عرض مشاركة واحدة
  #6  
قديم 28-09-2025, 07:13 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,303
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثانى
صـــ 98 الى صـــ 107
(35)






وإن دخل يريد الوتر ولم يكن أوتر، وقد فاتته ركعتان مع الإمام، وهو في الركعة الأخيرة فأوتر معهم أو أدركهم ركوعا فركع معهم ثم قام فقضاهما فليس عليه أن يقنت فيما يقضي قال؛ لأنه يقضي أول صلاته، وقد بينا هذا الأصل في كتاب الصلاة أنه في حكم القنوت يجعل ما أدرك مع الإمام آخر صلاته؛ لأن القنوت لم يشرع مكررا في وتر واحد فلو جعلنا ما أتى به مع الإمام أول صلاته كأن يقنت فيما يقضي فيؤدي إلى تكرار القنوت وكذلك إن أدركهم في الركوع؛ لأنه مدرك لهذه الركعة وهي محل للقنوت فيجعل إدراكه محل القنوت مع الإمام بمنزلة قنوته مع الإمام
رجل افتتح المغرب فصلى منها ركعة ثم ظن أنه لم يكن افتتح الصلاة فجدد التكبير وصلى ثلاث ركعات مستقبلات قال: يجزئه؛ لأنه بقي في صلاته الأولى؛ لأنه نوى إيجاد الموجود ونية الإيجاد في الموجود لغو فلما صلى ركعتين فقد تمت فريضته ثم كانت الركعة الثالثة نفلا له؛ لأنه اشتغل بها بعد إكمال الفريضة.
ولو كان صلى ركعتين، والمسألة بحالها لم تجز صلاته؛ لأنه بقي بعد تجديد التكبير في صلاته الأولى فلما صلى ركعة كان عليه أن يقعد ولم يفعل حتى صلى ركعة أخرى فكان قد اشتغل بالنفل قبل إكمال الفريضة، وذلك مفسد لصلاته
ولو اقتدى بالإمام في المغرب بنية التطوع فصلى منها ركعة وفاتته ركعتان ثم رعف فانطلق فتوضأ، وقد أدرك أول الركعة يعني نام خلف الإمام حتى صلى ركعتين ثم أحدث فتوضأ ثم جاء، وقد فرغ الإمام فعليه أن يصلي ركعة بغير قراءة، ويقعد ثم يصلي ركعة بغير قراءة ويقعد؛ لأنه لاحق في هاتين الركعتين فيصليهما بغير قراءة ثم يصلي ركعة بقراءة ويقعد؛ لأنه ليس بتبع للإمام في الركعة الرابعة فإنها لم تكن على إمامه ولكنها نفل مقصود في حقه فعليه أن يصليها بقراءة وفيما كان تبعا للإمام عليه أن يؤديه كما أداه الإمام، ولهذا قلنا يقعد في الثالثة كما قعد الإمام
رجل افتتح الصلاة مع الإمام فنام خلفه حتى فرغ الإمام ثم انتبه، وقد كان الإمام ترك سجدة من الركعة الأولى فقضاها في الثانية ولم يقعد في الثانية مقدار التشهد ساهيا ثم علم الرجل كيف صنع الإمام قال: يتبعه ويصلي بغير قراءة؛ لأنه قد أدرك أول الصلاة مع الإمام والتزم الاقتداء به فكان هو مقتديا بالإمام فيما يأتي به، وليس على المقتدي قراءة، ويسجد في موضعها من الركعة الأولى؛ لأن الإمام قضى تلك السجدة فالتحقت بمحلها، وصار كأنه أداها في موضعها، ولا يقعد
مقدار التشهد في الركعة الثانية عندنا، وقال زفر - رحمه الله تعالى: يقعد؛ لأن الإمام لما استتم قائما إنما لم يعد إلى القعود لما فيه من ترك الفريضة لأداء السنة، وذلك المعنى غير موجود في حق هذا الرجل فعليه أن يأتي بالقعدة كما كان ذلك على الإمام قبل أن يقوم إلى الثالثة وقاس بالسجدة فإنه يأتي بها في موضعها كما كان على الإمام أن يأتي بها، ولكنا نقول: هو في الحكم كأنه خلف الإمام ومن كان خلف الإمام تسقط عنه القعدة الأولى بسقوطها عن الإمام ألا ترى أن الإمام لو قام إلى الثالثة ساهيا، ولم يقم القوم كان عليهم أن يتبعوه، ولا يأتون بتلك القعدة فكذلك هذا الرجل، وبه فارق السجدة فإن تلك السجدة ما سقطت عن الإمام بالترك، ولهذا قضاها، وقد سقطت القعدة عن الإمام ألا ترى أنه لا يقضيها فتسقط عن المقتدي
ولو نام خلف الإمام حتى صلى ركعة ثم رعف فقدمه فإنه لا ينبغي له أن يتقدم؛ لأن غيره أقدر على إتمام صلاة الإمام منه فهو أولى بأن يكون خليفة له، وإن فعل جاز؛ لأنه شريك الإمام في الصلاة فيصلح أن يكون خليفة له ثم ينبغي له أن يشير إلى القوم لينتظروه حتى يقضي الركعة التي نام فيها؛ لأنه لاحق فيبدأ بالأول فالأول فإن لم يفعل، ولكن صلى بهم بقية صلاة الإمام ثم أخذ بيد رجل فقدمه حتى سلم بهم، وقام هو فقضى ركعته جاز عندنا خلافا لزفر - رحمه الله تعالى -، وهو بناء على الأصل الذي بينا في الصلاة إن مراعاة الترتيب في أعمال صلاة واحدة ليست بركن عندنا وعنده ركن، وإن بدأ بالتي نام فيها فاتبعه القوم فصلاته تامة؛ لأنه في حق نفسه كالمنفرد وصلاة من ائتم به فاسدة؛ لأنهم صلوا ركعة قبل أن يصليها إمامهم فإن إمامهم مشغول بالركعة التي أدوها هم مع الأول، وهم قد صلوا ركعة أخرى، وذلك مفسد لصلاتهم
ولو أن رجلا قال: لله علي أن أصلي ركعتين فاقتدى فيهما بمتطوع لم يجزئه عن الركعتين؛ لأن المنذور واجب عليه قبل الشروع فيه والتطوع ليس بواجب وصلاة المقتدي بناء على صلاة الإمام وبناء القوي على الضعيف لا يجوز بمنزلة المفترض يقتدي بالمتطوع، وهذا بخلاف ما إذا قال: والله لأصلين ركعتين فأداهما خلف متطوع فإن ذلك يجزئه؛ لأنه بيمينه ما وجب عليه الصلاة فكان هو في الأداء متطوعا، وإن كان ببر به في يمينه ألا ترى أن البر في اليمين يحصل بما هو حرام لا يجوز التزامه بخلاف النذر والذي يوضح الفرق أنه لو قال: لله علي أن أصلي ركعتين اليوم فلم يفعل كان عليه قضاؤهما.
ولو قال: والله لأصلين اليوم ركعتين فلم يفعل حتى مضى اليوم لم يكن عليه قضاؤهما فبهذا يتضح
الفرق
ولو أن مسافرا ومقيما نسيا صلاة فأم أحدهما صاحبه بعدما تذكرا فإن أم المسافر المقيم جاز، وإن أم المقيم المسافر لم تجز صلاة المسافر، وقد بينا هذا الفرق في كتاب الصلاة إن اقتداء المقيم بالمسافر يجوز بعد خروج الوقت كما يجوز في الوقت؛ لأن فرضه لا يتغير بالاقتداء واقتداء المسافر بالمقيم يجوز في الوقت ولا يجوز بعد خروج الوقت؛ لأن فرضه يتغير بالاقتداء
ولو أن رجلا صلى مع الإمام الفجر فجعل يركع معه ويسجد قبله فعليه أن يسجد سجدتين وصلاته تامة؛ لأنه لما سجد قبله ورفع رأسه قبل أن يسجد الإمام لم يعتد بهذه السجدة فلما سجد الإمام وسجد الرجل ينوي الثانية كانت هذه هي السجدة الأولى في حقه فإنما صلى مع الإمام ركعتين، وترك من كل ركعة سجدة فعليه أن يسجد سجدتين، وليس مراده من هذه المسألة أنه سجد قبل الإمام ثم سجد الإمام قبل أن يرفع هو رأسه؛ لأن هناك لا يلزمه قضاء شيء فإن الإمام لما أدركه في آخر السجدة فقد وجدت المشاركة بينهما في هذه السجدة وليس مراده أنه سجد سجدتين جميعا، ورفع رأسه منهما قبل أن يسجد الإمام؛ لأنه حينئذ لا تجوز صلاته بأداء السجدتين فإنه في الحقيقة يكون مصليا ركعة فإنما عليه أن يصلي أخرى فعرفنا أن مراده ما بينا
ولو صلى ركعة وترك منها سجدة ثم صلى ركعة أخرى بسجدتين فهما لهذه الركعة؛ لأن الركعة تتقيد بالسجدة الواحدة فقد سجد للركعة الثانية في أوانها فيكون سجوده عن الركعة الثانية وسجدة الركعة الأولى صارت في حكم القضاء لفوات محلها فلا تتأدى بدون النية
فإن طاف بالبيت أسبوعا ثم صلى ركعتين عند طلوع الشمس أو بعدما تغيرت الشمس لم يجزئه عندنا عن ركعتي الطواف خلافا للشافعي - رضي الله تعالى عنه - لحديث جبير بن مطعم - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تمنعوا أحدا يطوف بهذا البيت أي ساعة شاء من ليل أو نهار وليصل لكل أسبوع ركعتين» ولكنا نستدل بحديث «معوذ ابن عفراء - رضي الله عنه - فإنه طاف بعد العصر أسبوعا ثم لم يصل فقيل له في ذلك فقال: نهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة في هذه الساعة» وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أنه طاف بعد العصر أسبوعا فقال: عطاء: ارمقوا صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هل يصلي؟ فرمقوه فلم يصل حتى غربت الشمس وعن عمر - رضي الله تعالى عنه - أنه طاف بعد صلاة الفجر أسبوعا ثم خرج من مكة فلما كان بذي طوى وارتفعت الشمس صلى ركعتين ثم قال: ركعتان مكان ركعتين؛ ولأن ركعتي الطواف تجب بسبب من
جهة العبد فهي كالمنذورة، وقد بينا أن المنذورة لا تؤدى بعد الفجر قبل طلوع الشمس، ولا بعد العصر قبل غروب الشمس وتأويل حديث جبير وليصل لكل أسبوع ركعتين في الأوقات التي لا تكره الصلاة فيها
رجل صلى ركعتين تطوعا ثم اقتدى به رجل ثم رعف فانطلق يتوضأ فصلى إمامه ركعة أخرى ثم تكلم الذي أحدث فصلى هذا الإمام تمام ست ركعات فعلى الرجل الداخل معه أن يقضي أربع ركعات؛ لأنه اقتدى بالإمام في الشفع الثاني فيصير ملتزما لهذا الشفع والشفع الأول الذي أداه الإمام بهذه التحريمة فعليه قضاء الشفعين ثم هو قد أفسد الاقتداء قبل قيام الإمام إلى الشفع الثالث، وإنما يلزمه الشفع الثالث بالقيام إليه كما لو لم يكن إماما له حين قام إليها لم يكن عليه قضاؤها
ولو أن رجلين افتتحا الصلاة معا ينوي كل واحد منهما أن يكون إماما لصاحبه فصلاتهما تامة؛ لأن الإمام في حق نفسه كالمنفرد فإن صلاته لا تنبني على صلاة غيره فنية كل واحد منهما للإمامة، ونيته الانفراد سواء، وإن نوى كل واحد منهما أن يأتم بصاحبه فصلاتهما فاسدة؛ لأن كل واحد منهما نوى الاقتداء عند الشروع ونيته الاقتداء بالمقتدي لا تصح ألا ترى أن المسبوق إذا قام إلى قضاء ما فات فاقتدى به إنسان لم يصح اقتداؤه، وهذا؛ لأن المقتدي تبع ويستحيل أن يكون كل واحد منهما تبعا لصاحبه في صلاة واحدة فلهذا تفسد صلاتهما ثم ذكر مسألة المغمى عليه، وقد بيناها في كتاب الصلاة وفرق بين الإغماء والنوم: فإن النوم لا يسقط القضاء، وإن كان أكثر من يوم وليلة؛ لأن النائم في حكم القضاء كالمنتبه ألا ترى أنه إذا نبه انتبه بخلاف المغمى عليه وجعل الجنون كالإغماء فقال: إذا جن يوما وليلة أو أقل فعليه قضاء الصلوات، وإذا جن أكثر من يوم وليلة فليس عليه قضاء الصلوات، وهذا؛ لأن الجنون يعجزه عن فهم الخطاب مع بقاء الأهلية للفرض ألا ترى أن فرضه المؤدى يبقى على حاله يعني حجة الإسلام والصلاة المؤداة حتى لو أفاق قبل مضي الوقت لم يكن عليه إعادة الصلاة فعرفنا أن الجنون إذا قصر فهو كالإغماء فإن كان يوما وليلة أو أقل كان عليه قضاء الصلوات، وقد ظن بعض أصحابنا أن الجنون إذا استوعب وقت صلاة كاملة لم يكن عليه قضاؤها بخلاف الإغماء قالوا: لأن الجنون يزيل العقل ألا ترى أن من قال جن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في شيء من عمره كفر، وقد أغمي عليه في مرضه ولكن الأصح أنه في حكم الصلاة لا فرق بين الجنون والإغماء كما نص عليه ههنا
رجل نسي صلاتين من يومين
وهو لا يدري أي صلاتين هما فعليه إعادة صلاة يومين أخذا بالاحتياط وليس عليه مراعاة الترتيب في القضاء؛ لأن ما لزمه قضاؤها أكثر من ست صلوات فيسقط مراعاة الترتيب للكثرة وكذلك لو نسي صلاة من يوم وهو لا يدري أيها هي أو نسي سجدة من صلاة وعلى قول سفيان الثوري - رضي الله عنه - يعيد الفجر والمغرب ثم يصلي أربع ركعات بنية ما عليه وعلى قول محمد بن مقاتل - رحمه الله تعالى - يصلي أربع ركعات بثلاث قعدات، وهذا ليس بصحيح عندنا؛ لأن تعين النية في القضاء شرط للجواز، والصلوات وإن اتفقت في أعداد الركعات فهي مختلفة في الأحكام؛ لأن اقتداء من يصلي الظهر بمن يصلي العصر لا يجوز فلا يتحقق تعيين النية فيما يقول محمد بن مقاتل - رحمه الله تعالى - ولا فيما يقول سفيان - رضي الله عنه - فلهذا ألزمناه قضاء صلاة يوم وليلة
ولو أن رجلا أم قوما شهرين ثم قال: قد كان في ثوبي قذر فعلى القوم أن يصدقوه ويعيدوا صلاتهم؛ لأنه أخبر بأمر من أمور الدين وخبر الواحد في أمر الدين حجة يجب العمل بها إلا أن يكون ماجنا فحينئذ لا يصدق؛ لأن خبره في أمور الدين غير مقبول إذا كان ماجنا، والذي يسبق إلى الأوهام أنه يكذب في خبره على قصد الإضرار بالقوم لمعنى دخله من جهتهم والماجن هو الفاسق فإن المجون نوع جنون وهو أن لا يبالي بما يقول ويفعل فتكون أعماله على نهج أعمال المجانين، وكان شيخنا الإمام - رضي الله عنه - يقول: الماجن هو الذي يدعي سبب نبت وهو الذي يلبس قباطاق ويتمندل بمنديل خيش ويطوف في السكك ينظر في الغرف أن النساء ينظرن إليه أم لا
ولو طلعت الشمس وهو في خلال صلاة الفجر ثم قهقه قبل أن يسلم فليس عليه وضوء لصلاة أخرى أما على قول محمد - رحمه الله تعالى - فلأنه صار خارجا بطلوع الشمس وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - وفي الرواية الأخرى، وإن لم يصر خارجا من أصل التحريمة فقد فسدت صلاته بطلوع الشمس؛ لأنه لا يجوز أداء النفل في هذا الوقت كما لا يجوز أداء الفرض فالضحك في هذه الحالة دون الضحك في صلاة الجنازة فلا يجعل حدثا وعلى قياس قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - يلزمه الوضوء خصوصا على الرواية التي رويت عنه أنه يصير حتى تطلع الشمس ثم يتم الفريضة فعلى هذه الرواية لا يشكل أن ضحكه صادف حرمة صلاة مطلقة فكان حدثا ولو افتتح التطوع
حين طلعت الشمس ثم أفسدها متعمدا ثم قضاها حين احمرت الشمس أجزأه إلا على قول زفر - رحمه الله تعالى - فإنه يقول: لما أفسدها فقد لزمه قضاؤها وصار ذلك دينا في ذمته فلا يسقط بالأداء في الوقت المكروه بمنزلة المنذورة التي شرع فيها في وقت مكروه ولكنا نقول: لو أداها حين افتتحها لم يكن عليه شيء آخر فكذلك إذا قضاها في مثل ذلك الوقت لم يلزمه شيء آخر؛ لأن القضاء بصفة الأداء فهو والمؤدى حين شرع فيه سواء، وقد بينا نظائره في كتاب الصلاة والله أعلم بالصواب.
[باب صلاة المسافر]
رجل صلى بمسافرين ومقيمين ركعتين وقعد قدر التشهد ثم قام بعض من خلفه من المسافرين فتكلموا ثم نوى الإمام الإقامة فعليه أن يتم صلاته؛ لأن نيته حصلت في حرمة الصلاة وعلى من خلفه من المسافرين إتمام الصلاة أيضا؛ لأنهم صاروا مقيمين في هذه الصلاة تبعا لإمامهم ومن تكلم منهم في صلاته فصلاته تامة؛ لأنه خرج من حرمتها في وقت لو خرج إمامهم منها كانت صلاته تامة وإنما كان يلزمهم صلاة المقيمين باعتبار التبعية.
ومن تكلم منهم فقد خرج من أن يكون تبعا للإمام قبل أن يتغير فرض الإمام، ومن تكلم منهم بعدما نوى الإمام الإقامة فسدت صلاته بمنزلة ما لو تكلم الإمام في هذه الحالة، وهذا؛ لأن فرضه تغير بنية الإمام الإقامة فيكون هو متكلما في وسط الصلاة فإن قام بعض من خلفه من المقيمين فقرأ وركع وسجد ثم نوى الإمام الإقامة فهذا الرجل خارج من صلاته يتم بقية الصلاة وحده؛ لأنه استحكم انفراده حين قيد الركعة بالسجدة قبل أن ينوي الإمام الإقامة فإن عاد إلى متابعته في الرابعة فسدت صلاته؛ لأنه اقتدي به بعدما استحكم انفراده، وإن كان قد قرأ وركع ولم يسجد حتى نوى الإمام الإقامة فعليه أن يعود إلى متابعته؛ لأنه لم يستحكم انفراده بمجرد القيام والركوع فكان كغيره ممن لم يقم بعد من المقيمين فعليه أن يتابع الإمام في إتمام الصلاة فإن لم يفعل ولكنه سجد فصلاته فاسدة؛ لأنه انفرد في موضع كان عليه الاقتداء فيه.
ومن اقتدى في موضع كان عليه الانفراد أو انفرد في موضع كان عليه الاقتداء فيه فسدت صلاته وإنما قلنا: إن انفراده إنما استحكم بتقييده الركعة بالسجدة؛ لأن ما دون الركعة يحتمل الرفض والركعة الكاملة لا تحتمله؛ ولأن زيادة ما دون الركعة لا يفسد الصلاة
وزيادة الركعة الكاملة يفسدها فإن الركعة الكاملة إذا لم يحتسب بها من الفريضة كانت نافلة وخلط النفل بالفرض قبل إكمال الفرض مفسد للصلاة، فإن كان الإمام لم يقرأ في الأوليين ثم تكلم بعض من خلفه بعدما قعد قدر التشهد فصلاة من تكلم فاسدة؛ لأن الإمام لو تكلم في هذه الحالة كانت صلاته فاسدة، ويقوم الإمام فيتم ما بقي من صلاته، ويقرأ في الأخريين في قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - وأبي يوسف - رضي الله عنه - وفي قول محمد وزفر رحمهما الله تعالى صلاته وصلاة من خلفه فاسدة؛ لأن عندهما ظهر المسافر كفجر المقيم فترك القراءة فيهما أو في إحداهما يفسد صلاته على وجه لا يمكن تصحيحه، وفي قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى يتوقف حكم الفساد بتوقف حال فريضته فإن فرضه في الوقت بغرض التغيير بنية الإقامة فإذا نوى الإقامة في الانتهاء يجعل ذلك كنيته في الابتداء وترك القراءة في الأوليين من المقيم لا يكون مفسدا لصلاته حتى إذا قرأ في الأخريين كانت صلاته تامة فكذلك هنا، وهو بناء على الأصل الذي بينا أن بمجرد ترك القراءة لا يخرج عن حرمة الصلاة عندهما فإن كان بعض من خلفه من المقيمين قام فقرأ وركع، وسجد ثم نوى الإمام الإقامة فصلاة هذا الرجل فاسدة؛ لأنه استحكم انفراده قبل تمام صلاة الإمام في حال لو تكلم فيه الإمام كانت صلاته فاسدة، وإن كان قرأ، وركع ولم يسجد حتى نوى الإمام الإقامة فإنه يرفض ما صنع، ويعود إلى إتمام صلاته مع الإمام؛ لأنه لم يستحكم انفراده بعد، وهذا قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى فإن سجد بعدما نوى الإمام الإقامة فصلاته فاسدة؛ لأنه انفرد في موضع كان عليه الاقتداء فيه
ولو أن مسافرا صلى ركعتين بغير قراءة فظن بعدما قعد قدر التشهد أنه إنما صلى ركعة فقام، وقرأ، وركع ثم رفع رأسه ثم نوى الإقامة فإنه يعيد القراءة والركوع ويمضي في صلاته، وإن سجد قبل أن ينوي الإقامة فصلاته فاسدة وكذلك إن سجد بمد نية الإقامة قبل أن يعيد القراءة والركوع؛ لأن ما دون الركعة يحتمل الرفض فإن نوى الإقامة قبل أن يسجد صار هذا ونية الإقامة قبل أن يقوم إلى الثالثة سواء، فإن كان سجد فهذه الركعة نافلة في حقه لا تحتمل الرفض واشتغاله بالنفل قبل إكمال الفرض مفسد لصلاته، وكذلك إن سجد بعد النية؛ لأن بهذه السجدة يتقيد ما أدى من الركعة، وهي نافلة والنفل لا ينوب عن الفرض، وإن كان هو أعاد القراءة والركوع
فقد صار رافضا لما زاد مؤديا للفرض فتجوز صلاته في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى وإن كان قرأ في الأوليين، وقعد قدر التشهد ثم قام فقرأ وركع وسجد ثم نوى الإقامة فقد استحكم خروجه من الفرض بتقييد الركعة بالسجدة فلا يتغير فرضه بنية الإقامة ولكنه متنفل بركعة فيضيف إليها ركعة أخرى ليكون شفعا، وإن كان ركع، ولم يسجد حتى نوى الإقامة فإنه يعيد الركوع؛ لأن فرضه تغير بهذه النية على ما بينا أنه لا يستحكم خروجه من الفرض ما لم يقيد الركعة بالسجدة فعليه إعادة القيام والركوع؛ لأن ما أدي كان نافلة، والقيام والركوع فرض في كل ركعة وفي الكتاب ذكر إعادة الركوع خاصة؛ لأنه إنما يركع عن قيام، وفرض القيام إنما يتأدى بأدنى ما يتناوله الاسم، وإن لم يعد فصلاته فاسدة لترك القيام والركوع في الفريضة وأداء النافلة قبل إكمال الفريضة فإن لم يقعد في الركعتين حتى قام ساهيا ثم نوى الإقامة فإنه يمضي على قيامه، ولا يعود إلى القعدة؛ لأنه صار مقيما في هذه الصلاة، والمقيم بعدما قام إلى الثالثة ساهيا لا يعود إلى القعدة لما فيه من العود من الفرض إلى السنة، فإن كان عاد إلى القعدة قبل أن ينوي الإقامة ثم نواها قبل إتمام التشهد فإنه يتم التشهد؛ لأنه قبل نية الإقامة العود مستحق عليه وإنما تغير فرضه بنية الإقامة، وهو قاعد فعليه أن يتم التشهد ثم يقوم لإتمام صلاته
[اقتداء المسافر بالمقيم في الصلاة]
مسافر اقتدى بمقيم فعليه أن يصلي أربعا؛ لأنه التزم متابعة الإمام بالاقتداء به فإن تكلم صلى ركعتين؛ لأنه مسافر على حاله، وإنما كان يلزمه الإتمام لأجل المتابعة، وقد زال ذلك حين تكلم، وهذا بخلاف ما لو اقتدى به بنية النفل ثم تكلم فإنه يلزمه قضاء أربع ركعات؛ لأن هناك بالشروع يكون ملتزما صلاة الإمام، وصلاة الإمام أربع ركعات، وهنا بالشروع ما قصد التزام شيء وإنما قصد إسقاط الفرض عن ذمته وتغير فرضه حكما للمتابعة فإذا انعدمت صار كأنه لم يشرع في صلاته أصلا.
ولو نام هذا المسافر خلف المقيم حتى دخل وقت العصر فعليه أن يصلي أربعا؛ لأنه لاحق واللاحق في حكم المقتدي فإن تكلم صلى ركعتين وكذلك إن نوى الإقامة بعدما تكلم؛ لأنه بالكلام يخرج عن متابعة الإمام فتبقى نية الإقامة منه بعد خروج الوقت، وذلك لا يغير فرضه، فإن قيل هذا إذا كان الواجب عليه عند خروج الوقت ركعتين وهنا الواجب عليه عند خروج الوقت أربع ركعات قلنا: نعم ولكن وجوب الأربع عليه عند خروج الوقت كان من المتابعة، وقد انعدم ذلك حين تكلم فكان هذا وما لو خرج الوقت
قبل شروعه في الصلاة سواء فلا يتغير فرضه بنية الإقامة
ولو أن امرأة سافرت مع زوجها فنوى هو أن يقيم في موضع خمسة عشر يوما فعليها أن تصلي أربعا، وإن لم تنو الإقامة.
ولو أنها نوت الإقامة دون الزوج كان عليها أن تصلي ركعتين؛ لأنها تابعة للزوج في السفر والإقامة قال الله تعالى {أسكنوهن من حيث سكنتم} [الطلاق: 6] . وقال الله تعالى {الرجال قوامون على النساء} [النساء: 34] ، وإنما يعتبر تغير النية ممن هو أصل دون من هو تبع؛ لأن ثبوت الحكم في التبع بثبوته في الأصل ومن أصحابنا من يقول هذا إذا كانت قد استوفت صداقها فإن لم تكن استوفت صداقها ولم يدخل بها الزوج فإنها تعتبر نيتها؛ لأن لها أن تحبس نفسها لاستيفاء الصداق فلا تخرج مع زوجها، وإن كان قد دخل بها فعلى الخلاف المعروف في ثبوت حق الحبس لها لاستيفاء الصداق، وقيل بل هو قولهم جميعا؛ لأنه، وإن كان لها أن تحبس نفسها فما لم تحبس كانت تابعة لزوجها، وإنما وضع المسألة فيما إذا نوت الإقامة أو السفر من غير أن قصدت حبس نفسها عن زوجها وعلى هذا حكم كل تبع مع أصله كالعبد مع سيده والأجير للخدمة مع المستأجر والجندي مع السلطان إنما يعتبر نية الإقامة والسفر ممن هو أصل دون التبع، وإن كان الزوج أو السيد خلى بين المرأة والعبد وبين النية الآن تعتبر نيتهما؛ لأنهما صارا أصلين بهذه التخلية ما لم يرجع الزوج، والسيد عنها
(قال): كوفي خرج يريد مكة فلما انتهى إلى الحيرة توضأ وافتتح الصلاة ثم رعف فنوى الرجوع إلى الكوفة ثم أصاب الماء في مكانه فتوضأ صلى أربعا؛ لأنه لما نوى الرجوع إلى وطنه الأصلي وهو في فناء وطنه فقد صار رافضا لسفره والتحق بالمقيم في هذه الصلاة فعليه أن يصلي أربعا، وكذلك إن تكلم؛ لأنه صار مقيما بنيته الأولى في هذا المكان فلا يصير مسافرا ما لم يرتحل منه، وإن لم يتكلم ولكن قيل له: إن أمامك ماء على رأس غلوة فمشى إليه فتوضأ فإنه يصلي أربعا؛ لأنه قد لزمه الإتمام بنيته الأولى ولأنه بالتوجه أمامه لا يصير مسافرا بعدما صار مقيما؛ لأن السفر عمل وحرمة الصلاة تمنعه من مباشرة عمل ليس من أعمال صلاته بخلاف نية الإقامة فإنه ترك للسفر، وهو يحصل بمجرد النية فحرمة الصلاة لا تمنع منه فإن تكلم بعدما مشى أمامه صلى ركعتين؛ لأنه خرج عن حرمة الصلاة، وهو منشئ للسفر بمشيه بعدما خرج من حرمة الصلاة
ولو أن خراسانيا أوطن الكوفة سنة فعليه أن يصلي أربعا؛ لأنه نوى الإقامة في موضعها، وهذا وطن مستعار له، وقد بينا في كتاب الصلاة أن الأوطان ثلاثة فعلى ذلك الأصل بنى هذه المسائل فقال: إن خرج هذا
الخراساني مع كوفي إلى مكة فلما انتهيا إلى الحيرة نويا الإقامة بالقادسية شهرا فعلى الكوفي أن يصلي أربعا والخراساني يصلي ركعتين حتى يدخل القادسية على نيته؛ لأن وطن الكوفي بالكوفة وطن أصلي فلا ينتقض بالخروج منه على قصد السفر فإنما نوى الإقامة في فناء وطنه الأصلي؛ لأن القادسية على مرحلتين من الكوفة فصار هو مقيما من ساعته ووطن الخراساني بالكوفة كان مستعارا فانتقض بالخروج من الكوفة على قصد السفر فهو مسافر نوى الإقامة في موضع فما لم يدخل ذلك الموضع لا يصير مقيما.
فإذا دخلا القادسية صليا أربعا حتى يخرجا منها إلى مكة فإن بدا لهما أن لا يقيما بالقادسية بعد نيتهما الأولى، وهما بالحيرة بعد فإن الكوفي يصلي أربعا والخراساني يصلي ركعتين؛ لأن الكوفي مقيم بنيته الأولى في هذا الموضع فلا يصير مسافرا برفض النية ما لم يخرج منها وإن شخصا من ذلك الموضع صليا ركعتين، وإن نويا من الحيرة أن يخرجا إلى خراسان ويمران بالكوفة فالخراساني يصلي ركعتين والكوفي يصلي أربعا؛ لأنه عزم على الرجوع إلى وطنه الأصلي وبينه وبين وطنه دون مسيرة سفر فيصير مقيما في الحال حتى يخرج من الكوفة إلى خراسان، وإن نويا الذهاب إلى خراسان ولا يمران بالكوفة صليا ركعتين؛ لأن الكوفي لم يعزم على الرجوع إلى وطنه فهو ماض على سفره يصلي ركعتين كالخراساني.
وإن خرج الكوفي والخراساني يريدان قصر ابن هبيرة وهو على ليلتين من الكوفة صليا أربعا؛ لأنهما لم يعزما على السفر من الكوفة فإن أدنى مدة السفر ثلاثة أيام فإن بدا لهما أن يقيما بالقصر خمسة عشر يوما ثم يمضيان إلى بغداد صليا أربعا؛ لأن من القصر إلى بغداد دون مدة السفر فإن بدا لهما الرجوع من بغداد إلى الكوفة ويمران بالقصر فالخراساني يصلي أربعا والكوفي يصلي ركعتين؛ لأن وطن الخراساني بالقصر كان وطنا مستعارا فانتقض به وطنه بالكوفة وصار وطنه القصر، وقد عزم على الرجوع إلى وطنه وبينه وبين وطنه دون مسيرة سفر فيصلي أربعا، وأما وطن الكوفي بالقصر فكان وطن السكنى؛ لأنه في فناء وطنه الأصلي ولا يكون له وطنا مستعارا في فناء وطنه الأصلي فإن الوطن الأصلي ينقض الوطن المستعار؛ لأنه فوقه ووطن السكنى ينتقض بالخروج منه لا على قصد السفر فالتحق هو بعدما وصل إلى بغداد بمن لم يدخل القصر فإذا عزم على الرجوع إلى وطنه فقد أنشأ سفرا من بغداد إلى الكوفة، وإن كانا أوطنا ببغداد خمسة عشر يوما ثم بدا لهما الرجوع صليا جميعا ركعتين؛ لأن وطن
الخراساني بالقصر قد انتقض بمثله، وهو وطنه ببغداد، وإن لم يكونا نويا الإقامة بالقصر ولا ببغداد فإذا خرجا من بغداد إلى الكوفة صليا ركعتين؛ لأن وطنهما بالقصر كان وطن السكنى، وقد انتقض بالخروج منه




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 37.80 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 37.17 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.66%)]