
08-08-2025, 12:57 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,626
الدولة :
|
|
رد: بيان خطأ تفويض معاني آيات وأحاديث الصفات
ولابن قتيبة كلام نفيس يتعلق بآيات الصفات يحسن الاطلاع عليه، ومما قال فيه: (لسنا ممن يزعم أن المتشابه في القرآن لا يعلمه الراسخون في العلم، وهذا غلط من متأوليه على اللغة والمعنى، ولم ينزل الله شيئا من القرآن إلا لينفع به عباده، ويدل به على معنى أراده، فلو كان المتشابه لا يعلمه غيره للزمنا للطاعن مقال، وتعلق علينا بعلة، وهل يجوز لأحد أن يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يعرف المتشابه؟! وإذا جاز أن يعرفه مع قول الله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} [آل عمران: 7] جاز أن يعرفه الربانيون من صحابته، فقد دعا لابن عباس فقال: ((اللهم علِّمه التأويل، وفقهه في الدين)) ... عن ابن عباس أنه قال: (كل القرآن أعلم إلا أربعا: غسلين، وحنانا، والأواه، والرقيم)، وكان هذا من قول ابن عباس في وقت، ثم علم ذلك بعد ... ولو لم يكن للراسخين في العلم حظ في المتشابه إلا أن يقولوا: {آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} [آل عمران: 7] لم يكن للراسخين فضل على المتعلمين، بل على جهلة المسلمين؛ لأنهم جميعا يقولون: آمنا به كل من عند ربنا. وبعد: فإنا لم نر المفسرين توقفوا عن شيء من القرآن فقالوا: هذا متشابه لا يعلمه إلا الله، بل أمروه كله على التفسير، حتى فسروا الحروف المقطعة في أوائل السور، مثل: الر، وحم، وطه، وأشباه ذلك. باب القول في المجاز، وأما المجاز فمن جهته غلط كثير من الناس في التأويل، وتشعبت بهم الطرق ... وذهب قوم في قول الله وكلامه: إلى أنه ليس قولا ولا كلاما على الحقيقة، وإنما هو إيجاد للمعاني، وصرفوه في كثير من القرآن إلى المجاز ... قالوا: ونحو هذا قوله تعالى: {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} [ق: 30]، وليس يومئذ قول منه لجهنم، ولا قول من جهنم، وإنما هي عبارة عن سعتها ... وقد تبين لمن قد عرف اللغة أن القول يقع فيه المجاز)([67])، إلى آخر كلامه النافع، ويُستفاد من بقية كلام ابن قتيبة أنه يُعلم المراد من الآيات من السياق، ويُعلم إرادة الحقيقة أو المجاز بالقرائن، وإن خالف بعض العلماء في وقوع المجاز في القرآن، وأنه من الأساليب العربية المعروفة، ولا مشاحاة في الاصطلاح.
وما ذكره ابن قتيبة في تفسير قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} [آل عمران: 7] هو أحد القولين في معنى الآية، قال ابن كثير في تفسيره: (قوله: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} [آل عمران: 7] اختلف القراء في الوقف هاهنا، فقيل: على الجلالة، كما قال ابن عباس: التفسير على أربعة أنحاء: فتفسير لا يعذر أحد في فهمه، وتفسير تعرفه العرب من لغاتها، وتفسير يعلمه الراسخون في العلم، وتفسير لا يعلمه إلا الله عز وجل. ويروى هذا القول عن عائشة، وعروة، وأبي الشعثاء، وأبي نهيك، وغيرهم ... وروى ابن جرير عن عمر بن عبد العزيز ومالك بن أنس: أنهم يؤمنون به ولا يعلمون تأويله. واختار ابن جرير هذا القول. ومنهم من يقف على قوله: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} [آل عمران: 7] وتبعهم كثير من المفسرين وأهل الأصول، وقالوا: الخطاب بما لا يفهم بعيد، وقد روى ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس أنه قال: أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: والراسخون في العلم يعلمون تأويله ويقولون آمنا به. وكذا قال الربيع بن أنس. ومن العلماء من فصل في هذا المقام فقال: التأويل يطلق ويراد به في القرآن معنيان، أحدهما: التأويل بمعنى حقيقة الشيء، وما يؤول أمره إليه، ومنه قوله تعالى: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا} [يوسف: 100]، وقوله: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ} [الأعراف: 53] أي: حقيقة ما أخبروا به من أمر المعاد، فإن أريد بالتأويل هذا فالوقف على الجلالة؛ لأن حقائق الأمور وكنهها لا يعلمه على الجلية إلا الله عز وجل، ويكون قوله: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} مبتدأ و {يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} خبره. وأما إن أريد بالتأويل المعنى الآخر، وهو التفسير والتعبير والبيان عن الشيء كقوله تعالى: {نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ} [يوسف: 36] أي: بتفسيره، فإن أريد به هذا المعنى، فالوقف على: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ}؛ لأنهم يعلمون ويفهمون ما خوطبوا به بهذا الاعتبار، وإن لم يحيطوا علما بحقائق الأشياء على كنه ما هي عليه، وعلى هذا فيكون قوله: {يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} حالا منهم، وقوله إخبارا عنهم أنهم {يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} أي: بالمتشابه {كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} أي: الجميع من المحكم والمتشابه حق وصدق، وكل واحد منهما يصدق الآخر ويشهد له؛ لأن الجميع من عند الله، وليس شيء من عند الله بمختلف ولا متضاد؛ لقوله: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82]؛ ولهذا قال تعالى: {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 7] أي: إنما يفهم ويعقل ويتدبر المعاني على وجهها أولو العقول السليمة، والفهوم المستقيمة)([68]).
ومسلك التفويض مبني على قاعدتين:
القاعدة الأولى: دعوى أن الاتفاق حاصل على عدم إرادة الظاهر، إذ الظاهر يوهم التشبيه!
القاعدة الثانية: أن آية آل عمران دالة على صحة تفويض المعنى المراد من نصوص الصفات.
والإجابة عن القاعدة الأولى من وجهين:
الوجه الأول: لا نسلم أن ظاهر آيات وأحاديث الصفات يفيد التشبيه، بل هي تدل على إثبات الصفات على الوجه اللائق بالله تعالى، ويتبين ذلك بالآتي:
الأمر الأول: إن الأشاعرة قد سلموا أن الله تعالى حي بحياة، وعليم بعلم، وقدير بقدرة ... إلى آخر صفات المعاني السبع، ويثبتون ظاهرها على ما يليق بالله تعالى، فيلزمهم كذلك إثبات بقية الصفات كالاستواء والعلو والوجه واليدين والغضب وغيرها كما يليق بالله سبحانه.
الأمر الثاني: القول بأن نصوص الصفات ظاهرها غير مراد يلزم منه لوازم باطلة، منها:
1- أن يكون الله ورسوله صلى الله عليه وسلم قد تكلما بالباطل فيما يتعلق بصفات الله سبحانه!
2- أن قائل هذه المقالة قد مثل أولاً، إذ هو قد اعتقد أن ظاهر نصوص الصفات التمثيل والتشبيه، ثم عمد إلى النص فعطله عن دلالته على الحق، وعطل الصفة الثابتة في نفس الأمر لله تعالى([69]).
الأمر الثالث: القول بتفويض المعنى ثم الزعم بأن ظاهر النصوص غير مراد تناقض واضح، فلا يعقل الادعاء بأن المعنى لا يعلمه إلا الله مع الزعم بأن الظاهر غير مراد؛ إذ الذي لا يعلمه إلا الله لا يكون ظاهراً لنا.
الأمر الرابع: ثبت عن أئمة السلف أنهم قالوا عن نصوص الصفات: أمروها كما جاءت، وصرحوا بأن ظواهر نصوص الصفات مرادة يجب الإيمان بها مع عدم إدراك كيفيتها، وهذا يتعارض مع زعم الأشاعرة بأن ظاهرها غير مراد، وسيأتي ذكر بعض النقول الواضحة عن السلف التي تبين بطلان نسبة التفويض إليهم.
ومراد السلف بقولهم عن نصوص الصفات: (أمروها كما جاءت بلا تفسير) أحد معنيين:
المعنى الأول: أمروها بلا تفسير مبتدع, كما يفسرها الجهمية والمعتزلة ومن تأثر بهم كالأشاعرة.
المعنى الثاني: أمروها بلا تفسير للكيفية، فمعاني الصفات معلومة لنا، وكيفيتها مجهولة لنا([70]).
والإجابة عن القاعدة الثانية بما يلي:
لا يصح استدلالهم على التفويض بقوله سبحانه: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} [آل عمران: 7]، ويتضح ذلك بما يلي:
1- إن المراد بالتأويل على قراءة الوقف: معرفة الحقيقة التي يؤول إليها الخبر، إذ الوقف التام يفيد أن ذلك مما لا يعلمه إلا الله؛ لأن حقائق الصفات وكيفيتها مما لا يظهر للخلق، أما على قول الأشاعرة فلا تظهر فائدة من الوقف، إذ هم زعموا أن لها ظاهرا يعلمه البشر ولكنه غير مراد، وإنما المراد شيء آخر، فخاضوا في تعيينه بالظن رجما بالغيب، وهذا ينافي التسليم التام الذي وصف الله به المؤمنين في الآية نفسها وهو قوله: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا} [آل عمران: 7].
2- لو سلم لهم قولهم هذا للزم طرده في كل نصوص الصفات الدالة على صفات المعاني كصفة الحياة والإرادة والقدرة والعلم؛ إذ لا موجب للتفريق إلا التحكم، فما كان جوابا لهم عن نصوص صفات المعاني فليجيبوا به عن نصوص بقية الصفات.
3- القول بأن التأويل هنا المراد به حقائق الأشياء قول لا يعارض قول من لم ير الوقف على اسم الجلالة؛ إذ التأويل يكون على الثاني بمعنى التفسير الذي هو شرح الكلمات والألفاظ، ومن المعلوم أن الشيء قد يعلم معناه العام ولكن لا تعلم حقيقته وكنهه كما في نعيم الجنة، فالجمع بين أقوال السلف في معنى الآية أقوى من القول بتعارضها.
4- إن الأشاعرة لهم مذهبان: ويدعون صحتهما – وهما التأويل والتفويض – فلو كانت الآية دالة على تفويض المعنى والكيفية مطلقا لما كان هناك حاجة للقول بالتأويل، والعجب أن الأشاعرة قد احتجوا بالآية نفسها على جواز التأويل باعتبار قراءة الوصل، فلو أرادوا الجمع الصحيح كان عليهم أن يقولوا: إن لها معاني صحيحة إلا أن حقائقها غير معلومة لنا، أما القول بأن لها معنى, أو لبعضها معنى, ثم الزعم بأنه لا يعرف لها معنى تناقض واضح([71]).
وهذه نقول مهمة جدا عن ابن تيمية في هذه المسألة:
قال ابن تيمية: (أما إدخال أسماء الله وصفاته أو بعض ذلك في المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله أو اعتقاد أن ذلك هو المتشابه الذي استأثر الله بعلم تأويله كما يقول كل واحد من القولين طوائف من أصحابنا وغيرهم فإنهم وإن أصابوا في كثير مما يقولونه ونجوا من بدع وقع فيها غيرهم فالكلام على هذا من وجهين: الأول: من قال: إن هذا من المتشابه وأنه لا يفهم معناه فنقول: أما الدليل على بطلان ذلك فإني ما أعلم عن أحد من سلف الأمة ولا من الأئمة لا أحمد بن حنبل ولا غيره أنه جعل ذلك من المتشابه الداخل في هذه الآية، ونفى أن يعلم أحد معناه، وجعلوا أسماء الله وصفاته بمنزلة الكلام الأعجمي الذي لا يُفهم، ولا قالوا: إن الله ينزل كلاما لا يفهم أحد معناه، وإنما قالوا كلمات لها معان صحيحة، قالوا في أحاديث الصفات: تمر كما جاءت، ونهوا عن تأويلات الجهمية وردوها وأبطلوها، التي مضمونها تعطيل النصوص عما دلت عليه، ونصوص أحمد والأئمة قبله بينة في أنهم كانوا يبطلون تأويلات الجهمية، ويقرون النصوص على ما دلت عليه من معناها، ويفهمون منها بعض ما دلت عليه، كما يفهمون ذلك في سائر نصوص الوعد والوعيد والفضائل وغير ذلك، وأحمد قد قال في غير أحاديث الصفات: تمر كما جاءت، وفي أحاديث الوعيد مثل قوله: ((من غشنا فليس منا))، وأحاديث الفضائل، ومقصوده بذلك أن الحديث لا يحرف كلمه عن مواضعه كما يفعله من يحرفه، ويسمى تحريفه تأويلا بالعرف المتأخر، فتأويل هؤلاء المتأخرين عند الأئمة تحريف باطل، وكذلك نص أحمد في كتاب الرد على الزنادقة والجهمية أنهم تمسكوا بمتشابه القرآن، وتكلم أحمد على ذلك المتشابه، وبين معناه وتفسيره بما يخالف تأويل الجهمية، وجرى في ذلك على سنن الأئمة قبله، فهذا اتفاق من الأئمة على أنهم يعلمون معنى هذا المتشابه، وأنه لا يسكت عن بيانه وتفسيره، بل يبين ويفسر باتفاق الأئمة من غير تحريف له عن مواضعه أو إلحاد في أسماء الله وآياته. ومما يوضح لك ما وقع هنا من الاضطراب أن أهل السنة متفقون على إبطال تأويلات الجهمية ونحوهم من المنحرفين الملحدين والتأويل المردود هو صرف الكلام عن ظاهره إلى ما يخالف ظاهره، فلو قيل: إن هذا هو التأويل المذكور في الآية، وأنه لا يعلمه إلا الله لكان في هذا تسليم للجهمية أن للآية تأويلا يخالف دلالتها، لكن ذلك لا يعلمه إلا الله، وليس هذا مذهب السلف والأئمة، وإنما مذهبهم نفي هذه التأويلات وردها؛ لا التوقف فيها، وعندهم قراءة الآية والحديث تفسيرها، وتمر كما جاءت دالة على المعاني، لا تحرف، ولا يلحد فيها)([72]).
وقال ابن تيمية: (قول ربيعة ومالك: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، موافق لقول الباقين: أمروها كما جاءت بلا كيف، فإنما نفوا علم الكيفية، ولم ينفوا حقيقة الصفة، ولو كان القوم قد آمنوا باللفظ المجرد من غير فهم لمعناه - على ما يليق بالله - لما قالوا: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ولما قالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف؛ فإن الاستواء حينئذ لا يكون معلوما بل مجهولا بمنزلة حروف المعجم. وأيضا: فإنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ معنى، وإنما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا أثبتت الصفات. وأيضا: فإن من ينفي الصفات الخبرية - أو الصفات مطلقا - لا يحتاج إلى أن يقول: بلا كيف، فمن قال: إن الله ليس على العرش لا يحتاج أن يقول: بلا كيف، فلو كان مذهب السلف نفي الصفات في نفس الأمر لما قالوا: بلا كيف. وأيضا: فقولهم: أمروها كما جاءت يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه، فإنها جاءت ألفاظ دالة على معان، فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال: أمروا لفظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد أو أمروا لفظها مع اعتقاد أن الله لا يوصف بما دلت عليه حقيقة، وحينئذ فلا تكون قد أمرت كما جاءت، ولا يقال حينئذ: بلا كيف؛ إذ نفي الكيف عما ليس بثابت لغو من القول)([73]).
وقال ابن تيمية: (قول مالك بن أنس لما سئل عن قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] كيف استوى؟ فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وكذلك ربيعة قبله، وقد تلقى الناس هذا الكلام بالقبول، فليس في أهل السنة من ينكره، وقد بين أن الاستواء معلوم كما أن سائر ما أخبر به معلوم، ولكن الكيفية لا تعلم، ولا يجوز السؤال عنها، لا يقال: كيف استوى؟ ... فإن قيل: معنى قوله: الاستواء معلوم أن ورود هذا اللفظ في القرآن معلوم كما قاله بعض أصحابنا الذين يجعلون معرفة معانيها من التأويل الذي استأثر الله بعلمه. قيل: هذا ضعيف؛ فإن هذا من باب تحصيل الحاصل، فإن السائل قد علم أن هذا موجود في القرآن، وقد تلا الآية. وأيضا فلم يقل: ذكر الاستواء في القرآن ولا إخبار الله بالاستواء، وإنما قال: الاستواء معلوم، فأخبر عن الاسم المفرد أنه معلوم، لم يخبر عن الجملة. وأيضا فإنه قال: والكيف مجهول، ولو أراد ذلك لقال: معنى الاستواء مجهول أو تفسير الاستواء مجهول أو بيان الاستواء غير معلوم، فلم ينف إلا العلم بكيفية الاستواء لا العلم بنفس الاستواء، وهذا شأن جميع ما وصف الله به نفسه، لو قال في قوله: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه: 46] كيف يسمع؟ وكيف يرى؟ لقلنا: السمع والرؤيا معلوم، والكيف مجهول، ولو قال: كيف كلم موسى تكليما؟ لقلنا: التكليم معلوم، والكيف غير معلوم)([74]).
وقال ابن تيمية: (غاية ما ينتهي إليه هؤلاء المعارضون لكلام الله ورسوله بآرائهم، من المشهورين بالإسلام، هو التأويل أو التفويض، ... والتأويل المقبول: هو ما دل على مراد المتكلم، والتأويلات التي يذكرونها لا يعلم أن الرسول أرادها، بل يعلم بالاضطرار في عامة النصوص أن المراد منها نقيض ما قاله الرسول، ... وحينئذ فالمتأول إن لم يكن مقصوده معرفة مراد المتكلم كان تأويله للفظ بما يحتمله من حيث الجملة في كلام من تكلم بمثله من العرب هو من باب التحريف والإلحاد، لا من باب التفسير وبيان المراد.
وأما التفويض: فإن من المعلوم أن الله تعالى أمرنا أن نتدبر القرآن، وحضنا على عقله وفهمه، فكيف يجوز مع ذلك أن يراد منا الإعراض عن فهمه ومعرفته وعقله؟! وأيضا، فالخطاب الذي أريد به هدانا والبيان لنا، وإخراجنا من الظلمات إلي النور، إذا كان ما ذكر فيه من النصوص ظاهره باطل وكفر، ولم يرد منا أن نعرف لا ظاهره ولا باطنه، أو أريد منا أن نعرف باطنه من غير بيان في الخطاب لذلك، فعلى التقديرين لم نخاطب بما بين فيه الحق، ولا عرفنا أن مدلول هذا الخطاب باطل وكفر. وحقيقة قول هؤلاء في المخاطب لنا: أنه لم يبين الحق، ولا أوضحه، مع أمره لنا أن نعتقده، وأن ما خاطبنا به وأمرنا باتباعه والرد إليه لم يبين به الحق ولا كشفه، بل دل ظاهره على الكفر والباطل، وأراد منا أن نفهم منه شيئا، أو أن نفهم منه ما لا دليل عليه فيه. وهذا كله مما يعلم بالاضطرار تنزيه الله ورسوله عنه، وأنه من جنس أقوال أهل التحريف والإلحاد)([75]).
وقال ابن تيمية مبينا خطورة مذهب التفويض: (فيبقى هذا الكلام سدا لباب الهدي والبيان من جهة الأنبياء، وفتحا لباب من يعارضهم ويقول: إن الهدي والبيان في طريقنا لا في طريق الأنبياء؛ لأنا نحن نعلم ما نقول ونبينه بالأدلة العقلية، والأنبياء لم يعلموا ما يقولون: فضلا عن أن يبينوا مرادهم! فتبين أن قول أهل التفويض الذين يزعمون أنهم متبعون للسنة والسلف من شر أقوال أهل البدع والإلحاد)([76]).
وقال ابن تيمية أيضا: (أهل التجهيل يقولون: إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعرف معاني ما أنزل الله إليه من آيات الصفات، ولا جبريل يعرف معاني الآيات، ولا السابقون الأولون عرفوا ذلك! وكذلك قولهم في أحاديث الصفات: إن معناها لا يعلمه إلا الله مع أن الرسول تكلم بها ابتداء! فعلى قولهم تكلم بكلام لا يعرف معناه!)([77]).
وقال ابن القيم: (أصحاب التجهيل قالوا: نصوص الصفات ألفاظ لا تعقل معانيها، ولا ندري ما أراد الله ورسوله منها، ولكن نقرأها ألفاظا لا معاني لها، ونعلم أن لها تأويلا لا يعلمه إلا الله، وهي عندنا بمنزلة: {كهيعص} [مريم: 1] و {حم عسق} [الشورى: 1، 2] و {المص} [الأعراف: 1]، ... وظن هؤلاء أن هذه طريقة السلف، وأنهم لم يكونوا يعرفون حقائق الأسماء والصفات، ولا يفهمون معنى قوله: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75] وقوله: {وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الزمر: 67]، وقوله {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5]، وأمثال ذلك من نصوص الصفات، وبنوا هذا المذهب على أصلين: أحدهما: أن هذه النصوص من المتشابه، والثاني: أن للمتشابه تأويلا لا يعلمه إلا الله، فنتج من هذين الأصلين استجهال السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وسائر الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ... ولازم قولهم إن الرسول كان يتكلم بذلك ولا يعلم معناه! ثم تناقضوا أقبح تناقض فقالوا: تجري على ظواهرها، وتأويلها مما يخالف الظواهر باطل، ومع ذلك فلها تأويل لا يعمله إلا الله! فكيف يثبتون لها تأويلا، ويقولون: تجر على ظواهرها، ويقولون: الظاهر منها غير مراد، والرب منفرد بعلم تأويلها؟! وهل في التناقض أقبح من هذا؟! وهؤلاء غلطوا في المتشابه، وفي جعل هذه النصوص من المتشابه، وفي كون المتشابه لا يعلم معناه إلا الله، فأخطأوا في المقدمات الثلاث، ... فهؤلاء تركوا التدبر المأمور به، والتذكر والتعقل لمعاني النصوص الذي هو أساس الإيمان وعمود اليقين، وأعرضوا عنه بقلوبهم، وتعبدوا بالألفاظ المجردة التي أنزلت في ذلك، وظنوا أنها أنزلت للتلاوة والتعبد بها دون تعقل معانيها وتدبرها والتفكر فيها!)([78]).
ومما يبين بطلان مذهب التفويض: أننا نؤمن بالروح الذي أخبرنا الله أنه استأثر بعلمه، ونؤمن بما أعد الله لأهل الجنة من النعيم الذي لا يخطر على قلب بشر، ونؤمن بما أعد لأهل النار من العذاب الأليم الذي منه الزقوم والغسلين والسلاسل والأغلال التي لم نر مثلها، ونحن نعلم معنى الروح والنعيم والعذاب، ونفهم ما أخبرنا الله به من تفاصيل النعيم والعذاب، لكن لا نعلم كيفيتها مع كونها مخلوقة، ولله الأمثل الأعلى، فنحن نعلم معاني ما أخبرنا الله به عن نفسه من صفاته العظيمة، ولا نعلم كيفيتها، فالتفويض يكون للكيفية لا للمعنى حتى للمخلوقات التي لا ندركها بحواسنا، ومن باب أولى أننا نفوض كيفية صفات الخالق مع علمنا بمعاني ما أخبرنا به من أسمائه وصفاته، وهذا هو مذهب السلف، وهو الحق الذي يجب على كل مسلم اعتقاده في آيات وأحاديث الصفات.
فالواجب في النصوص التي فيها ذكر الروح والنعيم في الجنة والبرزخ والعذاب في جهنم والبرزخ نمرها كما جاءت بلا تأويل، ويجب أن نؤمن بمعانيها، ولا يجوز أن نفوض معانيها، بل نفوض كيفياتها، وهكذا نصوص الصفات نمرها كما جاءت بلا تأويل لها.
ونحن نعذر العلماء المعروفين بتعظيم الشريعة، والتمسك بالكتاب والسنة، وإن وقع منهم تأول لبعض نصوص الصفات، فهم لم يقصدوا بتأويلها إلا تنزيه الله سبحانه؛ لظنهم أن ظاهرها يحتاج إلى تأويل، قال ابن تيمية: (المتأول الذي قصده متابعة الرسول لا يكفر، بل ولا يفسق إذا اجتهد فأخطأ، وهذا مشهور عند الناس في المسائل العملية، وأما مسائل العقائد فكثير من الناس كفر المخطئين فيها، وهذا القول لا يعرف عن أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا عن أحد من أئمة المسلمين، وإنما هو في الأصل من أقوال أهل البدع، الذين يبتدعون بدعة ويكفرون من خالفهم، كالخوارج والمعتزلة والجهمية، ووقع ذلك في كثير من أتباع الأئمة، كبعض أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم ... وإذا لم يكونوا في نفس الأمر كفارا لم يكونوا منافقين، فيكونون من المؤمنين، فيستغفر لهم ويترحم عليهم. وإذا قال المؤمن: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 10] يقصد كل من سبقه من قرون الأمة بالإيمان، وإن كان قد أخطأ في تأويل تأوله فخالف السنة، أو أذنب ذنبا، فإنه من إخوانه الذين سبقوه بالإيمان، فيدخل في العموم، وإن كان من الثنتين والسبعين فرقة، فإنه ما من فرقة إلا وفيها خلق كثير ليسوا كفارا، بل مؤمنين فيهم ضلال وذنب يستحقون به الوعيد، كما يستحقه عصاة المؤمنين. والنبي صلى الله عليه وسلم لم يخرجهم من الإسلام، بل جعلهم من أمته، ولم يقل: إنهم يخلدون في النار، فهذا أصل عظيم ينبغي مراعاته; فإن كثيرا من المنتسبين إلى السنة فيهم بدعة)([79]).
وقال ابن عثيمين: (أما موقفنا من العلماء المؤولين فنقول: من عرف منهم بحسن النية، وكان لهم قدم صدق في الدين، واتباع السنة؛ فهو معذور بتأويله السائغ، ولكن عذره في ذلك لا يمنع من تخطئة طريقته المخالفة لما كان عليه السلف الصالح من إجراء النصوص على ظاهرها، واعتقاد ما دل عليه ذلك الظاهر من غير تكييف، ولا تمثيل، فإنه يجب التفريق بين حكم القول وقائله، والفعل وفاعله، فالقول الخطأ إذا كان صادرا عن اجتهاد وحسن قصد لا يذم عليه قائله، بل يكون له أجر على اجتهاده، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر)) متفق عليه، وأما وصفه بالضلال فإن أريد بالضلال الضلال المطلق الذي يُذم به الموصوف، ويُمقت عليه، فهذا لا يتوجه في مثل هذا المجتهد الذي عُلِم منه حسن النية، وكان له قدم صدق في الدين واتباع السنة، وإن أُرِيد بالضلال مخالفة قوله للصواب من غير إشعار بذم القائل فلا بأس بذلك؛ لأن مثل هذا ليس ضلالا مطلقا؛ لأنه من حيث الوسيلة صواب، حيث بذل جهده في الوصول إلى الحق، لكنه باعتبار النتيجة ضلال حيث كان خلاف الحق، وبهذا التفصيل يزول الإشكال والتهويل، والله المستعان)([80]).
الخاتمة
وبعد أنْ يسَّر الله - بعونه وفضله - إتمام هذا البحث الذي بيَّنتُ فيه بطلان التفويض لمعاني الصفات، ومخالفة هذا المذهب للسنة والكتاب، ولِما كان عليه الأصحاب، أذكر في الخاتمة أهم نتائج البحث:
أهم نتائج البحث:
- من أعظم ما يجب تدبره ومعرفة معانيه: الآيات والأحاديث الصحيحة التي فيها أسماء الله الحسنى وصفاته العلى، فيجب معرفة معانيها؛ لأنها تدل على عظمة الله سبحانه.
- مذهب السلف الصالح الإيمان بصفات الله سبحانه الثابتة في الكتاب والسنة الصحيحة، من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل، ومن مذهبهم تفويض كيفية الصفات، وليس تفويض معاني الصفات.
- تفويض معاني الصفات مذهب باطل، ويلزم منه محذورات كثيرة، وإشكالات عديدة، منها أن يكون الله سبحانه أخبرنا عن نفسه بما لا نفهم معناه، وقد أخطأ من نسب تفويض معاني الصفات إلى السلف الصالح.
- من أسباب وقوع كثير من العلماء المتأخرين في تأويل الصفات، واتباعهم طريقة الأشاعرة أو الماتريدية: ظنهم أن التفويض هو مذهب السلف، وأنه أسلم، وأن التأويل أكثر علما، وأكثر تحقيقا، فأجازوا التأويل، ووقعوا في مخالفة السلف الصالح.
التوصيات:
أوصي نفسي ومن يقرأ كلامي من العلماء وطلاب العلم والدعاة بالاعتناء بعلم العقيدة التي تبين ما كان عليه السلف الصالح، تحقيقا وتعليما، لا سيما توحيد الأسماء و الصفات، فقد كثر الخطأ في هذا الباب، حتى في كتب تفسير القرآن العظيم وشروح الحديث النبوي، والله الموفق.
انتهى البحث، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|