
28-09-2025, 04:23 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,826
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي
الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الاول
صـــ 211 الى صـــ 220
(22)
وكما يكره في القبلة يكره في السقف أو عن يمين القبلة أو عن يسارها؛ لأن الأثر قد جاء أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب أو صورة فيجب تنزيه مواضع الصلاة عن ذلك إلا أنه إذا كانت الصورة على الحائط الذي هو خلف المصلي فالكراهة فيه أيسر؛ لأن معنى التعظيم والتشبيه بمن يعبد الصور تنعدم هنا، وكذلك إن كانت الصورة على الأرض والأزر والستور، وأما على البساط فنقول: اتخاذ الصورة على البساط مكروه، ولكن لا بأس بالنوم والجلوس عليه؛ لأن البساط يوطأ فلا يحصل فيه معنى التعظيم، وكذلك الوسادة، ألا ترى أنه قال في حديث جبريل أو تتخذ وسائد فتوطأ، فإن كان المصلي على البساط إن كانت الصورة في موضع وجهه أو أمامه فهو مكروه؛ لأن فيه معنى التعظيم يحصل بتقرب الوجه من الصورة، وإن كانت في موضع قدميه فلا بأس به؛ لأن معنى التعظيم فيه لا يحصل فصلاته جائزة على كل؛ لأن الكراهة ليست لمعنى راجع إلى الصلاة.
قال: (رجل قارئ دخل في صلاة أمي تطوعا أو في صلاة امرأة أو جنب ثم أفسدها على نفسه فليس عليه قضاؤها) ؛ لأن شروعه في الصلاة لم يصح حين اقتدى بمن لا يصلح إماما له ولا يتمكن من أداء الصلاة خلفه، ووجوب القضاء يكون بالإفساد بعد صحة الشروع.
قال: (وإذا وقفت جارية مراهقة تعقل الصلاة بجنب رجل خلف الإمام وهما في صلاته فسدت صلاة الرجل) استحسانا، وفي القياس لا تفسد؛ لأن صلاة غير البالغة تخلق وليست بصلاة حقيقية، ووجه الاستحسان أنها تؤمر بالصلاة وتضرب على ذلك كما ورد به الحديث، فكانت كالبالغة في المشاركة في أصل الصلاة، وعليه ينبني الفساد بسبب المحاذاة؛ لأنها تشتهى فلا يصفو قلب الرجل عن الشهوة في حال المناجاة عند محاذاتها، وهذا المعنى موجود هنا قال: ألا ترى أنها لو صلت بغير وضوء أو عريانة أمرتها أن تعيد الصلاة؛ لأنها إنما تؤمر بالصلاة لتتعود فلا يشق عليها إذا بلغت، وذلك إذا أدت بصفة يجوز أداؤها بتلك الصفة بعد البلوغ بحال، فإن أدت بغير طهارة أو عريانة لا يحصل هذا المقصود فلهذا أمرت بالإعادة، ولو صلت بغير قناع، في القياس تؤمر بالإعادة كما إذا صلت
عريانة؛ لأن الرأس منها عورة ولكنه استحسن فقال: تجزئها صلاتها لقول النبي - صلى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» معناه صلاة بالغة فثبت أن صلاة غير البالغة تجوز بغير الخمار، ولأن من البالغات من تصلي بغير قناع وهي المملوكة وتجوز صلاتها فصلاة غير البالغة أولى، بخلاف العريانة.
قال: (وللأمة أن تصلي بغير قناع) لحديث عمر - رضي الله تعالى عنه - أنه كان إذا رأى جارية متقنعة علاها بالدرة وقال: ألقي عنك الخمار يا دفار أتتشبهين بالحرائر وكذلك المكاتبة والمدبرة وأم الولد؛ لأن الرق قائم فيهن فليس لرءوسهن حكم العورة، فإن أعتقت في صلاتها أخذت قناعها ومضت في صلاتها استحسانا، وفي القياس تستقبل كالعريانة إذا وجدت ثوبا في خلال الصلاة. وجه الاستحسان أن فرض الستر لزمها في خلال الصلاة مقصورا عليها، وقد أتت به كما لزمها، بخلاف العريانة؛ لأن فرض الستر كان عليها الشروع، ولكنها كانت عريانة بعذر العجز، فإذا أزيل استقبلت كالمتيمم إذا وجد الماء في خلال الصلاة توضأ واستقبل، والمتوضئ إذا سبقه الحدث توضأ وبنى على صلاته فهذا مثله.
[باب صلاة المريض]
الأصل في صلاة المريض قوله تعالى: {الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم} [آل عمران: 191] قال الضحاك في تفسيره: هو بيان حال المريض في أداء الصلاة على حسب الطاقة «ودخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على عمران بن حصين يعوده في مرضه فقال: كيف أصلي فقال - عليه الصلاة والسلام: صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى الجنب تومئ إيماء، فإن لم تستطع فالله أولى بالعذر» أي بقبول العذر منك، ولأن الطاعة على حسب الطاقة قال الله تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286] ولقوله تعالى {فاتقوا الله ما استطعتم} [التغابن: 16] . فإذا عرفنا هذا فنقول: المريض إذا كان قادرا على القيام يصلي قائما، فإذا عجز عن القيام يصلي قاعدا بركوع وسجود، وإذا كان عاجزا عن القعود يصلي بالإيماء؛ لأنه وسع مثله، فإن كان قادرا على القيام في أول الصلاة وعجز عن القيام فإنه يقعد، وفرق بين هذا وبين الصوم، فإن المريض إذا كان قادرا على الصوم في بعض اليوم ثم عجز، فإنه لا يصوم أصلا وهنا يصلي.
وجه الفرق بينهما، وذلك لأن في الصوم لما أفطر في آخر اليوم لم يكن فعله في أول اليوم معتدا فلا يشتغل به، وفي الصلاة وإن
قعد في آخره، ولكن فعله في أول الصلاة وقع معتدا فيشتغل به، وأما إذا كان قادرا على القيام وعاجزا عن الركوع والسجود، فإنه يصلي قاعدا بإيماء وسقط عنه القيام؛ لأن هذا القيام ليس بركن؛ لأن القيام إنما شرع لافتتاح الركوع والسجود به، فكل قيام لا يعقبه سجود لا يكون ركنا، ولأن الإيماء إنما شرع للتشبه بمن يركع ويسجد والتشبه بالقعود أكثر، ولهذا قلنا بأن المومئ يجعل السجود أخفض من ركوعه؛ لأن ذلك أشبه بالسجود إلا أن بشرا يقول: إنما سقط عنه بالمرض ما كان عاجزا عن إتيانه، فأما فيما هو قادر عليه لا يسقط عنه، ولكن الانفصال عنه على ما بينا إن كان عاجزا عن القعود يصلي بالإيماء مضطجعا مستلقيا على قفاه ووجهه نحو القبلة عند علمائنا رحمهم الله تعالى وهو مذهب عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -، وقال الشافعي - رحمه الله تعالى - يضطجع على جنبه الأيمن ووجهه نحو القبلة، واحتج بحديث عمران بن حصين قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «فعلى الجنب تومئ إيماء» فالنبي - صلى الله عليه وسلم - نص على الجنب، ولأن فيما قلنا وجهه إلى القبلة، وكما إذا احتضر يضطجع على شقه الأيمن هكذا يصلي أيضا، وكذلك يوضع في القبر هكذا، إلا أن أصحابنا قالوا بأنه إذا استلقى على قفاه كان أقرب إلى استقبال القبلة فالجانبان منه إلى القبلة ووجهه إلى ما هو القبلة، وفيما قاله الشافعي - رحمه الله تعالى - وجهه إلى رجله وذا ليس بقبلة، وكذلك إذا قدر على القيام فوجهه أيضا يكون إلى القبلة بخلاف ما إذا احتضر، فإن هناك لم يكن مرضه على شرف الزوال فاقتربا من هذا الوجه. وأما الجواب عن احتجاجه بحديث عمران بن حصين - رضي الله تعالى عنه - فلما قيل بأن مرضه كان باسورا فلا يمكنه أن يستلقي على قفاه. والثاني وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «فعلى الجنب تومئ إيماء» يعني ساقطا على الجنب كقوله: «فإذا وجبت جنوبها» أي سقطت فكذلك هنا.
قال: (المومئ إذا اقتدى بالمومئ يصح اقتداؤه به) لقوله - عليه الصلاة والسلام: «الإمام ضامن» معناه صلاة الإمام تتضمن صلاة المقتدي، وتضمن الشيء إنما يتحقق فيما هو مثله أو فوقه ولا يتحقق فيما هو دونه، وها هنا حال المقتدي مثل حال الإمام أو دونه فيصح اقتداؤه به، فإذا عرفنا هذا فنقول بأن الإمام إن كان قائما أو قاعدا أو موميا يصح اقتداؤه به؛ لأن مثل حال الإمام أو دونه، فإن كان الإمام قارئا والمقتدي قارئا أو أميا يصح اقتداؤه به؛ لأن مثل حال الإمام أو دونه، فأما إذا كان الإمام قاعدا والمقتدي قائما يصح عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى استحسانا، وعند محمد - رحمه الله تعالى - لا يصح قياسا.
وجه قول محمد - رحمه الله تعالى - ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا يؤمن أحد بعدي جالسا»، وهذا نص عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: لا يؤم المتيمم المتوضئين ولا المقيد المطلقين، وهذا نص والمعنى فيه، وذلك أن الإمام صاحب عذر، فمن كان حاله مثل حال الإمام يصح اقتداؤه به وما لا فلا، كإمامة صاحب الجرح السائل للأصحاء ولأصحاب الجروح. وتأثير هذا الكلام وهو أن القيام ركن والمقتدي ينفرد بهذا الركن فلو قلنا بأنه يصح اقتداؤه به يكون هذا مقتديا بالبعض دون البعض، وهذا لا يجوز، ووجه قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم: «أنه صلى بأصحابه وكان قاعدا وهم قيام خلفه» فإنه لما ضعف في مرضه قال «مروا أبا بكر يصلي بالناس فقالت عائشة لحفصة: قولي له إن أبا بكر رجل أسيف إذا وقف في مكانك لا يملك نفسه، فلو أمرت غيره فقالت ذلك كرتين، فقال: إنكن صاحبات يوسف مروا أبا بكر يصلي بالناس، فلما شرع أبو بكر في الصلاة وجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خفة في نفسه فخرج وهو يهادي بين الفضل بن عباس وبين علي، وكان رجلاه تخطان الأرض حتى دخل المسجد فسمع أبو بكر حس مجيء النبي - صلى الله عليه وسلم - فتأخر وتقدم النبي - صلى الله عليه وسلم - وقعد، وكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والقوم يكبرون بتكبير أبي بكر، وأبو بكر يكبر بتكبير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والصحابة يكبرون بتكبير أبي بكر»، وهذا آخر فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مرضه، فيكون ناسخا لما كان قبله على ما جاء في حديث «جابر - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: سقط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن فرسه فجحش شقه الأيسر فلم يخرج أياما، فالصحابة دخلوا عليه فوجدوه في الصلاة قاعدا فاقتدوا به قياما فأشار إليهم أن اقعدوا، فلما فرغ من صلاته قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا على أئمتكم، فإن صلى قاعدا فصلوا قعودا أجمعين، وإن صلى قائما فصلوا قياما أجمعين ولا يؤمن أحد بعدي جالسا» ولكنا نقول: صار هذا منسوخا بفعله الآخر وهو ما روينا في حديث مرض موته - صلى الله عليه وسلم -، وأما حديث علي - رضي الله تعالى عنه - قلنا: لا يمكن العمل به؛ لأن في الحديث زيادة وهو قوله: ولا الماسح للغاسلين وبالإجماع إمامة الماسح للغاسل جائزة، فدل أنه لا يمكن العمل به.
والفقه فيه أن الإمام صاحب بدل صحيح فاقتداء صاحب الأصل به صحيح كالماسح على الخفين إذا أم الغاسلين بخلاف صاحب
الجرح السائل ونحوه؛ لأنه ليس بصاحب بدل صحيح، ولأن بين القيام والقعود تقاربا في الصلاة حتى يجوز القعود في التطوع من غير عذر، وهذا لأن القائم كلا الجانبين منه مستو، فالقاعد أحد الجانبين منه منثن فكان بينهما تقارب، فيصح اقتداؤه به كاقتداء القائم بالراكع، وإن كان الإمام يصلي بالإيماء مضطجعا والمقتدي يصلي بركوع وسجود لا يصح اقتداؤه به عندنا خلافا لزفر - رحمه الله - هو يقول: كل واحد منهما مؤد ما هو مستحق عليه بصفة الصحة فيصح اقتداؤه به، نظيره اقتداء المتوضئ بالمتيمم والغاسل بالماسح، ولكنا نقول بأن حال المقتدي فوق الإمام؛ لأن الاكتفاء بالإيماء مع القدرة على الركوع والسجود يمنع جواز الصلاة فيمنع صحة الاقتداء، ولأن الإيماء ليس ببدل عن الركوع والسجود؛ لأنه بعضه فلو قلنا بأنه يصح اقتداؤه به يكون هذا اقتداء بالبعض دون البعض، وهذا لا يجوز بخلاف التيمم والمسح، فإن التيمم بدل عن الوضوء، والمسح بدل عن الغسل فيصح اقتداؤه به بالإجماع.
فإن كان الإمام يصلي قاعدا بالإيماء والمأموم يصلي قائما بالإيماء يصح اقتداؤه به؛ لأن هذا القيام ليس بركن حتى كان الأولى تركه فيجعل كأن لم يكن، ولو كان معدوما أصلا يصح اقتداؤه به؛ لأن هذا اقتداء القاعد بالقاعد فكذلك هنا.
فإن كان الإمام يصلي بالإيماء مضطجعا والمقتدي يصلي بالإيماء قاعدا أو قائما لا يصح اقتداؤه بالإجماع؛ لأن فوق حال الإمام فيمنع صحة الاقتداء.
قال: (فإن نزع الماء من عينيه وأمر بأن يستلقي على قفاه أياما ونهي عن القيام والقعود، له أن يصلي بالإيماء مضطجعا عند علمائنا) وقال مالك - رحمه الله - ليس له ذلك واحتج بما روي عن عبد الله بن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أنه قال له طبيب بعدما كف بصره: لو صبرت أياما مستلقيا على قفاك لصحت عيناك فشاور في ذلك عائشة - رضي الله تعالى عنها - والصحابة فلم يرخصوا له في ذلك، وقالوا له: أرأيت لو مت في هذه الأيام كيف تصنع بصلاتك فلو جاز ذلك لجوزوا له إلا أن علماءنا قالوا بأن حرمة الأعضاء كحرمة النفس، ثم خاف الهلاك على نفسه من عدو أو سبع كان معه له أن يصلي مستلقيا على قفاه فكذلك هنا، وأما حديث عبد الله بن عباس قلنا: يحتمل أنه إنما لم يرخصوا له في ذلك؛ لأنه لم يظهر عندهم صدق ذلك الطبيب فيما يدعي، فلهذا لم يرخصوا له.
قال: (ولو أن المريض إذا صلى إلى غير القبلة متعمدا لا تجوز، وإن أخطأ تجوز) معناه إذا اشتبهت عليه القبلة فتحرى إلى جهة وصلى إليها ثم تبين أنه أخطأ القبلة تجوز صلاته، وإن تعمد لا تجوز لحديث علي - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: قبلة المتحري جهة قصده. فالحاصل أن المريض إنما
يفارق الصحيح فيما هو عاجز عنه، وأما فيما هو قادر عليه هو والصحيح سواء، ثم الصحيح إذا اشتبهت عليه القبلة في المغارة فتحرى إلى جهة وصلى إليها ثم تبين أنه أخطأ القبلة تجوز صلاته، ولو تعمد لا تجوز فكذلك هذا، وقال محمد بن مقاتل الرازي - رحمه الله تعالى - إذا كان وجهه إلى غير القبلة ولا يمكنه أن يحول وجهه إلى القبلة ولا يجد أحدا بأن يحول وجهه إلى القبلة له أن يصلي إلى غير القبلة، فإذا برأ أعاد الصلاة، ولكنا نقول: في ظاهر الرواية لا يجب عليه إعادة الصلاة؛ لأن التوجه إلى القبلة شرط جواز الصلاة، والقيام والقراءة والركوع والسجود أركان الصلاة، ثم ما سقط عنه من الأركان بعذر المرض لا يجب عليه إعادة الصلاة فكذلك ما سقط عنه من الشروط بعذر المرض لا يجب عليه إعادة الصلاة.
وأما إذا صلى بغير طهارة أو بغير قراءة أو عريانا لا تجوز صلاته لما بينا أنه فيما هو قادر عليه هو والصحيح سواء، ثم الصحيح إذا صلى بغير طهارة أو بغير قراءة أو عريانا لا تجوز صلاته فكذلك هنا.
قال: (قوم مرضى في بيت مظلم اشتبهت عليهم جهة القبلة صلوا بجماعة فتحرى كل واحد منهم إلى جهة وصلى إليها جازت صلاة الكل) ؛ لأنها تجوز من الأصحاء بهذه الصفة فمن المرضى أولى، قال الحاكم - رحمه الله تعالى - إنما جازت صلاة المقتدي إذا كان المقتدي لا يعلم أنه خالف إمامه، فأما إذا علم أنه خالف إمامه لا تجوز صلاته؛ لأنه اعتقد فساد صلاة الإمام، والأصل أن المقتدي إذا اعتقد فساد صلاة الإمام تفسد صلاته، وهذا بخلاف ما إذا صلى في جوف الكعبة، وإن علم أنه خالف إمامه جازت صلاته؛ لأنه ما اعتقد فساد صلاة الإمام إلا إذا كان مقدما على الإمام فحينئذ لا تجوز صلاته.
قال: (مريض متحر أو مسافر متحر تبين له في خلال الصلاة أنه أخطأ القبلة له أن يحول وجهه إلى القبلة ويبني على صلاته، ولا يجب عليه أن يستقبل) لحديث أهل قباء أخبروا في خلال الصلاة أن القبلة حولت من بيت المقدس إلى الكعبة، فاستداروا كهيئتهم وهم في ركوع فجوز لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولأن المؤدى حصل بالاجتهاد، وهذا اجتهاد آخر، والاجتهاد لا ينقض باجتهاد مثله، كالقاضي إذا قضى في حادثة بالاجتهاد ثم ظهر أن اجتهاده كان خطأ في تلك الحادثة باجتهاد آخر لا ينقض قضاؤه فكذلك هاهنا.
قال: (المريض المومئ إذا وجب عليه سجدتا السهو يومئ إيماء لسهوه) لأن سجدتي السهو دون الصلبية وتلك تتأدى بالإيماء فهذا أولى، فلو أنه عجز عن الإيماء بالرأس سقط عنه الصلاة عند علمائنا
الثلاثة وقال زفر والحسن رحمهما الله تعالى: يومئ بعينيه، وإن عجز عن الإيماء بالعينين قال زفر - رحمه الله تعالى - وحده: يومئ بالقلب؛ لأنه وسع مثله، ولكنا نقول: بأن الإيماء عبارة عن الإشارة، والإشارة إنما تكون بالرأس، فأما العين يسمى إنحاء، ولا يسمى إيماء، وبالقلب يسمى نية وعزيمة وبمجرد النية لا تتأدى الصلاة، ونصب الأبدال بالرأي لا يجوز، ثم إذا برأ ينظر إن كان معتقا بعد هذه الحالة حتى إذا برأ يجب إعادة الصلاة، فإن كان مغمى عليه ينظر إذا كان مغمى عليه يوما وليلة أو أقل يجب عليه إعادة الصلاة، وإن كان أكثر من يوم وليلة، ولا يجب عليه إعادة الصلاة عند علمائنا، وقال بشر تجب عليه إعادة الصلاة، وإن طال الإغماء. هو يقول: الإغماء نوع مرض فلا يسقط القضاء كالنوم، وقال الشافعي - رضي الله تعالى عنه - إذا استوعب وقت صلاة كاملة لا يجب عليه إعادة الصلاة، ويقول: وجوب القضاء ينبني على وجوب الأداء، ولا يجب عليه الأداء فلا يجب عليه القضاء.
(ولنا) ما روي عن علي - رضي الله تعالى عنه - أنه أغمي عليه في أربع صلوات فقضاهن، وعن عمار بن ياسر أنه أغمي عليه يوما وليلة فقضاهما وعبد الله بن عمر أغمي عليه ثلاثة أيام ولياليها فلم يقضها. والفقه فيه هو أن الإغماء إذا طال يجعل كالطويل عادة وهو الجنون والصغر، وإذا قصر يجعل كالقصير عادة وهو النوم، فيحتاج إلى الحد الفاصل بين القصير والطويل، فإن كان يوما وليلة أو أقل فهو قصير؛ لأن الصلاة لم تدخل في حد التكرار، وإن كان أكثر من يوم وليلة يكون طويلا؛ لأن الصلاة دخلت تحت حد التكرار، وروي عن أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: إذا أغمي عليه يوما وليلة يجب عليه القضاء، ولكن يعتبر بالساعات لا بالصلوات والأول أصح.
قال: (وإذا لم يستطع السجود لمرض أو جرح أو خوف فهو كله سواء ويومئ) ؛ لأنه وسع مثله.
قال: (فإن عجز عن القراءة تسقط عنه القراءة) لأن القراءة ركن كما أن القيام ركن، فلو عجز عن القيام سقط عنه القيام فكذلك هنا.
قال: (وإن كان على جبهته جراحة، ولا يمكنه أن يسجد على الجبهة قال يسجد على أنفه) ؛ لأن الأنف مسجد كالجبهة.
قال: (ويكره للمريض المومئ أن يرفع إليه عود أو وسادة ليسجد عليه) لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه دخل على مريض ليعوده فوجده يسجد على عوده فقال له: إن قدرت أن تسجد على الأرض فاسجد وإلا فأوم برأسك» وعبد الله بن مسعود - رضي الله تعالى عنه - دخل على أخيه عتبة يعوده في مرضه فرأى عودا يرفع بين يديه، وكان يسجد عليه فأخذ العود من يد من كان في يديه
وقال: إن هذا شيء عرض لكم الشيطان فأوم بسجودك وعبد الله بن عمر - رضي الله تعالى عنه - رأى مريضا يفعل هكذا فقال: أتتخذون مع الله آلهة فدل أنه يكره له ذلك، وإن سجد هل يجوز له ذلك قال: ينظر إن خفض رأسه للركوع ثم للسجود يجوز بالإيماء لا بوضع الرأس على العود، حتى أنه لو رفع العود إلى جبهته ووضع عليه جبهته لا يجوز؛ لأنه ترك ركنا من أركان الصلاة وهو الإيماء فقلنا بأنه لا يجوز، وأما إذا سجد على الوسادة يجزئه لما روي عن «أم سلمة أنها كان بها رمد فسجدت على المرفقة فجوز لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -».
قال: (ولو أن المريض إذا صلى بالإيماء مضطجعا ثم قدر على الركوع والسجود في آخر الصلاة يجب عليه أن يستقبل الصلاة) ولا يبني إلا على قول زفر - رحمه الله تعالى -، وهذا بناء على أصل وهو أن المنفرد يبني آخر صلاته على أول صلاته، كالمقتدي يبني صلاته على صلاة الإمام، ففي كل موضع يصح الاقتداء يصح البناء وإلا فلا فنقول بأن الإمام إذا صلى بالإيماء مضطجعا والمقتدي يصلي بالركوع والسجود لا يصح اقتداؤه به، فكذلك هنا لا يجوز له البناء، وأما إذا صلى قاعدا بالركوع والسجود ثم برأ وقدر على القيام في بعض الصلاة له أن يبني على صلاته، ولا يجب عليه أن يستقبل؛ لأن الإمام إذا صلى قاعدا والمقتدي قائما يصح الاقتداء به عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى فكذلك يصح البناء، وأما إذا شرع في الصلاة قائما ثم عجز عن القيام في خلال الصلاة وقعد له أن يبني على صلاته؛ لأن هذا بناء القوي على الضعيف، وذلك يصح والله سبحانه وتعالى أعلم
[باب سجود السهو]
الأصل في سجود السهو ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «سها في صلاته فسجد» وفي حديث ثوبان عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لكل سهو سجدتان بعد السلام» وكان أبو الحسن الكرخي يقول: هو واجب استدلالا بما قال محمد - رحمه الله تعالى - إذا سها الإمام وجب على المؤتم أن يسجد. ووجهه أنه جبر لنقصان العبادة فكان واجبا كدماء الجبر في باب الحج، وهذا لأن أداء العبادة بصفة الكمال واجب وصفة الكمال لا تحصل إلا بجبر النقصان. وغيره من أصحابنا كان يقول: إنه سنة استدلالا بما قال محمد - رحمه الله تعالى - إن العود إلى سجود السهو لا يرفع التشهد ولو كان واجبا لكان رافعا للتشهد كسجدة التلاوة
ولأنه يجب بترك بعض السنن، والخلف لا يكون أقوى فوق الأصل
إذا عرفنا هذا فنقول: إذا سها ولم يدر أثلاثا صلى أم أربعا، وذلك أول ما سها استقبل الصلاة لحديث عبد الله بن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «من شك في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثا أم أربعا فليستقبل»، ولأن الاستقبال لا يريبه والمضي يريبه بعد الشك، والاحتياط في العبادة ليؤدها بكمالها واجب. ومعنى قوله: وذلك أول ما سها أن السهو ليس بعادة له؛ لأنه لم يسه في عمره قط، وإن لقي ذلك غير مرة تحرى الصواب وأتم الصلاة على ذلك لحديث ابن مسعود - رحمه الله تعالى - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «من شك في صلاته فليتحر الصواب»، ولأنا لو أمرنا بالاستقبال يقع في الشك ثانيا وثالثا إذا صار ذلك عادة له فيتعذر عليه المضي في الصلاة فلهذا تحرى وشهادة القلب في التحري تكفي عندنا لقوله - صلى الله عليه وسلم: «المؤمن ينظر بنور الله»، وعند الشافعي - رضي الله تعالى عنه - لا يكفي ما لم ينضم إليه دليل آخر؛ لأنه مجرد الظن، وإن الظن لا يغني من الحق شيئا، وإن لم يكن له تحر أخذ بالأقل لحديث عبد الرحمن بن عوف - رضي الله تعالى عنه - قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «من شك في صلاته فليأخذ بالأقل وليصل حتى يشك في الزيادة كما يشك في النقصان»، ولأنه متيقن بوجوب الأداء عليه فلا يترك هذا اليقين إلا بيقين مثله، وذلك في الأقل إلا أنه في كل موضع يتوهم أنه آخر صلاته فيقعد لا محالة؛ لأن قعدة الختم ركن والاشتغال بالنافلة قبل إكمال الفرض مفسد لصلاته.
ثم يسجد للسهو بعد السلام عندنا. وقال الشافعي - رضي الله تعالى عنه - قبل السلام لحديث عبد الله ابن بحينة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «سجد سجدتي السهو قبل السلام» وما روي بعد السلام أي بعد التشهد كما قلتم في قوله: «وفي كل ركعتين فسلم» أي فتشهد، ولأن سجود السهو مؤدى في حرمة الصلاة، ولهذا لو أدرك الإمام فيه صح اقتداؤه به، والسلام محلل له فينبغي أن يتأخر عن كل ما يؤدي في حرمة الصلاة، فكان هذا قياس سجدة التلاوة.
(ولنا) حديث ابن مسعود وعائشة وأبي هريرة - رضي الله تعالى عنهم - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «سجد للسهو بعد السلام» وما روي قبل السلام أي قبل السلام الثاني، فإن عندنا يسلم بعد سجود السهو أيضا إذ بما وقع الاختلاف في فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصار إلى قوله وفي حديث ثوبان «لكل سهو سجدتان بعد السلام»، ولأن سجود السهو مؤخر عن محله، فلو كان
مؤدى قبل السلام لكان الأولى أن يؤدى في محله كسجدة التلاوة، وإنما كان مؤخرا ليتأخر أداؤه عن كل حالة يتوهم فيها السهو، وفيما قبل السلام يتوهم السهو فيؤخر عنه لهذا، ولكنه جبر لنقصان الصلاة فبالعود إليه يكون عائدا إلى حرمة الصلاة ضرورة فلهذا يسلم بعده، وقال مالك - رحمه الله تعالى - إن كان سهوه عن نقصان سجد قبل السلام؛ لأنه جبر للنقصان، ولو كان عن زيادة سجد بعد السلام؛ لأنه ترغيم للشيطان إلا أن أبا يوسف - رحمه الله تعالى - قال له بين يدي الخليفة: أرأيت لو زاد ونقص كيف يصنع فتحير مالك - رحمه الله تعالى -.
(ومن سها عن قيام أو قعود فعليه سجود السهو) لحديث المغيرة بن شعبة - رضي الله تعالى عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «قام من الثانية إلى الثالثة ولم يقعد فسبحوا له فلم يعد وسجد لسهوه»، ولأنه تارك للقعدة مقدم للقيام على وقته، وكذلك إن قعد في موضع القيام فهو زائد في صلاته قعدة ليست منها مؤخر للقيام عن وقته فيتمكن النقصان في فعله فلهذا سجد للسهو.
قال: (فإن سها عن قراءة التشهد في القعدة الأولى وتكبيرات العيد أو قنوت الوتر ففي القياس لا يسجد للسهو) ؛ لأن هذه الأذكار سنة فبتركها لا يتمكن كثير نقصان في الصلاة، كما إذا ترك الثناء والتعوذ، ولهذا كان مبنى الصلاة على الأفعال دون الأذكار، وسجود السهو عرف بفعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وما نقل ذلك عنه - صلى الله عليه وسلم - إلا في الأفعال. وجه الاستحسان أن هذه السنة تضاف إلى جميع الصلاة يقال: تكبيرات العيد وقنوت الوتر وتشهد الصلاة فبتركها يتمكن النقصان والتغير للصلاة، فأما ثناء الافتتاح غير مضاف إلى جميع الصلاة، بل الافتتاح والتعوذ غير مضاف إلى الصلاة، بل هو للقراءة فبتركه لا يتمكن النقصان والتغير في الصلاة.
قال: (وإن سها عن التكبيرات سوى تكبيرة الافتتاح فعليه سجود السهو عند مالك - رحمه الله تعالى - إذا سها عن ثلاث تكبيرات فعليه سجود السهو بالقياس على تكبيرات العيد) ولكنا نقول: تكبيرة الانتقال سنة لا تضاف إلى جميع الصلاة فبتركها لا يتمكن التغير في الصلاة، وكذلك لو سها عن تسبيحات الركوع والسجود؛ لأنها سنة تضاف إلى ركن منها لا إلى جميعها، فكان كالتعوذ وثناء الافتتاح.
قال: (وإن سها عن القراءة في الأوليين فعليه سجود السهو) ؛ لأن القراءة ركن والأوليان تعينتا لأداء هذا الركن واجبا، وبترك الواجب يتمكن النقصان في الصلاة.
قال: (وإن سها عن فاتحة الكتاب في الركعة الأولى وبدأ بغيرها، فلما قرأ بعض السورة تذكر، يعود فيقرأ بفاتحة الكتاب ثم السورة) لأن الفاتحة سميت فاتحة الكتاب لافتتاح القراءة بها في الصلاة، فإذا تذكر في محله كان عليه مراعاة الترتيب، كما لو سها عن تكبيرات العيد حتى اشتغل بالقراءة ثم تذكر عاد إلى التكبيرات ثم القراءة بعدها وعليه سجدتا السهو؛ لأن الترتيب في القراءة واجب فبتركه يتمكن النقصان.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|