شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع
(كتاب النكاح)
شرح فضيلة الشيخ الدكتور
محمد بن محمد المختار بن محمد الجكني الشنقيطي
الحلقة (461)
صـــــ(1) إلى صــ(17)
شرح زاد المستقنع - كتاب الظهار [5]
من أعظم الشروط اللازم توافرها في الرقبة لإخراجها في كفارة الظهار سلامة الرقبة من العيوب، وهذه العيوب تناولها الفقهاء بكثير من الأحكام والمسائل، من أهمها: ضابط العيب المؤثر وغير المؤثر في الرقبة، وحكم ذهاب العضو أو بعضه من الرقبة، وحكم المريض الميئوس منه، وأم الولد في الإعتاق، وهل يصح إعتاق العبد الأحمق، أو المدبر، أو المرهون، أو الجاني، أو ولد الزنا، أو الأم الحامل مع حملها؟
العيوب المؤثرة في الرقاب في كفارة الظهار
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن سار على سبيله ونهجه إلى يوم الدين.
أما بعد: فقد تقدم معنا أن الرقبة التي أوجب الله عتقها في الكفارات لابد أن تكون مشتملة على بعض الصفات التي يحكم بإجزائها وبراءة الذمة في عتقها، وبين رحمه الله في هذه الجملة أنه يشترط في الرقبة أن تكون مؤمنة، وبينا دليل هذا الشرط، وأن أصح قولي العلماء رحمهم الله هو حمل المطلق على المقيد، فنحمل المطلق في كفارة الظهار على المقيد في كفارة القتل، ولذلك أوجبوا الإيمان في الرقبة التي يعتقها المظاهر.
يقول والمصنف رحمه الله: [ولا يجزئ في الكفارات] ، وهذه عادة العلماء رحمهم الله، فهم يذكرون المسائل المتماثلة التي يشبه بعضها بعضا في المظان، فبين أنه يشترط في الرقاب التي يجب عتقها أن تكون مؤمنة، فلو أعتق رقبة كافرة فإنه لا يجزئه، لا في كفارة القتل، ولا في كفارة الظهار، ولا في كفارة الجماع في نهار رمضان، ولا في كفارة اليمين، أي: في الكفارات التي تجزئ فيها الرقبة.
ثم الشرط الثاني الذي يجب توفره لإجزاء الرقبة وبراءة الذمة من الكفارة بعتقها: أن تكون سالمة من العيوب، وبينا حقيقة العيب، وأن أصله في اللغة النقص، يقال: عاب فلان فلانا إذا انتقصه بشيء مما يعد منقصة.
والعيب ينقسم إلى قسمين في الرقاب، عيب في الجسد، وعيب في النفس والروح.
فعيب الجسد: النقص في الخلقة الذي يضر ضررا بينا.
وعيب الروح: متعلق بالأخلاق، كأن يكون فاقدا للعقل، أو يكون عصبيا إلى درجة لا يتحكم في نفسه في حالات الغضب، أو يكون يصاب بالصرع والإغماء، فهذا فيه نقص في الروح.
ضابط العيب المؤثر وغير المؤثر في الرقاب
تقدم معنا في كتاب البيوع ذكر العيوب المؤثرة في الرقاب، وضابط العيب المؤثر وغير المؤثر في الرقبة، إلا أنه هنا إذا كان النقص في الرقبة يكون النقص في الأعضاء، كقطع عضو كيد أو رجل، أو ذهاب حاسة كذهاب البصر ونحوه، فهذا إذا وجد في الرقبة فإنها لا تجزئ في العتق، فلو كان عنده عبد أو مملوك أعمى وأعتقه كفارة الظهار، أو كفارة لقتل، أو كفارة لجماع في نهار رمضان لا يجزئه، وهكذا لو كان أقطع اليد، أو أقطع الرجل، أو مشلولا شللا تاما، أو شللا جزئيا لبعض الأعضاء.
ثم استأنف رحمه الله فقال: [يضر بالعمل ضررا بينا] ، وهذا يسمى عند العلماء بالضابط، وهو هنا أن يكون العيب مضرا بالعمل ضررا بينا، فالعيب يضر ويمنع الإنسان من العمل.
والسبب في وضع هذا الضابط أن الرقبة إذا كانت لا تستطيع العمل فمعنى ذلك أن الشخص إذا أعتقها يتخلص من تبعة الإنفاق عليها؛ لأنها إذا كانت عاطلة لا تعمل، مثل رقيق مشلول -مثلا- فهو كما قال تعالى: {وهو كل على مولاه} [النحل:76] أي: كل على سيده فسيده إذا وجبت عليه الرقبة بانتهاكه حرمة من حرمات الله كقتل نفس محرمة، أو ظهار، أو جماع في نهار رمضان، فأصبح هنا من الخير له أن يعتق هذه الرقبة، وأصبح العتق في هذه الحالة تخلصا من التبعة، فبدلا من أن تكون زجرا له أصبحت نعمة عليه، وهذا خلاف مقصود الشرع في أن يتحمل الغرم الذي يؤثر فيه حتى يردعه عن انتهاك حرمات الله، ولذلك أوجب الله الكفارة من عتق الرقاب، والإطعام، ونحوهما من الكفارات التي تكف الإنسان في بعض الأحيان عن انتهاك حرمات الله، حتى يكون ذلك أبلغ في زجره.
أقوال أهل العلم في الرقبة المعيبة
إذا ثبت ما سبق فالعلماء على قولين: فمن أهل العلم من قال: إذا وجد العيب المؤثر لا يجزئ عتق الرقبة.
فلو أعتق الأعمى -كما ذكرنا- فالجمهور من العلماء، ومنهم الأئمة الأربعة: الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، وطائفة من أهل الحديث رحمة الله عليهم كلهم يقولون: إن من أعتق الرقبة التي فيها عيب مؤثر فذلك العتق لا يجزئه.
وقال بعض العلماء: إنه إذا أعتق الرقبة التي فيها عيب -ولو كان مؤثرا كالعمى والشلل- فإنه يجزئه.
وقال: حتى ولو أعتق عبدا مشلولا شللا كاملا يجزئه.
وهذا مذهب الظاهرية رحمة الله عليهم وطائفة.
والصحيح ما ذهب إليه الجمهور أن الرقبة يشترط في صحة إجزائها وبراءة الذمة من الكفارة بعتقها أن تكون سالمة من العيوب؛ لأن مقصود الشرع في إعتاق الرقبة الرفق والإحسان إليها، وزجر ذلك المرتكب لحرمات الله عز وجل بوجوب الكفارة عليه، وحينئذ لو قلنا بعتق هؤلاء خالفنا مقصود الشرع، فأصبح رفقا به من تبعة الإنفاق على تلك الرقبة، لذلك نقول: الله عز وجل أمر بعتق الرقبة، والأصل أن تكون الرقبة على الصفة المعتبرة، ودليل ذلك أننا وجدنا الشرع يسقط بالعيب عن الإنسان الواجبات، بل حتى في المستحبات كما في الأضحية -على القول باستحباتها-، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أربع لا تجزئ في الضحايا: العوراء البين عورها، والعرجاء البين عرجها، والمريضة البين مرضها، والكبيرة التي لا تنقي) ، وهي التي لا مخ فيها.
فإذا كان في المستحبات لا تجزئ فكيف في الواجبات التي ألزم بها، وهذا حي وهذا حي، فالرقبة من الحيوان وكذلك الأضحية من الحيوان، فكوننا نقول في الرقبة: إن الإنسان حيوان فهذا من الوصف بالحياة، وهذا الوصف يطعن فيه بعض المتأخرين، وليس طعنهم بصحيح، فالإنسان حيوان، ووصفه بهذه الصفة من جهة الحياة؛ لأن الله عز وجل يقول: {وإن الدار الآخرة لهي الحيوان} [العنكبوت:64] ، يعني: الحياة الحقيقة؛ فإن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى.
فالمراد بهذا أن نقول: إنه امتنع أن يجزئ المعيب في الأضحية على القول بوجوبها، فكما لا يجزئ المعيب في الأضحية لا يجزئ المعيب في الرقاب، من جانب أن هذا ثبت فيه حق الله عز وجل، وإما إذا قلنا: إن الأضحية ليست بواجبة فنقول: إذا كان العيب مؤثرا في الأضحية وليست بواجبة ففي باب الرقاب الواجبة من باب الأولى، فهذا من جهة الأدلة التي تدل على أنه لا يجزئ ما كان معيبا من الرقاب في الكفارات كلها، وهنا ذكر المصنف شرطين لجميع الرقاب: الإيمان، والسلامة من العيب.
قوله: [كالعمى] .
هو ذهاب البصر، والعمى يكون حسيا ويكون معنويا، وأشد العمى عمى البصيرة -نسأل الله السلامة والعافية، وأن يجنبنا الله من عمى البصائر-، ولذلك قال الله: {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} [الحج:46] ، والمقصود هنا العمى الحسي وهو ذهاب البصر.
قوله: [والشلل] .
هو المرض المعروف، ويعجز الإنسان بسببه عن تحريك العضو، سواء أكان يدا أم رجلا، فلو كان الرقيق أشل اليد أو الرجل فإنه لا يجزئ، فلو سألك سائل وقال: قتلت نفسا خطأ، وكفرت بعتق عبد مشلول اليد تقول: لا يجزئ.
فلا بد أن يكون سالما من الشلل.
قوله: [أو أقطع اليد أو أقطع الرجل] .
أقطع الرجل معناه أنه لا يمشي؛ لأن القطع مثل الشلل، بل هو أشد من الشلل، والمشلول قد يأذن الله له بالشفاء ويبرأ.
قوله: [أو أقطع الأصبع الوسطى أو السبابة أو الإبهام] .
يلاحظ هنا أنه تدرج، وهذا أمر نجده عند علماء السلف، فبعد أن ذكر فقدان العضو كاملا ذكر فقدان بعضه، فذكر العمى مثالا على ذهاب العضو كاملا، فإذا ذهب البصر كاملا من العينين فإنه لا يبصر بهما، ثم قال: (والشلل) ، والشلل يكون لبعض الأعضاء دون بعضها، فالأول ذهاب للعضو كاملا، والثاني يقع في العضو فيذهبه كله، مثلا في اليد يسمى مشلول اليدين أو القدمين، وقد يقع لأحدهما، أي: يد واحدة أو رجل واحدة، فهناك ذهاب كلي لبعض الأعضاء.
وبعد أن انتهى من العمى والشلل شرع في ذكر ذهاب جزء من العضو فذكر أقطع الأصابع، فإن أقطع الأصابع لم تذهب يده نفسها كاملة، ولكن ذهب بعض اليد، ثم اليد في الأصل تطلق ويراد بها اليد الكاملة من أطراف الأصابع إلى مفصل الكف الذي هو مفصل العضو مع الساعد، وتطلق اليد ويراد بها من أطراف الأصابع إلى المنكب.
لأنه قد يقول قائل: سلمت بأن الإضرار بالحاسة كاملة لا يجزئ بسببه عتق الرقبة، فما الحكم إذا ذهب بعض العضو، كقطع الأصابع أو بعض الأصابع؟ فهذه المسألة فيها وجهان للعلماء: فبعض العلماء يقول: إن العضو موجود في الظاهر مفقود في الحقيقة، يعني: إذا قطع بعض أصابعه، -القطع الذي يرونه مؤثرا- يقولون: اليد موجودة، ولكن ذهاب بعض الأصابع التي هي منها تذهب فائدة اليد.
فأصبح الذي نريد أن نقرره هنا أن السبب الذي من أجله حكم العلماء بأن ذهاب بعض العضو مؤثرا أنهم قالوا: إذا ذهبت المنفعة فحينئذ: من قطعت بعض أصابعه قطعا مؤثرا فإن منفعة يديه تزول، وكأن يده قد قطعت؛ لأنه في هذه الحالة لا يستطيع أن يمسك الأشياء باليد على الوجه الذي يكون في من كانت له أصابع.
فعندنا ثلاث حالات: الأولى: إذا ذهبت الحاسة كاملة، وهذا لا إشكال فيه، أو ذهب العضو كاملا كقطع اليد أو الرجل أو شلل أصابها، وأما الحالة الثالثة -وهي محل الإشكال- فهي إذا قطع بعض العضو، فهل هذا القطع ينزل العضو منزلة المعدوم أم لا؟ وهذه المسألة فيها خلاف، فبعض العلماء يقول: إن قطع بعض الأصابع يؤثر، كما اختاره المصنف رحمه الله، والحنابلة، ووجه عند الشافعية، أما القول الثاني فهو أنه لا يؤثر.
قوله: [أو أقطع الأصبع الوسطى] .
إذا كان أقطع الوسطى لا يرتفق باليد، فلو حمل ماء أو شيئا لا يرتفق بها.
وقوله: [أو السبابة] هي التي تلي الإبهام؛ لأنه يشار بها عند السب.
قوله: [أو الإبهام] هذه الثلاثة المتتالية يقول المصنف: إن ذهابها مؤثر ومضر.
قوله: [أو الأنملة من الإبهام] .
لأن الإبهام فيه أنملتان، والأنملة العليا لو قطعت ذهبت منفعة الإبهام، فتدرج أيضا من العضو إلى جزء العضو، وهذا خاص بالإبهام فقط، وهذا مذهب الحنابلة رحمهم الله، لكن الذي تميل إليه النفس هو ما اختاره بعض العلماء أن ذهاب بعض الأصابع ليس كذهاب الكل، إلا إذا ذهب أكثرها، كثلاث أصابع من الكف، فإنها تذهب المنفعة، سواء أذهب الأصبعان اللذان يليان الإبهام أم ذهب ما بعدهما.
قوله: [أو أقطع الخنصر والبنصر من يد واحدة] أي: لابد أن يذهبا معا، فلو قطع الخنصر دون البنصر لم يؤثر، وهكذا العكس، لكن يشترط أن يكونا من يد واحدة، فلو قطع الخنصر من يد والبنصر من الأخرى فإنه لا يؤثر في الرقبة.
الرقاب التي لا يجزئ إعتاقها في الكفارات
قال رحمه الله: [ولا يجزيء مريض ميئوس منه ونحوه] .
أي: ولا يجزئ في عتق الرقبة مريض ميئوس من مرضه، وقد تقدم معنا في أحكام مرض الموت المرض الميئوس منه، وذكرنا جملة من مسائله وبعض الأمور المتعلقة به، وبعض التطبيقات في زماننا، يقولون: لأنه إذا كان الرقيق ميئوسا منه فعتقه تخلص منه، ففي هذه الحالة كلها مخالفة لمقصود الشرع من العتق.
وهذا صحيح.
ومثل المريض الهرم أو الزمن الذي سقط وأعيا، مع أنه لو أعتقه والحالة كما ذكر فمعنى ذلك أنه يهلكه؛ لأنه حينما يكون مملوكا له يقوم على نفقته والإحسان إليه وتعهده، لكنه إذا أعتقه فإنه يضره بذلك العتق.
قوله: [ولا أم ولد] .
أي: ولا يجزئ عتق أم الولد، وأم الولد: هي التي وطئها سيدها فأنجبت منه، فهي أم ولد تعتق بعد وفاته؛ لأن الولد لا يملك أمه، والولد سيرث من أبيه، فشبه إجماع أنها تعتق بوفاة السيد، فقالوا: إنه لا يجزئ عتقها؛ لأنه إذا أعتقها تخلص منها وهي معتقة عليه، فحينئذ لا يتحقق مقصود الشرع من عتق الرقبة في الكفارة، فقالوا: لا يجزئ عتق أم الولد من هذا الوجه.
وهذا تقدم معنا في كتاب البيع في حكم بيع أمهات الأولاد، وتكلمنا على هذه المسألة بالتفصيل في شرح بلوغ المرام، وبينا خلاف السلف والأئمة رحمهم الله في مسألة بيع أمهات الأولاد، ومن العلماء من يفصل في هذا على أنها ليست مملوكة من كل وجه في التصرفات، فبناء على ذلك لا يصح عتقها في الكفارات الواجبة ولا يصح بيعها، والمسألة مشهورة، وتقدم بيانها في كتاب البيوع.
ما يجزئ من الرقاب في كفارة الظهار
قال رحمه الله تعالى: [ويجزئ المدبر] .
أي: ويجزئ عتق المدبر، والمدبر هو العبد الذي أعتقه سيده عن دبر، بمعنى: علق عتقه على موته، فقال: إذا أنا مت فعبدي فلان حر.
فهذا التدبير ثابت بالنص، وأقره النبي صلى الله عليه وسلم، والعمل عند أهل العلم رحمهم الله من السلف والخلف على صحة التدبير وجوازه، وإذا ثبت هذا فإنه لو قال: عبدي فلان حر بعد موتي -أي: أعتقه عن دبر- فهل يجزئ في الكفارة الواجبة أم لا؟ فيه وجهان: الوجه الأول: قال بعض العلماء: لو أعتقه عن دبر فله الحق في الرجوع ما لم يمت، وبعضهم يقول: من أعتق عبده عن دبر فليس له حق في الرجوع.
فعلى القول بأن المدبر يستحق سيده الرجوع يصح عتقه في الكفارات الواجبة؛ لأنه حينما أعتقه في الكفارات الواجبة كان نوعا من الرجوع؛ لأن الرجوع نوعان: الرجوع الحقيقي، والرجوع الحكمي، فهو حينما قال: عبدي فلان حر بعد موتي ثم جاء في كفارة الظهار وأعتقه دل على أنه لا يريد أن يعتقه بعد موته، بدليل أنه بادر بعتقه، وهذا القول هو أصح القولين، فمن حق السيد أن يرجع عن عتق عبده قبل موته، ويقوي هذا ما ثبت في السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الرجل الذي أعتق مملوكه عن دبر، وكانت به حاجة، فرده النبي صلى الله عليه وسلم وباعه وسد حاجته، فهذا يدل على أنه لو كان التدبير لا يملك فيه الرجوع لما صح بيعهم؛ لأنهم أصبحوا معلقين كأم الولد، وهذا القول -أي: القول بصحة رجوع السيد عن عتقه للمدبر- هو أقوى القولين وأولاهما -إن شاء الله- بالصواب.
قوله: [وولد الزنا] .
ولد الزنا يعتق، وصورة المسألة أن تكون عنده أمة، وتغتصب ويزنى بها فتلد، فهذا الولد للفراش، كما قال صلى الله عليه وسلم: (الولد للفراش) ، ويكون ملكا لمالك أمه؛ لأن الولد يتبع أمه رقا وحرية، ففي هذه الحالة إذا ملكه وصارت عليه كفارة ظهار أو قتل وقال: فلان حر فإنه يصح عتقه ويجزيه وإن كان ولد زنا.
والدليل على أنه يصح عتقه ويجزيه أمره سبحانه وتعالى بعتق رقبة، وهذا عام يشمل ولد الزنا وغيره؛ لأن الله لم يشترط أن يكون من نكاح صحيح، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـ أوس رضي الله عنه وأرضاه حينما ظاهر من امرأته: (أتجد رقبة؟) ، وقال لـ سلمة بن صخر البياضي رضي الله عنه حينما جامع في نهار رمضان وهو صائم: (أعتق رقبة) ، ولم يشترط ألا تكون على فراش الزنا أو غيره.
قوله: [والأحمق] .
أي: إذا كان به حمق لأن الحمق لا يمنع العمل ولا يضر به من كل وجه، وهناك منافع في الأعمال التي يقوم بها، وهذا العيب راجع إلى النفس، لكن في البيع ذكرنا أن الحمق وسوء الأخلاق وسوء الطبع يعتبر عيبا موجبا للخيار، وبينا أن الخيار يثبت إذا كان المبيع رقيقا مملوكا شديد الحمق ولم يبين ذلك لمشتريه، والحمق نوع من الغفلة وذهاب التمييز في الأشياء، والأحمق ناقص الكمال، فيقولون: إن هذا لا يؤثر تأثيرا مضرا بالرقبة، أي: لو كان عنده رقيق أحمق فلا بأس أن يكون كفارة في الظهار.
ويقولون في الأحمق: لا تصاحب أحمقا؛ فإنه يضرك حيث تظن أنه ينفعك.
فالأحمق عنده قصور في فهم الأشياء واستيعابها والتصرف تصرفا سليما يضع فيه الأشياء في مواضعها، فتجده كثيرا ما يأتي بالمشاكل والأضرار على من يملكه، فالرقبة إذا كان فيها حمق صح عتقها؛ لأن هذا لا يضر بالعمل ضررا بينا، وهو نقص في الكمال.
لكن الأحمق لو زجرته وأخذته بالقوة يستقيم، فهو عيب لكنه يمكن تداركه، وذكرنا في البيوع أن بعض العيوب تؤثر وبعضها لا تؤثر؛ لأنه يمكن تلافي الضرر الموجود، فالأحمق ليس كالأعمى أو المشلول، فالحمق عيب -كما قلنا- راجع إلى النفوس، وأيضا لو أعتقه فإن هذا لا يمنعه من عتقه؛ لأن الرقبة ليس بها عيب يضر من ناحية بدنية ولا من ناحية نفسية؛ لأن الحمق نوع من الغفلة تذهب إذا ابتلي بشيء واستضر به مرة أو مرتين ففي الثالثة يتوب، وهذا معروف، فالحمق صفة عارضة، وبعض الأحيان مع شدة الخوف وشدة الأذى والضرر يستقيم أمره، فالناس يختلفون، ومن هنا قالوا: إنه ربما يكون العيب في حق قوم ولا يكون عيبا في حق آخرين، فإذا كان الرقيق أحمقا فإنه يجزئ عتقه في كفارة الظهار.
قوله: [والمرهون] .
أي: يصح عتق المرهون والسبب في ذلك أنه تعارض عندنا حق العتق وحق صاحب الدين، فإذا قال: أعتقت عبدي فلانا كفارة من ظهار أو قتل فإن العتق قد نفذ ومضى، والعتق أشد من حق الآدمي في الرهن؛ لأن استحقاق صاحب الدين الرهن لعارض قد يزول كما لو سدد المدين، ومن هنا يصحح العلماء العتق، وقد بينا ما الذي يجب في حالة إعتاقه للعبد المرهون، وبينا أنه يطالب بمثله، وقد قلنا هذه المسألة في كتاب الرهن، وبينا أن عتقه لا يخرج المدائن عن المطالبة ببديل عنه يقوم مقامه.
فإذا تعارض ما يمكن تداركه وما لا يمكن تداركه قدم الذي لا يمكن تداركه على الذي يمكن تداركه، وتوضيح المسألة أنه إذا ارتكب أمرا يوجب عليه الرقبة، وقال: إن عبدي فلانا حر، وقصد أن يكون كفارة لظهاره، أو لجماعه في نهار رمضان، وكان مرهونا، فإن فوات يد الرهن على الرقيق يمكن تعويضها بمال آخر يقوم مقامه، لكن العتق لا يمكن تعويضه، ولذلك في كثير من المسائل إذا أعتق مضى عليه؛ لدلالة قوله عليه الصلاة والسلام: (ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: العتاق والطلاق والنكاح) ، فالعتق أمره عظيم في الشرع، ولذلك لو قال لعبده -وهو يمزح-: أنت حر، م قال: ما قصدت أنه حر نقول: لزمك العتق؛ لأن جده جد وهزله جد.
فهذا يدل على أن العتق أقوى من الرهن، فحينئذ إذا أعتق رقبة مرهونة فإنه يصحح العتق، ويلزم بضمان الرهن.
قوله: [والجاني] .
الجاني: مأخوذ من الجناية.
والعبد إذا جنى فالجناية تكون في رقبته، فلو أنه أعتقه لا يخلصه من الجناية، سواء أكانت قصاصا أم مالا، فيتحمل مسئولية ذلك ويصح العتق، وهذا لا يؤثر، فدخول الضمان بالجناية لا يمنع صحة العتق وإجزائه.
قوله: [والأمة الحامل ولو استثني حملها] .
أي: ويصح عتق الأمة الحامل ولو استثنى حملها، وصورة المسألة: إذا ظاهر ووجبت عليه كفارة وعنده أمة حامل، فأعتقها كفارة لظهاره واستثنى فقال: هي حرة إلا جنينها، فقال بعض العلماء: يبطل عتقها.
ويراه من الأمور التي لا تصح في عتق الكفارات، وأنه يجب عليه أن يستبدل، فإما أن يعتق الكل أو يترك الكل، وليس عندهم استثناء في هذه الحالة.
ومن أهل العلم من قال: يصح عتقها، ويصح الاستثناء، ومنهم من قال: يصح عتقها ويبطل الاستثناء، فهذه أوجه عند العلماء رحمهم الله فيها، والأقوى أنه لو استثنى الجنين وقال: هي حرة إلا جنينها فإنه يقوى القول بصحة العتق وإجزائه، والاستثناء معتبر؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فإن لك على ربك ما اشترطتي) ، فهذا اشترط واستثنى، وقياسه على البيع فيه علة ليست موجودة في الظهار، فنصححه في عتق الظهار، ولا نصححه في البيع.