أساليب نشر العلمانية (2) صُنع الظروف المولـِّدة للعلمانية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
استكمالا لما بدأنا في الحديث عن العلمانية والظروف المولدة لها، نكمل اليوم وسائلهم وطرائقهم في صنع هذه الظروف التي منها:
افتعال الصدام بيْن الدين والعلم الحديث:
وهذا الباب قريب مِن سابقه إلا أنه يختلف عنه بكونه أكثر منه اقترابًا من فكر الرجل العادي؛ فادعاء أن الدين فيه أخبار مخالفة للعقل -كما يدعون في بعض الغيبيات!- قد لا يعني شيئًا ذا بال عند الرجل العادي، ولكن عندما يتم الادعاء بعداء الدين لعلوم الطب والفلك والهندسة؛ فإن هذا يكون أكثر إثارة للعامة أكثر مِن مجرد الادعاء بوجود التعارض بين الدين والعقل.
وقد تحمَّل المواطن الأوروبي وطأة الإيمان بدين فيه ما يناقض العقل، ولكنه ثار حينما علم أن الدين يقف عائقًا أمام نظريات علمية مِن شأنها أن تحل له الكثير مِن مصاعب حياته، وبالتالي سيظل المفكرون العلمانيون يرددون «كالببغاوات» أن وجود بعض الأحاديث التي ترشد إلى نصائح في باب التداوي «كالتداوي بالحجامة - أو بحبة البركة - أو بعسل النحل» - أن هذا يلزم منه إغلاق كليات الطب! مع أنه لم يقل بذلك أحد، ولم يشر إلى ذلك أحد لا مِن قريب ولا مِن بعيد، وغاية ما هنالك أن مَن أخذ بهذه التوجيهات النبوية وعمِل بها مِن الأطباء؛ استطاع أن يحقق تقدمًا كبيرًا لأساليب العلاج في زمانه، وأنه «ومع تقدم العلم الحديث» ما زالت هذه الأساليب الطبية صالحة بوصفها وسائل أساسية أو ثانوية أو وقائية في كثير مِن الأمراض!
ومِن المفيد ها هنا: أن نأخذ على أيدي بعض العامة، بل وربما بعض الدعاة المشهورين بحب المبالغات التي تضر أكثر مما تنفع؛ بينما الواجب تنزيه الشريعة مِن أن تنسب إليها تجارب الأطباء -فضلاً عن غيرهم- في العلاج بـ«عسل النحل» على أنها بتفاصيلها وحي من الله! وإنما الثابت فقط هو أصل الإشارة إلى أن هذا مِن أبواب التداوي، وأما ما سوى ذلك فجهد بشري.
افتعال الصدام بيْن الدين والحياة الحديثة:
وهذا الخطاب هو المعتمد «لدى معظم الإعلاميين الدائرين في الفلك العلماني»؛ سواء شعروا أم لم يشعروا، ولكنهم يكرسون للعلمانية دون أن يوجَّه لهم الاتهام بالعلمانية أو غيرها، وهذا النمط من الإعلاميين يمارس دور «التلميذ المشاغِب» الذي يطرح أسئلة غرضها إعاقة المدرس عن الشرح، وإثبات استحالة الفروض الأولية التي سوف ينطلق منها، وهذه الأسئلة تمس «رغيف السامع، وحياته كلها... !».
وهذه الأسئلة مِن قبيل:
- سلمنا لكم أن البنوك ربا، ولكن الاقتصاد العالمي قائم عليه؛ فهل ننعزل عنه إذا أردنا تطبيق الشريعة؟!
- سلمنا لكم أن العري حرام، ولكن السياح لا يأتون إلا بهذه الهيئة، والسياحة تمثل كذا... وكذا... مِن الدخل القومي؛ فهل نلغيها؟!
- سلمنا لكم أن إقامة الحدود عدل، وأنها الوحيدة التي تحقق الردع الخاص والعام الذي يسعى إليه القانون الوضعي، ولكنه يفشل عندما غلت الأمم المتحدة يده عن اللجوء لمثل تلك العقوبات الرادعة، والأمم المتحدة تفرض عقوبات على البلاد التي تطبق عقوبات بدنية؛ فهل نتحمل مثل هذه العقوبات؟!
وهي قائمة من الأسئلة التي لا تنتهي، ويُلاحَظ عليها الملاحظات الآتية:
- أن السائل دائمًا ما يَفترض أن الشريعة أمر يخص الدعاة إليها ولا يخص عموم المسلمين؛ ومِن ثَمَّ فهو يملك رفاهية طرح الأسئلة، ولا يحمِّل نفسه عناء البحث عن إجابة! ونحن نعترف بأن هناك صعوبات في تغيير واقع ترسَّخ عبر قرون عدة، ولكننا نخاطب جميع المسلمين بأن الشريعة شريعتهم والقضية قضيتهم، وأن على الجميع أن يقدِّم الحلول، والشريعة تتضمن أحكامًا لأحوال الاختيار، وقواعدَ للتعامل مع أحوال الاضطرار.
- أن معظم هؤلاء يَطرحون السؤال في خمس دقائق، ثم يطلبون الإجابة عليه في دقيقة؛ مما يعني أن المقصود أن يترسخ لدى السامع أو القارئ أن الشريعة -حتى وإن استقر لديه وجوب تحكيمها- تطبيقها في هذا الزمان في غاية العسر! فبعضهم يَحتج بأن القصور يأتي مِن قِبَل الشريعة ذاتها، وبعضهم يرى أن انحرافاتنا هي التي تجذرت بصورة يستحيل التراجع عنها؛ وكلا الأمرين فاسد، وإن كان أحدهما أفسد من الآخر.
- أن الذين يطلقون هذه الدعوات يحاربون أي صور إصلاح موازية؛ مما يثير الشك في غرضهم من هذه الأسئلة، فهم يحاربون البنوك الإسلامية، ويحاربون السندات الإسلامية، ويَسخرون مِن المقاهي التي لا تقدم الشيشة رغم أن هذا يتوافق مع مطالب منظمة الصحة العالمية! وينبري بعضهم منهم -أو بعضهن- محتجًا على الممثلات اللاتي يرفضن الأدوار التي تحتوي على مشاهد تَقبيل! «ليس المراد أن ترك هذا الأمر يجعل التمثيل حلالاً! وإنما نبيِّن مدى رفضهم التام لأي إصلاح؛ ولو كان جزئيًّا ومحدودًا للغاية!».
وهذه الجزئية الأخيرة تقودنا إلى الأسلوب الثاني مِن أساليبهم، وهو: «تكريس الانحراف الحاصل وتعميقه!».
وهو ما سنتناوله في المقال القادم -بإذن الله تعالى-.
اعداد: عبد المنعم الشحات