عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 22-08-2025, 04:35 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,528
الدولة : Egypt
افتراضي رد: أهم تيارات التكفير والعنف ودور الدعوة السلفية في مواجهتها

أهم تيارات التكفير والعنف ودور الدعوة السلفية في مواجهتها (4) القطبية (2)


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلي آله وصحبه ومن والاه أما بعد:-
استكمالا للحديث عن الفكر القطبي نتكلم اليوم عن المرحلة الرابعة من المراحل التي مر بها هذا الفكر وهي:
المرحلة الرابعة: قيادة التنظيم الإخواني السري «الجناح القطبى داخل جماعة الإخوان» (1955 - 1965):-
انتهى الأمر بجماعة الإخوان إلى حالة الصدام المباشر مع عبدالناصر، وكان من نتيجة ذلك صدور قرار بحل جماعة الإخوان، وشن حملة من الاعتقالات لقادة الجماعة وأعضائها ولاسيما بعد حادثة المنشية عام 1954، وكان سيد قطب ممن ألقى القبض عليهم، وتم إيداعه فى السجن لمدة عشر سنوات كاملة من الفترة ما بين (1954 - 1964) وقد خرج بعدها بعفو صحى ولكن لم يدم مكثه خارج السجن طويلاً حتى تم إلقاء القبض عليه ثانية وهى المرة التي أعدم فيها رحمه الله، وبالتالى فالمرحلة التي نتكلم فيها عن أفكار سيد هى فترة سجنه كاملة!!
انزوي معظم الإخوان ممن لم يتم اعتقالهم، وأيقنوا أن الجماعة أدخلتهم في صراع صفري مع الدولة؛ مما جعل الدولة تستنفر كل قواها في مواجهتهم ولاسيما بعدما صار الكيان محظوراً قانوناً؛ مما يتيح للدولة التعامل بحرية كاملة مع أعضاء تنظيم خارج على القانون، وقد كان رأي شريحة كبيرة من الإخوان أن تدخل الجماعة في مرحلة سكون تتيح لها ترتيب أوراقها بهدوء، وتحافظ على ما تبقي من أبنائها وقوتها، وتدخره لمستقبل قريب، ومع أن هذا رأي يتوافق مع الشرع والعقل والمنطق إلا أن مجموعة أخرى من الإخوان كان لها رأي مختلف خلاصته: أن يقوم الإخوان بإنشاء تنظيم سري مسلح!! حتى لا تتعرض الدعوة لنكبة 54 نفسها مرة أخرى، وأن الدولة إذا فكرت ثانية بأن تعتقل الإخوان بهذه الطريقة فهي على موعد مع حرب مسلحة، وخطة اغتيالات جاهزة، وخريطة انفجارات معدة، وأمور لا قبل للدولة بها – على حد زعمهم وتصورهم- وهذا ليس تجنياً على أحد بل هو ما اعترف به سيد قطب تفصيلياً في شهادته (لماذا أعدموني؟) كما سنرى بعد قليل، ولا يوجد وصف لهذا التهور أدق من كلمة «انتحار» التي ذكرها أحدهم – مفتخراً – وهو الأستاذ محمد توفيق بركات فى كتابه سيد قطب خلاصة حياته: «وكان الأهم من ذلك – نفسياً – أن أعاد – أي سيد - اتصالاته مع الإخوان المسلمين داخل السجون وخارجها، وأنشأ أرقى أنواع التنظيم الإسلامي سرية وفاعلية فى مصر وكان هذا الإنشاء يعد عملية انتحار إن جاز التعبير في الظروف الرهيبة التي كانت تسود أرض الكنانة».
اجتمع عدد من الإخوان – بعد استئذان المرشد – واختاروا قيادة خماسية لهذا التنظيم الجديد وهم (عبدالفتاح اسماعيل – مجدي عبدالعزيز – صبري عرفة – أحمد عبدالمجيد – على عشماوي)، وهؤلاء القادة الخمس كانوا وقتها جميعاً في سن الشباب، ولم يكن لهم خبرة كبيرة في العمل، ولم يكن لهم من الوجاهة ما يكفي لتوجيه التنظيم!! وبحثوا عن قائد فاستقر رأيهم بعد عدد من المحاولات على سيد قطب الذي كان وقتها ما زال في السجن!!
ولا تسأل هنا أسئلة من جنس كيف ترك المرشد مجموعة من الشباب المتهور يقودون الدعوة نحو المجهول، ولا أين دوره في أن يحفظ الأمانة التي بين يديه، ويحافظ على حياة أبنائه وعلى دعوتهم، والأهم من ذلك لماذا لم يصغ للعقلاء والناصحين من شيوخ الجماعة وقتها؟ فقد ذكر سيد في (لماذا أعدموني) ما يلي: -
«... وفكروا في الأخ محمد فريد عبدالخالق، واتصل به عبدالفتاح إسماعيل ليقودهم، ولكنه رفض الفكرة، وعدها مغامرة، وعَدَّ تجميع الإخوان مؤدياً إلى مذبحة لهم، أحسن حالات التنظيم في هذه المرحلة هي عدم التنظيم».
ولم يكتف بهذا التحذير بل ذهب هو والأستاذ منير الدلة ليوضحا للمرشد خطر هذا التنظيم وأنه سينكشف يوماً ما، وعندها ستبطش الدولة بكل إخواني وبكل من له صلة بالإخوان ولكن المرشد طمأنهما ووعدهما خيراً!!
وانطلقت القاطرة بلا وعي وبلا عقل وبلا أمانة.
انطلقت القاطرة بقيادة الشباب المتهور لتصطدم بالصخر، ولتستفيق بعد فوات الأوان.
انطلقت القاطرة والعقلاء من الجماعة يتحسرون على القيادة التي تدمر الكيان ولكنهم لا يستطيعون حراكاً.
انطلقت القاطرة وعلى رأسها سيد قطب لنرى بعد سنوات إلى أين سينتهي مصيرها؟ بكل أسف نقول: إنه بعد اكتشاف أمر التنظيم عام 1965 حاول سيد أن ينقذ الشباب الذين قادهم لسنوات من هلاك محقق، فعرض على عبدالناصر مصالحة - من خلال وسطاء – مفادها أن يعطوه عهداً ألا يتصدوا له، وألا يقاوموه بشىء مقابل أن يتركهم للعمل الدعوي والتربوي فرد عليهم عبدالناصر أنه قد فات الأوان لذلك!!
وبدأ سيد العمل من داخل السجن في مسارين متوازيين؛ الأول هو قيادة مجموعات من الإخوان المسجونين معه، فقام بعرض منهجه الجديد وأفكاره الخاصه التي ذكر أنها أحدثت نوعاً من الاضطراب والاختلاف بين الإخوة داخل السجن ومنهم من قبل منهجه ووافق العمل معه، ومنهم من تحفظ ورفض الانضمام لهذا التنظيم ولهذا الفكر، واتهموه بمخالفة الخط الحركي للجماعة!! والعجيب أن رائحة هذا الخلاف قد فاحت واتسعت حدتها داخل السجن حتى وصلت أخبار لمكتب الإرشاد تقول: إن سيد تبني أفكاراً جديدة وأنه يكفر الناس، فأوفد مكتب الإرشاد من يستوضح الأمر من سيد داخل السجن واطمأنوا إلى أن ما قيل تهويلات من المعارضين لسيد، وأن الأمور تسير على ما يرام!! بل والأعجب من ذلك ما ترويه زينب الغزالي في مذكراتها تقول: إنها قابلت المرشد وسألته عن سيد وعن كتابه المعالم فقال: «على بركة الله... إن هذا الكتاب قد حصر أملي كله في سيد، ربنا يحفظه، لقد قرأته، وأعدت قراءته، إن سيد قطب هو الأمل المرتجى للدعوة الآن»، وهذا له دلالة ليس هذا مجال بسطها، وخلاصتها: أن الفكر الإخواني قابل للتصالح مع الفكر القطبي بسهولة.
أما المسار الثاني فهو قيادة التنظيم خارج السجن من خلال عبدالفتاح إسماعيل، وبدأ سيد يكتب (معالم في الطريق) على هيئة أجزاء، تسرب من داخل السجن لأعضاء التنظيم في الخارج، وكانت هذه هي وجبة التوجيه الفكري للتنظيم الجديد مع عدد آخر من كتب سيد وأجزاء من تفسير الظلال وكتب المودودي.
أما عن الإعداد العسكري فهو ما سماه سيد بخطة رد الاعتداء. ولنتركه يحكي بنفسه عن تفاصيل هذا الأمر، وسوف نقتصر على روايته فقط رغم أن (علي عشماوي) قد بسطها بتفاصيل أكثر وأوضح في كتابه (التاريخ السري لجماعة الإخوان) إلا أن الإخوان يتهمونه بتهم شنيعة للغاية، ويحملونه أخطاء تنظيم 65 بكاملها، رغم أن المتأمل في الأحداث يجد أن ذلك نوعاً من التجني والله أعلم.
يقول سيد في شهادته (لماذا أعدموني؟):-
«وفي الوقت نفسه، ومع المضي في برنامج تربوي كهذا، لابد من حماية الحركة من الاعتداء عليها من الخارج، وتدميرها ووقف نشاطها وتعذيب أفرادها، وتشريد بيوتهم وأطفالهم تحت تأثير مخططات ودسائس معادية، كالذي حدث للإخوان سنة 1948، ثم سنة 1954 وسنة 1957، وكالذي نسمع عنه ونقرأ مما يحدث للجماعات الأخرى، كالجماعة الإسلامية في باكستان، وهو يسير على الخطة نفسها، ويصدر عن المخططات والدسائس العالمية نفسها».
ثم يوضح طبيعة هذه الحماية ووسائلها فيقول:
«وهذه الحماية تتم عن طريق وجود مجموعات مدربة تدريباً فدائياً بعد تمام تربيتها الإسلامية من قاعدة العقيدة ثم الخلق... هذه المجموعات لا تبدأ هي اعتداء، ولا محاولة لقلب نظام الحكم، ولا مشاركة في الأحداث السياسية المحلية، وطالما الحركة آمنة ومستقرة في طريق التعليم والتفهيم والتربية والتقويم، وطالما الدعوة ممكنة بغير مصادرة لها بالقوة، وبغير تدمير لها بالقوة، وبغير تعذيب وتشريد وتذبيح وتقتيل، فإن هذه المجموعات لا تتدخل في الأحداث الجارية، ولكنها تتدخل عند الاعتداء على الحركة والدعوة والجماعة لرد الاعتداء وضرب القوة المتعدية بالقدر الذي يسمح للحركة أن تستمر في طريقها».
ثم تحت عنوان البحث عن المال والسلاح كتب سيد يقول:-
«فأما التدريب؛ فقد عرفت أنه موجود فعلاً من قبل أن يلتقوا بي، ولكن لم يكن ملحوظاً فيه ألا يتدرب إلا الأخ الذي فهم عقيدته، ونضج وعيه، فطلبت إليهم مراعاة هذه القاعدة، وبهذه المناسبة سألتهم عن العدد الذي تتوافر فيه هذه الشروط عندهم، وبعد مراجعة بينهم ذكروا لي أنهم حوالي السبعين، وتقرر الإٍسراع في تدريبهم نظراً لما كانوا يرونه من أن الملل يتسرب إلى نفوس الشباب إذا ظل كل زادهم هو الكلام من غير تدريب وإعداد... ثم تجدد سبب آخر فيما بعد عندما بدأت الإشاعات ثم الاعتقالات بالفعل لبعض الإخوان.
وأما السلاح فكان موضوعه له جانبان:
- الأول: أنهم أخبروني أنه نظراً لصعوبة الحصول على ما يلزم منه حتى للتدريب فقد أخذوا في محاولات لصنع بعض المتفجرات محلياً، وأن التجارب نجحت وصنعت بعض القنابل فعلاً، ولكنها في حاجة إلى التحسين والتجارب مستمرة.
- والثاني: أن على عشماوي زارني على غير ميعاد، وأخبرني أنه كان منذ حوالي سنتين - قبل التقائنا - قد طلب من أخ في دولة عربية قطعاً من الأسلحة، حددها له في كشف، ثم ترك الموضوع من وقتها، والآن جاءه خبر منه أن هذه الأسلحة سترسل، وهي كميات كبيرة - حوالي عربية نقل - وأنها سترسل عن طريق السودان، مع توقع وصولها في خلال شهرين، وكان هذا قبل الاعتقالات بمدة، ولم يكن في الجو ما ينذر بخطر قريب».
وما أن توفر المال والسلاح؛ إذ بهم يرسمون ما سموه خطة رد الاعتداء على الحركة الإسلامية، فقال لهم سيد ناصحاً: «الذي قلته لهم: إننا إذا قمنا برد الاعتداء عند وقوعه، فيجب أن يكون ذلك في ضربة رادعة توقف الاعتداء، وتكفل سلامة أكبر عدد من الشباب المسلم»، ووفقاً لهذه النصيحة فقد طلب من القيادة الخماسية خطة تفصيلية لكونهم المسؤولين عن التنفيذ فكان ما يلي:
«وهذه الأعمال هي الرد فور وقوع اعتقالات لأعضاء التنظيم، بإزالة رؤوس في مقدمتها؛ رئيس الجمهورية، ورئيس الوزارة، ومدير مكتب المشير، ومدير المخابرات، ومدير البوليس الحربي، ثم نسف لبعض المنشآت التي تشل حركة مواصلات القاهرة لضمان عدم تتبع بقية الإخوان فيها وفي خارجها - كمحطة الكهرباء والكباري - وقد استبعدت فيما بعد نسف الكباري كما سيجيء.
وقلت لهم: إن هذا إذا أمكن يكون كافياً بوصفها ضربة رادعة، ترد على الاعتداء على الحركة - وهو الاعتداء الذي يتمثل في الاعتقال والتعذيب والقتل والتشريد كما حدث من قبل - ولكن ما الإمكانيات العملية عندكم للتنفيذ؟».
- إذاً كل مشكلة سيد مع هذا الكلام هو مدى الجاهزية والقدرة على التنفيذ فقط!! فلما كانت إجابتهم أنهم غير جاهزين لتنفيذ هذا التصور، وأن الشخصيات المطلوب اغتيالها غالباً ما تحاط بحراسة قوية فكان ما يلي:-
«وبناء على ذلك اتفقنا على الإسراع في التدريب، بعدما كنت من قبل أرى تأجيله ولا أتحمس له، لكونه الخطوة الأخيرة في خط الحركة وليس الخطوة الأولى؛ ذلك أنه كانت هناك نذر متعددة توحي بأن هناك ضربة للإخوان متوقعة، والضربة كما جربنا معناها التعذيب والقتل وخراب البيوت وتشرد الأطفال والنساء».
ثم وقعت الاعتقالات لأعضاء الإخوان فأرسل سيد للقيادة الخماسية بأن يوقفوا التجهيزات من الأسلحة والتدريب يقول سيد:
«فجاءني استفهام من الأخ على عن طريق الحاجة زينب عما إذا كانت هذه تعليمات نهائية حتى لو وقع التنظيم؟ فأجبته بأنه في هذه الحالة فقط، وعند التأكد من إمكان أن تكون الضربة رادعة وشاملة يتخذ إجراء، وإلا فصرف النظر عن كل شيء، وكنت أعلم أن ليس لديهم إمكانيات بالفعل، وأنه لذلك لن يقع شيء».
نهاية المآساة:-
قامت سلطات الأمن باعتقال سيد قطب، وألقت القبض على أعضاء التنظيم الجديد الذي سقط تباعاً في قبضة الأمن، وأدلوا بكامل تفاصيل التنظيم؛ من حيث الأسماء والمال والسلاح والخطط، وامتلأت السجون بهذا الشباب المسلم البريء، وتحققت نبوءة فريد عبدالخالق التي لم يعرها المرشد أي نوع من الأهمية ولا حول ولا قوة إلا بالله، وتم الحكم بالإعدام على سيد واثنين آخرين في أواخر شهر أغسطس 1966 رحمهم الله رحمة واسعة وغفر لهم.



اعداد: أحمد الشحات





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 24.98 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 24.35 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.51%)]