
28-09-2025, 07:02 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,263
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي
الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثانى
صـــ 68 الى صـــ 77
(32)
(قال): وتكره الصلاة على الجنازة عند طلوع الشمس أو عند غروبها أو نصف النهار لحديث «عقبة بن عامر - رضي الله تعالى عنه - وأن نقبر فيهن موتانا» والمراد الصلاة على الجنازة فلا بأس بالدفن في هذه الأوقات وإن صلوها لم يكن عليهم إعادتها لأن حق الميت تأدى بما أدوا فإن المؤدى في هذه الأوقات صلاة وإن كان فيها نقصان. ألا ترى أن التطوع إنما يلزم بالشروع في هذه الأوقات
(قال): وإذا أرادوا أن يصلوا على جنازة بعد غروب الشمس بدءوا بالمغرب لأنها أقوى فإنها فرض عين على كل واحد والصلاة على الجنازة فرض على الكفاية والبداءة بالأقوى أولى لأن تأخير صلاة المغرب بعد غروب الشمس مكروه وتأخير الصلاة على الجنازة غير مكروه
(قال): وتكره الصلاة على الجنازة في المسجد عندنا وقال الشافعي - رضي الله عنه: لا تكره لما روي «أن سعد بن أبي وقاص - رحمه الله تعالى - لما مات أمرت عائشة - رضي الله عنها - بإدخال جنازته المسجد حتى صلى عليها أزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورضي عنهن ثم قالت لبعض من حولها: هل عاب الناس علينا بما فعلنا؟ قال: نعم فقالت: ما أسرع ما نسوا، ما صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على جنازة سهل بن أبي البيضاء إلا في المسجد» ولأنها دعاء أو صلاة والمسجد أولى من غيره.
(ولنا) حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال قال - عليه الصلاة والسلام: «من صلى على جنازة في المسجد فلا أجر له» وحديث عائشة - رضي الله عنها - دليلنا لأن الناس في زمانها المهاجرون والأنصار وقد عابوا عليها فدل أنه كان معروفا فيما بينهم كراهة هذا. وتأويل حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان معتكفا في ذلك الوقت فلم يمكنه أن يخرج وأمر بالجنازة فوضعت خارج المسجد وعندنا إذا كانت الجنازة خارج المسجد لم يكره أن يصلي الناس عليها في المسجد إنما الكراهة في إدخال الجنازة لقوله - عليه الصلاة والسلام - «جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم» فإذا كان الصبي ينحى عن المسجد فالميت أولى
(قال): وإذا صلوا على جنازة والإمام غير طاهر فعليهم إعادة الصلاة لأن صلاة الإمام فاسدة لعدم الطهارة فتفسد صلاة القوم بفساد صلاته وإن كان الإمام طاهرا والقوم على غير طهارة لم يكن عليهم إعادتها لأن صلاة الإمام قد صحت وحق الميت به تأدى فالجماعة ليست بشرط في الصلاة على الجنازة
(قال) وإذا أخطئوا
بالرأس فوضعوها في موضع الرجلين وصلوا عليها جازت الصلاة لأن ما هو شرط وهو كون الميت أمام الإمام فقد وجد إنما التغير في صفة الوضع وذلك لا يمنع جواز الصلاة إلا أنهم إن تعمدوا ذلك فقد أساءوا بتغيير الوضع عما توارثه الناس
(قال) وإذا أخطئوا القبلة جازت صلاتهم يعني إذا صلوا بالتحري وإن تعمدوا خلافها لم تجز على قياس سائر الصلوات فإنها في وجوب استقبال القبلة كسائر الصلوات
[دفن الميت قبل الصلاة عليه]
(قال) وإن دفن قبل الصلاة عليها صلي في القبر عليها إنما لا يخرج من القبر لأنه قد سلم إلى الله تعالى وخرج من أيديهم. جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «القبر أول منزل من منازل الآخرة» ولكنهم لم يؤدوا حقه بالصلاة عليه والصلاة على القبر تتأتى فقد فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلهذا يصلى على القبر ما لم يعلم أنه تفرق لأن المشروع الصلاة على الميت لا على أعضائه وفي الأمالي عن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - قال: يصلى عليه إلى ثلاثة أيام وهكذا ذكره ابن رستم عن محمد رحمهما الله تعالى لأن الصحابة كانوا يصلون على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ثلاثة أيام والصحيح أن هذا ليس بتقدير لازم لأنه يختلف باختلاف الأوقات في الحر والبرد وباختلاف الأمكنة وباختلاف حال الميت في السمن والهزال والمعتبر فيه أكبر الرأي والذي روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على شهداء أحد بعد ثمان سنين» معناه دعا لهم. قال الله تعالى {وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم} [التوبة: 103] وقيل: إنهم كما دفنوا لم تتفرق أعضاؤهم وهكذا وجدوا حين أراد معاوية أن يحولهم فتركهم
(قال) ويصف النساء خلف الرجال في الصلاة على الجنازة لقوله - عليه الصلاة والسلام - «خير صفوف النساء آخرها» وإن وقفت امرأة بجنب رجل لم تفسد عليه صلاته لأن الفساد بسبب المحاذاة ثبت بالنص بخلاف القياس وإنما ورد النص به في صلاة مطلقة وهذه ليست بصلاة مطلقة ولهذا لا وضوء على من قهقه فيها بخلاف سائر الصلوات
(قال): وإذا صلوا قعودا أو ركبانا في القياس يجزيهم لأنها دعاء في الحقيقة ولأن ركن القيام معتبر بسائر الأركان كالقراءة والركوع والسجود وفي الاستحسان عليهم الإعادة لأن فيها شيئين التكبير والقيام فكما أن ترك التكبير يمنع الاعتداد فكذلك ترك القيام والقيام ههنا كوضع الجبهة والأنف في سجدة التلاوة فكما لا تتأدى السجدة إلا بهما كذا هنا
(قال): ولو مات رجل في سفر ومعه نساء ليس معهن رجل فإن كان فيهن امرأته غسلته لأن أبا بكر - رضي الله عنه - أوصى إلى امرأته أسماء
أن تغسله وهكذا أبو موسى الأشعري - رضي الله عنه - وقالت عائشة - رضي الله عنها: لو استقبلنا من أمرنا ما استدبرنا ما غسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا نساءه ولأن النكاح بينهما في حكم القائم ما لم تنقض العدة فإن الموت محول للملك لا مبطل وملك النكاح لا يحتمل التحول إلى الورثة فبقي موقوفا على الزوال بانقضاء العدة كما بعد الطلاق الرجعي ولو ارتفع النكاح بالموت فإنما ارتفع إلى خلف وهي العدة وهذه العدة حق النكاح فتقوم مقام حقيقته في إبقاء حل المس والنظر قال: وإن كان فيهن أم ولده لم تغسله في قول أبي حنيفة الآخر وفي قوله الأول لها أن تغسله وهو قول زفر - رحمه الله تعالى - لأنها معتدته من فراش صحيح فهي كالمنكوحة، وجه قوله الآخر إنها عتقت بالموت فصارت أجنبية منه ووجوب العدة عليها بطريق الاستبراء ولهذا لا يختلف بالحياة والوفاة فلا يثبت باعتباره حل المس والنظر كالعدة من نكاح فاسد.
(قال): وإن كان فيهن امرأة قد بانت منه في حياته لم تغسله، سواء كانت البينونة بطلاق أو غير طلاق؛ لأن النكاح قد ارتفع في حالة الحياة والعدة الواجبة عليها بطريق الاستبراء، ولهذا تقدر بالأقراء وكذلك لو ارتدت قبل موته ثم أسلمت بعد موته لم تغسله عندنا خلافا لزفر - رحمه الله تعالى - لأن الردة بعد الموت لا ترفع النكاح فقد ارتفع بالموت بخلاف الردة في حال الحياة ولكنا نقول: النكاح كالقائم على إحدى الطريقتين فارتفع بالردة وعلى الطريق الآخر فقد بقي حل المس والنظر وكما ترفع الردة مطلق الحل ترفع ما بقي منه وهو حل المس والنظر وعلى هذا لو طاوعت ابن زوجها بعد موته أو وطئت بشبهة فوجب عليها العدة لم تغسله عندنا خلافا لزفر - رحمه الله تعالى - ولو مات الزوج وهي معتدة من وطء بشبهة فانقضت عدتها لم تغسله عندنا لأنه لم يثبت حل الغسل عند الموت لها فلا يثبت بعده خلافا لأبي يوسف - رحمه الله تعالى - وكذلك لو كانت أختها تعتد منه فانقضت عدتها بعد موته فهو على هذا الخلاف وكذلك المجوسية إذا أسلمت بعد موت زوجها المسلم لم تغسله عندنا خلافا لأبي يوسف وإن كان فيهن أمته لم تغسله وقال الشافعي - رضي الله عنه: لها أن تغسله لأن ملكه فيها يبقى حكما لحاجته إلى من يغسله.
(ولنا) أنها قد انتقلت إلى الوارث وصارت كسائر إمائه وهذا لأن حل المس يعتمد ملك المتعة لا ملك المالية وملك المتعة في الأمة تبع فلا يمكن إبقاؤها له بعد تحول ما هو الأصل وهو ملك الرقبة إلى الوارث وكذلك إن كان فيهن أحد من ذوات محارمه لأن
المحرم في حكم النظر إلى العورة كالأجنبية فكذلك ذوات محارمه ولكن ييمم لأنه تعذر غسله لانعدام من يغسله فصار كتعذر غسله لانعدام ما يغسل به فإن كان من ييممه محرما يممه بغير خرقه لأنه حل لها مس هذين العضوين في حياته فكذلك بعد وفاته فإن كانت أجنبية يممته بخرقة تلفها على كفها لأنه لم يكن لها أن تمسه في حياته فكذلك بعد وفاته ثم يصلين عليه وقام الإمام منهن وسطهن كما هو الحكم في جماعة النساء وإن كان معهن رجل كافر علمنه غسل الميت ليغسله لأن نظر الجنس إلى الجنس أخف وإن لم يكن بينهما موافقة في الدين. ألا ترى أن المسلم يغسل قرابته من الكفار
ولو ماتت امرأة بين الرجال وفيهم زوجها لم يكن له أن يغسلها عندنا وقال الشافعي - رضي الله تعالى عنه: له ذلك لحديث «عائشة - رضي الله تعالى عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل عليها وهي تقول: وارأساه فقال: وأنا وارأساه لا عليك إنك لو مت غسلتك وكفنتك وصليت عليك» وما جاز لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجوز لأمته إلا ما قام عليه دليل وإن عليا - رضي الله تعالى عنه - غسل فاطمة بعد موتها ولأن النكاح انتهى بينهما بالموت فيفيد الباقي منهما حل الغسل كالرجل إذا مات وهذا لأن المنتهى متقرر في حق أحكامه نحو الإرث وغيره ولأن الملك جعل كالقائم لحاجة الميت منهما إلى الغسل وملك الحل مشترك بينهما.
(ولنا) حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن امرأة تموت بين رجال فقال: تيمم الصعيد» ولم يفصل بين أن يكون فيهم زوجها أو لا يكون والمعنى فيه أن النكاح بموتها ارتفع بجميع علائقه فلا يبقى حل المس والنظر كما لو طلقها قبل الدخول وبيان الوصف أنها بالموت صارت محرمة ألبتة والحرمة تنافي النكاح ابتداء وبقاء ولهذا جاز للزوج أن يتزوج بأختها وأربع سواها بخلاف ما إذا مات الزوج ثم الزوج بالنكاح مالك والمرأة مملوكة فبعد موته يمكن إبقاء صفة المالكية له حكما لبقاء محل الملك فأما بعد موتها فلا يمكن إبقاء الملك مع فوات المحل ومعنى قوله - عليه الصلاة والسلام: غسلتك أي: قمت بأسباب غسلك كما يقال بنى فلان دارا وإن لم يكن هو بنى وحديث علي - رضي الله تعالى عنه - أنه غسلها فقد ورد أن فاطمة غسلتها أم أيمن ولو ثبت أن عليا - رضي الله تعالى عنه - غسلها فقد أنكر عليه ابن مسعود - رضي الله عنه - حتى قال له علي: أما علمت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال فاطمة زوجتك في الدنيا والآخرة فادعاؤه الخصوصية دليل على أنه كان معروفا بينهم أن الرجل لا يغسل زوجته وقد قال - عليه الصلاة والسلام: «كل سبب ونسب
ينقطع بالموت إلا سببي ونسبي» فهذا دليل على الخصوصية في حقه وفي حق علي - رضي الله تعالى عنه - أيضا لأن نكاحه كان من أسباب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإذا لم تغسل يممها فإن كان من ييممها محرما لها يممها بغير خرقة وإن كان أجنبيا ييممها بخرقة يلفها على كفه ويعرض وجهه عن ذراعيها دون وجهها لأن في حالة حياتها ما كان للأجنبي أن ينظر إلى ذراعيها فكذلك بعد الموت وإن كان معهم امرأة كافرة علموها غسل الميت لتغسلها ثم يصلي عليها الرجال لما بينا
[كفن المرأة]
(قال): وتكفن المرأة في خمسة أثواب والرجل في ثلاثة أثواب هكذا قال علي - رضي الله عنه: كفن المرأة خمسة أثواب وكفن الرجل ثلاثة أثواب ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ولأن حال كل واحد منهما بعد الموت معتبر بحال الحياة والرجل في حياته يخرج في ثلاثة أثواب عادة قميص وسراويل وعمامة والمرأة في خمسة أثواب درع وخمار وإزار وملاءة ونقاب فكذلك بعد الموت ولأن مبنى حالها على الستر فيزاد كفنها على كفن الرجل وتفسير الأثواب الخمسة درع وخمار وإزار ولفافة وخرقة تربط فوق الأكفان عند الصدر فوق الثديين والبطن حتى لا ينتشر عليها الكفن إذا حملت على السرير وقال زفر - رحمه الله تعالى: تربط الخرقة على فخذيها لئلا تضطرب إذا حملت على السرير ويوضع الحنوط منها موضعه من الرجال ولا يسدل شعرها خلف ظهرها ولكن يسدل من بين ثدييها من الجانبين جميعا لأن سدل الشعر خلف ظهرها في حال الحياة كان لمعنى الزينة وقد انقطع ذلك بالوفاة ثم يسدل الخمار عليها كهيئة المقنعة فوق الدرع وتحت الإزار وإن كفنت المرأة في ثوبين وخمار ولم تكفن في درع جاز ذلك لأن معنى الستر في حال الحياة يحصل بثلاثة أثواب حتى يجوز لها أن تصلي فيها وتخرج فكذلك بعد الموت
(قال): والخلق إذا غسل والجديد فيه سواء لحديث أبي بكر - رضي الله عنه - قال: اغسلوا ثوبي هذين وكفنوني فيهما فإنهما للمهل والصديد وإن الحي أحوج من الميت إلى الجديد
(قال): والبرود والبياض كل ذلك حسن لحديث جابر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن أحب الثياب إلى الله تعالى البياض فليلبسها أحياؤكم وكفنوا فيها موتاكم» وقال - عليه الصلاة والسلام: «حسنوا أكفان الموتى فإنهم يتزاورون فيما بينهم ويتفاخرون بحسن أكفانهم» والحاصل أن ما يجوز لكل جنس أن يلبسه في حياته يجوز أن يكفن فيه بعد موته والسنة في كفن الرجل ثلاثة أثواب كما روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كفن
في برد» وحلة اسم للزوج من الثياب والبرد اسم للفرد من الثياب وقالت عائشة - رضي الله عنها: «كفن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ثلاثة أثواب بيض سحولية»
(قال): وأدنى ما يكفن فيه في حالة الاختيار ثوبان لأنه يجوز له أن يخرج فيهما ويصلي فيهما من غير كراهة فكذلك يكفن فيهما
(قال): فإن كفنوه في واحد فقد أساءوا لأن في حالة حياته تجوز صلاته في إزار واحد مع الكراهة فكذلك بعد الموت يكره أن يكفن فيه إلا عند الضرورة بأن كان لا يوجد غيره لأن «مصعب بن عمير - رضي الله تعالى عنه - لما استشهد كفن في نمرة فكان إذا غطي بها رأسه بدت رجلاه وإذا غطي به رجلاه بدا رأسه فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تغطى رأسه ويجعل على رجليه شيء من الإذخر» وكذلك حمزة - رضي الله عنه - لما استشهد كفن في ثوب واحد لم يوجد له غيره فدل على أن عند الضرورة يجوز هذا
(قال): والغلام المراهق كالرجل يكفن فيما يكفن فيه الرجل فأما الطفل الذي لم يتكلم فإن كفن في خرقتين إزار ورداء فحسن وإن كفن في إزار واحد جاز لأن في حال حياته كان يجوز الاقتصار على ثوب واحد في حقه فكذلك بعد الموت
(قال): وتغسل المرأة الصبي الذي لم يتكلم لأنه ليس لفرجه حكم العورة حتى لا يجب ستره في حال حياته ويجوز النظر إليه
(قال) قوم صلوا على ميت قبل أن يغسل قال: تعاد الصلاة بعد الغسل لأن الطهارة في حقه معتبرة للصلاة عليه كما هي معتبرة في حق من يصلي عليه ولو صلى بغير طهارة على جنازة أعادها بعد الطهارة فكذا هذا وكذلك لو غسلوه وبقي عضو من أعضائه أو قدر لمعة فإن كان قد لف في كفنه وقد بقي عضو لم يصبه الماء يخرج من الكفن فيغسل ذلك العضو بالاتفاق وإن كان الباقي شيئا يسيرا كالأصبع ونحوه فكذلك عند محمد - رحمه الله تعالى - لأن الأصبع في حكم العضو بدليل اغتسال الحي وقال أبو يوسف - رحمه الله تعالى: لا يخرج من الكفن لأنه لا يتيقن بعدم وصول الماء إلى ذلك القدر فلعله أسرع إليه الجفاف لقلته وهذا الخلاف في نوادر أبي سليمان - رحمه الله تعالى -.
(قال) فإن كانوا قد دفنوه لم ينبش عنه القبر لما بينا أنه قد خرج من أيديهم فسقط فرض غسله عنهم ثم يصلى على قبره لأن الصلاة الأولى لم تصح فكأنهم دفنوه قبل الصلاة عليه
(قال): ميت وضع في لحده لغير القبلة أو على شقه الأيسر أو جعل رأسه في موضع رجليه قال: لا ينبش عنه قبره لأن وضعه إلى القبلة سنة وقد تم خروجه من أيديهم بعد ما أهالوا عليه
التراب فلا يجوز نبشه فإن وضع اللبن ولم يهل التراب عليه فإنه ينزع اللبن ويوضع كما ينبغي ويغسل إن لم يكن غسل لأنه لم يتم خروجه من أيديهم بعد فنزع اللبن بعد الوضع متيسر لا يحتاج فيه إلى حفر بخلاف الأول
(قال): وإن سقط شيء من متاع القوم في القبر فلا بأس بأن يحفروا التراب في ذلك الموضع ليخرجوا متاعهم من غير أن ينبش الميت لأن لمال المسلم حرمة وقد «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن إضاعة المال» وفي إبقاء المتاع في القبر إضاعة المال وقد صح في الحديث أن المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - سقط خاتمه في قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فما زال بالصحابة حتى رفع اللبن وأخذ خاتمه وقبل بين عيني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم كان يفتخر بذلك ويقول: أنا آخركم عهدا برسول الله - صلى الله عليه وسلم -
(قال): ويكره أن يجعل على اللحد رفوف الخشب لأن ذلك يستعمل في الأبنية للزينة أو لإحكام البناء وقد بينا أنه لا بأس بذلك في ديارنا لرخاوة الأرض والله أعلم.
[باب صلاة الكسوف]
الأصل فيه حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - (قال) «انكسفت الشمس يوم مات إبراهيم بن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال الناس: إنما انكسفت الشمس لموته فقال - عليه الصلاة والسلام: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم شيئا من هذه الأهوال فافزعوا إلى الصلاة» وفي حديث أبي موسى قال: «انكسفت الشمس فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فزعا يخشى أن تكون الساعة حتى أتى المسجد فصلى ثم قال: إن هذه الآيات لا ترسل لموت أحد ولكن يرسلها الله تعالى ليخوفكم بها فإذا رأيتموها فاذكروا الله تعالى واستغفروه» ثم الصلاة في كسوف الشمس ركعتان كسائر الصلوات عندنا كل ركعة بركوع وسجدتين وقال الشافعي - رضي الله عنه: كل ركعة بركوعين وسجودين لحديث عائشة - رضي الله عنها - وابن عباس - رضي الله عنهما - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في كسوف الشمس ركعتين بأربع ركوعات وأربع سجدات» ولنا حديث عبد الله بن عمر والنعمان بن بشير وأبي بكرة وسمرة بن جندب بألفاظ مختلفة «أن النبي - عليه الصلاة والسلام - صلى في كسوف الشمس ركعتين كأطول صلاة
كان يصليها فانجلت الشمس مع فراغه منها» وفي الكتاب ذكر حديث إبراهيم - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى ركعتين في الكسوف ثم كان الدعاء حتى تجلت» وهو كان مقدما في باب الإخبار فإنما يعتمد على ما يصح منها فدل أن الصحيح أنها كسائر الصلوات ولو جاز الأخذ بما روت عائشة وابن عباس - رضي الله عنهم - لجاز الأخذ بما روى جابر - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في الكسوف ركعتين بست ركوعات وست سجدات» وقال علي - رضي الله عنه: «صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الكسوف ركعتين بثمان ركوعات وأربع سجدات» وبالإجماع هذا غير مأخوذ به لأنه مخالف للمعهود فكذلك ما روت عائشة وابن عباس - رضي الله عنهما -.
وتأويل ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - طول الركوع فيها فإنه عرض عليه الجنة والنار في تلك الصلاة فمل بعض القوم فرفعوا رءوسهم وظن من خلفهم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رفع رأسه فرفعوا رءوسهم ثم عاد الصف المتقدم إلى الركوع اتباعا لرسول الله - عليه الصلاة والسلام - فركع من خلفهم أيضا وظنوا أنه ركع ركوعين في كل ركعة ومثل هذا الاشتباه قد يقع لمن كان في آخر الصفوف وعائشة - رضي الله عنها - كانت واقفة في صف النساء وابن عباس في صف الصبيان في ذلك الوقت فلهذا نقلا كما وقع عندهما ولو كان هذا صحيحا لكان أمرا بخلاف المعهود فينقلها الكبار من الصحابة الذين كانوا يلون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحيث لم يروها أحد منهم دل أن الأمر كما قلنا ثم هذه الصلاة لا يقيمها بالجماعة إلا الإمام الذي يصلي بالناس الجمعة والعيدين فأما أن يصلي كل فريق في مسجدهم فلا لأنه أقامها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإنما يقيمها الآن من هو قائم مقامه وإن لم يقمها الإمام صلى الناس فرادى إن شاءوا ركعتين وإن شاءوا أربعا لأن هذا تطوع والأصل في التطوع أداؤها فرادى إن شاءوا ركعتين وإن شاءوا أربعا وذلك أفضل ثم إن شاءوا طولوا القراءة وإن شاءوا قصروا ثم اشتغلوا بالدعاء حتى تنجلي الشمس فإن عليهم الاشتغال بالتضرع إلى أن تنجلي وذلك بالدعاء تارة وبالقراءة أخرى وصح في الحديث أن «قيام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الركعة الأولى كان بقدر سورة البقرة وفي الركعة الثانية بقدر سورة آل عمران» فالأفضل أن يطول القراءة فيها
فأما كسوف القمر فالصلاة حسنة وكذلك في الظلمة والريح والفزع لقوله - عليه الصلاة والسلام - «إذا رأيتم شيئا من هذه الأهوال فافزعوا إلى الصلاة» وعاب أهل الأدب على محمد - رحمه الله تعالى - في هذا
اللفظ وقالوا: إنما يستعمل في القمر لفظ الخسوف قال الله تعالى {فإذا برق البصر} [القيامة: 7] {وخسف القمر} [القيامة: 8] ولكنا نقول: الخسوف ذهاب دائرته والكسوف ذهاب ضوئه دون دائرته فإنما أراد محمد هذا النوع بذكر الكسوف ثم الصلاة فيها فرادى لا بجماعة لأن كسوف القمر بالليل فيشق على الناس الاجتماع وربما يخاف الفتنة ولم ينقل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى فيها بالجماعة والأصل في التطوعات ترك الجماعة فيها ما خلا قيام رمضان لاتفاق الصحابة عليه وكسوف الشمس لورود الأثر به. ألا ترى أن ما يؤدى بالجماعة من الصلاة يؤذن لها ويقام ولا يؤذن للتطوعات ولا يقام فدل أنها لا تؤدى بالجماعة
(قال) ولا يجهر بالقراءة في صلاة الجماعة في كسوف الشمس في قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - ويجهر بها في قول أبي يوسف - رحمه الله - وقول محمد - رحمه الله - تعالى مضطرب وجه قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - حديث علي - رضي الله عنه - أنه جهر بالقراءة في صلاة الكسوف ولأنها صلاة مخصوصة تقام بجمع عظيم فيجهر فيها بالقراءة كالجمعة والعيدين. وجه قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - حديث ابن عباس وسمرة بن جندب - رضي الله عنهما - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يسمع منه حرف من قراءته في صلاة الكسوف» ولأنها صلاة النهار وفي الحديث «صلاة النهار عجماء» أي ليس فيها قراءة مسموعة وتأويل حديث علي - رضي الله عنه - أنه وقع اتفاقا أو تعليما للناس أن القراءة فيها مشروعة
(قال): ولا يصلى الكسوف في الأوقات الثلاثة التي تكره فيها الصلاة لأنها تطوع كسائر التطوعات
(قال): ولا صلاة في الاستسقاء إنما فيها الدعاء في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى وقال محمد - رحمه الله تعالى: يصلي فيها ركعتين بجماعة كصلاة العيد إلا أنه ليس فيها تكبيرات كتكبيرات العيد وهو رواية بشر بن غياث عن أبي يوسف رحمهما الله تعالى وقال الشافعي - رضي الله عنه: فيها تكبيرات كتكبيرات العيد لحديث ابن عباس - رضي الله عنهما - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بالجماعة في الاستسقاء ركعتين» وفي حديث عبد الله بن عامر بن ربيعة - رضي الله عنهما - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى فيها ركعتين كصلاة العيد» ولأبي حنيفة قوله تعالى {استغفروا ربكم إنه كان غفارا} [نوح: 10] {يرسل السماء عليكم مدرارا} [نوح: 11] فإنما أمرنا بالاستغفار في الاستسقاء بدليل أنه قال {يرسل السماء عليكم مدرارا} [نوح: 11] وفي حديث أنس - رضي الله عنه - «أن الأعرابي لما سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يستسقي وهو على المنبر رفع يديه يدعو فما نزل عن المنبر حتى نشأت سحابة فمطرنا إلى الجمعة القابلة»
الحديث وأن عمر - رضي الله عنه - خرج للاستسقاء فما زاد على الدعاء فلما قيل له في ذلك قال: لقد استسقيت لكم بمجاديح السماء التي يستنزل بها المطر وروي أنه خرج بالعباس - رضي الله عنه - فأجلسه على المنبر ووقف بجنبه يدعو ويقول: اللهم إنا نتوسل إليك بعم نبيك - صلى الله عليه وسلم - ودعا بدعاء طويل فما نزل عن المنبر حتى سقوا فدل أن في الاستسقاء الدعاء وهو الاستغفار والأثر الذي نقل أنه صلى فيها - صلى الله عليه وسلم - شاذ فيما تعم به البلوى وما يحتاج الخاص والعام إلى معرفته لا يقبل فيه شاذ وهذا مما تعم به البلوى في ديارهم ثم عند محمد - رحمه الله تعالى - يخطب الإمام بعد الصلاة نحو الخطبة في صلاة العيد.
وعن أبي يوسف أنه يخطب خطبة واحدة لأن المقصود الدعاء فلا يقطعها بالجلسة وقد ورد بكل واحد منهما أثر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان الزهري يقول: يخطب قبل الصلاة وهو قول مالك - رضي الله عنه - وقد ورد به حديث ولكنه شاذ فإذا مضى صدر من خطبته قلب رداءه وصفته إن كان مربعا جعل أعلاه أسفله وإن كان مدورا جعل الجانب الأيمن على الجانب الأيسر وقد ورد به حديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعله ولا تأويل له سوى أن يقال تغير الهيئة ليتغير الهواء ولا بأس بأن يعتمد في خطبته على عصا وأن يتنكب قوسا به ورد الأثر وهذا لأن خطبته تطول فيستعين بالاعتماد على عصا وإذا قلب الإمام رداءه لم يقلب الناس أرديتهم إلا على قول مالك - رضي الله تعالى عنه -. وقد روي أن الناس فعلوا ذلك حين فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم ينكر عليهم وبه أخذ مالك. وتأويله إنهم اقتدوا به على ظن أنها سنة كما خلعوا نعالهم حين خلع نعليه في الصلاة ولم يأمرهم به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما يكون من سنة الخطبة يأتي به الخطيب دون القوم كالقيام وعن أبي يوسف - رضي الله تعالى عنه - قال: إن شاء رفع يديه في الدعاء وإن شاء أشار بأصبعه لأن رفع اليد عند الدعاء سنة جاء في الحديث «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يدعو بعرفات باسطا يديه كالمتضرع المسكين» وإنما يخرجون في الاستسقاء ثلاثة أيام لم ينقل أكثر من ذلك ولا يخرجون المنبر فيها كما بينا في صلاة العيد
(قال): ولا يخرج أهل الذمة في الاستسقاء. وقال مالك - رضي الله تعالى عنه: إن خرجوا لم يمنعوا من ذلك وقد ورد به أثر أنهم خرجوا في عهد بعض الخلفاء مع المسلمين فلم يمنعوا من ذلك ولكنا نقول: إنما يخرج الناس للدعاء وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ولأنهم بالخروج يستنزلون الرحمة وما ينزل على الكفار إلا اللعن
والسخط وقد أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتبعيد المشركين بقوله «أنا بريء من كل مسلم مع مشرك لا تتراءى ناراهما» فلهذا لا يمكنون من الخروج مع المسلمين
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|