حول مصنفات وآثار الإمام ابن جرير الطبري[12]
محمد تبركان
... كتاب القِراءات ...
لقد شهد الفُحولُ من العلماء للإمام الطَّبريِّ بعُلُوِّ كَعْبِه، ورُسُوخِ قَدمِه في عِلْم القراءات، هذا العلمُ الذي لم يَشتَمِلْ على حفظِ مثلِه أحدٌ مِن القُرَّاء سِواه، إلى أن غدَتِ القراءةُ مذهبًا له، وإنْ كان لِغيرِه من العلماء- رحمهم الله- مِن الفَضْل والسَّبْق ما لا يَدفعُه ذو بَصيرة.
هذا حالُه- رحمه الله- مع القراءات في جانِبها النَّظَري، وهو إلى ذلك مُتْقِنٌ لِقراءة القرآن، مُجَوِّدٌ فيها من الناحية العمليَّة، وحَسْبُه شَرَفًا وفَخْرًا أنْ راعَ الإِمَامَ شَيْخَ المقرِئين أَبا بَكْرٍ ابْنَ مُجَاهِدٍ (ت: 324هـ) قراءتُه.
وفيه قال:
1- ياقوت الحَمَويُّ[1]:
أ- وكان أبو جعفر مُجوِّدًا في القراءة موصوفًا بذلك، يَقصِدُه القُرَّاءُ البُعَداءُ، ومن الناس للصلاة خلفَه، يَسمعون قراءتَه وتَجْويدَه.
ب- وقال لنا أبو بكر ابنُ مجاهد: ما سمعتُ في المِحْرابِ أَقْرَأَ مِن أبي جعفر، أو كَلامًا هذا معناه.
ت- قال ابنُ كامل: وكان أبو جعفرٍ يقرَأُ قديمًا لِحمزةَ قبل أن يختار لِنَفْسِه قراءتَه التي لم يَخرُجْ بها عن المشهور، كما فعلَ في الفقهِ والتَّفسير.
ث- وَقَالَ أَبُو علي عيسى بن محمد الطُّومارِيّ (ت: 360هـ): كنتُ أحمِلُ الْقِنْدِيلَ أُصلِحُه في شهر رَمَضَان بَين يديْ أَبي بكر بنِ مُجَاهِد، إمامِ الناس في القراءات إلى المسجد لِصَلَاة التَّرَاوِيح، فَخرجَ لَيْلَةً مِن لَيالي الْعَشْر الْأَوَاخِر من دَارِه، واجتازَ على مَسْجدِه فَلم يَدْخُلْهُ، وَأَنا مَعَه، وَسَار حَتَّى انْتهى إلى آخر سُوق العَطَش[2]، فَوقفَ بـبَاب مَسْجِد مُحَمَّد بن جرير، وَابْنُ جريرٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الرَّحْمَن؛ فاستمَعَ قِرَاءَتَه طَويلًا، ثمَّ انْصَرفَ. فَقلتُ لَهُ: يَا أستاذ، تركتَ النَّاسَ يَنتظِرونَكَ، وَجئْتَ تَستمِعُ قِرَاءَةَ هَذَا؟! فَقَالَ: يَا أَبَا عليٍّ، دَعْ هَذَا عَنْك، مَا ظَنَنْتُ أَنَّ اللهَ تعالى خلقَ بَشَرًا يُحسِنُ أَنْ يقْرَأَ هَذِه الْقِرَاءَةَ، أو كما قالَ.
2- الحافظ ابن كثير: وكان الطبريُّ حَسَنَ الصوت بالقراءة، مع المعرفة التامَّة بالقراءات عَلَى أَحْسَنِ الصِّفَاتِ[3].
3- أ. المحقِّق محمَّد أبو الفضل إبراهيم: وإلى جانب علمِه بالقراءة، كان- رحمه اللّه تعالى- حَسَنَ التِّلاوة، حَسَنَ التَّرتيل[4].
ونقلَ ياقوت الحَمَويّ عن ابنِ مجاهد تفضيلَه، وتزكيةَ كتابه في قوله: (قال أبو بكر بنُ كامل: قال لنا أبو بكر بنُ مجاهد، وقد كان لا يَجْري ذِكْرُه إلَّا فَضَّلَه: ما صُنِّفَ في معنى كتابِه مِثْلَه)[5].
وعن حَجْم كتابه، قال أبو عليّ الحسن بن عليّ الأهوازيّ (ت: 446هـ) في «الإقناع في القراءات الشاذَّة»: (وله في القراءات كتابٌ جليلٌ كبيرٌ، رأيتُه في ثماني عشرةَ مجلَّدَة، إلَّا أنَّه كانَ بخُطوطٍ كِبارٍ)[6].
الاختلاف في اسم الكتاب:
للإمام الجِهْبِذ محمَّد بن جرير الطَّبريّ إسهاماتٌ عزَّ نَظيرُها في علم القراءات، نَثرَها- رحمه الله تعالى- في تفسيره العُجاب (جامع البيان)، ثمَّ أفردَ هذا العلمَ الجليلَ بمُصنَّفٍ مُستَقِلٍّ، كان قد أفصحَ عن اسمِه في تفسيره[7]؛ أعني: (كِتَاب الْقِرَاءَاتِ)[8].
وهو مِن الكتب التي أَتَمَّها[9].قال عنه ابن الجَزَريّ: (جمع كتابًا حافِلًا، سَمَّاه الجامع، فيه نَيِّفٌ وعشرون قراءةً)[10].
ولستُ أعرِفُ للإمام الطبريّ من آثارٍ في علم القراءات إلَّا كتابًا واحدًا، هو (كتاب القراءات)، وما ورد عن إسماعيل باشا البغدادي[11] مِن تَفريقٍ بين (الجامع في القراءات) و(كتاب الْقِرَاءَة)، فلعلَّه مَحْضُ وَهمٍ، لا يُتابَعُ عليه. والله أعلم.
نعم، قد اختلفَ الناسُ في وَسْمِه، وما عليه عنوانُه، فهو:
1- كِتَاب الْقِرَاءَاتِ: عند مُؤلِّفِه الطَّبَريّ[12]، ومكِّي بن أبي طالب[13]، والذهبيّ[14]، وابن الجَزَريّ،[15] والسيوطيّ[16]، والداوديّ[17]، وتيودور نولدكه[18]، ود. عبدالله بن عبدالمحسن التُّركي[19].
2- كتاب الفَصْل بين القَرَأَة: عند ياقوت الحَمَويّ[20].
3- الفَصْل بين القراءات: عند أ. محمَّد أبي الفضل إبراهيم[21]، ود. حسام بن حسن صُرصور[22].
4- كتاب الفَصْل بين القراءة: عند د. عبدالرحمن العزَّاويّ[23].
5- كتاب الجامِع: عند الإمام الداني، الذي قال فيه: (وصنَّفَ كتابًا حَسَنًا في القراءات)[24]، وابن الجَزَريّ[25]، وبرغشتر سرن Pretzl-Ber gstraesser[26].
6- جامع القراءات مِن الشهور[27] والشَّواذّ وعلل ذلك وشرحه: عند بروكلمان[28].
7- الجامع في القراءات من المشهور والشواذ: عند فؤاد سزكين[29]، ود. محمد الزحيليّ[30]، ومكتبة جامعة الأزهر بالقاهرة (فِهرس الأزهريَّة 1/ 74 قراءات).
8- الجامع في القراءات: عند إسماعيل باشا البغداديّ[31]، ود. عبدالله بن عبدالمحسن التُّركي[32]، وعبدالعزيز الشِّبْل[33].
9- كتاب «القراءات وتنزيل القرآن»[34]: عند ياقوت الحَمَويّ[35]، ود. أحمد الحوفيّ[36]، ود. الزحيليّ[37]، ود. عبدالعزيز الشِّبْل، ود. حسام صُرصور، ووصال عبدالحليم أبو شمالة[38]، ونبيلة بنت زيد بن سعد الحليبة[39].
10- كتاب أحكام القراءات: عند ياقوت الحَمَويّ[40].
مخطوطات الكتاب[41]:
قيل: للكتاب نسخةٌ خَطِّيّةٌ في المكتبة الأزهريَّة، مكتبة جامعة الأزهر بالقاهرة (فِهرس الأزهريَّة 1/ 74، قراءات)، رقمها (1178)، ضمن 128 ورقةً، مكتوبةٌ سنة (1143هـ - 1730م). وعنوانه هناك: «الجامع في القراءات من المشهور والشَّواذ».
وعن بيانات نسخة الأزهر الشريف الواردة في فِهرس مخطوطات مكتبة الأزهر (1/ 355 القراءات والتجويد): (رقم 1282- الجامع في القراءات. المؤلف: ابن جرير الطبريّ... أوَّله: سألتني وفَّقك الله للهدى وجنَّبك الرَّدى أن أجمعَ لك في الجامع ذكر قراءات القُرَّاء العشر وهم أهل العراق. آخره: أقل من عدد كلمات مَن لم يفعل ذلك فإلى هذا اختلافهم في عدد الحروف والكلمات، والله أعلم بالصواب. تاريخ النسخ: 1142هـ، التَّمَلُّكات: محمد أمين. اللُّغة: عربي، الخطّ: نسخ، عدد الأوراق: 128، عدد الأسطر: 19، القياس: 21 × 14، عدد المجلَّدات: 1. أرقام الحفظ: "1178 قراءات" 32867 حليم).
والنُّسخة الأزهريَّة نفسُها بموقع أمجاد للمخطوطات ورعاية الباحثين: (مخطوط باسم الجامع في القراءات العشر وقراءة الأعمش. اسم المؤلِّف: محمَّد بن جرير بن يزيد. عدد الأوراق: 128ق. اسم المكتبة: المكتبة الأزهريَّة. رقم الحفظ: 215. مصدر البيانات: مصورات معهد المخطوطات العربية بالقاهرة).
قال الشيخ عبدالعزيز الشِّبْل: (ولعلَّ هذا الموجودَ [في المكتبة الأزهريَّة] قطعةٌ من الكتاب على حَدِّ وصفِ الأهوازيّ، أو مختصَر له)[42].
أمَّا د. محمد الزحيليّ فقد قال: (ثمَّ أفردَ [الطبريّ] كتابًا مستقِلًّا في هذا الخصوص، وهو: "كتاب القراءات وتنزيل القرآن"... ولم يُطبَعْ هذا الكتابُ، ولم يُنشَر، ولكنَّه نَجا من الضَّياع،... والأملُ وَطيدٌ في تَحقيقِه وطباعتِه ونشرِه)[43]. كذا...!
وبعدُ، فهل كتاب الطبريّ في (القراءات) نَجا من الضياع، وسَلِمَ من الفِقْدان كما زعمَ د. الزحيليّ؛ لأنَّ المكتبة الأزهريَّة تحتفِظُ بنسخةٍ منه، أم أنَّه من جملة تراثِ الطبريّ المفقود؟
قال أ. د. زيد بن علي مهدي مهارش[44]: (وهذا الكتاب لا يزالُ مفقودًا، ولعلَّه فُقِدَ تَمامًا، وقد بذلتُ قُصارَى جَهْدي لِأحصُلَ عليه، ولم أَظفَرْ به، وقد ذكرَ بعضُ المعاصِرينَ ممَّن ترجمَ لأبي جعفرٍ أنَّه موجودٌ، وأنَّ نسخةً خَطِّيَّةً منه في مكتبة الجامع الأزهر، وهذا كلامٌ غيرُ مُثْبَتٍ، بل هو مَبنِيٌّ على وَهمٍ).
وقال أيضًا[45]: (وحدَّثني الشيخُ محمد السحابي المغربي عن النسخة الموجودة في مكتبة الجامعة الأزهريَّة، وقطَعَ بأنَّها كتابُ "سَوْق العروس[46]"، لأبي معشر الطبريّ، ثمّ صَوَّرتُ المخطوطَ الموجودَ عنده، فتَبيَّنَ لي بعد مطالعتِه أنَّ ما ذكَرَه لي هو عينُ الحَقِّ. ثمَّ رأيتُ في فِهرست برنامج المِنْتوري، بالخزانة الحُسَيْنيَّة بالرِّباط، أنَّ العلَّامةَ المنتوريّ رحمه الله قد رَوَى هذا المخطوطَ بسَنَدٍ يصِلُ إلى أبي معشر الطبريّ؛ ممَّا جَعلني أجزمُ بأنَّ هذا المخطوطَ ليس هو "كتاب القراءات" لأبي جعفر الطبريّ رحمه الله، بل هو "كتاب الجامع الكبير" المسمَّى بـ"سَوْق العَروس" لأبي مَعشر الطبريّ. والله أعلم).
وقال أحمد خالد بابكر [47]: (وقد فُقِدَ هذا الكتابُ تَمامًا، ولم أجدْ مَن نقلَ عنه بعد مَكِّيّ بنِ أبي طالب القَيْسِيّ [ت: 437هـ]، وقد ذكرَ بعضُ مَن تَرجمُوا لأبي جعفرٍ [من المعاصِرينَ] أنَّ مِن الكتابِ نسخَةً خَطِّيَّةً في مكتبة الجامع الأزهر، وليس هذا بالصَّحيح).
وقال أيضًا: (ذلكَ قولُ الدكتور أحمد محمد الحوفي في كتابه "الطَّبَريّ"، الهامش رقم "1" من صفحة 93. والأستاذ محمد أبي الفضل إبراهيم في مقدمة تحقيقه لِتاريخ الطبريّ، ج1، ص15، والأستاذ جمال الدين العيَّاش في كتابه[48] عن أبي جعفر الطبريّ، ص43. ومنشأُ ذلك وَهمٌ وقعَ فيه صانِعُ المجلد الأوَّل من فهارس المخطوطات التي في مكتبة الجامعة الأزهريَّة، وهو المجلد الخاص بمخطوطات القرآن الكريم، والقراءات، وعلوم القرآن. فقد جاء في ص74 من ذلك المجلد ما نَصُّه: "الجامع – بظاهر الورقة الأولى أنَّه "لأبي مَعْشَرٍ الطبريّ"، والغالِبُ أنَّه جامعُ الإمام أبي جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن خالد، المعروف بالطبريّ، المؤرِّخ المفسِّر، المولود في آمُل "طَبَرِسْتان" سنة 224، المتوفَّى في بغداد سنة 310هـ. إذ غابَ عن صانِع الفِهرس أنَّ مؤلِّفَ كتاب "الجامع في القراءات"، والذي هو بصَدَد التعريف به، هو أبو مَعشَر عبدالكريم بن عبدالصَّمَد الطبريّ، شيخ قُرَّاء مكَّة المكرَّمة في القَرن الخامس الهجريّ، والمتوفَّى سنة 478هـ، وليس أبو جعفر محمد بن جرير الطبريّ. وقد وقفتُ على المخطوط، وصَوَّرتُه، وقارَنتُ بينه وبين آراء أبي جعفر الطبريّ في القراءات، فتَبيَّنَ لي أن لا صِلَةَ بين أبي جعفر الطبريّ وبين ذلك المخطوط، ثمَّ تَتَبَّعْتُ كتبَ التراجم، باحِثًا عن أبي معشر الطبريّ، وآثاره، ومؤلفاته، فَوَصلْتُ إلى يَقينٍ قاطعٍ، بأنَّ الكتابَ لأبي معشر عبدالكريم بن عبدالصَّمَد الطبري المكِّي المقرئ المتوفَّى سنة 478هـ، بشهادةِ جميع أصحاب كتب التراجم مثل الخطيب البغداديّ، وياقوت، وابن النَّديم، وغيرهم)[49].
لكن، (لئن عصفتِ الأحداثُ بكتاب الطبريّ في القراءات فلم يصلْ إلينا، إنَّ كتابَه "جامع البيان في تفسير القرآن" المشهور المُتعالَم بين النَّاس، يُضيءُ للباحث السَّبيلَ في التَّعرُّف على حلقةٍ مِن حلقات التَّطوُّر في الاحتجاج للقراءات، كما يُبيِّنُ نزعةَ الطبريّ في ذلك، فهو يَروي في كتابه هذا القراءات المختلفة مسندةً إلى مَنْ قَرأَها، يَستجيزُ بعضًا فيُرجِّحُه، ولا يَستجيزُ بعضًا فيُفسِدُه...[50].
وشكَّك في نسبتِه أيضًا كلٌّ من:
1- صاحب معجم التاريخ «التراث الإسلاميّ في مكتبات العالَم المخطوطات والمطبوعات» (4/ 2647 رقم 7133/ 9): (وفي نِسبتِه للطبريّ شُبهَة).
2- فؤاد سزكين[51]: (أَصالَةُ الكتاب مَشكوكٌ فيها جِدًّا).
الكتاب موضوعه ومنهجه[52]:
الكتاب في القراءات، وأسماء القُرَّاء، وفيه تَجَلَّى مذهبُ الطبريّ فيما له فيه من القراءة وَجْهٌ مُستَقِلٌّ.
سار فيه حسب مَنهجِه العام، فذكرَ اختلافَ القُرَّاء في حُروف القرآن، وفَصَّلَ فيه أسماءَ القُرَّاء بالمدينة، ومكَّة، والكوفة، والبصرة، والشَّام، وغيرها، مُبَيِّنًا وَجْهَ الفَصْل بين كلِّ قراءةٍ وقراءةٍ، مع الاستدلالِ لكلِّ رأيٍ، تَعليلًا وشرحًا وتأويلًا، فيذكرُ وَجْهَها، وتَأويلَها، والدَّلالةَ على ما ذهبَ إليه كلُّ قارئ لها، مُفْصِحًا عن وَجْهِ الصواب الذي اختارَه من هذه القراءات، وأسبابِ اختيارِه، والبُرهانِ على صحّةِ ما اختارَه، مُعتَمِدًا في ذلك كلِّه على ثقافتِهِ الواسِعة بكلام العرب، ومُستَظهِرًا بتَمكُّنِه في التَّفسير، وعلوم القرآن، وعلوم العربيَّة من لغةٍ، وإعرابٍ، ونحوٍ؛ لِيَتَّسِقَ عمَلُه هذا وَفْقَ الصُّورة التي جاءَتْ في تَفْسيرِه.
هذا، بعد أنْ صدَّرَه بخُطبَةٍ تَليقُ به، وكذلكَ كانَ يعملُ في كتبِه: أنْ يأتيَ بخُطبَتِه على معنى كتابِه، فيأتيَ الكتابُ مَنظومًا على ما تَقتَضيهِ الخُطبَةُ.
قال في وَصْفِه أبو عليّ الأهوازيّ المقرئ[53] (ت: 446هـ) في كتابه «الإقناع في القراءات الشَّاذَّة»: (وله في القراءات كتابٌ جليلٌ كبيرٌ، رأيتُه... ذكَرَ فيه جميعَ القراءاتِ [الواردة] من المشهور والشَّواذّ، وعَلَّلَ ذلكَ وشَرَحَه، واختارَ منها قراءةً لم يَخرجْ بها عن المشهور).
الطَّبريّ وإقْراء القرآن:
قال أبو علي الأهوازيّ في «الإقناع في القراءات الشَّاذَّة»: (ولم يَكُنْ [الطَّبريُّ] مُنتَصِبًا لِلإقْراءِ، ولا قرأَ عليه إلَّا آحادٌ مِن النَّاسِ كـ[محمَّد بن القاسم] الصَّفَّار، شيخٌ كانَ ببغداد مِن الجانب الشَّرقيّ، يَروي عنه روايةَ عبدالحميد بنِ بَكَّار عن ابنِ عامر. وأمَّا القراءةُ عليه باختيارِه فإنِّي ما رأيتُ أحدًا أقْرَأَه غيرَ أبي الحسين الجُبِّيّ، وكان ضَنينًا به، ولقد سألتُه زمانًا حتَّى أخذَ عليَّ به، وقال: تَردَّدْتُ إلى أبي جعفرٍ نحوًا من سَنَةٍ أسأَلُه ذلك زمانًا، ويَأْباه، حتَّى أخذتُ عليه وسَألتُه. وكنتُ قد سمعتُ منه صَدْرًا من كتبِه، فأخذتُها على جهْدٍ. وقال: لا تَنْسِبْها إليَّ وأنا حَيٌّ!، فما أَقْرَأتُ بها أحدًا إلى أنْ ماتَ رحمه الله في شوَّال من سنة عشرٍ وثلاثِ مِائة.
وقال أبو الحسين الجُبِّيّ: ما قرأَ عليَّ به إلَّا اثنان، وأنتَ ثالِثُهم، وقال لي: لا أدري كيف نَشِطتُ له. ولا قرَأَ عليه به أحدٌ بعدي إلى أن ماتَ سنة إحدى وثمانين وثلاثمِائة)[54].
نصوصٌ مِن كتاب (الجامع في القراءات) للطَّبريّ:
1- مِن كتاب (الإبانة عن معاني القراءات) لِمكِّيّ بن أبي طالب (ت: 437هـ):
أ- (ص53): (كلُّ ما صَحَّ عندنا من القراءاتِ أنَّه علَّمَه رسولُ الله "صلَّى الله عليه وسلَّم" لِأُمَّتِه من الأحرفِ السَّبعة التي أذِنَ اللهُ له، ولهم أن يَقرَءُوا بها/ 5 ي القرآنَ، فليس لنا أن نُخَطِّئَ مَن كانَ ذلكَ به مُوافِقًا لِخَطِّ المُصحَفِ. فإنْ كانَ مُخالِفًا لِخَطِّ المُصحَفِ لم نَقرَأْ به، ووَقَفْنا عنه، وعن الكلامِ فيه).
2- مِن كتاب (شرح الدُّرَر اللَّوامِع في أصل مَقْرَأ الإمام نافِع) للإمام أبي عبدالله محمد بن عبدالملك المنتوريّ القَيْسيّ (ت: 843هـ):
أ- (ص46 ترجمة نافِع): (وقال الطَّبريُّ في الجامع: "وكانَ عارفًا بالقراءات، نِحْريرًا، مُقَدَّمًا في زمانِه، بَصيرًا، مُتَّبِعًا للأثَر ولمَن مَضى من السَّلَف، إمامًا لمَن بَقيَ مِن الخَلَف. قال: "وصلَّى بالنَّاس في مسجد النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم سِتِّين سنةً).
ب- (ص50): (وقال الطَّبَريُّ في الجامع: "رَوَى عن نافِع القراءةَ مِائتان وخمسون رجلًا، ثمَّ سَمَّى منهم أربعةً وعشرين راويًا").
ت- (ص522): (وذكر الطَّبَريُّ في الجامع، أنَّ تَرقيقَ أهلِ مصرَ لِوَرْشٍ الرَّاءَ المفتوحةَ بعد الكسر، هو ضَرْبٌ مِن الإمالَة).
ث- (ص641 - 642): (وقال الطَّبريُّ في الجامع: "وقال العلماءُ بالقراءات: إنَّ مَن فتَحَ ياءَ ﴿ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ ﴾ [النمل: 36] في الوَصْل، وقَفَ عليها ساكنَةً).
ج- (ص666): (وذكر الطَّبَريُّ في الجامع عن اللُّؤْلُؤِيّ، عن أبي عَمرو؛ وعن ابنِ بَرزَة، عن الدُّوريّ، عن اليَزيديّ، عن أبي عَمرو؛ وعن النَّجَّاد عن ابن غالِب، عن شجاع، عن أبي عَمرو، تَرقيقَ اللَّام مِن اسمِ الله تعالى، إذا وقعَتْ قبلَه كسرةٌ أو فتحةٌ أو ضمَّةٌ).
ح- (ص807): (وقال الطَّبَريُّ في الجامع: ﴿ تَأْمَنَّا ﴾ [يوسف: 11] بالإشارة إلى النُّون المُدْغَمَة).
خ- (ص864): (وقال الطَّبَريُّ في الجامع: "ثمَّ كلُّ مَن اختارَ حرفًا من المقبولين من الأئمَّة، المشهورين بالسُّنَّة والاقتداء بمَن مَضَى من علماء الشريعة، راعَى في اختيارِه الروايةَ أوَّلًا، ثمَّ موافقَةَ المُصحَفِ الإمامِ ثانيًا، ثمَّ العربيَّةَ ثالِثًا، فمَن لم يُراعِ الأشياءَ الثَّلاثةَ في اختيارِه، لم يُقبَلْ منه اختيارُه، ولم يَتَداوَلْهُ أهلُ السُّنَّة والجَماعة).
مِمَّا عَلِقَ مِن طِراد هذا المبحث:
1- كان للطَّبَريِّ قراءَةٌ خاصَّةٌ (يجدُ القارئُ أثرَ ذلك واضِحًا في كلِّ آيةٍ لها وَجْهان أو أكثر في القراءة، فإنَّه يَذكُرُها، ثمَّ يَذكُرُ الأدلَّةَ على تقَوِّيها، كما يَذكُرُ القراءةَ الأخرى بأدلَّتِها، ثمَّ يُرجِّحُ إحداها، أو يُساوي بينَها، أو يُبرِزُ ما تَمتازُ به إحداها على الأُخرى؛ مِمَّا أثارَ حَفيظةَ بعضِ علماءِ القراءات على عباراتِ الطَّبَريّ التي تُؤذِنُ بالرَّدِّ والطَّعْنِ فيها، وحَمَّلُوا الطَّبَريَّ وِزْرَ مَن أَتَى بعدَه مِن القُرَّاء والمفسِّرين الذين اقتدَوْا به في ردِّ بعضِ القراءات والطَّعْنِ فيها، ولو كانت متواترةً، وأَخضَعَها لِمقاييس أصحابِ اللُّغة، وهو ِممَّا يجبُ أن تُصانَ منه.
والحقيقةُ أنَّ الطَّبَريَّ لم يُخضِعِ القراءاتِ لمقاييسِ اللُّغة، ولكنَّه رأى أنَّ القراءةَ المنسوبةَ إلى النَّبيِّ صلَّى اللّه عليه وسلَّم على يقينٍ ليستْ بمَعزَلٍ عن مقاييسِ اللُّغة الفُصْحَى التي هي وِعاءُ القرآن الكريم، وأنَّه ذكَرَ كلَّ قراءةٍ مع الدَّليل المقبول عَقلًا ولغةً، وتُؤيِّدُه الآثارُ، وأنَّ منهجَه في عَرضِ القراءاتِ يَنسَجِمُ مع منهَجِه في التفسير، بالاعتماد على الرواية التي يُؤيِّدُها النَّقلُ المستفيضُ، وموافقةُ رَسْم المصحَفِ، وإجماعُ الحُجَّة من القُرَّاء، وقوَّةِ الوَجْهِ في العربيَّة، أو الأَفصَح في اللُّغة، وأنَّ تَرجيحَه لِقراءةٍ ما يَعتمِدُ على رأيِ الأكثريَّة، أو الاعتِضادِ برأي أهلِ التَّأويل، أو اتِّساقِ الأسلوب مع القراءة، وإذا تَساوَتِ الوجوهُ المختلفةُ عنده صوَّبَ الجميعَ.
وكان الطَّبَريُّ- رحمه اللّه تعالى- يَتمسَّكُ برأيِ الحُجَّة وإن خالَفَ رأيَه؛ مِمَّا يدلُّ على مَوضُوعيَّتِه واتِّزانِه، وكان يَتَّهِمُ المُخالِفَ لِقراءة العامَّة بالشُّذوذِ، ويَنتقِدُ الإسنادَ المضطربَ، ويَعتمِدُ على السَّنَد للرواية والقراءة)[55].
2- بعد أن ساقَ الإمامُ ابنُ الجَزَريّ شهادةَ الإمام الدَّاني في كتاب الطَّبَري بقولِه فيه: (وصنَّفَ كتابًا حَسَنًا في القراءات سَمَّاه الجامع)، عقَّبَ عليه بقولِه[56]: (قلت: وقد وقَعَ له فيه مَواضِع، منها: أنَّه ذكرَ في سورة النِّساء ﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا * انْظُرْ كَيْفَ ﴾ [النساء: 49، 50]؛يعني الحرفَ الأوَّلَ، فذكَر الخِلافَ فيه دون الثَّاني[57]؛ فَصيَّرَ بذلكَ المُتَّفَقَ عليه مُختَلَفًا فيه، والمُختَلَفَ فيه مُجمَعًا عليه، وهذا عَجيبٌ مِن مِثلِه مع جَلالَتِه). ؛ فَصيَّرَ بذلكَ المُتَّفَقَ عليه مُختَلَفًا فيه، والمُختَلَفَ فيه مُجمَعًا عليه، وهذا عَجيبٌ مِن مِثلِه مع جَلالَتِه).
يتبع