القواعد والضوابط الفقهية في الأعمال الخيرية والوقفية 46- لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة قوي
نكمل في هذا العدد عرض حلقة جديدة من سلسلة ما تم جمعه وشرحه من قواعد وضوابط فقهية ذات الصلة بالأعمال الخيرية والوقفية؛ ليسهل على من جند نفسه لخدمة هذه الأعمال والمشاريع الأخذ بها، والالتزام بأحكامها التي استقيتها من كتب القواعد والضوابط الفقهية والتصانيف الوقفية والخيرية، وأردفتها تطبيقات عملية متعلقة بالمسائل الخيرية والوقفية تمس تلك الأعمال مباشرة.
لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي(1)، قاعدة أخذت من جوامع كلم النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، ففي سنن أبي داود وسنن النسائي عن عبيد الله بن عدي بن الخيار-رضي الله عنه- قال: أخبرني رجلان أنهما أتيا النبي صلى الله عليه وسلم وهو في حجة الوداع، وهو يقسم الصدقة، فسألاه منها، فرفع فينا النظر وخفضه، فرآنا جلدين، فقال: «إن شئتما أعطيتكما، ولاحظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب»(2).
ومفهوم الحديث أن الصدقة لا تحل لمن كان في غنى عنها لوجود ما يكفيه، أو لقدرته على تحصيل قوته بنفسه من غير مشقة بالغة، ومن غير إعاقة عن تأدية واجب من الواجبات الشرعية كالغزو في سبيل الله، وطلب العلم ونحو ذلك(3).
فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يستثير الوازع الديني، عند الذين يطلبون مال الصدقة، مبيناً لهم من تحل له الصدقة ممن لا تحل له؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لعامل عليها أو رجل اشتراها بماله أو غارم أو غاز في سبيل الله أو مسكين تصدق عليه منها فأهدى منها لغني». رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وصححه الحاكم، كما في بلوغ المرام لابن حجر العسقلاني، وصححه الشيخ الألباني -رحمه الله-.
فكما حرم الإسلام سؤال الناس تكثرًا أو إلحافًا فإنه حرم قبول الصدقة على الغني والقوي القادر على الكسب، ولم يجزها إلا في حالات معينة المذكورة في الحديث.
ومن التطبيقات العلمية الخيرية والوقفية :
1- لا تعطى الصدقة المفروضة لمن هو من أصحاب الغنى، ويعُرف بامتلاكه الأموال، وإن ادعى غير ذلك، وظاهره خلاف ذلك .
2- والزكاة لا محاباة فيها ولا يجزئ إخراجها على غير مستحقها، فلا تدفع حرجاً من تكرار سؤاله، والمؤسسة الخيرية على يقين أنه لا يستحق الزكاة.
3- أخذ الغنيِّ من الزكاة يمنع وصولها إلى أهلها، ويُخِلُّ بحكمة وجوبها، وهو إغناء الفقراء بها؛ لذا لا تعطى للغني .
4- يستحب في صدقة التطوع، تقديم الأحوج فالأحوج، وأحكام الصدقة المفروضة، تختلف عن صدقة التطوع .
5- وتصرف الصدقة المفروضة (الزكاة) للأصناف الثمانية التي ذكرها الله تعالى في قوله: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}(التوبة: 60)، فلا يجوز صرفها في غير المصارف التي ذكرها الله تبارك وتعالى .
6- الزكاة عبادة، وهي ركن من أركان الإسلام، فلا يصح صرفها إلا لمن يستحقها ، فلا يجزئ دفع الزكاة للقوي الصحيح .
7- المسألة لا تجوز لقوي قادر على الكسب، ولا لغني عنده قوت يومه ، فلا تتوسع اللجان الخيرية في مساعدة من لم يُعرف حاله، ولا تفتح مجالاً لمن امتهن التسول والبطالة وسؤال الناس، إنما يحرصون على نصحهم وتوجيههم للكسب من جهدهم وعملهم .
الهوامش:
1- القواعد الفقهية بين الأصالة والتوجيه، د.محمد بكر إسماعيل، ص 395. والمراد بالمرة: القوة، والسوي: مكتمل الأعضاء صحيح البدن، تام الخلقة .
2 - أخرجه أبو داود في الزكاة، باب: من يعطى من الصدقة برقم (1633) والنسائي في الزكاة، باب: القوي المكتسب 5/99 ـ 100. وفي بعض الروايات ولذي مرة سوي.
3 - القواعد الفقهية بين الأصالة والتوجيه، د.محمد بكر إسماعيل، ص 395 .
اعداد: عيسى القدومي