
28-09-2025, 04:01 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,651
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي
الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الاول
صـــ 151 الى صـــ 160
(16)
وفي حديث الصنابحي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وقال إنها تطلع بين قرني الشيطان كأن الشيطان يزينها في عين من يعبدونها حتى يسجدوا لها فإن ارتفعت فارقها فإذا كان عند قيام الظهيرة قارنها فإذا مالت فارقها فإذا دنت للغروب قارنها فإذا غربت فارقها فلا تصلوها في هذه الأوقات»، وفي حديث «عمر بن عنبسة قال قلت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - هل من الليل والنهار ساعة لا يصلى فيها فقال إذا صليت المغرب فالصلاة مشهودة مقبولة إلى أن تصلي الفجر ثم أمسك حتى تطلع الشمس ثم الصلاة مشهودة مقبولة إلى وقت الزوال ثم أمسك فإنها ساعة تسعر فيها جهنم ثم الصلاة مشهودة مقبولة إلى أن تصلي العصر ثم أمسك حتى تغرب الشمس» والأمكنة في هذا النهي سواء عندنا لعموم الآثار. وقال الشافعي لا بأس بالصلاة في هذه الأوقات بمكة لحديث روي «إلا بمكة» ولم تثبت هذه الزيادة عندنا؛ لأنها شاذة فلا تعارض المشاهير، وعن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - أنه قال: لا بأس بالصلاة في هذه الأوقات وقت الزوال يوم الجمعة وقد روي شاذا إلا يوم الجمعة به أخذ أبو يوسف وقال للناس بلوى في تحية المسجد عند الزوال يوم الجمعة فالآثار التي روينا توجب الكراهة في الكل، ثم كل وقت ينهى فيه عن عبادة لا يختلف الحال فيه بين الجمعة وغيرها وبين مكة وغيرها كالنهي عن الصوم في يوم العيد وفي هذه الأوقات الثلاثة لا تؤدى الفرائض عندنا. وقال الشافعي: النهي عن أداء النوافل، فأما الفرائض فلا بأس بأدائها في هذه الأوقات لقوله - صلى الله عليه وسلم - «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها».
(ولنا) حديث «ليلة التعريس فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما نزل آخر الليل قال من يكلؤنا الليلة فقال بلال أنا فناموا فما أيقظهم إلا حر الشمس وفي رواية انتبهوا وقد بدا حاجب الشمس فقال - عليه الصلاة والسلام - لبلال أين ما وعدتنا قال ذهب بنفسي الذي ذهب بنفوسكم فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرواحنا بيد الله تعالى وأمرهم فانتقلوا عن ذلك الوادي ثم نزلوا فأوتر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم أذن بلال فصلى ركعتي الفجر ثم قام فصلى بهم
قضاء» وإنما انتقل من ذلك الوادي؛ لأنه تشاءم والأصح أنه أراد أن ترتفع الشمس فلو جاز الفجر المكتوبة في حال طلوع الشمس لما أخر بعد الانتباه والآثار المروية في النهي عامة في جنس الصلوات وبها يثبت تخصيص هذه الأوقات من الحديث الذي رواه الخصم.
قال (ولا يصلى في هذه الأوقات على الجنازة أيضا) لقوله «وأن نقبر فيهن موتانا» فليس المراد به الدفن؛ لأن ذلك جائز بالاتفاق ولكنه كناية عن الصلاة على الجنازة أيضا.
قال (ولا يسجد فيهن للتلاوة أيضا) ؛ لأن الكراهة للتحرز عن التشبه بمن يعبد الشمس والتشبه يحصل بالسجود، والنهي عن الصلاة على الجنازة وعن سجدة التلاوة في هذه الأوقات مروي عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - ولو أدى سقط عنه؛ لأن الوجوب في هذا الوقت والنهي ليس لمعنى في عين السجود والصلاة فلا يمنع الجواز
(إلا عصر يومه فإنه يؤديها عند غروب الشمس) لأن هذا الوقت سبب لوجوبها حتى لو أسلم الكافر أو بلغ الصبي في هذا الوقت يلزمه أداؤها فيستحيل أن يجب عليه الأداء في هذا الوقت ويكون ممنوعا من الأداء وعلى هذا لو غربت الشمس وهو في خلال العصر يتم الصلاة بالاتفاق، ولو طلعت الشمس وهو في خلال الفجر فسدت صلاته عندنا، وعند الشافعي لا تفسد اعتبارا بحالة الغروب واستدل بقوله - عليه الصلاة والسلام - «من أدرك ركعة من الفجر قبل طلوع الشمس فقد أدرك».
والفرق بينهما عندنا أن بالغروب يدخل وقت الفرض فلا يكون منافيا للفرض وبالطلوع لا يدخل وقت الفرض فكان مفسدا للفرض كخروج وقت الجمعة في خلالها مفسد للجمعة؛ لأنه لا يدخل وقت مثلها، قال والأصح عندي في الفرق أن الطلوع بظهور حاجب الشمس وبه لا تنتفي الكراهة بل تتحقق فكان مفسدا للفرض، والغروب بآخره وبه تنتفي الكراهة فلم يكن مفسدا للعصر لهذا، وتأويل الحديث أنه لبيان الوجوب بإدراك جزء من الوقت قل أو كثر، وعن أبي يوسف أن الفجر لا يفسد بطلوع الشمس ولكنه يصبر حتى إذا ارتفعت الشمس أتم صلاته وكأنه استحسن هذا ليكون مؤديا بعض الصلاة في الوقت ولو أفسدناها كان مؤديا جميع الصلاة خارج الوقت وأداء بعض الصلاة في الوقت أولى من أداء الكل خارج الوقت. ووقتان آخران ما بعد العصر قبل تغير الشمس وما بعد صلاة الفجر قبل طلوع الشمس فإنه لا يصلى فيهما شيء من النوافل لحديث «ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عندي عمر أن النبي
صلى الله عليه وسلم - نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب الشمس» وهذا الحديث يرويه أبو سعيد الخدري ومعاذ ابن عفراء - رضوان الله عليهم - وجماعة ولكن يجوز أداء الفريضة في هذين الوقتين وكذلك الصلاة على الجنازة وسجدة التلاوة، إنما النهي عن التطوعات خاصة ألا ترى أنه يؤدى فرض الوقت فيهما فكذلك سائر الفرائض فأما الصلوات التي لها سبب من العباد كركعتي الطواف وركعتي تحية المسجد لا تؤدى في هذين الوقتين عندنا خلافا للشافعي - رحمه الله تعالى - واستدل بقوله - صلى الله عليه وسلم - «إذا دخل أحدكم المسجد فليحيه بركعتين» «ورأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد ما صلى في مسجد الخيف رجلين لم يصليا معه فقال ما بالكما لم تصليا معنا فقالا إنا صلينا في رحالنا فقال إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما إمام قوم فصليا معهم» فقد جوز لهما الاقتداء بالإمام بعد الفجر تطوعا.
(ولنا) ما روي أن عمر - رضي الله تعالى عنه - طاف بالبيت سبعا بعد صلاة الفجر ثم خرج من مكة حتى إذا كان بذي طوى فطلعت الشمس صلى ركعتين فقال ركعتان مكان ركعتين فقد أخر ركعتي الطواف إلى ما بعد طلوع الشمس. وتأويل الحديث الذي روي أنه كان قبل النهي عن الصلاة في هذا الوقت. فكذلك المنذورة لا تؤدى في هذين الوقتين؛ لأن وجوبها بسبب من العبد فهي كالتطوع وركعتي الطواف، وكذلك بعد طلوع الفجر قبل أن يصلي الفجر لا يصلي تطوعا إلا ركعتي الفجر؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يتطوع في هذا الوقت مع حرصه على الصلاة حتى كان يقول وجعلت قرة عيني في الصلاة.
(فإن قيل) لم يذكر في هذا الكتاب وقتا آخر وهو بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب والتطوع فيه مكروه أيضا (قلنا) نعم ولكن هذا النهي ليس لمعنى في الوقت بل لما فيه من تأخير المغرب كالنهي عن الصلاة عند الخطبة ليس لمعنى بل لما فيه من الاشتغال عن سماع الخطبة فلهذا لم يذكره هنا
قال (وإذا نسي الفجر حتى زالت الشمس ثم ذكرها بدأ بها ولو بدأ بالظهر لم يجزه عندنا) لأن الترتيب بين الفائتة وفرض الوقت مستحق عندنا وهو مستحب عند الشافعي - رحمه الله تعالى - فإذا بدأ بالظهر جاز عنده؛ لأن ما بعد زوال الشمس وقت للظهر بالآثار المشهورة وأداء الصلاة في وقتها يكون صحيحا كما إذا كان ناسيا للفائتة ثم الترتيب في أداء الصلوات في أوقاتها لضرورة الترتيب في أوقاتها وذلك لا يوجد في الفوائت؛ لأنها صارت مرسلة عن الوقت ثابتة في الذمة فكان قياس قضاء الصوم مع الأداء.
(ولنا) قوله - صلى الله عليه وسلم - «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها» فقد جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقت التذكر وقتا للفائتة فمن ضرورتها أن لا يكون وقتا لغيرها، وأداء الصلاة قبل وقتها لا يجوز بخلاف حالة النسيان فإنه ليس بوقت للفائتة فكان وقتا لفرض الوقت. ثم القضاء بصفة الأداء فكما يراعى الترتيب بين الفجر والظهر أداء في الوقت فكذلك قضاء بعد خروج الوقت والأصل فيه حديث ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال - صلى الله عليه وسلم - «من نسي صلاة فلم يذكرها إلا وهو مع الإمام فليصل معه وليجعلها تطوعا ثم ليقض ما ذكره ثم ليعد ما كان فيه» وبعين هذا نقول. وفيه تنصيص على أن الترتيب شرط ثم يسقط الترتيب بثلاثة أشياء:
أحدها: النسيان لما روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى المغرب يوما ثم قال هل رآني أحد منكم صليت العصر فقالوا لا فصلى العصر ولم يعد المغرب».
والثاني: ضيق الوقت حتى إذا كان بحيث لو اشتغل بالفائتة خرج الوقت قبل أداء فرض الوقت فليس عليه مراعاة الترتيب؛ لأنه ليس من الحكمة تدارك الفائتة بتفويت مثلها ولو اشتغل بالفائتة فإنه فرض الوقت ولكن هنا في هذا الفصل لو بدأ بالفائتة أجزأه بخلاف الأول فإن هناك هو مأمور بالبداءة بالفائتة ولو بدأ بفرض الوقت لم يجزه؛ لأن النهي عن البداءة بفرض الوقت هناك لمعنى في عينها ألا ترى أنه ينهى عن الاشتغال بالتطوع أيضا والنهي متى لم يكن لمعنى في عين المنهي عنه لا يمنع جوازه.
والثالث: كثرة الفوائت فإنه يسقط به الترتيب عندنا وحد الكثرة أن تصير الفوائت ستا؛ لأن واحدة منها تصير مكررة وهذا يرجع إلى ضيق الوقت أيضا فلو أمرناه بمراعاة الترتيب مع كثرة الفوائت لفاته فرض الوقت عن وقته، وعن زفر أنه تلزمه مراعاة الترتيب في صلاة شهر فكأنه جعل حد الكثرة بأن يزيد على شهر وكان بشر المريسي يقول من ترك صلاة لم يجزه صلاة في عمره بعد ذلك ما لم يقضها إذا كان ذاكرا لها؛ لأن كثرة الفوائت تكون عن كثرة تفريطه فلا يستحق به التخفيف، ثم عند كثرة الفوائت كما لا تجب مراعاة الترتيب بينها وبين فرض الوقت لا يجب مراعاة الترتيب فيما بين الفوائت. وعند قلة الفوائت يجب لما روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - شغل عن أربع صلوات يوم الخندق فقضاهن بعد هوي من الليل مرتبا ثم قال صلوا كما رأيتموني أصلي» وروى ابن سماعة عن محمد - رحمه الله تعالى - أن بدخول وقت السادسة لا تجب مراعاة الترتيب وجعل أول وقت السادسة كآخره وهذا لا يصح فبدخول وقت السادسة لا تدخل الفوائت
في حد التكرار وإنما تدخل الفوائت في حد التكرار بخروج وقت السادسة
قال (وإن ذكر الوتر في الفجر فسد فرضه إذا كان الوقت واسعا) في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - وعندهما لا يفسد؛ لأن الوتر أضعف من الفجر والضعيف لا يفسد القوي واستدل أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - بقوله - صلى الله عليه وسلم - «من نام عن الوتر أو نسيه فليصله إذا ذكره فإن ذلك وقته» فقد ذكر في الوتر ما ذكر في سائر المكتوبات فدل على وجوب الترتيب بين الوتر والمكتوبة، ولا يبعد إفساد القوي بما هو أضعف منه لمراعاة الترتيب كالمصلي إذا قعد قدر قعدة التشهد ثم تذكر سجدة التلاوة فسجد لها تبطل القعدة، والسجدة أضعف من القعدة وفي الحقيقة هذه المسألة تنبني على معرفة صفة الوتر فنقول: لا خلاف بيننا أن الوتر أقوى من سائر السنن حتى أنها تقضى إذا انفردت بالفوات ألا ترى «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ليلة التعريس بدأ بقضاء الوتر والذي روي» لا وتر بعد الصبح المراد النهي عن تأخيرها لا نفي قضائها وكذلك تقضى بعد صلاة الفجر قبل طلوع الشمس فدل أنها أقوى من السنن وهي دون الفرائض حتى لا يكفر جاحدها ولا يؤذن لها ولا تصلى بالجماعة إلا في شهر رمضان واختلفوا وراء هذا فروى حماد بن زيد عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أن الوتر فريضة وروى يوسف بن خالد السمتي عنه أنها واجبة وهو الظاهر من مذهبه وروى أسد بن عمرو عنه أنها سنة مؤكدة وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى وحجتهما حديث «الأعرابي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علمه خمس صلوات في اليوم والليلة فقال هل علي غيرهن فقال لا إلا أن تطوع»، وروي «أن رجلا من الأنصار يقال له أبو محمد قال الوتر فريضة فبلغ ذلك عبادة بن الصامت فقال كذب أبو محمد سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول فرض الله على عباده في اليوم والليلة خمس صلوات».
وقال علي الوتر سنة وليس بحتم وفي القرآن إشارة إلى ما قلنا فإن الله تعالى قال {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} [البقرة: 238] ولن تتحقق الوسطى إلا إذا كان عدد الواجبات خمسا وأبو حنيفة - رحمه الله تعالى - استدل بحديث أبي بسرة الغفاري - رضي الله تعالى عنه - «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال إن الله تعالى زادكم صلاة ألا وهي الوتر فصلوها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر» فبهذا تبين أن وجوب الوتر كان بعد سائر المكتوبات؛ لأنه قال زادكم وأضاف إلى الله تعالى لا إلى نفسه والسنن تضاف إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
وكذلك الزيادة إنما تتحقق في الواجبات؛ لأنها محصورة بعدد النوافل فإنها لا نهاية لها وقال ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - الوتر ثلاث ركعات كالمغرب وفي رواية وتر الليل كوتر النهار ثم وتر النهار واجب فكذلك وتر الليل. وفي اتفاق الصحابة - رضوان الله عليهم - على تقدير التراويح بعشرين ركعة دليل على أن الواجبات في اليوم والليلة عشرون ركعة وذلك لا يكون إلا إذا كان الوتر واجبا، غير أن وجوب الوتر ثبت بدليل موجب للعمل غير موجب علم اليقين فلهذا لا يكفر جاحده وتحط رتبته بسائر المكتوبات فلا يسمى فرضا مطلقا أما الفرض خمس صلوات كما ذكروا من الآثار فيه والفرق بين الفرض والواجبات ظاهر عندنا
قال (فإن افتتح تطوعا ثم تذكر فائتة عليه لم يفسد تطوعه) لأن وجوب مراعاة الترتيب مختص بالواجبات فإنها مؤقتة دون التطوعات، ولو تذكر فائتة في خلال الفرض انقلبت صلاته تطوعا فإذا تذكر في التطوع لأن يبقى تطوعا كان أولى
قال (والتطوع قبل الظهر أربع ركعات لا فصل بينهن وبعدها ركعتان) ومراده السنة ولكنه في الكتاب يسمي السنن تطوعات والأصل في سنن الصلاة حديث عائشة - رضي الله تعالى عنها - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «من ثابر على ثنتي عشرة ركعة في اليوم والليلة بنى الله له بيتا في الجنة ركعتين قبل الفجر وأربعا قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء» وفي حديث أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - ذكر عشر ركعات ركعتين قبل الظهر وفي حديث ابن عمر ذكر ثنتي عشرة ركعة ولكن ذكر أربعا قبل الظهر بتسليمتين وبه أخذ الشافعي - رحمه الله تعالى - ونحن أخذنا بحديث عائشة - رضي الله تعالى عنها - وقلنا الأربع قبل الظهر بتسليمة واحدة لحديث «أبي أيوب الأنصاري قال كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي بعد الزوال أربع ركعات فقلت: ما هذه الصلاة التي تداوم عليها؟ فقال: هذه ساعة تفتح فيها أبواب السماء فأحب أن يصعد لي فيها عمل صالح. فقلت: أفي كلهن قراءة؟ فقال: نعم. فقلت: أبتسليمة واحدة أم بتسليمتين؟ فقال: بتسليمة واحدة»
(فأما قبل العصر فإن تطوع بأربع ركعات فهو حسن) لحديث أم حبيبة - رضي الله تعالى عنها - قالت قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «من صلى قبل العصر أربع ركعات كانت له جنة من النار» ولا تطوع بعدها والذي روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بعد العصر في بيت أم سلمة - رضي الله تعالى عنها - ركعتين فسألته أم سلمة - رضي الله تعالى عنها - فقال: ركعتان بعد الظهر شغلني الوفد عنهما فقضيتهما. فقالت أنقضيهما نحن؟ فقال: لا»
(وكذلك لا تطوع بعد غروب الشمس قبل المغرب وبعده ركعتان) لما ذكرنا من الآثار
(وإن تطوع بعد المغرب بست ركعات فهو أفضل) لحديث ابن عمر - رضي الله تعالى عنه - قال قال النبي - صلى الله عليه وسلم - «من صلى بعد المغرب ست ركعات كتب من الأوابين وتلا قوله تعالى {فإنه كان للأوابين غفورا} [الإسراء: 25] » ولم يذكر التطوع قبل العشاء، وإن تطوع بأربع ركعات فحسن؛ لأن العشاء نظير الظهر من حيث أنه يجوز التطوع قبلها وبعدها
(فأما التطوع بعد العشاء فركعتان فيما روينا من الآثار وإن صلى أربعا فهو أفضل) لحديث ابن عمر - رضي الله عنه - موقوفا عليه ومرفوعا «من صلى بعد العشاء أربع ركعات كن له كمثلهن من ليلة القدر» (فأما قبل الفجر فركعتان) اتفقت الآثار عليهما وهو أقوى السنن لحديث عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها» وعن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - في تأويل قوله تعالى {وأدبار السجود} [ق: 40] أنه الركعات بعد المغرب
قال (ويكره الكلام بعد انشقاق الفجر إلى أن يصلي الفجر الأخير) لما روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في سفر مع أصحابه والحادي يحدو فلما طلع الفجر قال أمسك فإنها ساعة ذكر» وكان الكلام عزيزا على ابن مسعود في هذا الوقت أي شديدا ولأن هذه ساعة يشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار جاء في تأويل قوله تعالى {إن قرآن الفجر كان مشهودا} [الإسراء: 78] أنه يشهده ملائكة الليل والنهار فلا ينبغي أن يشهدوهم إلا على خير
قال (والتطوع بعد الجمعة أربع لا فصل بينهن إلا بتشهد وقبل الجمعة أربع) أما قبل الجمعة فلأنها نظير الظهر والتطوع قبل الظهر أربع ركعات، وفي حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتطوع قبل الجمعة أربع ركعات» واختلفوا بعدها قال ابن مسعود - رضي الله عنه - أربعا وبه أخذ أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى لحديث أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «من كان مصليا بعد الجمعة فليصل أربع ركعات» وقال علي - رضي الله عنه - يصلي بعدها ستا أربعا ثم ركعتين وبه أخذ أبو يوسف - رحمه الله - وقال عمر ركعتين ثم أربعا فمن الناس من رجح قول عمر بالقياس على التطوع بعد الظهر وأبو يوسف - رحمه الله - أخذ بقول علي - رضي الله عنه - فقال يبدأ بالأربع لكي لا يكون متطوعا بعد الفرض مثلها وهذا ليس بقوي فإن الجمعة بمنزلة أربع ركعات؛ لأن الخطبة شطر الصلاة
قال (ولا صلاة قبل صلاة العيد)
«فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يتطوع قبل العيد مع حرصه على الصلاة
ولما قدم علي الكوفة خرج يوم العيد فرأى بعض الناس في الصلاة فقال: ما لهم أيصلون العيد قبلنا؟ قيل: لا ولكنهم يتطوعون. فقال: ألا أحد ينهاهم؟ قيل له: انههم أنت. فقال: إني أحتشم قوله تعالى {أرأيت الذي ينهى} [العلق: 9] {عبدا إذا صلى} [العلق: 10] فنهاهم بعض الصحابة»
وكان محمد بن المقاتل الرازي يقول: إنما يكره له ذلك في المصلى لكي لا يشبه على الناس فأما في بيته فلا بأس بأن يتطوع بعد طلوع الشمس، وغيره من أصحابنا يقول: لا يفعل ذلك في بيته ولا في المصلى فأول الصلاة بعد طلوع الشمس في هذا اليوم صلاة العيد
قال (وإن تطوع بعدها بأربع ركعات بتسليمة فحسن) لحديث علي - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «من صلى بعد العيد أربع ركعات كتب الله له بكل نبت نبت وبكل ورقة حسنة»
قال (وطول القيام أحب إلي من كثرة السجود) لما روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن أفضل الصلاة فقال طول القنوت وسئل عن أفضل الأعمال فقال أحمزها» أي أشقها على البدن وطول القيام أشق ولأن فيه جمعا بين فرضين القيام والقراءة وكل واحد منهما فرض، وعن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - قال: إن كان له ورد من القرآن يقرؤه فكثرة السجود أحب إلي وأفضل؛ لأنه يقرأ فيه ورده لا محالة وإن لم يكن فطول القيام أحب.
قال: (والتطوع بالليل ركعتان ركعتان أو أربع أربع أو ست ست أو ثمان ثمان أي ذلك شئت) لما روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي بالليل خمس ركعات سبع ركعات تسع ركعات إحدى عشرة ركعة ثلاث عشرة ركعة». الذي قال خمس ركعات ركعتان صلاة الليل وثلاث وتر الليل، والذي قال تسع ست صلاة الليل وثلاث وتر، والذي قال ثلاث عشرة ركعة ثمان صلاة الليل وثلاث وتر وركعتان سنة الفجر، وكان يصلي هذا كله في الابتداء ثم فضل البعض عن البعض هكذا ذكره حماد بن سلمة ولم يذكر كراهة الزيادة على ثمان ركعات بتسليمة والأصح أنه لا يكره؛ لأن فيه وصلا بالعبادة وذلك أفضل. ثم
قال (والأربع أحب إلي) وهذا قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - فأما عندهما والشافعي فالأفضل ركعتان لحديث ابن عمر - رضي الله عنهما - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «صلاة الليل مثنى مثنى ففي كل ركعتين فسلم» واستدلالا بالتراويح فإن الصحابة اتفقوا على أن كل ركعتين منها بتسليمة فدل أن ذلك أفضل (ولنا) ما روي «عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أنها سئلت عن قيام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ليالي رمضان فقالت كان قيامه في رمضان وغيره
سواء كان يصلي بعد العشاء أربع ركعات لا تسل عن حسنهن وطولهن ثم أربعا لا تسل عن حسنهن وطولهن ثم كان يوتر بثلاث» ولأن في الأربع بتسليمة معنى الوصل والتتابع في العبادة فهو أفضل والتطوع نظير الفرائض والفرض في صلاة الليل العشاء وهي أربع بتسليمة فكذلك النفل، وأما قوله «ففي كل ركعة فسلم» معناه فتشهد والتشهد يسمى سلاما لما فيه من السلام وصلاة التراويح إنما جعلوها ركعتين بتسليمة واحدة ليكون أروح على البدن وما يشترك فيه العامة يبنى على اليسر فأما الأفضل فهو أشق على البدن
(وأما تطوع النهار فالأفضل أربع ركعات بتسليمة) عندنا على قياس الفرائض في صلاة النهار ولحديث ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يواظب في صلاة الضحى على أربع ركعات» وعند الشافعي - رحمه الله تعالى - الأفضل ركعتان بتسليمة لما فيها من زيادة التكبير والتسليم ولحديث عمارة بن رويبة «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يفتتح صلاة الضحى بركعتين» وإنما بدأ بما هو أفضل. وتأويل الأثر الذي جاء لا يصلي بعد صلاة مثلها في ترك القراءة في الأخريين وهذا الأثر مروي عن عمر وعلي وابن مسعود - رضي الله تعالى عنهم - وبظاهره أخذ الشافعي فقال الأربع قبل الظهر بتسليمتين لكي لا يكون مصليا بعد صلاة مثلها وكذلك بعد العشاء يتطوع بركعتين لهذا، ونحن نقول: المراد صفة القراءة لا عدد الركعات فإن في الفرض القراءة في ركعتين بفاتحة الكتاب وسورة وفي النفل في كل ركعة، ألا ترى أن التطوع قبل الفجر ركعتان والمخالفة في صفة القراءة بالتطويل في الفرض دون السنة لا في عدد الركعات
قال (رجل افتتح التطوع ينوي أربع ركعات ثم تكلم فعليه قضاء ركعتين) في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى؛ لأن كل شفع من التطوع صلاة على حدة ألا ترى أن فساد الشفع الثاني لا يوجب فساد الشفع الأول فلا يصير شارعا في الشفع الثاني ما لم يفرغ من الأول وبدون الشروع أو النذر لا يلزمه شيء وعن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - في رواية ابن سماعة أنه يلزمه الأربع ولا يلزمه أكثر من أربع ركعات وإن نواها وفي رواية بشر بن أبي الأزهر يلزمه ما نوى وإن نوى مائة ركعة. ووجهه أن الشروع ملزم كالنذر فنيته عند الشروع كتسميته عند النذر فيلزمه ما نوى. ووجه الرواية الأخرى أن التطوع نظير الفرائض وأربع بالتسليمة مشروع في الفرائض فيلزمه بالشروع في التطوع بخلاف ما زاد عليه وبعض المتأخرين من أصحابنا اختاروا قوله فيما يؤدى من الأربع بتسليمة كالأربع قبل الظهر ونحوها
قال (فإن صلى أربع ركعات بغير قراءة فعليه قضاء ركعتين) في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى وفي قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - عليه قضاء الأربع قال؛ لأن ترك القراءة لا يفسد التحريمة ألا ترى أن ابتداء التحريمة صحيح قبل مجيء أوان القراءة فصح قيامه إلى الشفع الثاني وقد أفسد كل واحد منهما بترك ما هو ركن وهو القراءة فيلزمه قضاء الكل وأما عند محمد - رحمه الله - فالتحريمة تنحل بترك القراءة في الأوليين؛ لأن مع صفة الفساد لا بقاء لتحريمة الصلاة فلا يصح قيامه إلى الشفع الثاني وعند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - بصفة الفساد لا تنحل التحريمة ولكنها تضعف فقيامه إلى الشفع الثاني حصل بصفة الفساد والضعف فلا يكون ملزما إياه ما لم يؤكده كما قال في الشروع في صوم يوم النحر وهذه على ثمانية أوجه أحدها ما بينا والثاني إذا قرأ في الأوليين ولم يقرأ في الأخريين فعليه قضاء الأخريين؛ لأن شروعه في الشفع الثاني بعد إتمام الأول صحيح وقد أفسده بترك القراءة والثالث إذا قرأ في الأخريين دون الأوليين فعليه قضاء ركعتين. أما عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى فالتحريمة لم تنحل فصار شارعا في الشفع الثاني وقد أتمها فعليه قضاء ما أفسد وهو الشفع الأول، وعند محمد - رحمه الله تعالى - التحريمة انحلت بترك القراءة في الأوليين فعليه قضاؤها فقط والأخريان لا يكونان قضاء عن الأوليين؛ لأنه بناهما على تلك التحريمة والتحريمة الواحدة لا يتسع فيها القضاء والأداء، والرابع إذا قرأ في إحدى الأوليين وإحدى الأخريين فعند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى يلزمه قضاء أربع ركعات وعند محمد - رحمه الله تعالى - يلزمه قضاء ركعتين، ومحمد مر على أصله أن التحريمة انحلت بترك القراءة في إحدى الأوليين وأبو يوسف - رحمه الله تعالى - مر على أصله أن التحريمة باقية فصح شروعه في الشفع الثاني وقد أفسده فأما أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - فقد جرت محاورة بين أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى في مذهبه حتى عرض عليه الجامع الصغير فقال أبو يوسف رويت لك عنه أن عليه قضاء ركعتين وقال محمد - رحمه الله تعالى - بل رويت لي أن عليه قضاء أربع ركعات وقيل ما حفظه أبو يوسف - رحمه الله تعالى - هو قياس مذهبه؛ لأن التحريمة ضعفت بالفساد بترك القراءة في ركعة فلا يلزمه الشفع الثاني بالشروع فيه بهذه التحريمة والاستحسان ما حفظه محمد - رحمه الله تعالى -؛ لأن الشروع وإن حصل بصفة الفساد فقد أكده بوجود القراءة في ركعة فصار ذلك ملزما إياه لتأكده.
والدليل على أن التأكد يحصل بالقراءة في ركعة قوله لا صلاة إلا بقراءة وبالقراءة في كل ركعة تكون صلاته بقراءة؛ ولهذا قال بعض العلماء: لا تجب القراءة في كل صلاة إلا في ركعة، والوجه الخامس قرأ في الأوليين وإحدى الأخريين فعليه قضاء ركعتين،
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|