عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 03-09-2025, 11:08 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,307
الدولة : Egypt
افتراضي رد: أهم تيارات التكفير والعنف ودور الدعوة السلفية في مواجهتها

أهم تيارات التكفير والعنف ودور الدعوة السلفية في مواجهتها (5)

القطبية (3)


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد:- ما زلنا نتناول الحديث عن الفكر القطبي، واليوم نتكلم عن هذه المدرسة بعد موت الأستاذ سيد قطب رحمه الله.
1) - الفكر القطبي بعد موته:-
بعد موت سيد -رحمه الله- صار لدينا اتجاهان رئيسان:-
القطبية الإخوانية: وهم مجموعة إخوان 65 الذين تربوا مع سيد داخل السجن، فضلا عن باقي أعضاء التنظيم خارج السجن، وقد كانوا الجانب الأظهر والأقوى في الجماعة في هذا الوقت ولاسيما وأن الجماعة رسمياً أصبحت منحلة، فصار هذا التنظيم القطبي هو البديل، ويبدو أن هذا التنظيم مستمر إلى يومنا هذا.
التيار القطبي: وهو شق آخر من تلاميذ سيد قطب ومحبيه على رأسهم محمد قطب نفسه الذي لم يكن منتمياً تنظيمياً إلى الإخوان، وقد سألوا سيد في ذلك فقال: إنه يعرف من حال أخيه أنه يحب العزلة، هذا التيار يضم بداخله كيانات تنظيمية مثل جماعة التوقف والتبين، ومثل السرورية – وإن كانت السرورية أقل من أن توصف بالكيان المنظم – ويضم أيضاً أشخاصاً منفردين يغلب على ظاهرهم و كلامهم السمت السلفي، إلا أنه عند التدقيق في القضايا الخلافية تجد عقيدتهم فيها قطبية، فضلا عن أن حنينهم إلى الإخوان أقوى من نسبتهم للسلفية؛ لذا فإن معظم مشايخ القاهرة المنتمين لهذا الاتجاه دعموا جماعة الإخوان في الانتخابات بزعم أنهم رجال المرحلة ثم بعد ذلك صاروا وجوهاً بارزة على منصة رابعة بكل ما حوته من عبارات التكفير والتخوين والصدام.
وهناك اتجاهان آخران نسبتهم لفكر سيد نسبة فرعية:-
تيار التكفير الصريح: ورغم أنه خرج من عباءة سيد، إلا أنه صارت له مرجعيات وتصورات مختلفة عن فكر سيد أو بمعنى آخر لم يعودوا محتاجين لها ولتأويلاتها مثل جماعة شكري مصطفى.
جماعات الجهاد واستخدام السلاح: وهي تتلمذت عادة على كتب سيد بصفتها إحدي المصادر الحماسية التي توفر لهم إشباعاً جيداً في المواجهة مع الطواغيت وغيرها، وإن كانت لا تعتمد في تنظيراتها الفكرية على كتب سيد وحده؛ لأن هناك تأصيلات أكثر تفصيلاً في المسائل المرتبطة بالجهاد ارتباطاً وثيقاً.
2) وقفات سريعة مع بعض أفكار سيد قطب:-
كانت تدور في فكر سيد -رحمه الله- عدد من القضايا المحورية، التي قام ببناء منهجه الفكري عليها، وهي التي رددها وكررها فى كتبه بصيغ وعبارات مختلفة إلا أن مضامينها تبدو واحدة، ومن أخطر هذه القضايا قضية الجاهلية، وقضية الحاكمية:-
أولاً: قضية جاهلية المجتمعات الإسلامية:-
قام الأستاذ سيد بنحت مصطلح الجاهلية ليعني به الانحراف عن نهج الإسلام سواء كان في الماضي أم في الحاضر، يقول سيد -رحمه الله- في ظلال القرآن: «الجاهلية ليست اسماً لمرحلة تاريخية سابقة على الإسلام، بل إنها تنطبق انطباقاً حرفياً على كل وضع بصرف النظر عن اعتبارات الزمان والمكان، إذا كان الوضع مشابها لتلك المرحلة التاريخية السابقة على الإسلام»، ثم توسع في استخدامه ووسم به معظم المجتمعات الإسلامية المعاصرة، ولو كان هذا المصطلح جملة عابرة في كتاباته لأمكن تأويلها أو عدها من المتشابه الذي يجب أن نرده إلى محكمه سواء كانت كتابات أخرى أم سلوكا عملياً، ولكن للأسف الشديد لم يسعفنا البحث في هذا الأمر، بل جاءت نتيجته سلبية للغاية وعلى العكس تماماً من المراد.
وسوف نعرض نماذج مما كتبه سيد فيظلال القرآن وفي معالم على الطريق -وهما أبرز كتابين من مجموع ما كتب – حول هذه القضية، يقول سيد رحمه الله:-
1- «نحن اليوم في جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الإسلام أو أظلم، كل ما حولنا جاهلية.. تصورات الناس وعقائدهم، عاداتهم وتقاليدهم، وموارد ثقافتهم، وفنونهم وآدابهم، وشرائعهم وقوانينهم، وحتى الكثير مما نحسبه ثقافة إسلامية.. هو ما صنع هذه الجاهلية»، ثم يمضي برأيه بأن المجتمعات الإسلامية القائمة حالياً تدخل في إطار هذه الجاهلية، فيقول: «يدخل في اطار المجتمع الجاهلي تلك المجتمعات التي تزعم لنفسها أنها «مسلمة»؛ لأنها لا تدين بالعبودية لله وحده؛ ولأنها تعطي أخص خصائص الألوهية لغير الله، فتدين بحاكمية غير الله، فتتلقى من هذه الحاكمية نظامها وشرائعها وقيمها وموازينها وعاداتها وتقاليدها».
2- ويقول أيضاً: «إن المشقة الكبرى التي تواجه حركات الإسلام الحقيقية تتمثل في أقوام من الناس من سلالات المسلمين في أوطان كانت في يوم من الأيام داراً للإسلام يسيطر عليها دين الله و«تحكم بشريعته» ثم إذا هى تتنكر لمقومات الإسلام اعتقاداً وواقعاً وإن ظنت أنها تدين بالإسلام اعتقاداً»، ويقول كذلك: «وفي الأرض اليوم أقوام من الناس أسماؤهم أسماء المسلمين وهم من سلالات المسلمين، وفيها أوطان كانت في يوم من الأيام داراً للإسلام، ولكن لا الأقوام تشهد أن لا إله إلا الله بذلك المدلول، ولا الأوطان تدين لله بمقتضى هذا المدلول».
3- ويقول أيضاً: «إن الأمة الإسلامية قد انقطع وجودها منذ انقطاع الحكم بشريعة الله من فوق ظهر الأرض جميعاً» ثم يضيف: «ووجود الأمة الإسلامية يعد قد انقطع منذ قرون، فالأمة الإسلامية ليست «أرضاً» كان يعيش فيها الإسلام، وليست قوماً كان أجدادهم في عصر من عصور التاريخ يعيشون بالنظام الإسلامي، إنما الأمة الإسلامية جماعة من البشر تنبثق حياتهم وتصوراتهم وأوضاعهم وأنظمتهم وقيمهم وموازينهم كلها من المنهج الإسلامي، وهذه الأمة بهذه المواصفات قد انقطع وجودها منذ انقطاع الحكم بشريعة الله من فوق ظهر الأرض ».
4- ومن أشد ما كتبه في هذه القضية: «وإذا بدا للبشر يوما أن مصلحتهم في مخالفة شرع الله لهم فهم واهمون أولاً، وهم كافرون ثانيا». ويقول: «والمسألة في حقيقتها مسألة كفر وإيمان، مسألة شرك وتوحيد، مسألة جاهلية وإسلام.. إن الناس ليسوا مسلمين كما يدعون وهم يحيون حياة الجاهلية.. ليس هذا إسلاماً وليس هؤلاء مسلمين.. والدعوة اليوم إنما ترد هؤلاء الجاهلين إلى الإسلام لتجعل منهم مسلمين من جديد».
هل كان سيد يقصد من ذلك التكفير على حقيقته أم أنه أراد أن يستعمل أشد الألفاظ وقعاً على النفس حتى يستنفر الهمم من أجل العمل للدين وبذل الجهد لعودة المجتمعات إلى الصورة المثالية التي كانت عليها المجتمعات الأولى؟
الإجابة أن هذه قضية جدلية قليلة الفائدة من الناحية البحثية؛ لأن الأهم بالنسبة لنا من اتهام الشخص أو تبرئته هو محاكمة الفكر والوقوف على حقيقته، والذي ليس عليه خلاف أن سيد قال كلاماً موهماً يسهل تأويله تأويلاً فاسداً؛ لأنه يحتمل ذلك بالفعل، أما عن نيته هل كان يقصده أم لا؟ بعضهم يقول كان يقصده وبعضهم يتمسك بأنه سبق قلم، ويعول على ما قاله سيد في آخر حياته عندما واجهته المحكمة بسؤالات مباشرة لا احتمال في تأويلها بأن كتاباته وأفكاره تدعو إلى التكفير الصريح للمجتمع، فكان الرد الواضح منه أنه لم يقصد ذلك، وأن هذا الأمر فُهم من كلامه خطأً.
ثانياً: قضية الحاكمية:-
1- يقول سيد في كتابه (معالم في الطريق): «إن إعلان ربوبية الله وحده معناه الثورة الشاملة على حاكمية البشر في كل صورها وأشكالها، وأنظمتها وأوضاعها والتمرد الكامل على كل وضع في أرجاء الأرض يكون فيها الحكم للبشر بصورة من الصور».
2- ويقول أيضاً: «إن العالم اليوم يعيش في جاهلية من ناحية الأصل الذي تنبثق منه مقومات الحياة وأنظمتها» وهذه الجاهلية تقوم على أساس الاعتداء على سلطان الله في الأرض، وعلى أخص خصائص الألوهية وهى الحاكمية؛ لأنها تسند الحاكمية للبشر لتجعل بعضهم لبعض أربابا».
تحقيق الانحراف في الحاكمية عند سيد:-
تختلف مسألة الحاكمية عن مسألة الجاهلية فى أن الأصل الذي انبنى عليه تصور المجتمعات الجاهلية أصل فاسد، بل إن اللفظ نفسه غير جائز؛ لأن هذه المجتمعات الأصل فيها هو الإسلام حتى وإن انحرفت عن تطبيقه على واقعها بدرجة من الدرجات.
أما لفظة (الحاكمية) أو الأدق منه «الحكم بما أنزل الله» أو «نظام الحكم في الإسلام» فهي أصول شرعية من صميم الدين، ومن أهم أصول العقيدة، وقد جاءت في القرآن بهذا الوضوح ووردت فى السنة كذلك، وبالتالي فليس الخلاف مع سيد في هذه القضية خلافاً حول أصل المسألة ولكنه خلاف حول مسألة «تعميم التكفير لكل حاكم لم يحكم بما أنزل الله»؛ لأن هذه القضية يدخل ضمن أقسامها الكفر الأصغر بنص كلام ابن عباس رضي الله عنهما، وبالتالي فادعاء أن المسألة كلها من باب الكفر الأكبر المخرج من الملة ادعاء غير صحيح من الناحية العلمية، والخلاف الثاني في إطلاق لفظ الكفر على الأعيان دون التأكد من تحقق الشروط وانتفاء الموانع، وقد شذ سيد في هذه المسألة وفي غيرها بسبب قلة حظه من العلوم الشرعية مع اشتعال حرارة غيرته على الواقع الأليم الذي تعيشه البلاد الإسلامية.
ولو أحسنا الظن بسيد، سنقول: لو مد الله في عمره، ونال قسطاً من العلوم الشرعية، واطلع على كلام العلماء الذين سبقوه في المسائل التي تكلم فيها لكان لكتاباته وآرائه شأن آخر؛ لأن الملاحظ أن سيد لا ينقل عمن سبقوه شيئاً بل يترك لقلمه السيال وعاطفته الجياشة العنان بدون أن يلجمهما بلجام العلم، فينفرط عقد الضوابط الشرعية بين ثنايا كلامه، والوحيد الذي نقل عنه وتأثر به هو أبوالأعلي المودودي ولديه انحراف كبير في فهم هذه القضايا، ومنه أخذ سيد كثيراً من تصوراته أيضاً كما أقر بذلك أمام المحكمة.
3) سيد قطب فى عيون بعض من اشتد في نقده وذمه:-
اشتد نكير فريق من الناس على سيد -رحمه الله- حتى خرج بهم الإنكارعن حد الإنصاف والاعتدال فرموه بعظائم وكبائر، وحمَّلوا عباراته أكثر مما تحتمل، وهاجموا كل من ينقل عنه أو يترحم عليه، وانشغلوا بالشخص عن الفكرة، فأصبح كل همهم فى هدم الشخص وكشف عوراته والتنقص منه ومهاجمة محبيه وذم كل ما أتى به أو مدحه حتى وإن كان فى ذاته حسناً، وأصبح سيد عندهم عبارة عما يأتي:-
- يسخر من العلماء على مدار تاريخ الأمة، ويطعن في كتب السنة.
- يقول بالاشتراكية، ويدعو الى الأخوة الإنسانية، ويصف النصرانية بالسماحة.
- يستقي أفكاره من النظريات الشيوعية والغربية.
- يدعو الى حرية الاعتقاد ووحدة الأديان.
- يمتدح العلمانيين، ويضمن لهم الحرية.
وهكذا تمتد هذه السلسلة حتى وصل الأمر ببعضهم أن وصفه بالزندقة، وآخر بالعمالة للماسونية العالمية وغير ذلك من التهم الشنيعة التي تتجلى فيها نزعة التجني والحيدة عن الحق، وقد انتهج هذه الطريقة بعض الشيوخ الذين لهم اشتغال بعلم الحديث على رأسهم الدكتور ربيع المدخلي الذي كتب كتاباً سماه (العواصم مما في كتب سيد قطب من القواصم)، بالغ فيه جداً من لَيِّ أعناق كلام سيد وإخراجه عن سياقه أحياناً أو تحميله على أسوأ محامله في معظم ما نقل عنه، ثم ما لبث أن تطور به الحال هو الآخر فأصبح رائداً لمدرسة في الجرح والتجريح فصار له أتباع وأنصارسموا بالربيعيين أو بالمداخلة وهؤلاء لم يسلم من طريقتهم الفظة ولا أسلوبهم الحاد أي مخالف لهم ولا حول ولا قوة إلا بالله.
4) رأي الدعوة السلفية في سيد قطب:-
سلكت الدعوة السلفية – بفضل الله – مع سيد قطب ومع غيره قواعد العدل والإنصاف فهي لم تبخسه حقه، ولم تنسف ما عنده من الخير، ولكنها في الوقت نفسه لم تغال فيه ولم ترفعه فوق قدره ومنزلته، فتضاهي به رجلاً في قدر ابن تيمية مثلاً فى الرصانة العلمية والعمق الفكري، ولكنها تراه أديباً إسلامياً عنده عاطفة إسلامية جياشة وحب جارف تجاه دينه؛ مما جعله يوظف قلمه الرشيق والسيال في الدفاع عن الدين وعن قضايا الأمة وعن الرد على موجات الهجوم الفكرى الذي عانته الأمة طويلاً.
ونراه كذلك قد انكب على كتاب الله -عزوجل- وقد تأثر به وتعمق فى وجدانه فإذ بمشاعره الفياضة تسيل لتسجل سفراً ماتعاً لخواطره حول آيات القرآن الكريم، لكنها مع جمالها ورقتها وعذوبتها ستظل خواطر تحتاج ألفاظها إلى التدقيق العلمي وإلى الإحكام الفقهي المنضبط، أما من يحاول أن يجعل منه كتاباً في الأحكام أو العقائد أو حتى في المنهج والحركة فسوف ينحرف به الأمر إلى ما يخالف النهج القويم والصراط المستقيم، ونراه كذلك مفكراً أمضى وقتاً من حياته سجيناً ثم خُتمت حياته بطريقة نسأل الله -عزوجل- أن يكون قد رزقه فيها الإخلاص والتوبة، هذا هو حد الاعتدال الذي نراه في سيد، نسأل الله أن يلهمنا الرشد والصواب وأن يرزقنا الإخلاص والإنصاف، آمين.



اعداد: أحمد الشحات





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 25.62 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 24.99 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.45%)]