عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 08-09-2025, 07:45 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,388
الدولة : Egypt
افتراضي رد: لو عرفوك لأحبوك وما سبوك يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم



- وعن عبدِ اللهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ رضي اللهُ عنهما واصفًا النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((... ولا يَدفَعُ السيئةَ بالسيئةِ، ولكن يعفو ويَصفَحُ))[2].

ومن حلمه وعفوه - صلى الله عليه وسلم -: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الحَاشِيَةِ»، فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَبَذَ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً، قَالَ أَنَسٌ: «فَنَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - وَقَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ»، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ، «فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ»[3].

وأعظم من ذلك موقفُه مع أهل مكة، بعدما أُخرج منها وهي أحب البلاد إليه، وجاء النصر من الله تعالى، وأعزَّه سبحانه بفتحها، قام فيهم قائلًا: (ما تقولون أني فاعل بكم؟)، قالوا: خيرًا، أخ كريم، وابن أخ كريم، فقال: (أقول كما قال أخي يوسف): ﴿ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [يوسف: 92]، (اذهبوا فأنتم الطُّلقاء)[4].

قالوا: أتحبُّ محمدًا؟
فأجبتُهم إني بحبِّ محمَّدٍ أتعبَّدُ
أحببتُ فيه هناءتي وسعادتي
ومفازتي مِن حرِّ نارٍ تُوقَدُ
وشفاعةٌ تُهدى لكلِ مُؤَمِّلٍ
وتواجُدي وسطَ النعيمِ أُخَلَّدُ
وتفاخري أنَّي نُسبْتُ لأُمة
يُعلِي مكانتَها النبيُّ محمَّدُ


إنه الرحمة المهداة - صلى الله عليه وسلم - حتى بالكائنات:
لقد تكلمنا عن نبي الرحمة المهداة، ورأينا كيف كانت رحمته شمولية تشمل جميع الكائنات، ونذكر صورة أخرى من صور رحمته - صلى الله عليه وسلم - بالطير؛ عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ((كنَّا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر، فانطلق لحاجته، فرأينا حُمَّرَةً معها فَرخان، فأخذنا فَرخَيها، فجاءت الحُمرةُ فجعلت تفرِش، فجاء النَّبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: (مَن فجَع هذه بولدها؟ ردُّوا ولدَها إليها، ورأى قرية نمل قد حرَّقناها، فقال: من حرَّق هذه؟ قلنا: نحن، قال: إنَّه لا ينبغي أن يعذِّب بالنَّار إلَّا ربُّ النَّار)).

إنه الجواد الذي يعطي عطاءَ مَن لا يخشى الفقر - صلى الله عليه وسلم - عنْ سَهْلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتِ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - بِبُرْدَةٍ مَنْسُوجَةٍ، فِيهَا حَاشِيَتُهَا»، أَتَدْرُونَ مَا البُرْدَةُ؟ قَالُوا: الشَّمْلَةُ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَتْ: نَسَجْتُهَا بِيَدِي فَجِئْتُ لِأَكْسُوَكَهَا، «فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا وَإِنَّهَا إِزَارُهُ»، فَحَسَّنَهَا فُلَانٌ، فَقَالَ: اكْسُنِيهَا، مَا أَحْسَنَهَا، قَالَ القَوْمُ: مَا أَحْسَنْتَ، لَبِسَهَا النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، ثُمَّ سَأَلْتَهُ، وَعَلِمْتَ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ، قَالَ: إِنِّي وَاللَّهِ، مَا سَأَلْتُهُ لِأَلْبَسَهُ، إِنَّمَا سَأَلْتُهُ لِتَكُونَ كَفَنِي، قَالَ سَهْلٌ: فَكَانَتْ كَفَنَهُ[5].

عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يَكُنْ يُسْأَلُ شَيْئًا عَلَى الْإِسْلَامِ، إِلَّا أَعْطَاهُ، قَالَ: فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ، فَأَمَرَ لَهُ بِشَاءٍ كَثِيرٍ بَيْنَ جَبَلَيْنِ مِنْ شَاءِ الصَّدَقَةِ، قَالَ: فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ: يَا قَوْمِ أَسْلِمُوا، فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءً مَا يَخْشَى الْفَاقَةَ[6].

وهذا الموقف الحكيم العظيم يدل على عِظَم سخاء النبي - صلى الله عليه وسلم - وغزارة جوده؛ قالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا يَسُرُّنِي أَلَا يَمُرَّ عَلَيَّ ثَلَاثٌ، وَعِنْدِي مِنْهُ شَيْءٌ إِلَّا شَيْءٌ أُرْصِدُهُ لِدَيْنٍ»[7].

رسولنا الصابر المحتسب على أذى قومه - صلى الله عليه وسلم -:
صبره - صلى الله عليه وسلم - على المشركين حينما آذوه، ورموه بالكذب والكهانة والسحر؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: بَيْنَا النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - سَاجِدٌ، وَحَوْلَهُ نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ، جَاءَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ بِسَلَى جَزُورٍ، فَقَذَفَهُ عَلَى ظَهْرِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَلَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ، فَجَاءَتْ فَاطِمَةُ عَلَيْهَا السَّلَامُ فَأَخَذَتْهُ مِنْ ظَهْرِهِ، وَدَعَتْ عَلَى مَنْ صَنَعَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: (اللَّهُمَّ عَلَيْكَ المَلَأَ مِنْ قُرَيْشٍ: أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، وَعُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ أَوْ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ - شُعْبَةُ الشَّاكُّ - «فَرَأَيْتُهُمْ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ، فَأُلْقُوا فِي بِئْرٍ، غَيْرَ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ أَوْ أُبَيٍّ، تَقَطَّعَتْ أَوْصَالُهُ، فَلَمْ يُلْقَ فِي البِئْرِ»[8].

بارَك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه مـن الآيـات والـذكـر الحكيم، أقول ما سمعتـم واستغفروا الله لي ولكم.

الخطبةُ الثانية
أما بعد: فإبداء الاهتمام:
إخوة الإسلام، من صور النُّبل والرُّقي الأخلاقي أنه كان لا يفرِّق بين غني وفقير، فالكل سواء أمام الشريعة الغرَّاء، يُبدي الاهتمام للفقير قبل الغني وللضعيف قبل القوي، وللمريض قبل الصحيح؛ عن أنسٍ أن رجلًا من أهل البادية كان اسمه زاهرًا يُهدي النبي - صلى الله عليه وسلم - الهدية من البادية، فيجهِّزه النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد أن يخرج، فقال رسول الله: (إنَّ زاهرًا باديتُنا ونحن حاضروه))، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحبه وكان رجلًا دميمًا، فأتاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يبيعُ متاعه، فاحتضَنه من خلفه ولا يُبصره الرجل، فقال: أرسلني، مَن هذا؟ فالتفت فعرَف النبي - صلى الله عليه وسلم - فجعل لا يألو ما ألصَق ظهره بصدر النبي - صلى الله عليه وسلم - حين عرَفه، وجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((مَن يشتري العبدَ؟))، فقال: يا رسول الله، إذن والله تجدُني كاسدًا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لكن عند الله لستَ بكاسدٍ - أو قال: لكن عند الله أنت غالٍ)[9].

نبينا - صلى الله عليه وسلم - القدوة في العدل: فقد عمَّ عدله الخلق جميعًا، لم يفرِّق بين مسلم وغير مسلم، بل الكل أمام شرع الله تعالى سواء، لا محاباة ولا محسوبية في هدي خير البرية صلى الله عليه وسلم؛ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّتْهُمُ المَرْأَةُ المَخْزُومِيَّةُ الَّتِي سَرَقَتْ، فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: «أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ»، ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ، قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا ضَلَّ مَنْ قَبْلَكُمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ الضَّعِيفُ فِيهِمْ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ، وَايْمُ اللَّهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - سَرَقَتْ لَقَطَعَ مُحَمَّدٌ يَدَهَا»[10].

نبي الرِّفق حتى مع مَن كفر به ولم يؤمن برسالته:
نبينا - صلى الله عليه وسلم - نبي الرفق والرحمة، لا يَظلِم أحدًا بسبب دينه أو معتقده، أو لونه أو لغته، بل لقد حذَّرنا نبينا - صلى الله عليه وسلم - من أن نظلم معاهدًا، أو نكلِّفه فوق طاقته؛ قال أَبُو صَخْرٍ الْمَدِينِيُّ: إنَّ صَفْوَانَ بْنَ سُلَيْمٍ أَخْبَرَهُ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَبْنَاءِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ آبَائِهِمْ دِنْيَةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَلَا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا، أَوِ انْتَقَصَهُ، أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ، أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ، فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[11].

فلو سُئلت كلُّ الفضائل في الورى
لمن تنتمي؟ ما أصلُها؟ أين توجدُ؟
لقالت جميعًا: لا أبا لك إنَّه
بلا مريةٍ ما ذاك إلا محمدُ
فو الله ما دبَّ على الأرضِ مثلُهُ
ولا مثلُهُ حتى القيامةِ يوجدُ


الدعاء:
اللهم استُرنا ولا تفضَحنا، وأَكرِمنا ولا تُهنا، وكُن لنا ولا تكُن علينا.

اللهم لا تدَع لأحدٍ منا في هذا المقام الكريم ذنبًا إلا غفَرته، ولا مريضًا إلا شفيته، ولا دَينًا إلا قضيته، ولا همًّا إلى فرَّجته، ولا ميتًا إلا رحمته، ولا عاصيًا إلا هديته، ولا طائعًا إلا سدَّدته، ولا حاجة هي لك رضا ولنا فيها صلاح إلا قضيتَها يا رب العالمين.

اللهم اجعل جَمعنا هذا جمعًا مرحومًا، وتفرُّقنا من بعده تفرقًا معصومًا، ولا تجعل فينا ولا منا ولا معنا شقيًّا أو محرومًا.

اللهم اهدِنا واهدِ بنا واجعلنا سببًا لمن اهتدى.

اللهم إن أردتَ بالناس فتنةً، فاقبِضنا إليك غيرَ خزايا ولا مفتونين، ولا مغيِّرين ولا مبدِّلين، برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم احمل المسلمين الحُفاة، واكسُ المسلمين العراة، وأطعِم المسلمين الجياع.

اللهم لا تحرِم مصر وسائر بلاد المسلمين من الأمن والأمان.

‌اللهم مَن أرادنا وأراد ديننا وديارَنا وأمننا وأمتنا، وولاةَ أمرنا وعلماءَنا واجتماعَ كلمتنا - بسوءٍ، اللهم فاشْغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميرًا عليه يا رب العالمين.

[1] صحيح البخاري» (6/ 40).

[2] «صحيح البخاري» (6/ 136).

[3] «صحيح البخاري» (8/ 24).

[4] أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (9/ 118)، والسيرة النبوية لابن هشام 412/ 2.

[5] «صحيح البخاري» (2/ 78) ( )، ومسلم، كتاب الفضائل، باب ما سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئًا قطُّ، فقال: لا، وكثرة عطائه، 4/1806، (رقم 2312).

[6] أخرجه ابن خزيمة (2371)، وأخرجه مسلم (2312).

[7] أخرجه: البخاري 8/ 118 (6445)، ومسلم 3/ 74 (991) (31).

[8] «صحيح البخاري» (5/ 45).

[9] ابن كثير - المصدر: البداية والنهاية - الصفحة أو الرقم: 6/48.

[10] البخاري، حديث (3475)، ومسلم، حديث (1688).

[11] «سنن أبي داود» (3/ 171).







__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 24.95 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 24.32 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.52%)]