عرض مشاركة واحدة
  #9  
قديم 28-09-2025, 04:12 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,290
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الاول
صـــ 181 الى صـــ 190
(19)



قال: (أمي صلى بقوم أميين وقارئين فصلاة الإمام والقوم كلهم فاسدة) عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى - صلاة الإمام والأميين تامة؛ لأن الأمي صاحب عذر، فإذا اقتدى به من هو في مثل حاله ومن لا عذر به جازت صلاته وصلاة من هو في مثل حاله، كالعاري يؤم العراة واللابسين، والمومي يؤم من يصلي بالإيماء ومن يصلي بالركوع والسجود، وصاحب الجرح السائل يؤم من هو في مثل حاله والأصحاء ولأبي حنيفة - رحمه الله تعالى - طريقان: (أحدهما) أنه لما جاءوا مجتمعين لأداء هذه الصلوات بالجماعة فالأمي قادر على أن يجعل صلاته بالقراءة بأن يقدم القارئ، فتكون قراءة إمامه قراءة له قال - صلى الله عليه وسلم: «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة»، فإذا تقدم بنفسه فقد ترك أداء الصلاة بالقراءة مع قدرته عليه بنفسه، فتفسد صلاته وصلاة القوم أيضا، بخلاف سائر الأعذار فلبس الإمام لا يكون لبسا للمقتدين، والركوع والسجود من الإمام لا ينوب عن المقتدي، ووضوء الإمام لا يكون وضوءا للمقتدي فهو غير قادر على إزالة هذا العذر بتقديم من لا عذر له (فإن قيل لو كان الإمام يصلي وحده وهناك قارئ يصلي بتلك الصلاة جازت صلاة الأمي ولم ينظر إلى قدرته على أن يجعل صلاته بقراءة بالاقتداء بالقارئ (قلنا ذكر أبو حازم أن على قياس قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - لا تجوز صلاته وهو قول مالك - رحمه الله تعالى -، وبعد التسليم قلنا: لم يظهر هناك من القارئ رغبة في أداء الصلاة بالجماعة فلا يعتبر وجوده في حق الأمي، بخلاف ما نحن فيه.
(والطريق الثاني) أن افتتاح الكل للصلاة قد صح؛ لأنه أوان التكبير، فالأمي قادر عليه كالقارئ فبصحة الاقتداء صار الأمي متحملا فرض القراءة عن القارئ، ثم جاء أوان القراءة وهو عاجز عن الوفاء بما تحمل فتفسد صلاته، وبفساد صلاته تفسد صلاة القوم، بخلاف سائر الأعذار، فإنها قائمة عند الافتتاح فلا يصح الاقتداء ممن لا عذر له بصاحب العذر ابتداء (فإن قيل لو اقتدى القارئ بالأمي بنية النفل لا يلزمه القضاء، ولو صح شروعه في الابتداء للزمه القضاء (قلنا إنما لا يلزمه القضاء؛ لأنه صار شارعا في صلاة لا قراءة فيها والشروع كالنذر، ولو نذر صلاة بغير قراءة لا يلزمه شيء إلا في رواية عن أبي يوسف
رحمه الله -، فكذلك إذا شرع فيها.
قال: (أمي تعلم سورة وقد صلى بعض صلاته فقرأها فيما بقي فصلاته فاسدة مثل الآخرين) لزوال أميته في خلال الصلاة، وكذلك لو كان قارئا في الابتداء فصلى بعض الصلاة بقراءة ثم نسي فصار أميا فصلاته فاسدة مثل الآخرين، وهذا قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -، وعند زفر - رحمه الله تعالى - لا تفسد في الموضعين جميعا، وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله إذا تعلم السورة استقبل، وإذا نسي بنى استحسانا لزفر - رحمه الله تعالى -، إذ فرض القراءة في الركعتين ألا ترى أن القارئ لو ترك القراءة في الركعتين الأوليين وقد قرأ الأخريين أجزأه، فإذا كان قارئا في الابتداء فقد أدى فرض القراءة في الأوليين فعجزه عنه بعد ذلك لا يضره كتركه مع القدرة، وإذا تعلم السورة وقرأ في الأخريين فقد أدى فرض القراءة فلا يضره عجزه عنه في الابتداء كما لا يضره تركه وأبو يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى - قالا: إذا تعلم السورة في خلال الصلاة فلو استقبلها كان مؤديا لها على أكمل الوجوه فأمرناه بالاستقبال، فأما إذا نسي القراءة فلو أمرناه بالاستقبال كان مؤديا جميع الصلاة بغير قراءة، فالأولى هو البناء ليكون مؤديا بعضها بقراءة وأبو حنيفة - رحمه الله تعالى - يقول حين افتتحها وهو أمي، فقد انعقدت صلاته بصفة الضعف، فحين تعلم السورة فقد قوي حاله، وبناء القوي على الضعيف لا يجوز كالعاري إذا وجد الثوب في خلال الصلاة، وكالمتيمم إذا وجد الماء في خلالها، وإذا كان قارئا في الابتداء فقد التزم أداء جميع الصلاة بقراءة ثم عجز عن الوفاء بما التزم فكان عليه الاستقبال في الفصلين، هذا وكذلك إن كان الإمام قارئا فقرأ في الركعتين الأوليين ثم أحدث فاستخلف أميا فسدت صلاتهم إلا على قول زفر - رحمه الله تعالى -، فإنه يقول: الإمام الأول أدى فرض القراءة وليس في الأخريين قراءة، فاستخلاف القارئ والأمي فيه سواء.
(ولنا) أن القراءة فرض في جميع الصلاة تؤدى في موضع مخصوص، فإذا كان الإمام قارئا فقد التزم أداء جميع الصلاة بقراءة، والأمي عاجز عن ذلك فلا يصلح خليفة له، واشتغاله باستخلاف من لا يصلح خليفة له يفسد صلاته، كما لو استخلف صبيا أو امرأة، وعلى هذا لو رفع رأسه من آخر السجدة ثم سبقه الحدث فاستخلف أميا فسدت صلاته وصلاة القوم عندنا، فأما إذا قعد قدر التشهد ثم أحدث فاستخلف أميا فهو على الخلاف المعروف بين أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - وصاحبيه.
قال: (أمي اقتدى بقارئ بعد ما صلى ركعة فلما فرغ الإمام قام الأمي لإتمام صلاته فصلاته فاسدة في القياس) وهو قول
أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -، وفي الاستحسان يجزئه وهو قولهما. وجه القياس أنه بالاقتداء بالقارئ قد التزم أداء هذه الصلاة بقراءة وقد عجز عن ذلك حين قام للقضاء؛ لأنه منفرد فيما يقضي، فلا تكون قراءة الإمام له قراءة فتفسد صلاته. وجه الاستحسان أنه إنما يلتزم القراءة ضمنا للاقتداء وهو مقتد فيما بقي على الإمام لا فيما سبقه به الإمام، يوضحه أنه لو بنى كان مؤديا بعض الصلاة بالقراءة، ولو استقبل كان مؤديا جميعها بغير قراءة، وأداء البعض مع القراءة أولى من أداء الكل بغير قراءة.
قال: (رجل صلى أربع ركعات تطوعا ولم يقعد في الثانية ففي القياس لا يجزئه وهو قول محمد وزفر رحمهما الله) ؛ لأن كل شفع من التطوع صلاة على حدة تفترض القعدة في آخرها، فترك القعدة الأولى هنا كتركها في صلاة الفجر والجمعة فتفسد به الصلاة، وفي الاستحسان تجزئه وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهم الله تعالى - بالقياس على الفريضة؛ لأن حكم التطوع أخف من حكم الفريضة، ويجوز أداء الفريضة أربع ركعات بقعدة واحدة، فكذلك التطوع ألا ترى أن في التطوع يجوز الأربع بتسليمة واحدة وبتحريمة واحدة بالقياس على الفرض فكذلك في القعدة، وعلى هذا قالوا لو صلى التطوع بثلاث ركعات بقعدة واحدة ينبغي أن يجوز بالقياس على صلاة المغرب، والأصح أنه لا يجوز؛ لأن التطوع بالركعة الواحدة غير مشروع فيفسد ما اتصل به القعدة وبفسادها يفسد ما قبله. واختلف مشايخنا فيمن تطوع بست ركعات بقعدة واحدة فجوزها بعضهم بالقياس على التحريمة والتسليمة، والأصح أنه لا يجوز؛ لأن استحسانه في الأربع كان بالقياس على الفريضة، وليس في الفرائض ست ركعات يجوز أداؤها في قعدة واحدة، فيعاد فيه إلى أصل القياس لهذا.
قال: (امرأة صلت خلف الإمام وقد نوى الإمام إمامة النساء فوقفت في وسط الصف، فإنها تفسد صلاة من عن يمينها ومن عن يسارها ومن خلفها بحذائها عندنا استحسانا) وقال الشافعي - رضي الله تعالى عنه - لا تفسد صلاة أحد بسبب المحاذاة؛ لأن محاذاة المرأة الرجل لا تكون أقوى من محاذاة الكلب أو الخنزير إياه، وذلك غير مفسد لصلاة الرجل، ولو فسدت الصلاة بسبب المحاذاة لكان الأولى أن تفسد صلاتها؛ لأنها منهية عن الخروج إلى الجماعة والاختلاط بالصفوف، يدل عليه أن المحاذاة في صلاة الجنازة أو سجدة التلاوة غير مفسد على الرجل صلاته، فكذلك في سائر الصلوات.
(ولنا) أنه ترك المكان المختار له في الشرع فتفسد صلاته كما لو أخرها وشرها أولها، فالمختار للرجال التقدم على النساء، فإذا وقف بجنبها أو خلفها
فقد ترك المكان المختار له وترك فرضا من فروض الصلاة أيضا، فإن عليه أن يؤخرها عند أداء الصلاة بالجماعة قال - عليه الصلاة والسلام: «أخروهن من حيث أخرهن الله» والمراد من الأمر بتأخيرها لأجل الصلاة فكان من فرائض صلاته، وهذا لأن حال الصلاة حال المناجاة فلا ينبغي أن يخطر بباله شيء من معاني الشهوة فيه، ومحاذاة المرأة إياه لا تنفك عن ذلك عادة، فصار الأمر بتأخيرها من فرائض صلاته، فإذا ترك تفسد صلاته، وإنما لا تفسد صلاتها؛ لأن الخطاب بالتأخير للرجل وهو يمكنه أن يؤخرها من غير أن يتأخر بأن يتقدم عليها، ولهذا لم تفسد صلاة الجنازة بالمحاذاة؛ لأنها ليست بصلاة مطلقة هي مناجاة بل هي قضاء لحق الميت، ثم ليس لها في الصلاة على الجنازة مقام لكونها منهية عن الخروج في الجنائز، ولا تفسد صلاة من هو على يمين من هو على يمينها، ومن على يسار من هو على يسارها إذ هناك حائل بينها وبينهما بمنزلة الأسطوانة، أو كان من الثياب، فإن كان صف تام من النساء وراءهن صفوف من الرجال فسدت صلاة تلك الصفوف كلها استحسانا، والقياس مثل الأول أنه لا تفسد إلا صلاة صف واحد خلف صفوف النساء؛ لأن تحقق المحاذاة في حقهم ولكنه استحسن حديث عمر - رضي الله تعالى عنه - موقوفا عليه ومرفوعا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «من كان بينه وبين الإمام نهر أو طريق أو صف من النساء فلا صلاة له» ولأن الصف من النساء بمنزلة الحائط بين المقتدي وبين الإمام، ووجود الحائط الكبير الذي ليس عليه فرجة بين المقتدي والإمام يمنع صحة الاقتداء، فكذلك في الصف من النساء، فأما المرأتان والثلاث إذا وقفن في الصف فالمروي عن محمد بن الحسن - رحمه الله تعالى - أن المرأتين تفسدان صلاة أربعة نفر: من عن يمينهما ومن عن يسارهما ومن خلفهما بحذائهما، والثلاث يفسدن صلاة من عن يمينهن ومن عن يسارهن وثلاثة ثلاثة خلفهن إلى آخر الصفوف، وقال: الثلاث جمع متفق عليه فهو قياس الصف التام، فأما المثنى فليستا بجمع تام فهما قياس الواحدة لا يفسدان إلا صلاة من خلفهما.
وعن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - روايتان في إحداهما جعل الثلاث كالاثنين وقال لا يفسدن إلا صلاة خمسة نفر: من عن يمينهن ومن عن يسارهن ومن خلفهن بحذائهن؛ لأن الأثر جاء في صف تام والثلاث ليس بصف تام من النساء، وفي الرواية الأخرى جعل المثنى كالثلاث وقال: يفسدان صلاة من عن يمينهما ومن عن يسارهما وصلاة رجلين خلفهما وصلاة رجلين خلفهما إلى آخر الصفوف؛ لأن للمثنى حكم الثلاث في الاصطفاف حين يصطفان خلف الإمام، قال: - عليه الصلاة والسلام -
«الاثنان فما فوقهما جماعة»، فإن وقفت بحذاء الإمام تأتم به وقد نوى إمامتها فسدت صلاة الإمام والقوم كلهم؛ لأن الإمام بسبب المحاذاة في صلاة مشتركة تفسد وبفساد صلاته تفسد صلاة القوم، وكان محمد بن مقاتل يقول: لا يصح اقتداؤها؛ لأن المحاذاة اقترنت بشروعها في الصلاة، ولو طرأت كانت مفسدة لصلاتها، فإذا اقترنت منعت صحة اقتدائها، وهذا فاسد؛ لأن المحاذاة لا تؤثر في صلاتها، وإنما تبطل صلاتها بفساد صلاة الإمام فلا تفسد صلاة الإمام إلا بعد شروعها؛ لأن المحاذاة ما لم تكن في صلاة مشتركة لا تؤثر في صلاتها إلا فسادا، حتى أن الرجل والمرأة إذا وقفا في مكان واحد فصلى كل واحد منهما وحده لا تفسد صلاة الرجل؛ لأن الترتيب في المقام إنما يلزمه عند المشاركة كالترتيب بين المقتدي والإمام، والأصل فيه حديث «عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بالليل وأنا نائمة بين يديه معترضة كاعتراض الجنازة، فكان إذا سجد خنست رجلي، وإذا قام مددتهما». وأما إذا لم ينو الإمام إمامتها لم تكن داخلة في صلاته فلا تفسد الصلاة على أحد بالمحاذاة عندنا، وقال زفر - رحمه الله تعالى - يصح اقتداؤها به، وإن لم ينو إمامتها، والقياس ما قاله زفر، فإن الرجل صالح لإمامة الرجال والنساء جميعا، ثم اقتداء الرجال بالرجل صحيح، وإن لم ينو الإمامة، فكذلك اقتداء النساء، واستدل بالجمعة والعيدين، فإن اقتداء المرأة بالرجل صحيح فيهما، وإن لم ينو إمامتها.
(ولنا) أن الرجل لما كان يلحق صلاته فساد من جهة المرأة أمكنه التحرز عنه بالنية كالمقتدي لما كانت صلاته يلحقها فساد من جهة الإمام أمكنه التحرز عنه بالنية، وهو أن لا ينوي الاقتداء به، وهذا؛ لأنا لو صححنا اقتداءها بغير النية قدرت على إفساد صلاة الرجل كل امرأة متى شاءت بأن تقتدي به، فتقف إلى جنبه وفيه من الضرر ما لا يخفى، وفي صلاة الجمعة والعيدين أكثر مشايخنا قالوا: لا يصح اقتداؤها به ما لم ينو إمامتها، وإن كان الجواب مطلقا في الكتاب، ومنهم من سلم فقال: الضرورة في جانبها هاهنا؛ لأنها لا تقدر على أداء صلاة العيد والجمعة وحدها ولا تجد إماما آخر تقتدي به، والظاهر أنها لا تتمكن من الوقوف بجنب الإمام في هذه الصلوات لكثرة الازدحام فصححنا اقتداءها به لدفع الضرر عنها، بخلاف سائر الصلوات، وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أنها إذا وقفت خلف الإمام جاز اقتداؤها به، وإن لم ينو إمامتها ثم إذا وقفت إلى جنبه فسدت صلاتها لا صلاة الرجل، وهذا قول أبي حنيفة - رحمه الله -
الأول، ووجهه أنها إذا وقفت خلفه فقصدها أداء الصلاة لا فساد صلاة الرجل فلا يشترط نية الإمامة، فإذا وقفت إلى جنبه فقد قصدت إفساد صلاته فرد قصدها بإفساد صلاتها إلا أن يكون الرجل قد نوى إمامتها، فحينئذ هو ملتزم بهذا الضرر.
قال: (وإذا سبق الرجل المرأة ببعض الصلاة فلما سلم الإمام قاما يقضيان فوقفت بحذاء الرجل لم تفسد صلاته، ولو كانا لاحقين بأن أدركا أول الصلاة ثم ناما أو سبقهما الحدث فوقفت المرأة بحذائه فيما يتمان فصلاة الرجل فاسدة) ؛ لأن المسبوق فيما يقضي كالمنفرد حتى تلزمه القراءة وسجود السهو إذا سها، فلم توجد المحاذاة في صلاة مشتركة، فأما اللاحق فيما يتم كالمقتدي حتى لا يقرأ، ولو سها لا يلزمه سجود السهو فوجدت المحاذاة في صلاة مشتركة. وفقه هذا الحرف أن اللاحق لما اقتدى بالإمام في أول الصلاة قد التزم أداء جميع الصلاة بصفة الاقتداء، فلا يجوز أداؤه بدون هذه الصفة، فأما المسبوق إنما التزم بحكم الاقتداء ما بقي على الإمام دون ما فرغ منه؛ لأن ذلك لا يتصور فجعلناه كالمنفرد فيما يقضي بهذا.
قال: (وإن كان الإمام يصلي الظهر فائتمت به امرأة تريد التطوع وقد نوى الإمام إمامتها ثم وقفت بحذائه فسدت صلاته وصلاتها) ؛ لأن اقتداء المتنفل بالمفترض صحيح، فوجدت المحاذاة في صلاة مشتركة، وعليها قضاء التطوع؛ لأن الفساد كان بعد صحة شروعها بسبب فساد صلاة الإمام، وإن كانت نوت العصر لم تجزها صلاتها ولم تفسد على الإمام صلاته؛ لأن تغاير الفرضين يمنع صحة الاقتداء على ما مر في باب الأذان، وما ذكرنا هاهنا دليل على أنها لا تصير شارعة في الصلاة أصلا، بخلاف ما ذكره في باب الأذان ففيه روايتان، وبعض مشايخنا قال: الجواب ما ذكر في باب الأذان، ومعنى ما ذكر هاهنا أن الإمام لم ينو إمامتها في صلاة العصر، فتجعل هي في الاقتداء به بنية العصر بمنزلة ما لم ينو إمامتها، فلهذا لا تصير شارعة في صلاة التطوع.
قال: (ويصلي العراة وحدانا قعودا بإيماء) وقال بشر المريسي - رحمه الله - يصلون قياما بركوع وسجود وهو قول الشافعي - رضي الله تعالى عنه -؛ لأنهم عجزوا عن شرط الصلاة وهو ستر العورة فهم قادرون على أركانها، فعليهم الإتيان بما قدروا عليه، وسقط عنهم ما عجزوا عنه، ومذهبنا مروي عن ابن عباس وابن عمر - رضي الله تعالى عنهم - قالا: العاري يصلي قاعدا بالإيماء، ولأن القعود والإيماء أستر لهم، وفي القيام والركوع والسجود زيادة كشف العورة، وذلك حرام في الصلاة وغير الصلاة، فكل ركوع وسجود لا يمكنه
أن يأتي به إلا بكشف العورة فذلك حرام، فلا يكون من أركان صلاته، فلهذا لا يلزمه القيام والركوع والسجود. وإن صلوا جماعة قياما بركوع وسجود أجزأهم؛ لأن تمام الستر لا يحصل بالقعود فتركه لا يمنع جواز الصلاة، وإنما أمرناهم بترك الجماعة ليتباعد بعضهم من بعض، فلا يقع بصر بعضهم على عورة البعض؛ لأن الستر يحصل به ولكن الأولى لإمامهم إذا صلوا بجماعة أن يقوم وسطهم لكي لا يقع بصرهم على عورته، وإن تقدمهم جاز أيضا وحالهم في حال الموضع كحال النساء في الصلاة فالأولى أن يصلين وحدهن، فإن صلين بالجماعة قامت إمامهن وسطهن، وإن تقدمتهن جاز فكذلك حال العراة. وإن كان مع العاري ثوب فيه نجاسة، فإن كان قدر الربع من الثوب طاهرا يلزمه أن يصلي فيه فلو صلى عريانا لم تجز؛ لأن الربع بمنزلة الكمال في بعض الأحكام ألا ترى أن نجاسة الربع في حالة الاختيار في المنع من جواز الصلاة كنجاسة الكل فكذلك طهارة الربع في حالة الضرورة كطهارة الكل لوجوب الصلاة فيه، وأما إذا كان الثوب كله مملوءا دما، أو كان الطاهر منه دون ربعه فعند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله تعالى - يخير بين أن يصلي عريانا وبين أن يصلي فيه وهو الأفضل، وقال محمد - رحمه الله تعالى - لا تجزئه الصلاة إلا فيه؛ لأن الصلاة في الثوب النجس أقرب إلى الجواز من الصلاة عريانا، فإن القليل من النجاسة في الثوب لا يمنع الجواز، فكذلك الكثير في قول بعض العلماء، وقال عطاء من صلى وفي ثوبه سبعون قطرة من دم جازت صلاته، ولم يقل أحد بجواز الصلاة عريانا في حالة الاختيار، ولأنه لو صلى عريانا كان تاركا لفرائض منها ستر العورة ومنها القيام والركوع والسجود، فإذا صلى فيه كان تاركا فرضا واحدا وهو طهارة الثوب فهذا الجانب أهون.
«وقالت عائشة - رضي الله تعالى عنها: ما خير الرسول - صلى الله عليه وسلم - بين شيئين إلا اختار أهونهما فمن ابتلي ببليتين فعليه أن يختار أهونهما» وأبو حنيفة وأبو يوسف - رحمهما الله تعالى - قالا: الجانبان في حكم الصلاة سواء على معنى أن كل واحد منهما ضرورة محضة لا تجوز عند الاختيار في النفل ولا في الفرض يعني الصلاة عريانا والصلاة في ثوب مملوء دما، وإنما يعتبر التفاوت في حكم الصلاة، فإذا استويا خير بينهما، والأولى أن يصلي فيه؛ لأن ستر العورة غير مختص بالصلاة، وطهارة الثوب عن النجاسة تختص بها، فلهذا كان الأفضل أن يصلي فيه.
قال: (وإذا أحدث الرجل في ركوعه أو سجوده فذهب وتوضأ وجاء لم يجزئه الاعتداد بالركوع والسجود الذي أحدث فيه) ؛ لأن الحدث قد نقضه، ومعنى
هذا أن القياس أن يفسد جميع الصلاة بالحدث تركناه بالنص المجوز للبناء على الصلاة، فبقي معمولا به في حق الركن الذي أحدث فيه؛ لأن انتقاض ذلك الركن لا يمنع من البناء، ولأن تمام الركن بالانتقال عنه، ولا يمكن أن يجعل رفع رأسه بعد الحدث إتماما لذلك الركن؛ لأنه جزء من صلاته، وأداء جزء من صلاته بعد سبق الحدث مفسد لصلاته، وإذا جاء بعد الوضوء فعليه إتمام ذلك الركن، ولا يمكنه إتمامه إلا بإعادته فعليه الإعادة لهذا
قال: (فإن كان إماما فأحدث وهو راكع فتأخر وقدم رجلا مكث الرجل راكعا كما هو حتى يكون قدر ركوعه) ؛ لأن الاستدامة فيما يستدام كالإنشاء، والثاني قائم مقام الأول، وعلى الأول إنشاء الركوع فعلى الثاني استدامته أيضا، فإن لم يحدث ولكن تذكر في الركوع في الركعة الثانية أنه ترك سجدة من الركعة الأولى فخر ساجدا ثم رفع رأسه، فإن احتسب بذلك الركوع جاز، وإن أعاده فهو أحب إلي؛ لأن تذكره السجود غير ناقض لركوعه، ولأن رفع رأسه يمكن أن يجعل إتماما للركوع بعد تذكره السجدة، ألا ترى أنه لو أخرها إلى آخر صلاته جاز، فلهذا كان له أن يعتد به، والإعادة أفضل؛ لأنه ما قصد إتمام الركن بالانتقال عنه إنما قصد إذا تذكر، وقال زفر - رحمه الله - عليه أن يعيد القيام والقراءة والركوع؛ لأن من أصله أن مراعاة الترتيب في أفعال الصلاة ركن واجب فالتحقت هذه السجدة بمحلها وبطل ما أدى من القيام والقراءة والركوع لترك الترتيب، فأما عندنا مراعاة الترتيب ليست بركن ألا ترى أن المسبوق يبدأ بما أدرك مع الإمام فيه، ولو كان الترتيب ركنا لما جاز له تركها بعذر الجماعة كالترتيب بين الصلوات، ولئن كان الترتيب واجبا فقد سقط بعذر النسيان. وعن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - أن عليه إعادة الركوع لا محالة، وهو بناء على أصله أن القومة التي بين الركوع والسجود ركن حتى لو تركها لا تجوز صلاته، وأصل المسألة أن الاعتدال في أركان الصلاة سنة مؤكدة أو واجب عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله تعالى - وعند أبي يوسف والشافعي - رحمهما الله تعالى - هو ركن، حتى إنه إن لم يتم ركوعه وسجوده في الصلاة ولم يقم صلبه تجوز صلاته عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله تعالى - ويكره أشد الكراهة، وروي عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - قال: أخشى أن لا تجوز صلاته، وعند أبي يوسف والشافعي - رحمهما الله تعالى - لا تجوز صلاته أصلا لحديث «الأعرابي، فإنه دخل المسجد وخفف فقال له - عليه الصلاة والسلام: ارجع فصل، فإنك لم تصل حتى فعل ذلك ثلاثا، ثم حين
علمه قال: له اركع حتى يطمئن كل عضو منك، ثم ارفع رأسك حتى يطمئن كل عضو منك» الحديث ورأى حذيفة بن اليمان رجلا يصلي ولا يتم الركوع والسجود، فقال: مذ كم تصلي هكذا، فقال: مذ كذا، فقال: إنك لم تصل منذ كذا، ومثل هذا لا يعلم بالرأي، وإنما يقال سماعا.
(ولنا) ما روي «عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان في المسجد مع أصحابه فدخل رجل وصلى وخفف فلما خرج أساءوا القول فيه فقالوا: أخرها ثم لم يحسن أداءها، فقال - عليه الصلاة والسلام: ألا أحد يشتري صلاته منه، فخرج أبو هريرة - رضي الله عنه - فاشتراها بدرهم فأبى فما زال يزيد حتى ضجر الرجل، فقال: لو أعطيتني ملء الأرض ذهبا ما بعتكها، فعاد إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره بذلك، فقال: ألم أنهكم عن المصلين» فقد جعل فعله صلاة معتبرة، وسئل ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - عن صلاة الأعراب الذين ينقرون نقرا، فقال: ذلك خير من لا شيء، ولأن الركنية لا تثبت إلا باليقين، وإنما ورد النص بالركوع والسجود، ومطلق الاسم يتناول الأدنى فبقيت الركنية بذلك القدر، والزيادة على ذلك للإكمال، ولكن ترك ما هو لإكمال الفريضة مما ليس بركن لا يفسده، وقد نص عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديث الأعرابي فيما علمه، فإنه قال: «إذا فعلت ذلك فقد أتممت صلاتك، وإن نقصت من ذلك فقد نقصت صلاتك». إذا عرفنا هذا فنقول عند أبي يوسف - رحمه الله تعالى - القومة التي بين الركوع والسجود ركن، فإنه إذا تذكر السجدة في الركوع إما السجدة الصلاتية أو التلاوية فخر لها ساجدا ولم يأت بتلك القومة فعليه إعادة الركوع ليأتي بتلك القومة. وعندنا تلك القومة ليست بركن فتركها لا يفسد الصلاة والأولى الإعادة ليأتي بها. ثم قدر الركن من الركوع أدنى الانحطاط على وجه يسمى راكعا في الناس، وفي السجود إمساس جبهته أو أنفه على الأرض عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -، والمفروض من الرفع بين السجدتين قدر ما يزايل جبهته وأنفه الأرض ليتحقق به الفصل بين السجدتين. وقال بعض مشايخنا - رحمهم الله تعالى: لا يجوز إلا أن يرفع بقدر ما يكون إلى القعود أقرب منه إلى السجود، والأول أقيس.
قال: (وإذا أدرك الرجل ركعة مع الإمام من المغرب فلما سلم الإمام قام يقضي قال: يصلي ركعة ويقعد) ، وهذا استحسان، والقياس يصلي ركعتين ثم يقعد؛ لأنه يقضي ما فاته فيقضي كما فاته، ويؤيد هذا القياس بالسنة وهو قوله - صلى الله عليه وسلم: «وما فاتكم فاقضوا» ووجه الاستحسان أن هذه الركعة ثانية هذا المسبوق، والقعدة بعد الركعة الثانية في صلاة
المغرب سنة، وهذا لأن الثانية هي الثالثة للأولى، والثانية للأولى في حقه هذه الركعة، وروي أن جندبا ومسروقا - رضي الله تعالى عنهما - ابتليا بهذا، فصلى جندب ركعتين ثم قعد، ومسروق ركعة ثم قعد، ثم صلى ركعة أخرى، فسألا عن ذلك ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه -، فقال: كلاكما أصاب، ولو كنت أنا لصنعت كما صنع مسروق، وتأويل قوله: كلاكما أصاب طريق الاجتهاد، فأما الحق فواحد غير متعدد، ثم ما يصلي المسبوق مع الإمام آخر صلاته حكما عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله تعالى - وعند محمد - رحمه الله تعالى - في القراءة والقنوت هو آخر صلاته، وفي حكم القعدة هو أول صلاته، ومذهبه مذهب ابن مسعود، ومذهبهما مذهب علي - رضي الله تعالى عنه -، وقال الشافعي - رضي الله تعالى عنه - هو أول صلاته فعلا وحكما؛ لأنه لا يتصور الآخر إلا بعد الأول في الأداء، ألا ترى أن تكبيرة الافتتاح في حقه أول الصلاة فكذلك ما بعده، ولكنا نقول: لو كان هذا مؤديا لأول الصلاة كان مخالفا لإمامه، ولا يصح الاقتداء به كيف وقد قال رسول الله: - صلى الله عليه وسلم - «ما فاتكم فاقضوا» فهو نص على أنه مؤد مع الإمام ما أدرك لا ما فاته، ولكن محمد - رحمه الله تعالى - جعله في حكم القراءة هكذا احتياطا حتى تلزمه القراءة فيما يقضي؛ لأن القراءة مكررة في صلاة واحدة، وكذلك في حكم القنوت؛ لأنه يتكرر في صلاة واحدة، فلو جعلنا ما يؤديه مع الإمام أول الصلاة للزمه القنوت فيما يقضي، فيؤدي إلى تكرار القنوت في صلاة واحدة، فأما في حكم القعدة فتتم الصلاة بقعدة هي ركن، ولن يكون ذلك إلا بعد أن يجعل ما يؤديه مع الإمام أول الصلاة، فلهذا قعد إذا صلى ركعة، وحكي عن يحيى البناء وكان من أصحاب محمد - رحمه الله تعالى - أنه سأله عن هذه المسألة، فأجاب بما قلنا، فقال على وجه السخرية: هذه صلاة معكوسة، فقال محمد - رحمه الله تعالى - لا أفلحت، قال: وكان كما قال: أفلح أصحابه ولم يفلح بدعائه.
قال: (وأحب أن يكون بين يدي المصلي في الصحراء شيء أدناه طول ذراع) لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا صلى أحدكم في الصحراء فليتخذ بين يديه سترة» وكانت العنزة تحمل مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتركز في الصحراء بين يديه فيصلي إليها، حتى قال عون بن جحيفة عن أبيه «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالبطحاء في قبة حمراء من أدم، فركز بلال العنزة، وخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي إليها، والناس يمرون من ورائها»، وإنما قال: بقدر ذراع طولا ولم يذكر العرض، وكان ينبغي أن تكون
في غلظ أصبع لقول ابن مسعود، يجزئ من السترة السهم، فإن المقصود أن يبدو للناظر فيمتنع من المرور بين يديه، وما دون هذا لا يبدو للناظر من بعد، (وإذا اتخذ السترة فليدن منها) لما جاء في الحديث «إذا صلى أحدكم إلى سترة فليرهقها»، وإن لم يكن بين يديه شيء، فصلاته جائرة؛ لأن الأمر باتخاذ السترة ليس لمعنى راجع إلى عين الصلاة، فلا يمنع تركه جواز الصلاة.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 43.58 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 42.95 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.44%)]