
28-09-2025, 04:16 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,009
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي
الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الاول
صـــ 191 الى صـــ 200
(20)
وإن مر بين يديه مار من رجل أو امرأة أو حمار أو كلب لم يقطع صلاته عندنا، وقال أصحاب الظواهر مرور المرأة والحمار والكلب بين يدي المصلي يفسد صلاته لحديث أبي ذر - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب»، وفي بعض الروايات قال «الكلب الأسود، فقيل له: وما بال الأسود من غيره، فقال: أشكل علي ما أشكل فسألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فقال الكلب الأسود شيطان».
(ولنا) حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله تعالى عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «لا يقطع الصلاة مرور شيء وادرءوا ما استطعتم» والحديث الذي رووا ردته «عائشة - رضي الله تعالى عنها -، فإنها قالت لعروة: يا عروة ماذا يقول أهل العراق.؟ قال: يقولون تقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب، فقالت: يا أهل العراق والشقاق والنفاق قرنتموني بالكلاب والحمير، كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بالليل وأنا معترضة بين يديه كاعتراض الجنازة» والدليل على أن مرور المرأة لا يقطع الصلاة ما روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي في بيت أم سلمة فأراد عمر بن أبي سلمة أن يمر بين يديه فأشار عليه فوقف، ثم أرادت زينب أن تمر بين يديه فأشار عليها فلم تقف فلما فرغ من صلاته، قال: هن أغلب صاحبات يوسف يغلبن الكرام ويغلبهن اللئام» والدليل على أن مرور الحمار والكلب لا يقطع الصلاة حديث «ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: زرت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع أخي الفضل على حمار في البادية فنزلنا فوجدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي فصلينا معه والحمار يرتع بين يديه». وينبغي أن يدفع المار عن نفسه لا لكي لا يشغله عن صلاته عملا بقوله - صلى الله عليه وسلم: «وادرءوا ما استطعتم» إلا أنه يدفعه بالإشارة أو الأخذ بطرف ثوبه على وجه ليس فيه مشي ولا علاج، ومن الناس من قال: إن لم يقف بإشارته جاز دفعه بالقتال، لحديث أبي سعيد الخدري - رضي الله تعالى عنه - أنه كان يصلي فأراد أن يمر ابن مروان بين يديه، فأشار عليه فلم يقف، فلما حاذاه ضربه على صدره ضربة أقعده على
استه، فجاء إلى أبيه يشكو أبا سعيد فدعاه فقال: لم ضربت ابني، فقال: ما ضربت ابنك إنما ضربت الشيطان، قال: لم تسمي ابني شيطانا قال: لأني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إذا صلى أحدكم فأراد مار أن يمر بين يديه فليدفعه، فإن أبى فليقاتله، فإنه شيطان» ولكنا نستدل بقوله - عليه الصلاة والسلام: «إن في الصلاة لشغلا» يعني بأعمال الصلاة، وتأويل حديث أبي سعيد - رضي الله عنه - أنه كان في وقت كان العمل مباحا في الصلاة.
(ويكره للمار أن يمر بين يدي المصلي) لقوله - صلى الله عليه وسلم: «لو علم المار بين يدي المصلي ما عليه لوقف، ولو إلى أربعين» ولم يوقت يوما ولا شهرا ولا سنة. (وحد المرور بين يديه غير منصوص في الكتاب، وقيل إلى موضع سجود، وقيل بقدر الصفين) ، وأصح ما قيل فيه أن المصلي لو صلى بخشوع فإلى الموضع الذي يقع بصره على المار يكره المرور بين يديه، وفيما وراء ذلك لا يكره، وحكى أبو عصمة عن محمد - رحمه الله تعالى - إذا لم يجد سترة يخط بين يديه، فإن الخط وتركه سواء؛ لأنه لا يبدو للناظر من بعد، ومن الناس من يقول يخط بين يديه إما طولا شبه ظل السترة أو عرضا شبه المحراب لقوله - عليه الصلاة والسلام: «إذا صلى أحدكم في الصحراء فليتخذ بين يديه سترة، فإن لم يجد فليخط بين يديه خطا» ولكن الحديث شاذ فيما تعم به البلوى فلم نأخذ به لهذا.
قال: (وإذا انفرد المصلي خلف الإمام عن الصف لم تفسد صلاته) وقال أهل الحديث منهم أحمد بن حنبل - رحمه الله - تفسد صلاته لقوله - صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة لمنفرد خلف الصف» وعن فرافصة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «رأى رجلا يصلي في حجرة من الأرض فقال: أعد صلاتك فإنه لا صلاة لمنفرد خلف الصف».
(ولنا) حديث «أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: فأقامني واليتيم من ورائي وأمي أم سليم وراءنا»، فقد جوز اقتداءها وهي منفردة خلف الصف، وفي هذا الحديث دليل على أنها تفسد صلاة الرجل؛ لأنه أقامها خلفهما مع النهي عن الانفراد، فما كان ذلك إلا صيانة لصلاتهما «، وإن أبا بكر - رضي الله تعالى عنه - دخل المسجد ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - راكع فكبر وركع ثم دب حتى لصق بالصف، فلما فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من صلاته قال: زادك الله حرصا ولا تعد أو قال: لا تعد»، فقد جوز اقتداءه به وهو خلف الصف. يدل عليه أنه لو كان بجنبه مراهق تجوز صلاته بالاتفاق، وصلاة المراهق تخلق فهو في الحقيقة منفرد خلف الصف، ولذلك لو تبين أن من كان بجنبه كان محدثا تجوز صلاته وهو منفرد خلف الصف، وتأويل الحديث نفي الكمال لقوله - صلى الله عليه وسلم:
«لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» والأمر بالإعادة شاذ، ولو ثبت فيحتمل أنه كان بينه وبين الإمام ما يمنع الاقتداء، وفي الحديث ما يدل عليه، فإنه قال: في حجرة من الأرض أي ناحية ولكن الأولى عندنا أن يختلط بالصف إن وجد فرجة، وإن لم يجد وقف ينتظر من يدخل فيصطفان معه، فإن لم يدخل أحد وخاف فوت الركعة جذب من الصف إلى نفسه من يعرف منه علما وحسن الخلق لكي لا يصعب عليه فيصطفان خلفه، فإن لم ينجر إليه أحد حينئذ يقف خلف الصف بحذاء الإمام لأجل الضرورة، فإن كان بين الإمام وبين المقتدي حائط أجزأته، وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - لا تجزئه، وإليه أشار في الأصل في تعليل مسألة المحاذاة.
وفي الحاصل هذا على وجهين: إن كان الحائط قصيرا دليلا يعني به الصغير جدا حتى يتمكن كل أحد من الركوب عليه كحائط المقصورة لا يمنع الاقتداء، وإن كان كبيرا، فإن كان عليه باب مفتوح أو خوخة فكذلك، وإن لم يكن عليه شيء من ذلك ففيه روايتان. وجه الرواية التي قال: لا يصح الاقتداء أنه يشتبه عليه حال إمامه، ووجه الرواية الأخرى ما ظهر من عمل الناس كالصلاة بمكة، فإن الإمام يقف في مقام إبراهيم، وبعض الناس يقفون وراء الكعبة من الجانب الآخر، فبينهم وبين الإمام حائط الكعبة، ولم يمنعهم أحد من ذلك، فإن كان بينهما طريق يمر الناس فيه أو نهر عظيم لم تجز صلاته لما روي عن عمر - رضي الله تعالى عنه - من كان بينه وبين الإمام نهر أو طريق فلا صلاة له، وفي رواية فليس معه، والمراد طريق تمر فيه العجلة فما دون ذلك الطريق لا طريق، والمراد من النهر ما تجري فيه السفن فما دون ذلك بمنزلة الجدار لا يمنع صحة الاقتداء، فإن كانت الصفوف متصلة على الطريق جاز الاقتداء حينئذ؛ لأن باتصال الصفوف خرج هذا الموضع من أن يكون ممرا للناس وصار مصلى في حكم هذه الصلاة، وكذلك إن كان على النهر جسر وعليه صف متصل فبحكم اتصال الصفوف صار في حكم واحد، فيصح الاقتداء.
قال: (والفتح على الإمام لا يفسد الصلاة) يعني المقتدي، فأما غير المقتدي إذا فتح على المصلي تفسد به صلاة المصلي، وكذلك المصلي إذا فتح على غير المصلي؛ لأنه تعليم وتعلم، والقارئ إذا استفتح غيره فكأنه يقول: بعد ما قرأت ماذا فذكرني، والذي يفتح عليه كأنه يقول بعد ما قرأت كذا فخذ مني، ولو صرح بهذا لم يشكل فساد صلاة المصلي، فأما المقتدي إذا فتح على إمامه هكذا في القياس، ولكنه استحسن لما روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ سورة المؤمنين فترك حرفا، فلما
فرغ قال: ألم يكن فيكم أبي، فقالوا: نعم يا رسول الله، فقال: هلا فتحت علي فقال ظننت أنها نسخت، فقال: لو نسخت لأنبأتكم بها» وعن علي - رضي الله تعالى عنه - قال: إذا استطعمك الإمام فأطعمه وابن عمر قرأ الفاتحة في صلاة المغرب فلم يتذكر سورة، فقال نافع: {إذا زلزلت الأرض زلزالها} [الزلزلة: 1] فقرأها، ولأن المقتدي يقصد إصلاح صلاته، فإن قرأ الإمام فلتحقق حاجته قلنا لا تفسد صلاته، وبهذا لا ينبغي أن يعجل بالفتح على الإمام ولا ينبغي للإمام أن يحوجه إلى ذلك بل يركع أو يتجاوز إلى آية أو سورة أخرى، فإن لم يفعل وخاف أن يجري على لسانه ما يفسد الصلاة فحينئذ يفتح لقول علي - رضي الله تعالى عنه - إذا استطعمك الإمام فأطعمه وهو مليم أي مستحق اللوم؛ لأنه أحوج المقتدي إلى ذلك، وقد قال بعض مشايخنا: ينوي بالفتح على إمامه التلاوة وهو سهو، فقراءة المقتدي خلف الإمام منهي عنها، والفتح على إمامه غير منهي عنه، ولا يدع نية ما رخص له بنية شيء هو منهي عنه، وإنما هذا إذا أراد أن يفتح على غير إمامه فحينئذ ينبغي أن ينوي التلاوة دون التعليم فلا يضره ذلك.
قال: (وقتل الحية والعقرب في الصلاة لا يفسدها) لقوله - عليه الصلاة والسلام: «اقتلوا الأسودين، ولو كنتم في الصلاة» «ولدغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عقرب في صلاته فوضع عليه نعله وغمزه حتى قتله، فلما فرغ قال: لعن الله العقرب لا تبالي نبيا ولا غيره، أو قال مصليا ولا غيره»، ولأنه رخص للمصلي أن يدرأ عن نفسه ما يشغله عن صلاته، وهذا من جملة ذاك وقيل: هذا إذا أمكنه قتل الحية بضربة واحدة كما فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في العقرب، فأما إذا احتاج إلى معالجة وضربات فليستقبل الصلاة كما لو قاتل إنسانا في صلاته؛ لأن هذا عمل كثير والأظهر أن الكل سواء فيه؛ لأن هذا عمل رخص فيه للمصلي فهو كالمشي بعد الحدث والاستقاء من البئر والتوضؤ، وإذا رمى طائرا بحجر لم تفسد صلاته؛ لأن هذا عمل قليل ولكنه مكروه؛ لأنه اشتغال بما ليس من أعمال الصلاة، ولم يذكر الكراهة في قتل الحية والعقرب؛ لأنه محتاج إلى ذلك لدفع أذاها عن نفسه، وليس في أذى الطير ما يحوجه إلى هذا لدفع أذاها عن نفسه فلهذا ذكر الكراهة فيه.
وإن أخذ قوسا ورمى به فسدت صلاته، وبعض أهل الأدب عابوا عليه في هذا اللفظ، وقالوا: الرمي بالقوس إسقاطه من يده، وإنما يقال: يرمي إذا رمى بالسهم غير أن المقصود لمحمد كان تعليم عامة الناس، ووجد هذا اللفظ معروفا في لسان العامة فلهذا ذكره، وإنما فسدت صلاته؛ لأنه عمل كثير، فإن أخذ القوس
وتثقيف السهم عليه والمد حتى رمى عمل كثير يحتاج فيه إلى استعمال اليدين، والناظر إليه من بعيد لا يشك أنه في غير الصلاة، فكان مفسدا لهذا، وكذلك لو ادهن أو سرح رأسه أو أرضعت المرأة صبيها، من أصحابنا من جعل الفاصل بين العمل القليل والكثير أن يحتاج فيه إلى استعمال اليدين حتى قالوا إذا زر قميصه في الصلاة فسدت صلاته، وإذا حل إزاره لم تفسد، والأصح أن يقال فيه: إن كل عمل إذا نظر إليه الناظر من بعيد لا يشك أنه في غير الصلاة فهو مفسد لصلاته، وكل عمل لو نظر إليه الناظر فربما يشتبه عليه أنه في الصلاة فذلك غير مفسد، فما ذكر من الأعمال إذا نظر الناظر إليه لا يشك أنه في غير الصلاة، فإن المرأة إذا حملت صبيها أو أرضعته لم يشكل على أحد أنها في غير الصلاة، وقد روينا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «قرأ المعوذتين في صلاة الفجر ثم قال: سمعت بكاء صبي فخشيت على أمه أن تفتتن»، فلو كان الإرضاع غير مفسد للصلاة لما ترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سنة القراءة لأجل بكائه.
وإن قاتل في صلاته فسدت صلاته؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - شغل عن أربع صلوات يوم الخندق لكونه مشغولا بالقتال فلو جازت الصلاة مع القتال لما أخرها.
وكذلك إن أكل أو شرب في الصلاة ناسيا أو عامدا، بخلاف الصوم، فإنه يفصل بين النسيان والعمد؛ لأنه قد اقترن بحال المصلي ما يذكره، فإن حرمة الصلاة مانعة من التصرف في الطعام المؤدي إلى الأكل، فلهذا سوى بين النسيان والعمد، وفي الصوم لم يقترن بحاله ما يذكره، فإن الصوم لا يمنعه ما يؤدي إلى الأكل وهو التصرف في الطعام، ثم الأكل عمل لو نظر إليه الناظر لا يشك أنه في غير الصلاة.
وعلى هذا قال محمد مضغ العلك في الصلاة يفسدها؛ لأن الناظر إليه من بعيد لا يشك أنه في غير الصلاة، وإن كان في أسنانه شيء فابتلعه لم يضره؛ لأن ما يبقى بين الأسنان في حكم التبع لريقه فلهذا لا يفسد الصوم، وهذا إذا كان دون الحمصة، فإن ذلك يبقى بين الأسنان عادة، وكذلك إن قلس أقل من ملء الفم ثم رجع فدخل جوفه وهو لا يملكه فهذا بمنزلة ريقه، ألا ترى أنه لا ينقض وضوءه فكذلك لا يفسد صلاته، والمتهجد بالليل فقد يبتلى بهذا خصوصا في ليالي رمضان إذا امتلأ من الطعام عند الفطر، فللبلوى قلنا لا تفسد صلاته.
قال: (وإن انتضح البول على المصلي أكثر من قدر الدرهم من موضع فانفتل فغسله لم يبن على صلاته) ، وفي الإملاء عن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - قال: يبني؛ لأن هذا بعض ما ورد به النص، فقد روينا في الرعاف، ومن رعف يحتاج إلى غسل أنفه إلى الوضوء، فإذا كان له أن يبني ثمة فهاهنا أولى. وجه ظاهر الرواية
أن البناء على الصلاة حكم ثبت بالآثار، بخلاف القياس فلا يلحق به إلا ما يكون في معناه من كل وجه، وهذا ليس في معنى المنصوص عليه؛ لأن الانصراف هناك كان للوضوء ولا بد منه، والانصراف هاهنا لغسل النجاسة عن الثوب، وقد لا يحتاج إليه بأن يكون عليه ثوبان فيلقي ما تنجس من ساعته، فلهذا أخذنا فيه بالقياس وقلنا: لا يبني.
قال: (وإن سال من دمل به دم توضأ وغسل وبنى على صلاته كما لو رعف) ومراده من هذا إذا سال بغير فعله، فأما إذا عصره حتى سال أو كان في موضع ركبتيه فانفتح من اعتماده على ركبتيه في سجوده فهذا بمنزلة الحدث العمد، قال علي لا يبني على صلاته، وإن أصابته بندقة فشجته فسال منه دم لم يبن على صلاته في قول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله تعالى - وقال أبو يوسف - رحمه الله تعالى - يبني إذا توضأ؛ لأن عمر - رضي الله تعالى عنه - لما طعن في المحراب استخلف عبد الرحمن بن عوف، ولو فسدت صلاته لفسدت صلاة القوم فلم يستخلفه، ولأن الحدث سبقه بغير صنعه فهو كالحدث السماوي.
(ولنا) أن الحدث كان بصنع العباد فيمنعه كما لو كان بصنعه؛ لأن هذا ليس في معنى المنصوص عليه، فإن الحدث السماوي العذر المانع من المضي ممن له الحق، وهنا العذر من غير من له الحق وبينهما فرق، فإن المريض يصلي قاعدا ثم لا يعيد إذا برأ، والمقيد يصلي قاعدا ثم تلزمه الإعادة عند إطلاقه، وحديث عمر - رضي الله تعالى عنه - كان قبل افتتاح الصلاة ليفتتح الصلاة، ألا ترى أنه روي أنه لما طعن قال آه قتلني الكلب من يصلي بالناس ثم قال: تقدم يا عبد الرحمن، وهذا كلام يمنع البناء على الصلاة
قال: (وإن نام في صلاته فاحتلم في القياس يغتسل ويبني) يريد القياس على الاستحسان في الحدث الصغرى ولكني أستحسن أن يستقبل يريد العود إلى القياس الأول؛ لأن هذا ليس في معنى المنصوص عليه، فإنه يحتاج في الاغتسال إلى كشف العورة ولا يحتاج إليه في الوضوء، ولأن المصلي قد يبتلى بالحدث الصغرى عادة فمن النادر أن يبتلى بالحدث الموجب للاغتسال، والنادر ليس في معنى ما تعم به البلوى.
قال: (وإذا سقط عن المصلي ثوبه فقام عريانا وهو لا يعلم ثم تذكر من ساعته فتناول ثوبه ولبسه، فإنه يمضي على صلاته) ، وفي القياس يستقبل الصلاة لوجود انكشاف العورة في الصلاة، وهو مناف لما ابتدأها ولكنه استحسن فقال: الانكشاف الكثير في المدة اليسيرة بمنزلة الانكشاف اليسير في المدة الطويلة وذلك لا يمنع جواز الصلاة فهذا مثله، وهذا إذا لم يؤد ركنا ولم يمكث عريانا بقدر ما يتمكن فيه من أداء ركن
فإن مكث عريانا ذلك القدر فليس له أن يبني قياسا واستحسانا، وكذلك إن سال عليه نجاسة كثيرة وعليه ثوبان، فإن ألقى النجس من ساعته فهو على القياس، والاستحسان كما مر، وإن أدى ركنا أو مكث بقدر ما يتمكن من أداء ركن استقبل الصلاة.
[صلت المرأة وربع ساقها مكشوف]
قال: (وإذا صلت المرأة وربع ساقها مكشوف أعادت الصلاة) ، وإن كان أقل من ذلك لم تعد عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله تعالى - وقال أبو يوسف - رحمه الله تعالى - لا تعيد حتى يكون النصف مكشوفا. فالحاصل أن ستر العورة فرض لقوله تعالى: {خذوا زينتكم عند كل مسجد} [الأعراف: 31] والمراد ستر العورة لأجل الصلاة لا لأجل الناس، والناس في الأسواق أكثر منهم في المساجد، ورأس المرأة عورة قال - عليه الصلاة والسلام - «لا يقبل الله صلاة امرأة حائض إلا بخمار» أي صلاة بالغة، فإن الحائض لا تصلي. ثم القليل من الانكشاف عفو عندنا خلافا للشافعي - رحمه الله تعالى - وهو نظير القليل من النجاسة. ودليلنا فيه ضرورة وبلوى خصوصا في حق الفقراء، والذين لا يجدون إلا الخلق من الثياب، فقد روي عن عمرو بن أبي سلمة قال: كنت أؤم أصحابي يعني الصبيان على إزار متخرق فكانوا يقولون لأمي غطي عنا است ابنك فدل أن القليل من الانكشاف عفو لا يمنع جواز الصلاة والكثير يمنع، فقدر أبو يوسف ذلك بالنصف؛ لأن القلة والكثرة من الأسماء المشتركة، فإن الشيء إذا قوبل بما هو أكثر منه يكون قليلا، وإذا قوبل بما هو أقل منه يكون كثيرا، فإذا كان المكشوف دون النصف فهو في مقابلة المستور قليل، وإذا كان أكثر من النصف فهو في مقابلة المستور كثير، وفي النصف سواء روايتان عن أبي يوسف - رحمه الله تعالى -. في إحداهما لا يمنع؛ لأن الانكشاف الكثير مانع ولم يوجد. وفي الأخرى استوى الجانب المفسد والمجوز فيغلب المفسد احتياطا للعبادة وأبو حنيفة ومحمد رحمهما الله قدرا الكثير بالربع، فإن الربع يحكي الكمال، ألا ترى أن المسح بربع الرأس كالمسح بجميعه، ومن نظر إلى وجه إنسان يستجيز من نفسه أن يقول: رأيت فلانا، وإنما رأى أحد جوانبه الأربعة، والذي بينا في الرأس كذلك في البطن والشعر والفخذ، فأما في القبل والدبر فقد ذكر الكرخي أن التقدير فيهما بالدرهم دون الربع؛ لأنها عورة غليظة فتقاس بالنجاسة الغليظة، وهذا ليس بقوي، فإنه ليس في هذا إظهار معنى التغليظ؛ لأن الدبر مقدر بالدرهم فعلى قياس قوله إذا انكشف الدبر ينبغي أن تجوز الصلاة حتى تكون أكثر من الدرهم، فإن قدر الدرهم من الصلاة لا يمنع جواز الصلاة حتى يكون أكثر منه، والأصح
أن التقدير بالربع في الكل وإليه أشار في الزيادات.
قال: (وإذا صلت وشيء من رأسها وشيء من بطنها وشيء من عورتها باد، فإن كان ذلك إذا جمع بلغ قدر ربع عضو يمنع جواز الصلاة) وإلا فلا.
قال: (وتقعد المرأة في صلاتها كأستر ما يكون لها) لما روينا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «قال لتلك المرأة: ضمي بعض اللحم إلى الأرض»، ولأن مبنى حالها على التستر في خروجها، فكذلك في صلاتها ينبغي أن تتستر بقدر ما تقدر عليه، قال - عليه الصلاة والسلام - «المرأة عورة مستورة».
قال: (رجل دعا في صلاته فسأل الله تعالى - الرزق والعافية لم تفسد صلاته) لقوله تعالى {ادعوا ربكم تضرعا وخفية} [الأعراف: 55] وقال: - عليه الصلاة والسلام - «وأما في سجودكم فاجتهدوا بالدعاء، فإنه قمن أن يستجاب لكم» وحاصل المذهب عندنا أنه إذا دعا في صلاته بما في القرآن أو بما يشبه ما في القرآن لم تفسد صلاته، وإن دعا بما يشبه كلام الناس نحو قولهم: اللهم ألبسني ثوبا اللهم زوجني فلانة تفسد صلاته، وقال الشافعي - رضي الله تعالى عنه - إذا دعا في صلاته بما يباح له أن يدعو به خارج الصلاة لم تفسد صلاته لقوله تعالى {واسألوا الله من فضله} [النساء: 32] وقال - عليه الصلاة والسلام - «سلوا الله حوائجكم حتى الشسع لنعالكم والملح لقدوركم»، وإن عليا - رضي الله تعالى عنه - في حروبه كان يقنت في صلاة الفجر يدعو على من ناواه.
(ولنا) حديث معاوية بن الحكم فقد جعل قوله: يرحمك الله من جنس كلام الناس، وقال: إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس فهو كلامهم، وإن سعد بن أبي وقاص - رضي الله تعالى عنه - رأى ابنا له يدعو في صلاته فقال: إياك أن تكون من المعتدين، فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «سيكون في أمتي أقوام يعتدون في الدعاء وتلا قوله تعالى {إنه لا يحب المعتدين} [الأعراف: 55] ثم قال أما يكفيك أن تقول اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل» ولا حجة في حديث علي، فإنهم لم يسوغوا له ذلك الاجتهاد حتى كتب إليه أبو موسى الأشعري - رضي الله تعالى عنه - أما بعد، فإذا أتاك كتابي فأعد صلاتك. وفي الأصل قال: أرأيت لو أنشد شعرا أما كان مفسدا لصلاته، ومن الشعر ما هو ذكر نحو قول القائل:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل
قال: (وإذا مر المصلي بآية فيها ذكر الجنة فوقف عندها وسأل، أو بآية فيها ذكر النار فوقف عندها وتعوذ بالله منها فهو حسن في التطوع إذا كان وحده) لحديث «حذيفة - رضي الله تعالى عنه - أنه صلى مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
قال فما مر بآية فيها ذكر الجنة إلا وقف وسأل الله الجنة، وما مر بآية فيها ذكر النار إلا وقف وتعوذ بالله جل وعلا، وما مر بآية فيها مثل إلا وقف وتفكر»، فأما إذا كان إماما كرهت له ذلك؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يفعله في المكتوبات، والأئمة بعده إلى يومنا هذا، فكان من جملة المحدثات، وربما يمل القوم بما يصنع وذلك مكروه، ولكن لا تفسد صلاته لأنه لا يزيد في خشوعه، والخشوع زينة الصلاة، وكذلك إن كان خلف الإمام، فإنه يستمع وينصت؛ لأن القوم بالاستماع أمروا وإلى الإنصات ندبوا وعلى هذا وعدوا الرحمة لقوله تعالى {، وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون} [الأعراف: 204] .
ويترتب هذا الفصل على اختلاف العلماء في قراءة المقتدي خلف الإمام، فالمذهب عند أهل الكوفة أنه لا يقرأ في شيء من الصلوات، وعند أهل المدينة منهم مالك - رحمه الله تعالى - يقرأ في صلاة الظهر والعصر ولا يقرأ في صلاة الجهر، وعند الشافعي - رحمه الله تعالى - يقرأ في كل صلاة إلا أن في صلاة الجهر أوان قراءة الفاتحة بعد فراغ الإمام منها، فإن الإمام ينصت حتى يقرأ المقتدي الفاتحة، واستدل بقول النبي - صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة إلا بقراءة» وفي حديث «عبادة بن الصامت - رحمه الله تعالى - قال: صلينا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الصبح فلما فرغ قال: لعلكم تقرؤن خلفي، فقلنا: نعم، فقال: لا تقرؤن إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة إلا بها، وفي رواية لا صلاة لمن لم يقرأها» والمعنى فيه أن القراءة ركن من أركان الصلاة، فلا تسقط بسبب الاقتداء عند الاختيار كالركوع والسجود، بخلاف ما إذا أدرك الإمام في الركوع؛ لأن تلك الحالة حالة الضرورة، فإنه يخاف فوت الركعة بسبب الضرورة قد تسقط بعض الأركان، ألا ترى أن القيام بعد التكبير ركن، وقد يسقط هذا للضرورة.
(ولنا) قوله تعالى {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون} [الأعراف: 204] وأكثر أهل التفسير على أن هذا خطاب للمقتدي ومنهم من حمله على حال الخطبة ولا تنافي بينهما ففيه بيان الأمر بالاستماع والإنصات في حالة الخطبة لما فيها من قراءة القرآن قال - صلى الله عليه وسلم: «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة» وقال في الحديث المعروف، وإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا ومنع المقتدي من القراءة خلف الإمام مروي عن ثمانين نفرا من كبار الصحابة، وقد جمع أساميهم أهل الحديث. وقال سعد بن أبي وقاص من قرأ خلف الإمام فسدت صلاته، والمعنى فيه أن القراءة
غير مقصودة لعينها بل للتدبر والتفكر والعمل به قال ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - أنزل القرآن ليعمل به، فاتخذ الناس تلاوته عملا، وحصول هذا المقصود عند قراءة الإمام وسماع القوم، فإذا اشتغل كل واحد منهم بالقراءة لا يتم هذا المقصود، وهذا نظير الخطبة فالمقصود منها الوعظ والتدبر، وذلك بأن يخطب الإمام ويستمع القوم لا أن يخطب كل واحد منهم لنفسه، دل عليه إذا أدرك الإمام في حالة الركوع، فإن خاف فوت الركعة سقط عنه فرض القراءة، ولو كان من الأركان في حق المقتدي لما سقط بهذا العذر كالركوع والسجود ولا يقال إن ركن القيام يسقط، فإنه لا بد من أن يكبر قائما، وفرض القيام يتأدى بأدنى ما يتناوله الاسم ولا حجة لهم في الحديث، فإنه بقراءة الإمام تصير صلاة القوم بالقراءة، كما أن بخطبة الإمام تصير صلاتهم جميعا بالخطبة، وحديث عبادة بن الصامت - رضي الله تعالى عنه - يحمل على أنه كان ركنا في الابتداء، ثم منعهم عن القراءة خلفه بعد ذلك، ألا ترى أنه لما سمع رجلا يقرأ خلفه قال مالي أنازع في القرآن. والقراءة مخالفة لسائر الأركان فما هو المقصود بها لا يحصل بفعل الإمام، بخلاف القراءة على ما مر، ومذهب مالك - رضي الله تعالى عنه - مروي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -، فإن رجلا سأله أأقرأ خلف الإمام.؟ فقال له: أما في الظهر والعصر فنعم.
قال: (وإذا مرت الخادم بين يدي المصلي فقال: سبحان الله أو أومأ بيده ليصرفها لم تقطع صلاته) لما روينا «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أشار على زينب فلم تقف وقال - صلى الله عليه وسلم - إذا نابت أحدكم نائبة فليسبح، فإن التسبيح للرجال والتصفيق للنساء» قال في الكتاب وأحب إلي أن لا يفعل معناه ولا يجمع بين التسبيح والإشارة باليد، فإن له بأحدهما كفاية فمنهم من قال: المستحب أن لا يفعل شيئا من ذلك، وتأويل قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان في وقت كان العمل فيه مباحا في الصلاة، فإن أستأذن عليه إنسان فسبح وأراد إعلامه أنه في الصلاة لحديث «علي - رضي الله عنه - كان لي مدخلان من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كل يوم بأيهما شئت دخلت، فكنت إذا أتيت الباب، فإن لم يكن في الصلاة فتح الباب فدخلت، وإن كان في الصلاة رفع صوته بالقراءة فانصرفت» ولأنه قصد بهذا صيانة، ولو لم يفعل ربما يلح المستأذن حتى يبتلى هو بالغلط في القراءة، وإن أخبر بخبر يسوءه فاسترجع لذلك، فإن أراد جوابه قطع صلاته، وإن لم يرد جوابه لم يقطع؛ لأن مطلق الكلام محمول على قصد التكلم، فإذا أراد به الجواب كان جوابا، ومعنى استرجاعه
أعينوني فإني مصاب، ولو صرح بهذا لم يشكل فساد صلاته فكذلك إذا أراده بالاسترجاع، وإذا أخبر بخبر يسره فقال: الحمد لله، أو أخبر بما يتعجب منه فقال: سبحان الله، وأراد جواب المخبر فقد قطع صلاته عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله تعالى - وقال أبو يوسف التحميد وأشباه ذلك لا يقطع الصلاة، وإن أراد به الجواب؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنما هي للتسبيح والتهليل وقراءة القرآن» فما تلفظ به شرعت الصلاة لأجله، فلو فسدت صلاته إنما تفسد بنيته، ومجرد نية الكلام غير مفسد. ولم يذكر خلاف أبي يوسف في مسألة الاسترجاع، والأصح أن الكل على الخلاف، ومن سلم قال: الاسترجاع إظهار المصيبة وما شرعت الصلاة لأجله، والتحميد إظهار الشكر والصلاة شرعت لأجله.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|