
09-08-2025, 10:53 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 166,685
الدولة :
|
|
رد: فتح العليم العلام الجامع لتفسير ابن تيمية الإمام علم الأعلام وشيخ الإسلام

فتح العليم العلام الجامع لتفسير ابن تيمية الإمام علم الأعلام وشيخ الإسلام
المؤلف:شيخ الاسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية.
سُورَةُ يوسف
المجلد العاشر
الحلقة( 378)
من صــ 361 الى صـ 375
وكان من مضى من سلفنا لا يفرقون بين الإيمان والعمل؛ العمل من الإيمان والإيمان من العمل؛ وإنما الإيمان اسم يجمع كما يجمع هذه الأديان اسمها ويصدقه العمل. فمن آمن بلسانه وعرف بقلبه وصدق بعمله فتلك العروة الوثقى التي لا انفصام لها. ومن قال بلسانه ولم يعرف بقلبه ولم يصدق بعمله كان في الآخرة من الخاسرين. وهذا معروف عن غير واحد من السلف والخلف؛ أنهم يجعلون العمل مصدقا للقول؛ ورووا ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم كما رواه معاذ بن أسد: حدثنا الفضيل بن عياض عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد: {أن أبا ذر سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان. فقال: الإيمان: الإقرار والتصديق بالعمل؛ ثم تلا {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب} إلى قوله {وأولئك هم المتقون}. قلت حديث أبي ذر هذا مروي من غير وجه؛ فإن كان هذا اللفظ هو لفظ الرسول فلا كلام وإن كانوا رووه بالمعنى دل على أنه من المعروف في لغتهم أنه يقال: صدق قوله بعمله؛ وكذلك قال شيخ الإسلام الهروي: الإيمان تصديق كله. وكذلك " الجواب الثاني " أنه إذا كان أصله التصديق فهو تصديق مخصوص كما أن الصلاة دعاء مخصوص والحج قصد مخصوص والصيام إمساك مخصوص؛ وهذا التصديق له لوازم صارت لوازمه داخلة في مسماه عند الإطلاق؛ فإن انتفاء اللازم يقتضي انتفاء الملزوم ويبقى النزاع لفظيا: هل الإيمان دال على العمل بالتضمن أو باللزوم؟.
ومما ينبغي أن يعرف أن أكثر التنازع بين أهل السنة في هذه المسألة هو نزاع لفظي وإلا فالقائلون بأن الإيمان قول من الفقهاء - كحماد بن أبي سليمان وهو أول من قال ذلك ومن اتبعه من أهل الكوفة وغيرهم - متفقون مع جميع علماء السنة على أن أصحاب الذنوب داخلون تحت الذم والوعيد وإن قالوا: إن إيمانهم كامل كإيمان جبريل فهم يقولون: إن الإيمان بدون العمل المفروض ومع فعل المحرمات يكون صاحبه مستحقا للذم والعقاب كما تقوله الجماعة.
ويقولون أيضا بأن من أهل الكبائر من يدخل النار كما تقوله الجماعة، والذين ينفون عن الفاسق اسم الإيمان من أهل السنة متفقون على أنه لا يخلد في النار. فليس بين فقهاء الملة نزاع في أصحاب الذنوب إذا كانوا مقرين باطنا وظاهرا بما جاء به الرسول وما تواتر عنه أنهم من أهل الوعيد وأنه يدخل النار منهم من أخبر الله ورسوله بدخوله إليها ولا يخلد منهم فيها أحد ولا يكونون مرتدين مباحي الدماء ولكن " الأقوال المنحرفة " قول من يقول بتخليدهم في النار كالخوارج والمعتزلة. وقول غلاة المرجئة الذين يقولون: ما نعلم أن أحدا منهم يدخل النار؛ بل نقف في هذا كله. وحكي عن بعض غلاة المرجئة الجزم بالنفي العام.
ويقال للخوارج: الذي نفى عن السارق والزاني والشارب وغيرهم الإيمان؛ هو لم يجعلهم مرتدين عن الإسلام؛ بل عاقب هذا بالجلد وهذا بالقطع ولم يقتل أحدا إلا الزاني المحصن ولم يقتله قتل المرتد؛ فإن المرتد يقتل بالسيف بعد الاستتابة وهذا يرجم بالحجارة بلا استتابة. فدل ذلك على أنه وإن نفى عنهم الإيمان فليسوا عنده مرتدين عن الإسلام مع ظهور ذنوبهم وليسوا كالمنافقين الذين كانوا يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر فأولئك لم يعاقبهم إلا على ذنب ظاهر.
(فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون (18)
وسئل الشيخ الإمام العالم العامل الحبر الكامل شيخ الإسلام ومفتي الأنام تقي الدين ابن تيمية - أيده الله وزاده من فضله العظيم -:
عن (الصبر الجميل و (الصفح الجميل) و (الهجر الجميل) وما أقسام التقوى والصبر الذي عليه الناس؟
فأجاب - رحمه الله -:
الحمد لله، أما بعد: فإن الله أمر نبيه بالهجر الجميل والصفح الجميل والصبر الجميل
" فالهجر الجميل " هجر بلا أذى و " الصفح الجميل " صفح بلا عتاب و " الصبر الجميل " صبر بلا شكوى قال يعقوب عليه الصلاة والسلام {إنما أشكو بثي وحزني إلى الله} مع قوله: {فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون} فالشكوى إلى الله لا تنافي الصبر الجميل ويروى عن موسى عليه الصلاة والسلام أنه كان يقول: " اللهم لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان وبك المستغاث وعليك التكلان " ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم {اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس أنت رب المستضعفين وأنت ربي اللهم إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي غير أن عافيتك هي أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي سخطك أو يحل علي غضبك لك العتبى حتى ترضى}. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقرأ في صلاة الفجر: {إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله} ويبكي حتى يسمع نشيجه من آخر الصفوف؛ بخلاف الشكوى إلى المخلوق.
قرئ على الإمام أحمد في مرض موته أن طاوسا كره أنين المريض. وقال: إنه شكوى. فما أن حتى مات. وذلك أن المشتكي طالب بلسان الحال إما إزالة ما يضره أو حصول ما ينفعه والعبد مأمور أن يسأل ربه دون خلقه كما قال تعالى: {فإذا فرغت فانصب} {وإلى ربك فارغب} {وقال صلى الله عليه وسلم لابن عباس: إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله}. ولا بد للإنسان من شيئين: طاعته بفعل المأمور وترك المحظور وصبره على ما يصيبه من القضاء المقدور. فالأول هو التقوى والثاني هو الصبر.
قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا} إلى قوله: {وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط} وقال تعالى: {بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين} وقال تعالى: {لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور} وقد قال يوسف: {أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين}.
ولهذا كان الشيخ عبد القادر ونحوه من المشايخ المستقيمين يوصون في عامة كلامهم بهذين الأصلين: المسارعة إلى فعل المأمور والتقاعد عن فعل المحظور والصبر والرضا بالأمر المقدور.
(وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون (23)
وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -:
فصل:
قول يوسف صلى الله عليه وسلم لما قالت له امرأة العزيز: {هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون} المراد بربه في أصح القولين هنا سيده وهو زوجها الذي اشتراه من مصر الذي قال لامرأته: {أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا} قال الله تعالى: {وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون}. فلما وصى به امرأته فقال لها {أكرمي مثواه} قال يوسف {إنه ربي أحسن مثواي} ولهذا قال: {إنه لا يفلح الظالمون} والضمير في: {إنه} معلوم بينهما وهو سيدها.
وأما قوله تعالى {لولا أن رأى برهان ربه} فهذا خبر من الله تعالى أنه رأى برهان ربه وربه هو الله كما قال لصاحبي السجن: {ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله} وقوله: {ربي} مثل قوله لصاحب الرؤيا: {اذكرني عند ربك} قال تعالى: {فأنساه الشيطان ذكر ربه} قيل أنسي يوسف ذكر ربه لما قال: {اذكرني عند ربك}. وقيل: بل الشيطان أنسى الذي نجا منهما ذكر ربه وهذا هو الصواب فإنه مطابق لقوله: {اذكرني عند ربك} قال تعالى: {فأنساه الشيطان ذكر ربه} والضمير يعود إلى القريب إذا لم يكن هناك دليل على خلاف ذلك؛ ولأن يوسف لم ينس ذكر ربه؛ بل كان ذاكرا لربه.
وقد دعاهما قبل تعبير الرؤيا إلى الإيمان بربه وقال لهما: {يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار} {ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون}. وقال لهما قبل ذلك {لا يأتيكما طعام ترزقانه} أي في الرؤيا {إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما} يعني التأويل {ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون} {واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون} فبذا يذكر ربه عز وجل فإن هذا مما علمه ربه؛ لأنه ترك ملة قوم مشركين لا يؤمنون بالله وإن كانوا مقرين بالصانع ولا يؤمنون بالآخرة واتبع ملة آبائه أئمة المؤمنين - الذين جعلهم الله أئمة يدعون بأمره - إبراهيم وإسحاق ويعقوب؛ فذكر ربه ثم دعاهما إلى الإيمان بربه. ثم بعد هذا عبر الرؤيا فقال:
{يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا} الآية ثم لما قضى تأويل الرؤيا: {وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك} فكيف يكون قد أنسى الشيطان يوسف ذكر ربه؟ وإنما أنسى الشيطان الناجي ذكر ربه أي الذكر المضاف إلى ربه والمنسوب إليه وهو أن يذكر عنده يوسف. والذين قالوا ذلك القول قالوا: كان الأولى أن يتوكل على الله ولا يقول اذكرني عند ربك. فلما نسي أن يتوكل على ربه جوزي بلبثه في السجن بضع سنين.
فيقال: ليس في قوله: {اذكرني عند ربك} ما يناقض التوكل؛ بل قد قال يوسف: {إن الحكم إلا لله} كما أن قول أبيه: {لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة} لم يناقض توكله؛ بل قال:
{وما أغني عنكم من الله من شيء إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون}. و " أيضا " فيوسف قد شهد الله له أنه من عباده المخلصين والمخلص لا يكون مخلصا مع توكله على غير الله؛ فإن ذلك شرك ويوسف لم يكن مشركا لا في عبادته ولا توكله بل قد توكل على ربه في فعل نفسه بقوله: {وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين} فكيف لا يتوكل عليه في أفعال عباده.
وقوله: {اذكرني عند ربك} مثل قوله لربه: {اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم} فلما سأل الولاية للمصلحة الدينية لم يكن هذا مناقضا للتوكل ولا هو من سؤال الإمارة المنهي عنه فكيف يكون قوله للفتى: {اذكرني عند ربك} مناقضا للتوكل وليس فيه إلا مجرد إخبار الملك به؛ ليعلم حاله ليتبين الحق ويوسف كان من أثبت الناس. ولهذا بعد أن طلب {وقال الملك ائتوني به} قال {ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم} فيوسف يذكر ربه في هذه الحال كما ذكره في تلك. ويقول: {ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة} فلم يكن في قوله له: {اذكرني عند ربك} ترك لواجب ولا فعل لمحرم حتى يعاقبه الله على ذلك بلبثه في السجن بضع سنين وكان القوم قد عزموا على حبسه إلى حين قبل هذا ظلما له مع علمهم ببراءته من الذنب.
قال الله تعالى: {ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين} ولبثه في السجن كان كرامة من الله في حقه؛ ليتم بذلك صبره وتقواه فإنه بالصبر والتقوى نال ما نال؛ ولهذا قال: {أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} ولو لم يصبر ويتق بل أطاعهم فيما طلبوا منه جزعا من السجن لم يحصل له هذا الصبر والتقوى وفاته الأفضل باتفاق الناس.
لكن تنازع العلماء هل يمكن الإكراه على الفاحشة على قولين: قيل لا يمكن كقول أحمد بن حنبل وأبي حنيفة وغيرهما قالوا: لأن الإكراه يمنع الانتشار. والثاني: يمكن وهو قول مالك والشافعي وابن عقيل وغيره من أصحاب أحمد؛ لأن الإكراه لا ينافي الانتشار فإن الإكراه لا ينافي كون الفعل اختيارا بل المكره يختار دفع أعظم الشرين بالتزام أدناهما.
وأيضا: فالانتشار بلا فعل منه؛ بل قد يقيد ويضجع فتباشره المرأة فتنتشر شهوته فتستدخل ذكره. فعلى قول الأولين لم يكن يحل له ما طلبت منه بحال وعلى القول الثاني فقد يقال الحبس ليس بإكراه يبيح الزنا؛ بخلاف ما لو غلب على ظنه أنهم يقتلونه أو يتلفون بعض أعضائه فالنزاع إنما هو في هذا وهم لم يبلغوا به إلى هذا الحد وإن قيل كان يجوز له ذلك لأجل الإكراه لكن يفوته الأفضل.
وأيضا: فالإكراه إنما يحصل أول مرة ثم يباشر وتبقى له شهوة وإرادة في الفاحشة. ومن قال: الزنا لا يتصور فيه الإكراه يقول:
فرق بين ما لا فعل له - كالمقيد - وبين من له فعل كما أن المرأة إذا أضجعت وقيدت حتى فعل بها الفاحشة لم تأثم بالاتفاق وإن أكرهت حتى زنت ففيه قولان هما روايتان عن أحمد؛ لكن الجمهور يقولون لا تأثم وقد دل على ذلك قوله تعالى {ومن يكرهن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم} وهؤلاء يقولون: فعل المرأة لا يحتاج إلى انتشار فإنما هو كالإكراه على شرب الخمر؛ بخلاف فعل الرجل وبسط هذا له موضع آخر.
و " المقصود " أن يوسف لم يفعل ذنبا ذكره الله عنه وهو سبحانه لا يذكر عن أحد من الأنبياء ذنبا إلا ذكر استغفاره منه ولم يذكر عن يوسف استغفارا من هذه الكلمة. كما لم يذكر عنه استغفارا من مقدمات الفاحشة؛ فعلم أنه لم يفعل ذنبا في هذا ولا هذا؛ بل هم هما تركه لله؛ فأثيب عليه حسنة كما قد بسط هذا في موضعه.
وأما ما يكفره الابتلاء من السيئات فذلك جوزي به صاحبه بالمصائب المكفرة كما في قوله صلى الله عليه وسلم {ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا هم ولا حزن ولا غم ولا أذى إلا كفر الله به خطاياه} ولما {أنزل الله تعالى هذه الآية: {من يعمل سوءا يجز به} قال أبو بكر: يا رسول الله جاءت قاصمة الظهر وأينا لم يعمل سوءا؟ فقال: ألست تحزن؟ ألست تنصب؟ ألست تصيبك اللأوى؟ فذلك مما تجزون به}.
فتبين أن قوله: {فأنساه الشيطان ذكر ربه} أي نسي الفتى ذكر ربه أن يذكر هذا لربه ونسي ذكر يوسف ربه والمصدر يضاف إلى الفاعل والمفعول ويوسف قد ذكر ربه ونسي الفتى ذكر يوسف ربه وأنساه الشيطان أن يذكر ربه؛ هذا الذكر الخاص؛ فإنه وإن كان يسقي ربه خمرا فقد لا يخطر هذا الذكر بقلبه وأنساه الشيطان تذكير ربه وإذكار ربه لما قال: {اذكرني} أمره بإذكار ربه فأنساه الشيطان إذكار ربه فإذكار ربه أن يجعله ذاكرا فأنساه الشيطان أن يجعل ربه ذاكرا ليوسف والذكر هو مصدر وهو اسم فقد يضاف من جهة كونه اسما؛ فيعم هذا كله؛ أي أنساه الذكر المتعلق بربه والمضاف إليه.
ومما يبين أن الذي نسي ربه هو الفتى لا يوسف قوله بعد ذلك: {وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون} وقوله: {وادكر بعد أمة} دليل على أنه كان قد نسي فادكر.
فإن قيل: لا ريب أن يوسف سمى السيد ربا في قوله: {اذكرني عند ربك} و {ارجع إلى ربك} ونحو ذلك. وهذا كان جائزا في شرعه كما جاز في شرعه أن يسجد له أبواه وإخوته وكما جاز في شرعه أن يؤخذ السارق عبدا وإن كان هذا منسوخا في شرع محمد صلى الله عليه وسلم.
وقوله: {إنه ربي أحسن مثواي} إن أراد به السيد فلا جناح عليه؛ لكن معلوم أن ترك الفاحشة خوفا لله واجب ولو رضي سيدها ويوسف عليه السلام تركها خوفا من الله. {ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه} قال تعالى: {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين} وقال يوسف أيضا: {رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين} {فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم} فدل على أنه كان معه من خوف الله ما يزعه عن الفاحشة ولو رضي بها الناس وقد دعا ربه عز وجل أن يصرف عنه كيدهن. وقوله: {السجن أحب إلي مما يدعونني إليه} بصيغة جمع التذكير وقوله: {كيدهن} بصيغة جمع التأنيث ولم يقل مما يدعينني إليه دليل على الفرق بين هذا وهذا وأنه كان من الذكور من يدعوه مع النساء إلى الفاحشة بالمرأة وليس هناك إلا زوجها وذلك أن زوجها كان قليل الغيرة أو عديمها وكان يحب امرأته ويطيعها؛ ولهذا لما اطلع على مراودتها قال: {يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين} فلم يعاقبها ولم يفرق بينها وبين يوسف حتى لا تتمكن من مراودته وأمر يوسف أن لا يذكر ما جرى لأحد محبة منه لامرأته ولو كان فيه غيرة لعاقب المرأة. ومع هذا فشاعت القصة واطلع عليها الناس من غير جهة يوسف حتى تحدثت بها النسوة في المدينة وذكروا أنها تراود فتاها عن نفسه ومع هذا: {أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن سكينا} وأمرت يوسف أن يخرج عليهن؛ ليقمن عذرها على مراودته وهي تقول لهن: {فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين}.
وهذا يدل على أنها لم تزل متمكنة من مراودته والخلوة به مع علم الزوج بما جرى وهذا من أعظم الدياثة ثم إنه لما حبس فإنما حبس بأمرها والمرأة لا تتمكن من حبسه إلا بأمر الزوج فالزوج هو الذي حبسه؛ وقد روي أنها قالت: هذا القبطي هتك عرضي فحبسه؛ وحبسه لأجل المرأة معاونة لها على مطلبها لدياثته وقلة غيرته فدخل هو في من دعا يوسف إلى الفاحشة [1]. فعلم أن يوسف لم يترك الفاحشة لأجله ولا لخوفه منه بل قد علم يقينا أنه لم يكن يخاف منه وأن يوسف لو أعطاها ما طلبت لم يكن الزوج يدري ولو درى فلعله لم يكن ينكر؛ فإنه قد درى بالمراودة والخلوة التي هي مقتضية لذلك في الغالب فلم ينكر ولو قدر أنه هم بعقوبة يوسف فكانت هي الحاكمة على الزوج القاهرة له.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن} {ولما راجعنه في إمامة الصديق قال: إنكن لأنتن صواحب يوسف} {ولما أنشده الأعشى وهن شر غالب لمن غلب
استعاد ذلك منه وقال: وهن شر غالب لمن غلب}. فكيف لا تغلب مثل هذا الزوج وتمنعه من عقوبة يوسف؟ وقد عهد الناس خلقا من الناس تغلبهم نساؤهم؛ من نساء التتر وغيرهم يكون لامرأته غرض فاسد في فتاه أو فتاها وتفعل معه ما تريد وإن أراد الزوج أن يكشف أو يعاقب منعته ودفعته؛ بل وأهانته وفتحت عليه أبوابا من الشر بنفسها وأهلها وحشمها والمطالبة بصداقها وغير ذلك؛ حتى يتمنى الرجل الخلاص منها رأسا برأس مع كون الرجل فيه غيرة فكيف مع ضعف الغيرة.
فهذا كله يبين أن الداعي ليوسف إلى ترك الفاحشة كان خوف الله لا خوفا من السيد فلهذا قال:
{إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون} قيل هذا مما يبين محاسن يوسف ورعايته لحق الله وحق المخلوقين ودفعه الشر بالتي هي أحسن فإن الزنا بامرأة الغير فيه حقان مانعان كل منهما مستقل بالتحريم.
فالفاحشة حرام لحق الله ولو رضي الزوج وظلم الزوج في امرأته حرام لحق بحيث لو سقط حق الله بالتوبة منه فحق هذا في امرأته لا يسقط كما لو ظلمه وأخذ ماله وتاب من حق الله لم يسقط حق المظلوم بذلك ولهذا جاز للرجل إذا زنت امرأته أن يقذفها ويلاعنها ويسعى في عقوبتها بالرجم بخلاف الأجنبي فإنه لا يجوز له قذفها ولا يلاعن بل يحد إذا لم يأت بأربعة شهداء فإفساد المرأة على زوجها من أعظم الظلم لزوجها وهو عنده أعظم من أخذ ماله.
ولهذا يجوز له قتله دفعا عنها باتفاق العلماء إذا لم يندفع إلا بالقتل بالاتفاق ويجوز في أظهر القولين قتله وإن اندفع بدونه كما في قصة عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما أتاه رجل بيده سيف فيه دم وذكر أنه وجد رجلا تفخذ امرأته فضربه بالسيف فأقره عمر على ذلك وشكره وقبل قوله أنه قتله لذلك إذ ظهرت دلائل ذلك.
__________
[1] ولعل بعض هذا الكلام قد يتعارض ولو من بعض الوجوه مع قوله تعالى حكاية عن امرأة العزيز {قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم (25)} والله أعلم.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|