دروس من قصص القرآن الكريم .. يوسف عليه السلام مع إخوته
- كثرت الابتلاءات التي تعرّض لها يوسف عليه السلام على مدار حياته لكن ما تعرض له من فتنة النساء كان أقوى الابتلاءات لأنها فتنة في الدين
- ذكر القرآن الكريم واقعة المراودة بأسلوب يجمع بين الإيضاح والعفة فلم يشر إلى الحدث إشارة عابرة ولا خاض في تفاصيل تثير الغرائز إنما بَيَّنَ ما ينبغي بيانه بمنطقٍ حكيمٍ جمعَ بين الشمولِ والإحاطةِ
إن يوسف -عليه السلام- بعدما حاك إخوته المؤامرة ضده، واتفقوا فيما بينهم على خطة التخلص منه، بإلقائه في غيابة الجب، طلبوا من أبيهم أن يسمح له بالذهاب معهم {قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (11) أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (يوسف).
وقد صوّر القرآن لنا حالة الحزن المصطنع التي تمثل بها إخوة يوسف؛ من أجل التأثير على أبيهم حتى يسمح لهم بأخذه معهم، فإن أصل كلمة تأمنا (تأمننا) أدغمت النون الأولى في الثانية، فهي لا تقرأ إلا مدغمة بالرَّوْم وهو الإتيان بضمة النون بصوت خفيض، أو الإشمام وهو ضم الشفتين على هيئة النطق بالواو بعد تسكين الحرف المضموم، فحين تقرأ تلك الآية يبدو بين ناظريك مشهد إخوة يوسف وهم يمثلون على أبيهم، ويتظاهرون بحزنهم في طريقة نطقهم بالحروف من أفواههم، ليستميلوا إليهم قلب أبيهم، حتى يأذن ليوسف بالذهاب معهم، بينما هم مجمعون على أنهم سيغيبونه في قعر بئر بعيدة عن مكان إقامة يعقوب -عليه السلام- بكنعان، {فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} (يوسف: 15). قميص يوسف -عليه السلام-
لقد مثلوا على أبيهم دور المحبين ليوسف عليه السلام في البدء، من أجل التحايل لأخذه، قال -تعالى-: {وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (16) قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (17) وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} (يوسف)، لقد كانوا بارعين في التمثيل، لكنهم جاؤوا بدليل مصطنع يدل على ضد دعواهم، فرغم تخطيطهم لجريمتهم وإحكامهم في تنفيذها، لكنهم لم يستطيعوا القيام بالجريمة الكاملة، بل تركوا وراءهم مايدلل على كذبهم، فقد جاؤوا بقميص يوسف معهم ملطخاً بدماء شاة، وقالوا لأبيهم إنها دماء يوسف؛ فقد أكله الذئب، ولم يخطر ببالهم أن الذئب إذا أكل إنساناً مزق ثوبه، وقد أورد القرطبي في التفسير خبراً عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «لما نظر إليه -أي يعقوب نظر إلى القميص-قال كذبتم، لو كان الذئب أكله لخرق القميص»، ولقد كان للقميص في قصة يوسف شأن، فكما استخدمه إخوته للتدليل على صدقهم، واستدل به أبوهم على كذبهم، ومن ثم حياة يوسف، فهو كذلك بعد سنوات كان دليلا على براءته من الخيانة في عرض الذي هو في بيته، ثم بعدها بسنوات سبباً لعودة البصر لأبيه بعد العمى حين ألقاه على وجهه فارتد بصيرا. من كنعان إلى مصر
قال -تعالى-: {وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَاردَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (19) وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (20) وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (21) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22)} (يوسف)، قال -تعالى-: {آتيناه حُكْماً} أى: حكمة، وهي الإصابة في القول والعمل أو هي النبوة، {وعِلْماً} أي وفقها في الدين، وفهما سليما لتفسير الرؤى، وإدراكا واسعا لشؤون الدين والدنيا، ومعنى بلوغ الأشد أي منتهى شدته وقوته، وهي السن التي كان فيها- على ما قيل- ما بين الثلاثين والأربعين، وربما أقل من ذلك؛ حيث لم يرد في تحديد السن خبر صحيح، (ينظر في ذلك تفسير الطبري، 15/23). ثم إن يوسف -عليه السلام- عند ذلك تعرض لفتنة كبيرة وبلية هي أعظم من جميع ما مر عليه في حياته من بلايا؛ لأنها بلية في الدين، وفتنة فيه، فقد حاولت امرأة العزيز التي كان من المفترض أنها أمه بالتبني إذا بها تحاول أن توقعه في براثن الفاحشة، قال -تعالى-: {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} (يوسف: 23). حقائق في مشهد المراودة
لقد ذكر القرآن الكريم واقعة المراودة في الآية السابقة، بأسلوب يجمع بين الإيضاح والعفة، فلم يشر إلى الحدث إشارة عابرة، ولا خاض في تفاصيل تثير الغرائز، إنما بَيَّنَ ما ينبغي بيانه، بمنطقٍ حكيمٍ جمعَ بين الشمولِ والإحاطةِ والمحافظةِ على قيم العفافِ والحياءِ والستر، ليُجليِّ لنا ثلاث حقائقَ: الحقيقة الأولى: حقيقة اجتماعية
وهي أن التبني لا يحيل الابن المتبنى إلى ابن حقيقي؛ إذ يظل في النفس الكامنة غريباً، فلا يؤمن مكر الشيطان منه ولا عليه بخصوص غيره من أهل البيت الذي هو فيه، وقد كان هذا البيان مهما للتمهيد إلى الحكم بتحريم التبني بعد ذلك في آيات بينات نزلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك بسنوات بالمدينة، حين قال -تعالى-: {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ} (الأحزاب: 4). الحقيقة الثانية: حقيقة أخلاقية قيمية
وهي أن ما عند الله لا يُنال إلا بالتقوى؛ فلا ينبغي لمن يروم الرفعة وعلو القدر في الدنيا والآخرة أن يتلوث بالخيانة، ولو استجاب يوسف لما دعته إليه المرأة والنساء معها بعد ذلك لما مُكِّن له، ولزالت عنه عناية الله به. الحقيقة الثالثة: حقيقة عقدية
وهي أن يوسف عند الله من المحسنين من قبل أن تُعرض عليه الفاحشة، فلا سبيل إليه، ولا يمكن لتلك المرأة ولا لألفٍ غيرها أن يوقعن به؛ لأن الله وصفه قبل ذكر مراودتها له بأنه من المحسنين، أي من الذين يعبدون الله بالمشاهدة، فهو يتمثل شهود الله له في كل أحواله وكل أوقاته؛ لذلك رأى برهان ربه، حين همت به، قال -تعالى-: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّه} (يوسف:24)، فالبرهان الذي رآه هو شيء ما عصمه الله به؛ لأن من كان مع الله حقيقة في كل أوقاته كان الله معه حقيقة في كل أوقاته، فلذلك حمى الله نبيه من مجرد الهم بالمعصية، فضلا عن أنه عُصم من ذلك بسابقة إحسانه؛ فإن الله قال -تعالى- قبلها: {وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}، أي أن هذا ليس خاصا بيوسف وحده، ولكن كل من يتعلق قلبه بالله ويصح التجاؤه إليه فإن الله يكفيه. بين الفاحشة والسجن
لقد كان شأن يوسف -عليه السلام- في عبوديته لله عظيما، وقد وصل به حد التضييق عليه من النساء بشأن مقارفة الذنب مبلغاً لم يجد معه بدًّا من أن يطلب من الله دخول السجن، فلأن يُعتدى على حريته خير له من أن يعتدى على دينه؛ فالسجن أحب إليه من الاستجابة لمراودة النساء، نساء المدينة الآتي قطعن أيديهن انبهاراً بوسامته، وما أودعه الله -تعالى- من أنوار نبوته، فإنما ارتبكت خلجاته بين خيارين صعبين، بسبب قلة حيلته مع نساء هُنَّ عِلْيَة القوم، مع قوة إيمانه، ورسوخ يقينه بربه، لكن مع ذلك لو كانت عنده فسحة من التقاط الأنفاس لكان طلب العافية منه في هذا المحل أولى، فإنه لو طلب من الله أن ينجيه من فتنة النساء والسجن معا لكان له ذلك، لكنه عدل عن ذلك، في إشارة ظاهرة على صعوبة أمره مع غلبة إيمانه وقوة رفضه للمعصية، فقد جعل -عليه السلام- تلك المقابلة بين الفاحشة والسجن، للدلالة على مدى الضيق الذي كان يشعر به، {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ}، ونسي -عليه السلام- من أثر توتر ذلك الضيق، الخيار الثالث وهو العافية ليكون في أقدار الله ما هو كائن. جزاء الصبر على فتنة النساء
لقد كثرت الابتلاءات التي تعرض لها يوسف -عليه السلام- على مدار حياته، لكن ما تعرض له من فتنة النساء، كان أقوى الابتلاءات؛ لأنها فتنة في الدين، وقد كان التمكين له من بعدها ثمرة من ثمرات صبره، فكانت هذه الفتنة بثقلها هي الحاسمة في تغيير حياته وأقداره، وتحويل نوعية الابتلاءات بعدها، وإذا كان دخوله السجن ابتلاء من دون شك، لكن السياق القرآني يدل على أن السجن كان مجالاً لدعوته -عليه السلام-، ولم يأت في السياق ما يدل على أنه كان قبل السجن متمكناً من ذلك، فكان السجن له منحة في شكل محنة، وقد ظهرت له فيه معجزات لم يرد لها ذكر قبل ذلك، فثبتت في السجن نبوته، وتأكدت رسالته، وتكونك لبنات دعوته، ليأتي التمكين له بعد ذلك إيذانا ببدء مرحلة جديدة من الصبر لكنه من الآن فصاعدا صبر على النعم وليس الصبر على البلايا.
اعداد: الشيخ: محمد محمود محمد