عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 28-09-2025, 07:10 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,371
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثانى
صـــ 88 الى صـــ 97
(34)






ولو بدأ بفرض الوقت لم يجزئه؛ لأن عند ضيق الوقت النهي عن البداءة بالفائتة لم يكن لمعنى فيها بل لما فيه من تفويت فرض الوقت، ألا ترى أنه كما ينهى عن البداءة بالفائتة ينهى عن الاشتغال بالتطوع، والنهي متى كان لمعنى في غير المنهي عنه لا يكون مفسدا كالنهي عن الصلاة في الأرض المغصوبة، وعند سعة الوقت النهي عن البداءة بفرض الوقت لمعنى فيها بدليل أنه لا ينهى عن الاشتغال بالتطوع في هذه الحالة، والنهي متى كان لمعنى في المنهي عنه كان مفسدا له.
فإن افتتح العصر في آخر وقتها، وهو ناس للظهر فصلى منها ركعة ثم احمرت الشمس ثم تذكر أن الظهر عليه فإنه يمضي في صلاته؛ لأن تذكر الظهر في هذا الوقت لا يمنع افتتاح العصر فلا يمنع المضي فيها بطريق الأولى، وهذا؛ لأنه لو قطعها، واشتغل بالظهر لم يجز له أداء الظهر ففيه تفويت الصلاتين عن الوقت فكان تذكر الظهر وجودا وعدما بمنزلة (قال) : وهي تامة يعني من حيث الجواز لا من حيث الاستحباب، فإن أداء العصر في هذا الوقت مكروه على ما قال ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه: ما أحب أن يكون لي صلاة حين تحمر الشمس بفلسين، وإن كان قد افتتح العصر لأول وقتها، وهو ذاكر للظهر فصلى منها ركعة ثم احمرت الشمس فإنه يقطع الصلاة؛ لأنه ما صح شروعه في العصر في أول وقتها مع ذكره للظهر، والبناء على الفاسد غير ممكن فعليه أن يقطع صلاته ثم يستقبل العصر، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى؛ لأن عندهما صار شارعا في التطوع ولكن أداء التطوع بعدما احمرت الشمس منهي عنه وأداء عصر اليوم مأمور به في هذا الوقت فعليه أن يقطع المنهي عنه ويشتغل بالمأمور به، وعلى قول محمد - رحمه الله تعالى - هو غير شارع في الصلاة أصلا فعليه أن يستقبل العصر، وإن افتتح العصر والشمس حمراء وهو ذاكر للظهر فإنه يجزئه؛ لأن هذه ساعة لا يجوز فيها أداء الظهر ولا غيرها من الصلاة سوى عصر اليوم فعليه أن يشتغل بما يكون الوقت قابلا له؛ ولأن في تأخير العصر عن هذا الوقت تفويتها؛ لأن تأخير العبادة المؤقتة عن وقتها يكون تفويتا لأدائها، وذلك لا يجوز.
ولو اشتغل بالفائتة كان متداركا لما فوت بتفويت مثله، وذلك لا يليق بالحكمة فإن غربت الشمس، وهو في العصر فإنه يتمها، وطعن عيسى في هذا وقال: الصحيح أنه يقطعها بعد غروب الشمس ثم يبدأ بالظهر ثم
بالعصر؛ لأن ما بعد غروب الشمس الوقت قابل للظهر، والمعنى المسقط لمراعاة الترتيب ضيق الوقت، وقد انعدم لغروب الشمس؛ لأن الوقت قد اتسع فهو بمنزلة ما لو افتتح العصر في أول الوقت وهو ناس للظهر ثم تذكر، وقد بينا هناك أنه يلزمه مراعاة الترتيب فكذلك في هذا الموضع، وهذا؛ لأن ما يعرض في خلال الصلاة يجعل كالموجود عند افتتاحها كالمتيمم إذا وجد الماء أو العاري إذا وجد الثوب وما ذكره عيسى - رحمه الله تعالى - فهو القياس، ولكن محمدا - رحمه الله تعالى - استحسن فقال: لو قطع صلاته بعد غروب الشمس كان مؤديا جميع العصر في غير وقتها.
ولو أتمها كان مؤديا بعض العصر في وقتها، وكما سقط مراعاة الترتيب لحاجته إلى أداء جميع العصر في وقتها يسقط مراعاة الترتيب لحاجته إلى أداء بعض العصر في وقتها يوضحه أنه بالابتداء كان مأمورا بالشروع في العصر، وإن كان يعلم يقينا أن الشمس تغرب قبل فراغه منها.
ولو كان هذا المعنى مانعا له من إتمام العصر لكان تيقنه به عند الشروع مانعا له من افتتاح العصر، وأحد لا يقول إنه لا يفتتح العصر عند ضيق الوقت، وإن كان يعلم أن الشمس تغرب قبل الفراغ منها يوضحه أن عند ضيق الوقت قد سقط عنه مراعاة الترتيب في هذه الصلاة وبعدما سقط الترتيب في صلاة لا يعود في تلك الصلاة بخلاف حالة النسيان فهناك الترتيب غير ساقط عنه، ولكنه يعذر بالجهل فإذا زال العذر قبل الفراغ من الصلاة بقي عليه مراعاة الترتيب كما كان.
(قال): فإن كان افتتح العصر بعدما غربت الشمس، وهو ذاكر للظهر فإنه يقطعها، ويصلي الظهر ثم العصر ثم المغرب؛ لأن الوقت واسع، وقد صارت العصر فائتة كالظهر فعليه مراعاة الترتيب بينهما وبين فرض الوقت، وإن كان ناسيا للظهر حين افتتح العصر بعد غروب الشمس فلما صلى منها ركعة ذكر أن الظهر عليه فإنه يفسد عصره ويصلي الظهر؛ لأن التذكر في هذا الوقت يمنعه من افتتاح العصر فيمنعه من إتمامها أيضا، وهذا؛ لأن الترتيب غير ساقط عنه ولكنه يعذر للنسيان فإذا زال العذر في خلال الصلاة صار كأن لم يكن.
وإن افتتح العصر في أول وقتها، وهو ناس للظهر فلما صلى منها ركعة احمرت الشمس ثم ذكر أن الظهر عليه فإنه يمضي فيها؛ لأن شروعه في العصر قد صح في الابتداء لكونه ناسيا للظهر، وإنما تذكر بعدما احمرت الشمس، ومراعاة الترتيب ساقط عنه في هذه الحالة فكان تذكره وجودا وعدما بمنزلة يوضحه أنه لو قطع صلاته حين تذكر لكان يستقبل العصر، ولا فائدة في أن يقطع عصرا صح شروعه فيه ثم يستقبلها
بخلاف ما إذا كان ذاكرا للظهر حين افتتحها؛ لأن هناك ما صح شروعه في العصر فهو إنما يقطع التطوع ليشتغل بأداء العصر في وقتها، وذلك مفيد ثم الحاصل أنه إن أمكنه أداء الظهر والعصر قبل تغير الشمس فعليه مراعاة الترتيب، وإن كان لا يمكنه أداء الصلاتين قبل غروب الشمس فعليه أداء العصر، وإن كان يمكنه أداء الظهر قبل تغير الشمس، ويقع العصر كله أو بعضه بعد تغير الشمس فعليه مراعاة الترتيب إلا على قول الحسن بن زياد - رحمه الله تعالى - فإن عنده ما بعد تغير الشمس ليس بوقت للعصر، وقد بينا هذا في كتاب الصلاة وبينا الاختلاف في أن المعتبر تغير الضوء أم تغير القرص، ويحكى عن أبي جعفر الهندواني - رحمه الله تعالى - أنه كان يقول في هذا الفصل على قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى: يلزمه مراعاة الترتيب وعند محمد - رحمه الله تعالى - لا يلزمه؛ لأن ما بعد تغير الشمس، وإن كان وقتا للعصر ولكن تأخير العصر إليه مكروه، وعلى أصل محمد - رحمه الله تعالى - معنى الكراهة يسقط مراعاة الترتيب كما أن معنى تفويت الوقت يسقط ذلك بيانه في مصلي الجمعة إذا تذكر الفجر وكان بحيث لو اشتغل بالفجر تفوته الجمعة ولا يفوته الوقت عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى يلزمه مراعاة الترتيب، وعند محمد - رحمه الله تعالى - لا يلزمه ولكن يتم الجمعة؛ لأن ترك الجمعة للصحيح المقيم في المصر مكروه فينزل ذلك منزلة خوف فوات الوقت في سقوط مراعاة الترتيب فهذا مثله (قال) - رضي الله عنه: وأكثر مشايخنا على أنه يلزمه مراعاة الترتيب ههنا عند علمائنا الثلاثة، والفرق لمحمد - رحمه الله - أن الجمعة أقوى من الفجر فإنها أدعى للشرائط ولهذا لو صلى الظهر ثم أدرك الجمعة كان فرضه الجمعة فالأضعف لا يكون مفسدا للأقوى وخوف فوات الأقوى يمنعه من الاشتغال بالأدنى، وههنا الظهر والعصر يستويان في القوة فلا يسقط عنه مراعاة الترتيب إلا بخوف فوات الوقت.
(رجل) توضأ بالنبيذ، وصلى ثم أصاب الماء في الوقت فصلاته تامة في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -؛ لأن من أصله أن نبيذ التمر طهور في حال عدم الماء وهو بدل عن الماء فإذا قدر على الأصل بعد حصول المقصود بالبدل فلا يلزمه الإعادة كالمتيمم إذا وجد الماء بعد الفراغ من الصلاة والمكفر بالصوم إذا أيسر بعد الفراغ من التكفير بالصوم، فإن قيل: الوقت باق فينبغي أن يجعل وجود الماء في آخر الوقت كوجوده في أول الوقت قلنا: وجوب استعمال الماء عليه لأجل الصلاة لا لأجل الوقت، وما وجد الماء إلا بعد الفراغ من الصلاة، وكذا المكفر بالصوم
إذا أيسر بعد الفراغ من التكفير بالصوم فلا يعتبر وجوده في هذه الصلاة، وإنما يعتبر في صلاة أخرى فعليه أن يتوضأ لصلاة أخرى.
رجل فاتته ركعة من الظهر مع الإمام فلما رفع الإمام رأسه من السجدة الأخيرة قام الرجل ولم يقعد معه فإن كان قرأ بعدما قعد الإمام قدر التشهد مقدار ما يتأدى به فرض القراءة جازت صلاته، وإلا لم تجزئه؛ لأن قيامه وقراءته غير معتد به ما لم يقعد الإمام قدر التشهد لمعنيين: أحدهما أنه مقتد ما لم يفرغ الإمام من التشهد؛ لأنه كان شريك الإمام مقتديا به فلا يجوز أن يخرج من الاقتداء إلا في وقت لو خرج الإمام فيه من الصلاة جازت صلاته، وما لم يقعد الإمام مقدار التشهد لو خرج من الصلاة لم تجزئه صلاته فكذلك لا يخرج هو من الاقتداء، ولا يعتد بقراءة المقتدي؛ ولأن العود إلى القعود مع الإمام مستحق عليه ما لم يفرغ من التشهد فيجعل هو في الحكم كالقاعد، وإن كان قائما في الصورة فإذا ركع قبل فراغ الإمام من التشهد فكأنه ترك القيام والقراءة في هذه الركعة فلا تجزئه صلاته، وإن قرأ بعدما قعد الإمام قدر التشهد مقدار ما يتأدى به فرض القراءة جازت صلاته بمنزلة ما لو قام في هذه الحالة، فإن قيل القعدة الأخيرة ركن، وقد تركها فينبغي أن تفسد صلاته قلنا: هذه القعدة في حقه ليست هي القعدة الأخيرة وإنما تلزمه لمتابعة الإمام فإن القعدة الأخيرة ما يكون ختم الصلاة بها، وذلك بعد فراغه من القضاء، وقد أتى بها، وإن كان أدرك مع الإمام ركعة من الظهر والمسألة بحالها قال: إن كان قرأ بعد فراغ الإمام من التشهد شيئا قليلا أو كثيرا أجزأته صلاته إن قرأ في الثالثة والرابعة، وإن كان لم يقرأ بعد قعود الإمام مقدار التشهد شيئا استقبل الصلاة ولم يرد حقيقة القراءة وإنما أراد القيام فكني بالقراءة عنه؛ لأن القيام محل القراءة والحاصل أنه إن بقي قائما بعد فراغ الإمام من التشهد جازت صلاته؛ لأن القيام ركن في كل ركعة، وفرض القراءة ركن في ركعتين، وفرض القيام يتأدى بأدنى ما يتناوله الاسم، وقد بينا أنه لا يعتبر قيامه ما لم يفرغ الإمام من التشهد فإذا بقي قائما بعد فراغ الإمام فقد وجد فرض القيام في هذه الركعة، وقد قرأ في الركعتين بعدها فتتم صلاته، وإن كان ركع قبل أن يقعد الإمام قدر التشهد لم تجزئه صلاته لانعدام القيام المعتد به في هذه الركعة.
وإن افتتح الصلاة قاعدا مع الإمام من غير عذر وصلى معه حتى فرغ الإمام لم تجز صلاته؛ لأن القيام ركن، وأما قوله تعالى {الذين يذكرون الله قياما وقعودا} [آل عمران: 191] الآية فالمراد بيان أحوال المصلي بحسب الإمكان.
قال الله تعالى {وقوموا لله قانتين} [البقرة: 238] ، وكذلك
إن افتتحها قائما ثم قعد من غير عذر فجعل يركع ويسجد، وهو قاعد لم تجزئه صلاته، وإن كان حين قعد من غير عذر بعدما افتتحها قائما جعل يومئ للركوع والسجود فعليه أن يقوم ويتبع الإمام في صلاته، وهي تامة بخلاف الأول، والفرق من وجهين: أحدهما: أن ركوعه وسجوده على الأرض، وهو قاعد يتأدى به التطوع في حال الاختيار فإذا لم يجزئ ما أدى عن الفرض كان نفلا واشتغاله بأداء النفل قبل إكمال الفرض مفسد للفرض فعليه استقبال الصلاة، وأما الإيماء في غير حالة العذر فلا يجوز أداء التطوع به كما لا يجوز أداء الفرض فلم يكن هو مؤديا للنفل، ولكنه مؤخر أداء الأركان بعدما صح اقتداؤه بالإمام فعليه أن يقوم ويؤدي أركان الصلاة، ويكون مسيئا لمخالفته الإمام بالتأخير، والثاني أن الركوع والسجود عمل كثير، وهو ليس من عمل صلاته؛ لأنه غير معذور، واشتغاله بعمل كثير ليس من أعمال صلاته يكون مفسدا لصلاته، فأما الإيماء فليس بعمل، وهو يسير فالاشتغال به لا يكون قطعا لصلاته كالالتفات فلهذا يقوم ويبني على صلاته
ولو ظن القوم أن الإمام قد كبر، ولم يكن فعل فكبروا ثم قهقه بعض القوم فلا وضوء عليهم؛ لأنه لم يصح شروعهم في الصلاة قبل الإمام فضحكهم لم يصادف حرمة الصلاة، وقد ذكر في كتاب الصلاة أنه لو كبر قبل الإمام ثم كبر الإمام ثم كبر الرجل يكون شارعا في صلاة الإمام ويكون تكبيره هذا قطعا لما كان فيه وشروعا في صلاة الإمام فهذا يدل على أنه شارع في الصلاة بالتكبير قبل الإمام فمن أصحابنا من يقول: موضوع المسألة هناك أنه نوى أصل الصلاة، ونوى الاقتداء بالإمام فصحت نية أصل الصلاة، ولم تصح نية الاقتداء فيكون شارعا في صلاة نفسه، وموضوع المسألة ههنا أنه نوى صلاة الإمام، ولم تصح نيته هذا حين لم يكبر الإمام فلا يصير شارعا في الصلاة، والأصح أن ما أجاب به في كتاب الصلاة قول أبي يوسف، وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى؛ لأن بفساد الجهة عندهما لا يفسد أصل الصلاة فكذلك في الابتداء، وإذا لم تصح نية الجهة تبقى نية أصل الصلاة فيصير شارعا في صلاة نفسه، وعلى قول محمد - رحمه الله تعالى - بفساد الجهة يفسد أصل الصلاة فكذلك ببطلان نية الجهة ههنا تبطل نية الصلاة هنا فلا يصير شارعا فيها بالتكبير قبل الإمام من غير نية
ولو أن إماما صلى بقوم وسلم من أحد الجانبين فضحك بعض من خلفه أو ضحك الإمام بنفسه قبل أن يسلم من الجانب الأيسر فصلاته تامة ولا وضوء عليه، أما الإمام
إذا ضحك؛ فلأنه بالتسليمة الواحدة صار خارجا من الصلاة لقوله - عليه الصلاة والسلام - «وتحليلها التسليم»، وقد وجد وتسليمه من الجانب الآخر للتحرز عن الجفاء ولتعميم جميع القوم بالسلام فلا يتوقف خروجه من الصلاة على وجوده، وإذا صار خارجا بالتسليمة الواحدة فضحكه لم يصادف حرمة الصلاة.
وأما المقتدي إذا ضحك في هذه الحالة؛ فلأنه تبع للإمام، وثبوت الحكم في التبع ثبوته في المتبوع، وكما أنه في حق الإمام السلام من الجانب الأيسر تبع فلا يتوقف الخروج من الصلاة عليه، فكذلك السلام في حق المقتدي تبع فلا يتوقف خروجه من الصلاة عليه، وقيل: هذا قول محمد، وأما عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى فالمقتدي إنما يصير خارجا من الصلاة بسلام نفسه، وإذا ضحك قبل أن يسلم كان عليه الوضوء؛ لأن كل ذكر يكون المقتدي فيه تبعا لإمامه لم يأت به المقتدي أصلا كالقراءة؛ ولأن التحليل معتبر بالتحريم فكما لا يصير المقتدي شارعا بتكبير الإمام لا يصير خارجا من الصلاة بتسليم الإمام ومحمد - رحمه الله تعالى - يقول: هو تبع للإمام في الصلاة فلو بقي بعد خروج الإمام في حرمة الصلاة بقي مقصودا وفيما يكون هو تبعا لا يكون مقصودا (قال) : - رضي الله تعالى عنه - وكان شيخنا الإمام - رحمه الله - يقول بهذه المسألة يتبين جهل بعض الناس ممن يشتغل بالدعوات بعد تسليم الإمام فإن الأولى أن يسلم مع الإمام ثم يشتغل بالدعوات ليكون خروجه بسلام نفسه؛ لأنه إذا أخر صار خارجا بسلام الإمام يعنى عند محمد - رحمه الله تعالى - وعلى ما ذكر في الكتاب من الجواب مطلقا يكون خارجا على قول الكل فإن الجواب مطلق في الكتاب أنه يصير خارجا بسلام الإمام لا بسلام نفسه فلا تكون دعواته في حرمة الصلاة، وقد بينا في كتاب الصلاة أن الأولى عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - أن يكبر مع الإمام وكذلك يأتي بسائر الأفعال معه، وفي التسليم روايتان: إحداهما أنه يسلم مع الإمام؛ لأنه شريك الإمام والمشاركة تقتضي المقارنة وعندهما الأولى أن يكبر عقيب تكبير الإمام، وكذلك سائر الأفعال؛ لأنه تبع لإمامه، وعلى هذا لو كان الإمام حين سلم عن يمينه اقتدى به رجل لم يكن داخلا معه في الصلاة؛ لأنه بالتسليمة الواحدة صار خارجا منها فكيف يقتدي به غيره بعد خروجه من الصلاة
[نام المقتدي فلم يتشهد حتى سلم الإمام]
ولو نام المقتدي فلم يتشهد حتى سلم الإمام فإنه لا يصير خارجا بسلام الإمام ههنا ولكن ينبغي له أن يتشهد ثم يسلم؛ لأنه قد بقي عليه واجب من واجبات الصلاة وإنما يصير خارجا بسلام الإمام إذا لم يبق عليه شيء من واجبات الصلاة، فأما مع
بقاء شيء من أعمال الصلاة عليه فلا يصير خارجا بسلام الإمام كاللاحق والمسبوق فإن ضحك الرجل النائم في هذه الحالة كانت صلاته تامة؛ لأنه لم يبق عليه شيء من أركانها وقراءة التشهد واجبة وليست بركن ولكن عليه الوضوء لصلاة أخرى؛ لأن ضحكه لاقى حرمة الصلاة فيكون حدثا إلا على قول زفر - رحمه الله تعالى - فإنه يقول: الضحك متى لم يوجب إعادة الصلاة لا يوجب إعادة الوضوء
وإن سلم هذا النائم عمدا كانت صلاته تامة؛ لأنه لم يبق عليه شيء من أركانها، وإن سلم ساهيا فعليه أن يتشهد ثم يسلم؛ لأنه قد بقي عليه واجب من واجبات صلاته فلا يصير خارجا بسلامه ساهيا كمن سلم ساهيا وعليه سجود التلاوة.
ولو أدرك الإمام في الركوع فكبر ثم انحط يركع فرفع الإمام رأسه قبل أن يركع ثم ركع الرجل لم يجزئ عندنا وعلى قول زفر - رحمه الله تعالى - يجزئه وهو قول ابن أبي ليلى؛ لأن حالة الركوع كحالة القيام فإن القائم إنما يفارق القاعد في النصف الأسفل؛ لأن النصف الأسفل من القاعد منثن ومن القائم مستو فأما النصف الأعلى فيهما سواء والراكع كالقائم في استواء النصف الأسفل منه؛ ولهذا يجعل مدركا للركعة إذا أدرك الركوع مع الإمام فيكون اقتداؤه بالإمام، وهو راكع بمنزلة اقتدائه بالإمام قبل أن يركع.
ولو كبر قبل أن يركع الإمام، ولم يتابعه في الركوع حتى رفع رأسه منه جازت صلاته فكذلك ههنا. ولكنا نستدل بحديث أبي بكر - رضي الله عنه - حيث كبر وركع عند باب المسجد ثم دب راكعا حتى التحق بالصف فلو لم تكن مشاركته مع الإمام في الركوع شرطا للإدراك لما فعل هكذا؛ ولأن القيام ركن في كل ركعة فلا يصير مدركا للركعة إلا بمشاركة الإمام في حقيقة القيام أو فيما هو مشبه بالقيام، وهو الركوع، ولم يوجد ذلك حين رفع الإمام رأسه قبل أن يركع هو فكان هذا، وما لو أدركه في السجود سواء بخلاف ما إذا أدركه في حالة القيام؛ لأن هناك قد وجدت المشاركة بينهما في حقيقة القيام
ولو انتهى إلى الإمام، وهو ساجد فكبر ثم رفع الإمام رأسه وسجد السجدة الثانية، ولم يسجد هذا الرجل معه واحدة من السجدتين فعليه أن يتبعه في السجدة الثانية دون الأولى؛ لأن هاتين السجدتين لا يحتسب بهما من صلاته لعدم شرطه، وهو تقدم الركوع فإن الركوع افتتاح السجود، ولم يوجد في حقه، وإنما يأتي بهما لمتابعة الإمام فإنما يلزمه المتابعة فيما أتى به الإمام بعدما صار هو مقتديا به، وقد سجد الإمام السجدة الأولى قبل أن يصير هو مقتديا به فلا تلزمه بذلك السجدة للمتابعة، وسجد السجدة الثانية بعدما صار هو مقتديا
به فعليه أن يأتي بها ما لم يركع الإمام الركعة الأخرى ويسجد فإذا فعل ذلك فحينئذ لا يشتغل بها وإنما يشتغل بما هو الأهم، وهو الركوع، وسجدة الركعة الثانية؛ لأنها محسوبة من صلاته.
(قال): رجل رفع رأسه من السجود قبل الإمام ثم عاد فإن نوى عند عوده السجدة الأولى أو متابعة الإمام أو لم يكن له نية فهو عائد في السجدة الأولى؛ لأن ذلك مستحق عليه، وكذلك لو نوى السجدة الثانية ومتابعة الإمام؛ لأن متابعة الإمام تكون فيما فيه الإمام، وهي السجدة الأولى فصار ناويا لهما، والجمع بينهما غير متأت فتلغو نيته ويصير كأنه لم تحضره النية.
ولو نوى السجدة الثانية خاصة فلم يزل ساجدا حتى رفع الإمام رأسه وسجد السجدة الثانية فذلك يجزئه عن السجدة الثانية؛ لأنه سجد للثانية في وقت لو سجدها إمامه جاز، وقد وقعت المشاركة بينه وبين الإمام في آخرها حين أدركه فيها فهو كما لو وقعت المشاركة بينه وبين الإمام في أولها بأن سجد الثانية مع الإمام، وإن رفع الإمام رأسه وسجد الثانية ثم رفع المقتدي رأسه فظن أن الإمام في السجدة الأولى فسجد ينوي الأولى أو متابعة الإمام أو الثانية أو لم يكن له نية فسجوده هذه هي الثانية؛ لأن السجدة الأولى قد تمت حين رفع رأسه منها، وجاء أوان السجدة الثانية فعلى أي نية أتى بها كانت هي الثانية
ولو أن قارئا اقتدى بأمي ثم قهقه لم يكن عليه وضوء؛ لأن على إحدى الطريقتين، وإن صار شارعا في الصلاة لكن تفسد صلاته إذا جاء أوان القراءة؛ لأن الإمام يتحمل عنه فرض القراءة فإذا عجز عن إيفائه فسدت صلاتهما فهذا الضحك منه في صلاة لا ركوع فيها ولا سجود فهو كالضحك في صلاة الجنازة، وكذلك لو افتتحها خلف أخرس أو صبي أو مجنون أو مريض يومئ؛ لأن هؤلاء لا يصلحون للإمامة فلا يصير شارعا في الصلاة إذا اقتدى بهم
ولو أن غلاما صلى العشاء الآخرة ثم نام فاحتلم وانتبه قبل أن يذهب وقت العشاء فعليه أن يعيدها عندنا، وعلى قول الشافعي - رحمه الله تعالى - ليس عليه أن يعيدها؛ لأن وقت الصلاة في حكم حالة واحدة فالمؤدى في أول الوقت بمنزلة المؤدى في آخر الوقت على معنى أن ما أداه في أول الوقت كان موقوفا فإذا تحققت الفريضة في آخر الوقت وقع المؤدى عن الفرض بمنزلة ما لو عجل الزكاة ثم تم الحول، ووجبت عليه الزكاة ولكنا نقول: المؤدى وقع نفلا؛ لأنه لم يكن أهلا للفرض حين أدى فإن الأهلية للفرض باعتبار الخطاب، والصبي غير مخاطب ثم لما بلغ في آخر الوقت لزمه أداء الفرض، والنفل لا يقوم مقام الفرض، والقول
بالتوقف ينبني على الأهلية للفرض، وهو ليس بأهل له بخلاف الذي عجل الزكاة؛ لأنه أهل للفرض، وإنما أدى بعد كمال سبب الوجوب، وهذه هي المسألة التي سمعها محمد - رحمه الله تعالى - من أبي حنيفة - رضي الله عنه - أولا على ما يحكي عنه أنه كان من أولاد بعض الأغنياء فمر يوما ببني حرام ووقف عند باب المسجد يسمع كلام أبي حنيفة - رضي الله عنه - كما يفعله الصبيان، وكان هو يعلم أصحابه هذه المسألة وكان محمد - رحمه الله تعالى - قد ابتلي بها في تلك الليلة فدخل المسجد وأعاد العشاء فدعاه أبو حنيفة - رضي الله عنه - وقال ما هذه الصلاة التي صليتها فأخبره بما ابتلي به فقال يا غلام: الزم مجلسنا فإنك تفلح فتفرس فيه خيرا حين رآه عمل بما تعلم من ساعته.
ولو لم ينتبه حتى طلع الفجر الثاني فقد قال بعض مشايخنا: لا قضاء عليه؛ لأنه لم يصر مخاطبا في وقت العشاء فإنه كان في أول الوقت صبيا وفي آخر الوقت نائما والنوم يمنع توجه الخطاب عليه ابتداء، واستدلوا بظاهر لفظ الكتاب فإنه شرط الانتباه قبل ذهاب الوقت، والأصح أنه يلزمه القضاء؛ لأن النوم يمنع توجه خطاب الأداء، ولكن لا يمنع الوجوب ألا ترى أن من بقي نائما وقت صلاة أو صلاتين كان عليه القضاء إذا انتبه، وقد جعل النائم كالمنتبه في بعض الأحكام خصوصا على أصل أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - فيلزمه القضاء إذا علم أنه احتلم قبل طلوع الفجر، وإن لم يعلم ذلك بأن انتبه في آخر وقت الفجر، وهو يتذكر الاحتلام، ويرى الأثر ولا يدري متى احتلم فحينئذ لا يلزمه قضاء العشاء؛ لأن الاحتلام حادث فإنما يحال حدوثه على أقرب الأوقات
ولو أن مسلما صلى الظهر ثم ارتد - والعياذ بالله تعالى - ثم أسلم في وقت الظهر كان عليه أن يعيدها عندنا خلافا للشافعي - رضي الله عنه - وهو بناء على الأصل الذي بينا في كتاب الصلاة أن عنده مجرد الردة لا يحبط عمله ما لم يمت عليها قال الله تعالى: {ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر} [البقرة: 217] الآية، وعندنا بنفس الردة قد حبط عمله قال الله تعالى {ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله} [المائدة: 5] والتحق بالكافر الأصلي الذي أسلم الآن فيلزمه فرض الوقت؛ لأنه أدرك جزءا منه وعلى هذا الأصل لو حج حجة الإسلام ثم ارتد ثم أسلم فعليه حجة الإسلام عندنا وعند الشافعي - رضي الله عنه - لا يلزمه ذلك
ولو صلى الظهر في منزله ثم جاء، وهو ناس أنه قد صلى فدخل مع الإمام ينوي الظهر ثم ذكر أنه قد صلاها فأفسدها لم يكن عليه قضاؤها إلا على قول زفر - رحمه الله تعالى -؛ لأنه شرع فيها على ظن أنها عليه فإن رعف الإمام واستخلف هذا الرجل فصلاتهم جميعا فاسدة؛ لأنه متنفل
فلا يصلح أن يكون إماما للمفترض واشتغال الإمام باستخلاف من لا يصلح أن يكون خليفة له يكون مفسدا لصلاته ثم تفسد صلاة القوم بفساد صلاة الإمام
ولو أن الإمام قرأ في الأوليين من الظهر ثم أحدث فاستخلف أميا فسدت صلاتهم إلا على قول زفر والحسن بن زياد رحمهما الله تعالى قالا؛ لأن فرض القراءة في الأوليين، وقد أداه الإمام وليس في الأخريين قراءة والأمي والقارئ فيهما سواء ولكنا نقول: القراءة فرض للصلاة تؤدى في محل مخصوص قال - عليه الصلاة والسلام - «لا صلاة إلا بقراءة» وهذه الصلاة افتتحها القارئ، والأمي لا يصلح للإمامة فيها، واشتغال الإمام باستخلاف من لا يصلح أن يكون خليفة له يكون مفسدا لصلاته
ولو أن رجلا قال لله علي أن أصلي ركعتين فصلاهما عند زوال الشمس لم تجزئه؛ لأنه بمطلق النذر يلزمه الصلاة بصفة الكمال والمؤدى في الأوقات المكروهة ناقص؛ ولأن بالنذر يلزم أداء صحيح والمؤدى في الأوقات المكروهة يكون فاسدا لما فيه من ارتكاب النهي فلا يحصل الوفاء بها
ولو نسي صلاة في أيام التشريق فذكرها بعد أيام التشريق فقضاها لم يكبر عقيبها، وهذه أربع فصول بيناها في الصلاة: أحدها هذه، والثانية ما إذا نسي صلاة في غير أيام التشريق ثم قضاها في أيام التشريق، والثالثة ما إذا نسيها في أيام التشريق وقضاها في أيام التشريق من قابل، وفي هذه الفصول لا يكبر؛ لأن التكبير مؤقت بوقت مخصوص فلا يقضي بعد مضي ذلك الوقت كصلاة الجمعة ورمي الجمار، وهذا؛ لأن ما يكون سنة في وقته يكون بدعة في غير وقته، وإذا كان يقضي في أيام التشريق صلاة نسيها قبله فالقضاء بصفة الأداء، وأما إذا نسيها في أيام التشريق، وقضى في أيام التشريق في تلك السنة كبر عقيبها عندهما المنفرد والجماعة فيه سواء وعند أبي حنيفة - رضي الله عنه - إذا كانوا جماعة كبروا؛ لأن وقت التكبير باق والقضاء بصفة الأداء فهو نظير رمي الجمار إذا تركها في اليوم الأول والثاني يقضيها في اليوم الثالث
ولو صلى الوتر في منزله ثم جاء إلى قوم في شهر رمضان يصلون الوتر وهو يرى أنهم في التطوع فدخل في صلاتهم ثم قطع حيث علم أنهم في الوتر فعليه قضاء أربع ركعات؛ لأنه بالشروع التزم صلاة الإمام، وصلاة الإمام ثلاث ركعات ومن التزم ثلاث ركعات يلزمه أربع ركعات كمن نذر أن يصلي ثلاث ركعات، وهذا؛ لأن مبنى التطوع على الشفع دون
الوتر والشفع الواحد لا يتجزأ فالتزام بعضه التزام لكله




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 38.21 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 37.58 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.64%)]