بحكم ترى في ظاهره الرحمة، فانظر إليها تجلس في قعر دارها ويكتب لها الأجر كاملا، وفي هذه الحالة تجلس خارج المسجد عند باب المسجد وتسمع، لكن لا تدخل، ولها أن تدني رأسها وتصغي -لكن: أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن لا تذل ولا يذل طالب علم ولا طالبة علم إلا أعزه، وأن لا يهين نفسه في العلم إلا أكرمه.
وكان أحد العلماء لما وقف موقفا ظاهره ذل لأجل طلب علم، قال: (ذل في مقام عز) .
فطالبة العلم التي تأتي -كما ذكر في السؤال- عند الحذاء -وهذا شيء كبير جدا- وتجدها امرأة وابنة ناس لو سفك دمها ما أهانت نفسها، لكنها للعلم تهين نفسها، وتجد الرجل ابن أناس لكنه على أبواب العلماء يزاحم ويجلس ويذل، وليس للعالم ولكن لله فبخ بخ للمرأة الصالحة في التجارة الرائحة، الغنيمة الرابحة، وعند الله رائجة، ولا شك في عظم ثوابها وأجرها عند ربها سبحانه وتعالى، حينما تتحمل هذه المشاق، والمرأة أكثر شؤما من الرجل، وعلى كل حال قد أغنى الله بوجود الأشرطة إذا حصل عذر، فالأمر قد يكون أيسر، فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم التوفيق للجميع، ويستثنى من هذه المسألة أن تكون هناك غرفة خارج المسجد، فإذا كانت هناك غرفة خارج المسجد إذا اقتطع جزء من المسجد، فهو جزء من المسجد -لكن لو أنها بنيت غرفة خارج المسجد، على أنها مكتبة، أو على أنها غرفة استراحة، أو على أنها غرفة ضيوف يستقبل فيها، والحفلات الخاصة تفعل فيها، ففي هذه الحالة يجوز للمرأة أن تدخل في هذا الملحق، وهو أرفق بالنساء، والله تعالى أعلم.
حكم صلاة من توضأ بماء قد تغير طعمه مع عدم علمه بسبب التغير
السؤال من توضأ لمدة أسبوع بماء قد تغير طعمه بسبب مياه المجاري، علما بأنه لم يعلم سبب تغير طعم الماء إلا بعد أسبوع وصلى، فهل يعيد هذه الصلوات؟
الجواب الماء إذا تغير طعمه ولونه، هذان الوصفان هما أقوى أوصاف التأثير، والرائحة قد تكون أضعف لكنها مؤثرة، فإنه يحكم بما غيره، فإن كان تغير لون الماء بمادة طاهرة فهو طاهر لا طهور، كالسدر -مثلا- فإنه يصير طاهرا لا طهورا، ولو تغير بنجس حكمنا بكونه نجسا، ولذلك يقولون: المتغير يأخذ حكم ما غيره، يعني: إن كان نجسا فنجس، وإن كان طاهرا فطاهر، أما الدليل على ثبوت القسم الثاني فظاهر السنة، وإن كان القرآن قد دل على ذلك من جهة اللفظ، فإن الله تعالى يقول: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا} [الفرقان:48] ، ولم يقل "طاهرا" ، وطهور (فعول) في لغة العرب، وزيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، فوجدنا النبي صلى الله عليه وسلم، يؤكد هذا حينما قال: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) فلما بين عليه الصلاة والسلام أن البحر طهور، ولم يقل: (هو الطاهر ماؤه) ، وإنما قال: (هو الطهور ماؤه) ، فأثبت كون الماء طهورا، إذا كان على أصل خلقه، وكيف نقول: إن هناك فرق بين الطاهر والطهور ولمسنا هذا من حديث أبي هريرة، وهو مذهب جمهور العلماء، وذلك أن الصحابي رضي الله عنه، قال لرسول الله: (يا رسول الله: إنا نركب البحر، ومعنا القليل من الماء، إن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر) لأن ماء البحر رائحته متغيرة، ولونه متغير لطول المكث، فمن هنا دل على أن أي شيء يتغير ولو كان متغيرا بطاهر، فإنه حينئذ ينتقل عن الأصل؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا} [الفرقان:48] ، فجعل الماء الباقي على أصل خلقته طهورا، وهذا الماء الطهور يكون على أوجه: كأن يستقر في الأرض، قال تعالى: {فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون} [المؤمنون:18] ، وحينئذ تقول: كل ماء سكن في الأرض، واستخرج كماء العين، أو كماء البئر، أو خرج بنفسه كماء العين، فهو طهور، لأن الله وصف أصله بأنه طهور -وهو الذي نزل من السماء- ووصفه بأنه طهور يأتي على وجهين في الأرض: إما أن يسكن في باطن الأرض، وإما أن يجري على وجهها، فإن سكن في باطنها فماء بئر وعين، وإن جرى على وجهها، فماء سيل ونهر، فإذا كان ماء بئر أو ماء عين أو ماء سيل أو ماء نهر، فهو طهور، لأنه باق على أصل خلقته، فالبحر لما كان في أصله طهورا لكنه تغير دل على أن الطهور إذا تغير ينظر في حال ما غيره، إن كان نجسا فنجس وإن كان طاهرا فطاهر، ومن هنا قال جمهور العلماء: يقسم الماء إلى ثلاثة أقسام، وهناك من قال بأنه قسمان؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ من قصعة فيها أثر العجين، وهذا متغير، والحقيقة أن هناك فرقا بين قول الصحابي: (فيها -يعني: في القصعة- أثر العجين) ، ومن يقول: (فيه أثر العجين) ، وأنتم تعلمون من أكل عصيدة، وأكل عجين، يعرف أن العصيدة تيبس في الإناء، ولا تتحلل، فلا ينقلب الماء أبيض إلا بعد فترة، فمعنى: (فيها أثر العجين) أي: فيها شيء يابس باق، ثم بعد ذلك صب عليه الماء، وليس معنى ذلك أنه كان في القصعة عجين فصب الماء عليه، فلا يمكن هذا، وبناء على ذلك لا يقوى هذا الدليل على معارضة الأصل الذي ذهب إليه جمهور العلماء، والله تعالى أعلم.
ففي هذه الحالة إذا كان الماء الذي ذكر ماء نجسا وهو ماء المجاري، فيلزمه أن يعيد الصلوات، لأنه كان المنبغي عليه لما وجد أن الماء قد تغير طعمه أن يبحث، أما أن الشخص يتوضأ بماء تتغير طعمه وتتغير رائحته، ثم يأتي بعد أسبوع ويسأل عن حكمه -لا- هو الذي قصر، ولذلك لا يقال إن مثل هذا يعذر، الواجب عليه أن يبحث عن الأصل، ولو كان يشرب هذا الماء، كان بمجرد أن يجد طعمه متغيرا يذهب ويفتش ويبحث، وعلى كل حال: لا بد أن يعيد هذه الصلوات؛ لأنه تبين أنه يصلي بغير وضوء، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) ولأن الوضوء الشرعي يكون بالماء الطهور وليس بالماء المتنجس.حكم المأموم إذا أدرك سجدة السهو مع الإمام
السؤال من أدرك مع الإمام سجدة من سجدتي السهو، فهل إذا سلم الإمام يسجد المأموم الثانية؟
الجواب اختلف العلماء -رحمهم الله- في المأموم إذا لم يدرك السهو مع الإمام -إذا لم يدرك نفس السهو- هل هو ملزم بسجود السهو أو ليس بملزم؟!، فعلى القول: بأنه ليس بملزم، فهذه السجدة الثانية ليست بواجبة عليه، وحينئذ إذا سلم الإمام قام وصلى، أما على القول بأنه ملزم بسجود السهو، سواء أدرك السهو أو لم يدركه، فحينئذ هناك إشكال؛ لأنه لم يدرك نفس الصلاة، وإنما أدرك سجود السهو، وهناك فرق بين إدراك الصلاة أو جزء الصلاة حتى يحكم بوجوب السجدتين عليه، وبين إدراك جزء سجود السهو، فإذا أدرك جزء سجود السهو -وهي السجدة الثانية- فالأشبه فيه أنه لا تلزمه السجدة الثانية، لأنه مأمور بالقيام بالركن، وهو إتمام صلاته والقيام بفعل الركعة الأولى، فلا يشتغل بشيء مشتبه على هذا الوجه، وإنما يقوم ويتم صلاته على الوجه المعتبر، والله تعالى أعلم. نصائح في شكر النعم
السؤال قوله تعالى: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} [إبراهيم:34] ، وقوله: {ثم لتسألن يومئذ عن النعيم} [التكاثر:8] ، كيف نشكر نعم الله علينا ونحن لا نستطيع حصرها، وكيف نعد جواب سؤال هذه النعم؟
الجواب ظاهر أن هناك تعارض بين الآيتين، فالله أمر بشكر النعم ولا يمكن للإنسان أن يحصي النعم، فكيف يكون شاكرا؟ والجواب: إن تكاليف الشرع مبنية على القدرة، والله عز وجل كلف الإنسان بما في وسعه وقدرته، وما ليس في وسعه وقدرته فليس بمكلف به، ولذلك يحمد الله ويشكره على ما ظهر وما بطن من النعم، وما سبق وما لحق من النعم، وله سبحانه الحمد أولا وآخرا، وظاهرا وباطنا، وسرا وجهارا، وهو المحمود على كل حال، المشكور على النعم سبحانه وتعالى، وله أن يشكر شكرا عاما، الذي هو: (اللهم أني أحمدك وأشكرك على نعمتك) فهذا كرم من الله عز وجل، قبل القليل وأعطى الكثير، إذا قال: "اللهم أني أحمدك على نعمك" ، ولو قال: "أحمدك على جميع نعمك" ، ما بقيت نعمة إلا ودخلت في هذا الحمد، خفيفة على اللسان لكنها ثقيلة في الميزان، وقد تنوء بها الملائكة من كثرتها، وقال صلى الله عليه وسلم في الرجل الذي قال: (حمدا طيبا كثيرا مباركا فيه) قال: (والذي نفسي بيده، لقد رأيت بضعا وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يصعد إلى السماء) وهذا يدل على فضل الحمد والشكر، وهناك شكر خاص على النعم الخاصة، فإذا تجددت النعم تجدد الشكر، فإذا خرج من بيته، فسلمه الله من آفة في جسده، أو آفة في أهله وماله وولده، لهج لسانه بذكر الله عز وجل، ووالله إن الإنسان ليحار، كم تجد من النعم المرسلة والمقيدة، والظاهرة والباطنة، ومع ذلك الإنسان في غفلة عظيمة عن هذا، ولو أنه نظر فقط إلى طرفة هذه العين التي يحركها، طرفة العين تبعد عنه من البلاء، وقال تعالى: {الله لطيف بعباده} [الشورى:19] ، وما قال: "إني لطيف بعبادي" ، قال: (الله) بلفظ الجلالة، وجاء بالاسم الظاهر (الله) لأنه وحده الذي له هذه النعمة، وهذا من كرمه سبحانه وتعالى، وقلما تجد شخصا إذا دخل البيت تذكر نعمة الله عز وجل، حينما يجد سربه أمنا وأهله وجدهم ولم يفقدهم، فكم من خارج من البيت كان آخر عهده بأهله وولده، فما رآهم بعد ذلك، ماتوا وهلكوا، وكم من إنسان يأتي ويدخل إلى بيته، ويرى من النعم التي حفظ الله بها أهله، كالكهرباء لو حصل أي اختلال لأهلكته ودمرته وحصل منها من البلاء ما الله بها عليم، وينام تحتها وينال خيرها ويحفظ من شرها، فسبحان الله العظيم، والإنسان يركب الطائرة، وهم ممكن في أقل من طرفة عين يدمرون ولا يبقى منهم أحد، فحملهم في البر والبحر، وحملهم في السماء والأرض، برحمة منه، ولطف منه، وإحسان منه، ويمرون في المخاطر الشديدة والأهوال الأكيدة، فمن الذي كان يحلم أنه يطوف في السماء؟ وليس الواحد ولا الاثنين، ولكن أمة من الناس، ولا تحمل فقط، ولكن تأكل وتشرب وتنام، ومع هذا كله، إذا أصابها الحر بردت، فهي في البراد، وإن كان في شدة البرد فهي في الدفء والراحة، ولذلك لو حوسب الخلق على هذه النعمة لهلكوا، فمن منا الآن إذا نزل في المطار وقد انتهى من الرحلة شكر الله حق شكره؟ ومن منا قبل أن يخرج رجله من هذه الطائرة تذكر أين كان، ومن الذي كلأه بعنايته ورحمته سبحانه وتعالى? تصور لو أن إنسانا تعرض للخطر في طريقه في البر وليس في السماء، وجاء شخص وقف عليه فقط دقيقة أو دقيقتين، لعد أن حياته كأنها دين لهذا الشخص، ولله المثل الأعلى: {له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله} [الرعد:11] ، أي: بسبب أمر الله، أو يحفظونه من الأمر الذي قدره الله، فتبارك الله وجل الله.
ومن عرف الله يعرف نعمته؛ لأن طريق المعرفة بالله أن تعرف نعمته سبحانه وتعالى، ولذلك كان أكمل الخلق معرفة بنعم الله هم أنبياء الله ورسله، وكانوا أشد الناس وأعظمهم شكرا لله، حتى أن الواحد منهم إذا رأى النعمة بين يديه كان أول ما يلهج به الثناء على الله عز وجل، فلا يزهو ولا يختال، ولا يتجبر ولا يتكبر، وإنما ينكسر لربه غاية الانكسار، ويسند الفضل كل الفضل لله وحده لا شريك له، سليمان عليه السلام في وسط البحار -وأين العلم وأين التقدم الحديث؟ - انظر إلى الذي قال له: {أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني} [النمل:40] ، انظر إلى قوله: (من فضل ربي) ، فما استوجب على الله فضل، فالفضل هو الزيادة كما في لغة العرب (من فضل ربي) .
يعني: أعطاني الله عز وجل فضلا منه وتكرما، فأنا مربوب لله عز وجل، فمن أنا لولاه؟! ثم قال: (ليبلوني) من أجل أن يبلوني ويختبرني، فعرف الهدف من النعم، وهو ابتلاء العباد بشكرها، فإذا امتلأت القلوب بذكر ربها ولهجت الألسن بالثناء على خالقها سعد العبد، فأصبح يمسي ويصبح وهو ينظر في نعم الله التي يتقلب فيها، فهو من شكر إلى شكر، ومن حمد إلى حمد، ويعتقد في قرارة قلبه أن الفضل كل الفضل لله، حتى إذا لهج لسانه بالشكر والثناء على الله اعتقد من قرارة قلبه، أن الله تفضل عليه بشكره سبحانه وتعالى، وهناك ينال العبد المراتب العلى، فلا يزال لسانه شاكرا حتى يكتبه الله من الشاكرين، ويجعله في ديوان الذاكرين، ثم يتأذن له بالرحمات والباقيات الصالحات، ويجعل له أول بشارة على شكر الله جل جلاله فيضع له البركة في رزقه، فالشيء الذي تشكر الله عليه ترى بركته وترى خيره، ولذلك تجد كبار السن في القديم الشخص منهم يضع الكسرة من الخبز، فيقول: يا رب! لك الحمد والشكر، تجد الواحد منهم يشرب الشربة القليلة بكف ماء من نهر مليء بالطين، ويقول: يا رب! لك الحمد والشكر، ومع ذلك تجد البركة فيها، وهذا الطين الذي يحمل البكتريا اليوم، وتجد فيه من الوسوسة، حتى أن الواحد يخاف أن تكون بجوار البيت، فكيف بهؤلاء وهم يضعونه بداخل أجوافهم؟ ومع هذا كانوا أصح الناس أبدانا وأصلحهم حالا بالشكر لله جل جلاله، وترى العبد اليوم شبعان تغدق عليه النعم، حتى إنه يجلس على المائدة، ونظر إلى أصناف الطعام التي فيها، جاءته من مشارق الأرض ومغاربها بما لا يحصيه إلا الله وحده، ولا ندري هل ذكر الله أم لا؟ ثم يقوم فيتسخط من هذا الطعام ويعد مثالب هذا الطعام أو يلمز هذا الطعام، وكل ذلك كفر بنعم الله، ونسيان لفضله.
اللهم لا تجعلنا من الغافلين، ولا تسلك فينا سبيل المجرمين، اللهم اجعلنا من الشاكرين، إنك ولي ذلك وأنت أرحم الراحمين.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.