عرض مشاركة واحدة
  #7  
قديم 09-08-2025, 11:05 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,761
الدولة : Egypt
افتراضي رد: فتح العليم العلام الجامع لتفسير ابن تيمية الإمام علم الأعلام وشيخ الإسلام



فتح العليم العلام الجامع لتفسير ابن تيمية الإمام علم الأعلام وشيخ الإسلام
المؤلف:شيخ الاسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية.
سُورَةُ يوسف
المجلد العاشر
الحلقة( 379)

من صــ 376 الى صـ 390





وهذا كما لو اطلع رجل في بيته فإنه يجوز له أن يفقأ عينه ابتداء وليس عليه أن ينذره هذا أصح القولين كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لو اطلع رجل في بيتك ففقأت عينه ما كان عليك شيء} وكذلك قال في الذي عض يد غيره فنزع يده فانقلعت أسنان العاض.
وهذا مذهب فقهاء الحديث. وأكثر السلف وفي المسألتين نزاع ليس هذا موضعه؛ إذ المقصود أن الزاني بامرأة غيره ظالم للزوج وللزوج حق عنده ولهذا {ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن من زنى بامرأة المجاهد فإنه يمكن يوم القيامة من حسناته يأخذ منها ما شاء}. وفي الصحيحين عن {ابن مسعود قال: قلت يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال أن تجعل لله ندا وهو خلقك قلت ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني بحليلة جارك} فذكر الزنا بحليلة الجار فعلم أن للزوج حقا في ذلك وكان ظلم الجار أعظم؛ للحاجة إلى المجاورة.
وإن قيل: هذا قد لا يمكن زوج المرأة أن يحترز منه والجار عليه حق زائد على حق الأجنبي فكيف إذا ظلم في أهله والجيران يأمن بعضهم بعضا ففي هذا من الظلم أكثر مما في غيره وجاره يجب عليه أن يحفظ امرأته من غيره فكيف يفسدها هو. فلما كان الزنا بالمرأة المزوجة له علتان كل منهما تستقل بالتحريم مثل لحم الخنزير الميت: علل يوسف ذلك بحق الزوج وإن كان كل من الأمرين مانعا له وكان في تعليله بحق الزوج فوائد.
" منها " أن هذا مانع تعرفه المرأة وتعذره به بخلاف حق الله تعالى فإنها لا تعرف عقوبة الله في ذلك. و " منها " أن المرأة قد ترتدع بذلك فترعى حق زوجها إما خوفا وإما رعاية لحقه فإنه إذا كان المملوك يمتنع عن هذا رعاية لحق سيده فالمرأة أولى بذلك لأنها خائنة في نفس المقصود منها بخلاف المملوك فإن المطلوب منه الخدمة وفاحشته بمنزلة سرقة المرأة من ماله. و " منها " أن هذا مانع مؤيس لها فلا تطمع فيه لا بنكاح ولا بسفاح بخلاف الخلية من الزوج فإنها تطمع فيه بنكاح حلال. و " منها " أنه لو علل بالزنا فقد تسعى هي في فراق الزوج والتزوج به فإن هذا إنما يحرم لحق الزوج خاصة ولهذا إذا طلقت امرأته باختياره جاز لغيره أن يتزوجها. ولو طلقها ليتزوج بها - كما قال سعد بن الربيع لعبد الرحمن بن عوف إن لي امرأتين فاختر أيتهما شئت حتى أطلقها وتتزوجها - لكنه بدون رضاه لا يحل كما في المسند عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
{ليس منا من خبب امرأة على زوجها ولا عبدا على مواليه} وقد حرم النبي صلى الله عليه وسلم أن يخطب الرجل على خطبة أخيه ويستام على سوم أخيه فإذا كان بعد الخطبة وقبل العقد لا يحل له أن يطلب التزوج بامرأته فكيف بعد العقد والدخول والصحبة. فلو علل بأن هذا زنا محرم ربما طمعت في أن تفارق الزوج وتتزوجه فإن كيدهن عظيم؛ وقد جرى مثل هذا.
فلما علل بحق سيده وقال: {إنه ربي أحسن مثواي} يئست من ذلك وعلمت أنه يراعي حق الزوج فلا يزاحمه في امرأته ألبتة ثم لو قدر مع هذا أن الزوج رضي بالفاحشة وأباح امرأته لم يكن هذا مما يبيحها لحق الله ولحقه أيضا فإنه ليس كل حق للإنسان له أن يسقطه ولا يسقط بإسقاطه وإنما ذاك فيما يباح له بذله وهو ما لا ضرر عليه في بذله مثل ما يعطيه من فضل مال ونفع. وأما ما ليس له بذله فلا يباح بإباحته كما لو قال له: علمني السحر والكفر والكهانة وأنت في حل من إضلالي أو قال له: بعني رقيقا وخذ ثمني وأنت في حل من ذلك.
وكذلك إذا قال: افعل بي أو بابني أو بامرأتي أو بإمائي الفاحشة لم يكن هذا مما يسقط حقه فيه بإباحته فإنه ليس له بذل ذلك ومعلوم أن الله يعاقبها على الفاحشة وإن تراضيا بها؛ لكن المقصود أن في ذلك أيضا ظلما لهذا الشخص لا يرتفع بإباحته كظلمه إذا جعله كافرا أو رقيقا فإن كونه يفعل به الفاحشة أو بأهله فيه ضرر عليه لا يملك إباحته كالضرر عليه في كونه كافرا وهو كما لو قال له: أزل عقلي وأنت في حل من ذلك؛ فإن الإنسان لا يملك بذل ذلك بل هو ممنوع من ذلك كما يمنع السفيه من التصرف في ماله أو إسقاط حقوقه وكذلك المجنون والصغير؛ فإن هؤلاء محجور عليهم لحقهم.
ولهذا لو أذن له الصبي أو السفيه في أخذ ماله لم يكن له ذلك ومن أذن لغيره في تكفيره أو تجنينه أو تخنيثه والإفحاش به وبأهله فهو من أسفه السفهاء وهذا مثل الربا فإنه وإن رضي به المرابى وهو بالغ رشيد لم يبح ذلك؛ لما فيه من ظلمه؛ ولهذا له أن يطالبه بما قبض منه من الزيادة ولا يعطيه إلا رأس ماله وإن كان قد بذله باختياره ولو كان التحريم لمجرد حق الله تعالى لسقط برضاه ولو كان حقه إذا أسقطه سقط لما كان له الرجوع في الزيادة والإنسان يحرم عليه قتل نفسه أعظم مما يحرم عليه قتل غيره.
فلو قال لغيره: اقتلني لم يملك منه أعظم مما يملك هو من نفسه. ولهذا يوم القيامة يتظلم من الأكابر وهم لم يكرهوهم على الكفر بل باختيارهم كفروا. قال تعالى: {يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا} {وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا} {ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا} وقال: {حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون} وقال تعالى: {وقال الذين كفروا ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين}.
وكذلك الناس يلعنون الشيطان وإن كان لم يكرههم على الذنوب؛ بل هم باختيارهم أذنبوا. فإن قيل: هؤلاء يقولون لشياطين الإنس والجن: نحن لم نكن نعلم أن في هذا علينا ضررا ولكن أنتم زينتم لنا هذا وحسنتموه حتى فعلناه ونحن كنا جاهلين بالأمر. قيل: كما نعلم أن الجاهل بما عليه في الفعل من الضرر لا عبرة برضاه وإذنه وإنما يصح الرضاء والإذن ممن يعلم ما يأذن فيه ويرضى به وما كان على الإنسان فيه ضرر راجح لا يرضى به إلا لعدم علمه وإلا فالنفس تمتنع بذاتها من الضرر الراجح. ولهذا كان من اشترى المعيب والمدلس والمجهول السعر ولم يعلم بحاله غير راض به؛ بل له الفسخ بعد ذلك؛ كذلك الكفر والجنون والفاحشة بالأهل لا يرضى بها إلا من لم يعلم بما فيها من الضرر عليه فإذا أذن فيها لم يسقط حقه؛ بل يكون مظلوما ولو قال: أنا أعلم ما فيها من العقاب وأرضى به كان كذبا؛ بل هو من أجهل الناس بما يقوله.
ولهذا لو تكلم بكلام لا يفهم معناه وقال نويت موجبه عند الله لم يصح ذلك في أظهر القولين مثل أن يقول: " بهشم " ولا يعرف معناها أو يقول: أنت طالق إن دخلت الدار وينوي موجبها من العربية وهو لا يعرف ذلك؛ فإن النية والقصد والرضا مشروط بالعلم فما لم يعلمه لا يرضى به إلا إذا كان راضيا به مع العلم ومن كان يرضى بأن يكفر ويجن وتفعل الفاحشة به وبأهله.
فهو لا يعلم ما عليه في ذلك من الضرر؛ بل هو سفيه. فلا عبرة برضاه وإذنه؛ بل له حق عند من ظلمه وفعل به ذلك غير ما لله من الحق. وإن كان حق هذا دون حق المنكر المانع. ولهذا قال يوسف عليه السلام {إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون} يقول: متى أفسدت امرأته كنت ظالما بكل حال وليس هذا جزاء إحسانه إلي. والناس إذا تعاونوا على الإثم والعدوان أبغض بعضهم بعضا وإن كانوا فعلوه بتراضيهم قال طاووس: ما اجتمع رجلان على غير ذات الله إلا تفرقا عن تقال وقال الخليل عليه السلام {إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين}
وهؤلاء لا يكفر بعضهم ببعض ويلعن بعضهم بعضا لمجرد كونه عصى الله؛ بل لما حصل له بمشاركته ومعاونته من الضرر وقال تعالى عن أهل الجنة التي أصبحت كالصريم: {فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون} أي يلوم بعضهم بعضا. وقال: {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين}.
فالمخالة إذا كانت على غير مصلحة الاثنين كانت عاقبتها عداوة وإنما تكون على مصلحتهما إذا كانت في ذات الله فكل منهما وإن بذل للآخر إعانة على ما يطلبه واستعان به بإذنه فيما يطلبه فهذا التراضي لا اعتبار به؛ بل يعود تباغضا وتعاديا وتلاعنا وكل منهما يقول للآخر: لولا أنت ما فعلت أنا وحدي هذا؛ فهلاكي كان مني ومنك. والرب لا يمنعهما من التباغض والتعادي والتلاعن فلو كان أحدهما ظالما للآخر فيه لنهي عن ذلك ويقول كل منهما للآخر: أنت لأجل غرضك أوقعتني في هذا؛ كالزانيين كل منهما يقول للآخر لأجل غرضك فعلت معي هذا. ولو امتنعت لم أفعل أنا هذا؛ لكن كل منهما له على الآخر مثل ما للآخر عليه؛ فتعادلا.
ولهذا إذا كان الطلب والمراودة من أحدهما أكثر كان الآخر يتظلمه ويلعنه أكثر وإن تساويا في الطلب تقاوما؛ فإذا رضي الزوج بالدياثة فإنما هو لإرضاء الرجل أو المرأة لغرض له آخر؛ مثل أن يكون محبا لها؛ ولا تقيم معه إلا على هذا الوجه فهو يقول للزاني بها: أنت لغرضك أفسدت علي امرأتي وأنا إنما رضيت لأجل غرضها فأنت لما أفسدت علي امرأتي وظلمتني فعلت معي ما فعلت. ومن ذلك أنه لو قال: إني أخاف الله أن يعاقبني ونحو ذلك لقالت: أنت إنما تترك غرضي لغرضك في النجاة وأنا سيدتك فينبغي أن تقدم غرضي على غرضك فلما قال: {إنه ربي أحسن مثواي} علل بحق سيده الذي يجب عليه وعليها رعاية حقه.
(ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين (24)
وأما يوسف الصديق فلم يذكر الله عنه ذنبا فلهذا لم يذكر الله عنه ما يناسب الذنب من الاستغفار بل قال {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين} فأخبر أنه صرف عنه السوء والفحشاء وهذا يدل على أنه لم يصدر منه سوء ولا فحشاء. وأما قوله: {ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه}
فالهم اسم جنس تحته " نوعان " كما قال الإمام أحمد الهم همان: هم خطرات وهم إصرار وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم {أن العبد إذا هم بسيئة لم تكتب عليه وإذا تركها لله كتبت له حسنة وإن عملها كتبت له سيئة واحدة} وإن تركها من غير أن يتركها لله لم تكتب له حسنة ولا تكتب عليه سيئة ويوسف صلى الله عليه وسلم هم هما تركه لله ولذلك صرف الله عنه السوء والفحشاء لإخلاصه وذلك إنما يكون إذا قام المقتضي للذنب وهو الهم وعارضه الإخلاص الموجب لانصراف القلب عن الذنب لله. فيوسف عليه السلام لم يصدر منه إلا حسنة يثاب عليها؟ وقال تعالى:

{إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون} وأما ما ينقل: من أنه حل سراويله وجلس مجلس الرجل من المرأة وأنه رأى صورة يعقوب عاضا على يده وأمثال ذلك فكله مما لم يخبر الله به ولا رسوله وما لم يكن كذلك فإنما هو مأخوذ عن اليهود الذين هم من أعظم الناس كذبا على الأنبياء وقدحا فيهم وكل من نقله من المسلمين فعنهم نقله؛ لم ينقل من ذلك أحد عن نبينا صلى الله عليه وسلم حرفا واحدا.
(فصل)
قال شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -:
والهام بالسيئة التي لم يعملها مع قدرته عليها لم توجد منه إرادة جازمة وفاعل السيئة التي تمضي لا يجزى بها إلا سيئة واحدة كما شهد به النص وبهذا يظهر قول الأئمة حيث قال الإمام أحمد: " الهم " همان: هم خطرات وهم إصرار. فهم الخطرات يكون من القادر فإنه لو كان همه إصرارا جازما وهو قادر لوقع الفعل.

ومن هذا الباب هم " يوسف " حيث قال تعالى: {ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه} الآية. وأما هم المرأة التي راودته فقد قيل: إنه كان هم إصرار لأنها فعلت مقدورها وكذلك ما ذكره عن المنافقين في قوله تعالى {وهموا بما لم ينالوا} فهذا الهم المذكور عنهم هم مذموم كما ذمهم الله عليه ومثله يذم وإن لم يكن جازما كما سنبينه في آخر الجواب من الفرق بين ما ينافي الإيمان وبين ما لا ينافيه وكذلك الحريص على السيئات الجازم بإرادة فعلها إذا لم يمنعه إلا مجرد العجز فهذا يعاقب على ذلك عقوبة الفاعل لحديث أبي كبشة ولما في الحديث الصحيح {إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار قيل: هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصا على قتل صاحبه} وفي لفظ: {إنه أراد قتل صاحبه}.
فهذه " الإرادة " هي الحرص وهي الإرادة الجازمة وقد وجد معها المقدور وهو القتال لكن عجز عن القتل وليس هذا من الهم الذي لا يكتب ولا يقال إنه استحق ذلك بمجرد قوله: لو أن لي ما لفلان لعملت مثل ما عمل فإن تمني الكبائر ليس عقوبته كعقوبة فاعلها بمجرد التكلم بل لا بد من أمر آخر وهو لم يذكر أنه يعاقب على كلامه وإنما ذكر أنهما في الوزر سواء. وعلى هذا فقوله: {إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تكلم به أو تعمل} لا ينافي العقوبة على الإرادة الجازمة التي لا بد أن يقترن بها الفعل فإن " الإرادة الجازمة " هي التي يقترن بها المقدور من الفعل وإلا فمتى لم يقترن بها المقدور من الفعل لم تكن جازمة فالمريد الزنا والسرقة وشرب الخمر العازم على ذلك متى كانت إرادته جازمة عازمة فلا بد أن يقترن بها من الفعل ما يقدر عليه ولو أنه يقربه إلى جهة المعصية:
مثل تقرب السارق إلى مكان المال المسروق ومثل نظر الزاني واستماعه إلى المزني به وتكلمه معه ومثل طلب الخمر والتماسها ونحو ذلك فلا بد مع الإرادة الجازمة من شيء من مقدمات الفعل المقدور بل مقدمات الفعل توجد بدون الإرادة الجازمة عليه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه:
{العينان تزنيان وزناهما النظر واللسان يزني وزناه النطق واليد تزني وزناها البطش والرجل تزني وزناها المشي والقلب يتمنى ويشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه} وكذلك حديث أبي بكرة المتفق عليه: {إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار. قيل: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟
قال: إنه أراد قتل صاحبه} وفي رواية في الصحيحين {إنه كان حريصا على قتل صاحبه}. فإنه أراد ذلك إرادة جازمة فعل معها مقدوره منعه منها من قتل صاحبه العجز وليست مجرد هم ولا مجرد عزم على فعل مستقبل فاستحق حينئذ النار كما قدمنا من أن الإرادة الجازمة التي أتى معها بالممكن يجري صاحبها مجرى الفاعل التام.
و " الإرادة التامة " قد ذكرنا أنه لا بد أن يأتي معها بالمقدور أو بعضه وحيث ترك الفعل المقدور فليست جازمة بل قد تكون جازمة فيما فعل دون ما ترك مع القدرة مثل الذي يأتي بمقدمات الزنا: من اللمس والنظر والقبلة ويمتنع عن الفاحشة الكبرى؛ ولهذا قال في حديث أبي هريرة الصحيح {العين تزني والأذن تزني واللسان يزني - إلى أن قال - والقلب يتمنى ويشتهي} أي يتمنى الوطء ويشتهيه ولم يقل " يريد " ومجرد الشهوة والتمني ليس إرادة جازمة ولا يستلزم وجود الفعل فلا يعاقب على ذلك؛ وإنما يعاقب إذا أراد إرادة جازمة مع القدرة والإرادة الجازمة التي يصدقها الفرج.
ومن هذا الحديث الذي في الصحيحين عن ابن مسعود {أن رجلا أصاب من امرأة قبلة: فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فأنزل الله تعالى: {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات} الآية فقال الرجل: ألي هذه؟ فقال: لمن عمل بها من أمتي} فمثل هذا الرجل وأمثاله لا بد في الغالب أن يهم بما هو أكبر من ذلك كما قال: {والقلب يتمنى ويشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه} لكن إرادته القلبية للقبلة كانت إرادة جازمة فاقترن بها فعل القبلة بالقدرة وأما إرادته للجماع فقد تكون غير جازمة وقد تكون جازمة لكن لم يكن قادرا. والأشبه في الذي نزلت فيه الآية أنه كان متمكنا لكنه لم يفعل.
فتفريق أحمد وغيره: بين هم الخطرات وهم الإصرار هو الذي عليه الجواب فمن لم يمنعه من الفعل إلا العجز فلا بد أن يفعل ما يقدر عليه من مقدماته وإن فعله وهو عازم على العود متى قدر فهو مصر ولهذا قال ابن المبارك المصر الذي يشرب الخمر اليوم ثم لا يشربها إلى شهر وفي رواية إلى ثلاثين سنة ومن نيته أنه إذا قدر على شربها " شربها ".

وقد يكون مصرا إذا عزم على الفعل في وقت دون وقت كمن يعزم على ترك المعاصي في شهر رمضان دون غيره فليس هذا بتائب مطلقا. ولكنه تارك للفعل في شهر رمضان ويثاب إذا كان ذلك الترك لله وتعظيم شعائر الله واجتناب محارمه في ذلك الوقت ولكنه ليس من التائبين الذين يغفر لهم بالتوبة مغفرة مطلقة ولا هو مصر مطلقا.
وأما الذي وصفه ابن المبارك فهو مصر إذا كان من نيته العود إلى شربها. قلت: والذي قد ترك المعاصي في شهر رمضان من نيته العود إليها في غير شهر رمضان مصر أيضا. لكن نيته أن يشربها إذا قدر عليها غير النية مع وجود القدرة فإذا قدر قد تبقى نيته وقد لا تبقى ولكن متى كان مريدا إرادة جازمة لا يمنعه إلا العجز فهو معاقب على ذلك. كما تقدم. وتقدم أن مثل هذا لا بد أن يقترن بإرادته ما يتمكن من الفعل معه وبهذا يظهر ما يذكر عن الحارث المحاسبي أنه حكى الإجماع على أن الناوي للفعل ليس بمنزلة الفاعل له فهذا الإجماع صحيح مع القدرة فإن الناوي للفعل القادر عليه ليس بمنزلة الفاعل وأما الناوي الجازم الآتي بما يمكن فإنه بمنزلة الفاعل التام.
كما تقدم. ومما يوضح هذا أن الله سبحانه في القرآن رتب الثواب والعقاب على مجرد الإرادة كقوله تعالى: {من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا} وقال: {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار} وقال: {من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب}.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 35.02 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 34.39 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.79%)]