رحمة النبي ﷺ بأمته
محمد بن سليمان المهوس
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: مِنْ أَجَلِّ النِّعَمِ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ – صلّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسلّمَ – بِعْثَةُ نَبِيِّ الرَّحمةِ وَرَسُولِ المَلْحَمَةِ، الرَّحْمَةُ المُهْدَاةُ وَالنِّعْمَةُ المَسْداةُ، الَّذِي أَدَّبَهُ رَبُّهُ عَلَى الرَّحْمَةِ وَالرَّأْفَةِ بِالْعِبَادِ ؛ قَالَ تَعَالَى :
﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [التَّوْبَةِ: 128]
وقال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: 107]
وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- تَلَا قَوْلَ اللهِ - عَزَّ وَجَلَّ - فِي إِبْرَاهِيمَ – عَلَيْهِ السَّلاَمُ - ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [إبراهيم: 36] الآية .
وقَوْلَ عِيسَى -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُم فَإِنَّهُم عِبَادَكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُم فَإِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [المائدة: 118]
فَرَفَعَ يَدَيْهِ وقَالَ: «اللهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي» وبَكَى، فقالَ اللهُ عز وجل : «يا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ -ورَبُّكَ أَعْلَمُ- فَسَلْهُ مَا يُبْكِيهِ؟» فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ، فَأَخْبَرْهُ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- بِمَا قَالَ -وَهُوَ أَعْلَمُ- فَقَالَ اللهُ تَعَالَى : «يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ، فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلَا نَسُوءُكَ» [ رَواهُ مُسْلِمٌ ]
فَمِنْ مَظَاهِرِ رَحْمَتِهِ بِأُمَّتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -:
أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو كَثِيرًا لِأُمَّتِهِ بِدَفْعِ الْعَذَابِ عَنْهَا، وَدُخُولِهَا الْجَنَّةَ؛ حَتَّى إِنَّهُ ادَّخَرَ دَعْوَةً لَهُ مُسْتَجَابَةً فَجَعَلَهَا شَفَاعَةً لِأُمَّتِهِ ؛ قَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- : «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجابَةٌ يَدْعُو بِهَا، وأُرِيدُ أنْ أخْتَبِئَ دَعْوَتِي شَفاعَةً لِأُمَّتي في الآخِرَةِ » [ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ]
بَلْ كَانَ يَدْعُو لِأُمَّتِهِ بِالْمَغْفِرَةِ فِي كُلِّ صَلَاةٍ كَمَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا – أَنَّهَا قَالَتْ: «لَمَّا رَأَيْتُ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طِيبَ نَفْسٍ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ لِي، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعَائِشَةَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنَبِهَا وَمَا تَأَخَّرَ، مَا أَسَرَّتْ وَمَا أَعْلَنَتْ» فَضَحِكَتْ عَائِشَةُ حَتَّى سَقَطَ رَأْسُهَا فِي حِجْرِهَا مِنَ الضَّحِكِ، قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيَسُرُّكِ دُعَائِي؟ » فَقَالَتْ: وَمَا لِي لَا يَسُرُّنِي دُعَاؤُكَ؟ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-: «وَاللَّهِ إِنَّهَا لَدُعَائِي لِأُمَّتِي فِي كُلِّ صَلَاةٍ» [ صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ ]
وَمِنْ مَظَاهِرِ رَحْمَتِهِ بِأُمَّتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -:
أَنَّهُ سَعَى إِلَى التَّخْفِيفِ عَنْ أُمَّتِهِ فِي الْعِبَادَاتِ مَا اسْتَطَاعَ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا، وَمِنْ ذَلِكَ مُرَاجَعَتُهُ لِرَبِّهِ سُبْحَانَهُ فِي الْإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ فِي فَرْضِ الصَّلَوَاتِ، فَخَفَّفَهَا مِنْ خَمْسِينَ صَلَاةً إِلَى خَمْسِ صَلَوَاتٍ .
وَمِنْ مَظَاهِرِ رَحْمَتِهِ بِأُمَّتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: أَنّهُ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا وَأَبَا مُوسَى – رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - إِلَى الْيَمَنِ لِدَعْوَتِهِمْ لِلْإِسْلَامِ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - لَهُمَا: «ادْعُوَا النَّاسَ، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا، وَيَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا» [ رَوَاهُ مُسْلِمٌ ]
وَمِنْ مَظَاهِرِ رَحْمَتِهِ بِأُمَّتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: أَنّهُ حَرِيصٌ عَلَى إِبْعَادِ أُمَّتَهُ مِنْ كُلِّ سُوءٍ ؛ فَعَنْ أَبِيِ هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : « مَثَلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نارًا، فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَها جَعَلَ الفَراشُ وَهذِهِ الدَّوابُّ الَّتي في النَّارِ يَقَعْنَ فِيها، وجَعَلَ يَحْجُزُهُنَّ ويَغْلِبْنَهُ فَيَتَقَحَّمْنَ فِيهَا، قَالَ: فَذَلِكُمْ مَثَلِي ومَثَلُكُمْ، أنا آخِذٌ بحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، هَلُمَّ عَنِ النَّارِ، هَلُمَّ عَنِ النَّارِ فَتَغْلِبُونِي تَقَحَّمُونَ فِيِهَا» [ رَوَاهُ مُسْلِمٌ ]
اللَّهُمَّ احْيِنَا عَلى سُنَّةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ – وَأَمِتْنَا عَلَى مِلَّتِهِ، وَاحْشُرْنَا فِي زُمْرَتِهِ،وَاجْمَعْنَا بِهِ فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ يَا رَبَّ الْعَالَمِيِنَ .
أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ مِنْ مَظَاهِرِ رَحْمَتِهِ بِأُمَّتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: أَنَّهُ بَيَّنَ لِأُمَّتِهِ أَسْبَابَ النَّجَاةِ لِيَعْمَلُوا بِهَا، وَأَسْبَابَ الْهَلَاكِ لِيَجْتَنِبُوهَا، فَقَالَ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ -: «وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» [ رَوَاهُ مُسْلِمٌ ]
هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، وَقَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وِآلِهِ وَسَلَّمَ-: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً وَاحِدَةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا» [رَواهُ مُسْلِمٌ].
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَ الدِّينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلادِ الْمُسْلِمِينَ.