
08-08-2025, 12:57 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,529
الدولة :
|
|
رد: بيان خطأ تفويض معاني آيات وأحاديث الصفات
والتفويض نوعان:
- تفويض كيفية الصفات، وهذا تفويض صحيح، وهو قول أهل السنة والجماعة.
- تفويض معاني الصفات، وهذا تفويض باطل، وهو من مذاهب أهل البدع.
قال ابن القيم: (لم يتنازع الصحابة في تأويل آيات الصفات وأخبارها في موضع واحد، بل اتفقت كلمتهم وكلمة التابعين بعدهم على إقرارها وإمرارها مع فهم معانيها وإثبات حقائقها، ... ومن شرح الله لها صدره ونور لها قلبه يعلم أن دلالتها على معانيها أظهر من دلالة كثير من آيات الأحكام على معانيها؛ ولهذا آيات الأحكام لا يكاد يفهم معانيها إلا الخاصة من الناس، وأما آيات الأسماء والصفات فيشترك في فهمها الخاص والعام، أعني فهم أصل المعنى، لا فهم الكنه والكيفية)([31]).
وقال ابن عثيمين: (ظواهر نصوص الصفات معلومة لنا باعتبار ومجهولة لنا باعتبار آخر، فباعتبار المعنى هي معلومة. وباعتبار الكيفية التي هي عليها مجهولة. وقد دل على ذلك السمع والعقل. أما السمع: فمنه قوله تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ص: 29]، وقوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الزخرف: 3]، وقوله جل ذكره: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44]، والتدبر لا يكون إلا فيما يمكن الوصول إلى فهمه ليتذكر الإنسان بما فهمه منه. وكون القرآن عربيا ليعقله من يفهم العربية، يدل على أن معناه معلوم، وإلا لما كان فرق بين أن يكون باللغة العربية أو غيرها. وبيان النبي صلى الله عليه وسلم القرآن للناس شامل لبيان لفظه وبيان معناه. وأما العقل: فلأن من المحال أن ينزل الله تعالى كتابا، أو يتكلم رسوله صلى الله عليه وسلم بكلام يقصد بهذا الكتاب وهذا الكلام أن يكون هداية للخلق، ويبقى في أعظم الأمور وأشدها ضرورة مجهول المعني، بمنزلة الحروف الهجائية التي لا يفهم منها شيء، لأن ذلك من السفه الذي تأباه حكمة الله تعالى، وقد قال الله تعالى عن كتابه: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} [هود: 1] ... وبهذا علم بطلان مذهب المفوضة الذين يفوضون علم معاني نصوص الصفات، ويدعون أن هذا مذهب السلف. والسلف بريئون من هذا المذهب، وقد تواترت الأقوال عنهم بإثبات المعاني لهذه النصوص إجمالا أحيانا، وتفصيلا أحيانا، وتفويضهم الكيفية إلى علم الله عز وجل)([32]).
والمراد بالتفويض عند أهل التفويض هو تفويض المعنى المراد من النص الموهم للتشبيه عندهم، فيثبتون الألفاظ من غير معرفة معناها، وهذا التفويض إنما يكون بعد التأويل الإجمالي، وهو: صرف اللفظ عن ظاهره.
قال اللقاني في منظومته المشهورة عند الأشاعرة:
وكُلُّ نَصٍّ أَوْهَمَ التَّشْبِيْهَا ... أَوِّلْهُ أَو فَوِّضْ وَرُمْ تَنْزِيها([33]).
قال الصفاقسي الأشعري في شرح كلام اللقاني في نظمه المسمى جوهرة التوحيد: ((وكل نص) من كتاب أو سنة (أوهم) باعتبار ظاهر دلالته، أي: أوقع في الوهم (التشبيها) له تعالى بالحوادث، المستحيل على من ثبت مخالفته للحوادث في ذاته وفي صفاته، فيجب تنزيه الباري تعالى عن ذلك الظاهر المستحيل عقلا وشرعا، ولذا قال: (أوِّله) أي: اصرفه عن ظاهره وجوبا، ثم أنت مخير في: أن تؤوله بتأويل خاص يليق بالجناب الرفيع كتأويل اليد بالقدرة أو النعمة الذي هو معناها المجازي، في نحو قوله تعالى: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75]، وتأويل الوجه بالوجود والذات في نحو قوله تعالى: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: 27]، وتأويل العين في نحو قوله تعالى: {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} [القمر: 14] بالحفظ والرعاية؛ وكتأويل الاستواء في قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف: 54] بالإستيلاء؛ فإن الاستواء لفظ له معنيان:
قريب: وهو الاستقرار، ويتعالى مولانا عنه. وبعيد: وهو الاستيلاء والقهر والغلبة، وهو المراد من الآية ونحوها؛ إذ هو اللائق بالمولى تعالى كما في قول الشاعر:
قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق
فيكون من باب التورية، وهي من بديع البلاغة. هذا مذهب الخلف وهو أعلم وأحكم. (أو) أوله إجمالا لا تفصيلا، و(فوض) الأمر في المراد منها تفصيلا إلى الله العليم الحكيم. وهذا مذهب السلف، وهو أسلم لسلامته من التجاسر على تأويل المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله)([34]).
وقال الباجوري: (قوله: (أوِّله) أي: احمله على خلاف ظاهره مع بيان المعنى المراد، فالمراد: أوله تأويلا تفصيليا بأن يكون فيه بيان المعنى المراد كما هو مذهب الخلف: وهم من كانوا بعد الخمسمائة، وقيل: من بعد القرون الثلاثة. وقوله: (أو فوِّض) أي: بعد التأويل الإجمالي الذي هو صرف اللفظ عن ظاهره، فبعد هذا التأويل فوض المراد من النص الموهم إليه تعالى على طريقة السلف: وهم من كانوا قبل الخمسمائة، وقيل: القرون الثلاثة: الصحابة، والتابعون، وأتباع التابعين، وطريقة الخلف أعلم وأحكم، لما فيها من مزيد الإيضاح، والرد على الخصوم، وهي الأرجح، ولذلك قدمها المصنف، وطريقة السلف أسلم لما فيها من السلامة من تعيين معنى قد يكون غير مراد له تعالى. وقوله: (ورم تنزيها) أي: واقصد تنزيها له تعالى عما لا يليق به مع تفويض علم المعنى المراد، فظهر مما قررناه اتفاق السلف والخلف على التأويل الإجمالي؛ لأنهم يصرفون الموهم عن ظاهره المحال عليه تعالى، لكنهم اختلفوا بعد ذلك في تعيين المراد من ذلك النقص وعدم التعيين، بناء على الوقف على قوله تعالى: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} [آل عمران: 7]، فيكون معطوفا على لفظ الجلالة، وعلى هذا فنظم الآية هكذا: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} [آل عمران: 7]، وجملة {يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ...} [آل عمران: 7] حينئذ مستأنفة لبيان سبب التماس التأويل، أو على قوله: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} [آل عمران: 7]، وعلى هذا فقوله: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} [آل عمران: 7] الخ استئناف، وذكر مقابله في قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} [آل عمران: 7] الخ أي كالمجسمة، فمنهم من قال: إنه على صورة شيخ كبير، ومنهم من قال: إنه على صورة شاب حسن([35]) تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. والحاصل أنه ورد في القرآن أو السنة ما يشعر بإثبات الجهة أو الجسمية أو الصورة أو الجوارح اتفق أهل الحق وغيرهم ما عدا المجسمة والمشبهة على تأويل ذلك لوجوب تنزيهه تعالى عما دل عليه ما ذكر بحسب ظاهره، فمما يوهم الجهة قوله تعالى: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} [النحل: 50]، فالسلف يقولون: فوقية لا نعلمها، والخلف يقولون: المراد بالفوقية التعالي في العظمة، فالمعنى يخافون أي: الملائكة ربهم من أجل تعاليه في العظمة أي: ارتفاعه فيها, ومنه قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] فالسلف يقولون: استواء لا نعلمه، والخلف يقولون: المراد به الاستيلاء والملك)([36]).
ومذهب التفويض ليس مذهب طائفة معينة، وإنما هو قول في الصفات شاع في كثير من المتأخرين، وظنوه مذهب السلف الصالح، من غير أن ينتبهوا لما يترتب على القول به من التناقض والاضطراب، وإن كان بعضهم لا يلتزم التفويض في جميع نصوص الصفات، فنجد بعض الأشاعرة يرجح التفويض كأبي المعالي الجويني في آخر أمره، قال في كتابه النظامية، وهو من آخر كتبه: (قد اختلف مسالك العلماء في الظواهر التي وردت في الكتاب والسنة، وامتنع على أهل الحق اعتقاد فحواها، وإجراؤها على موجب ما تبتدره أفهام أرباب اللسان منها. فرأى بعضهم تأويلها، والتزم هذا المنهج في آي الكتاب، وما يصح من سنن الرسول صلى الله عليه وسلم. وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل، وإجراء الظواهر على مواردها، وتفويض معانيها إلى الرب تعالى والذي نرتضيه رأيا، وندين الله به عقدا، اتباع سلف الأمة، فالأولى الاتباع، وترك الابتداع. والدليل السمعي القاطع في ذلك؛ أن إجماع الأمة حجة متبعة، وهومستند معظم الشريعة. وقد درج صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي عنهم، على ترك التعرض لمعانيها، ودرك ما فيها، وهم صفوة الإسلام، والمستقلون بأعباء الشريعة، وكانوا لا يألون جهدا في ضبط قواعد الملة، والتواصي بحفظها، وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها. فلوكان تأويل هذه الظواهر مسوغا ومحتوما، لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة. وإذا انصرف عصرهم، وعصر التابعين رضي الله عنهم على الإضراب عن التأويل، كان ذلك قاطعا، وأنه الوجه المتبع، فحقت على ذي الدين أن يعتقد تنزه الباري عن صفات المحدثين، ولا يخوض في تأويل المشكلات، ويكل معناها إلى الرب تبارك وتعالى)([37]).
ونجد بعض الحنابلة مفوضة كأبي يعلى الفراء، وابن الجوزي، ومرعي الحنبلي، وأكتفي هنا بنقل كلام للأخير، قال مرعي الحنبلي رحمه الله: (اعلم أن من المتشابهات آيات الصفات التي التأويل فيها بعيد فلا تؤول ولا تفسر، وجمهور أهل السنة منهم السلف وأهل الحديث على الإيمان بها، وتفويض معناها المراد منها إلى الله تعالى، ولا نفسرها مع تنزيهنا له عن حقيقتها ... ومن المتشابه الاستواء في قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5]، فأما السلف فإنهم لم يتكلموا في ذلك بشيء جريا على عادتهم في المتشابه من عدم الخوض فيه مع تفويض علمه إلى الله تعالى، والإيمان به)([38]).
وأختم هذا المبحث بكلام نفيس لابن تيمية يبين فيه حقيقة مذهب المفوضة، قال رحمه الله: (أهل التضليل والتجهيل حقيقة قولهم: إن الأنبياء جاهلون ضالون، لا يعرفون ما أراد الله بما وصف به نفسه من الآيات وأقوال الأنبياء! ثم هؤلاء منهم من يقول: المراد بها خلاف مدلولها الظاهر والمفهوم، ولا يعرف أحد من الأنبياء والملائكة والصحابة والعلماء ما أراد الله بها، كما لا يعلمون وقت الساعة. ومنهم من يقول: بل تجري على ظاهرها، وتحمل على ظاهرها، ومع هذا فلا يعلم تأويلها إلا الله! فيتناقضون حيث أثبتوا لها تأويلا يخالف ظاهرها، وقالوا ـ مع هذا ـ إنها تحمل علي ظاهرها، وهذا ما أنكره ابن عقيل على شيخه القاضي أبي يعلى في كتاب ذم التأويل)([39]).
المبحث الثالث: خطأ نسبة مذهب تفويض معاني الصفات إلى السلف الصالح
وقع كثير من العلماء المتأخرين في تأويل الصفات أو تجويز ذلك بسبب ظنهم أن مذهب السلف هو التفويض، وجوزوا في آيات وأحاديث الصفات تأويلها أو تفويضها، وقرروا أن المذهب الأشعري أو المذهب الماتريدي مذهب صحيح، وإن كان مخالفا لما كان عليه السلف الصالح.
قال محمد الأمين الشنقيطي: (غلط في هذا خلق لا يحصى كثرة من المتأخرين، فزعموا أن الظاهر المتبادر السابق إلى الفهم من معنى الاستواء واليد مثلا في الآيات القرآنية هو مشابهة صفات الحوادث، وقالوا: يجب علينا أن نصرفه عن ظاهره إجماعا; لأن اعتقاد ظاهره كفر; لأن من شبه الخالق بالمخلوق فهو كافر، ولا يخفى على أدنى عاقل أن حقيقة معنى هذا القول: أن الله وصف نفسه في كتابه بما ظاهره المتبادر منه السابق إلى الفهم الكفر بالله، والقول فيه بما لا يليق به جل وعلا! والنبي صلى الله عليه وسلم الذي قيل له: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] لم يبين حرفا واحدا من ذلك! مع إجماع من يعتد به من العلماء على أنه صلى الله عليه وسلم لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه، وأحرى في العقائد، ولا سيما ما ظاهره المتبادر منه الكفر والضلال المبين، حتى جاء هؤلاء فزعموا أن الله أطلق على نفسه الوصف بما ظاهره المتبادر منه لا يليق، والنبي صلى الله عليه وسلم كتم أن ذلك الظاهر المتبادر كفر وضلال يجب صرف اللفظ عنه! وكل هذا من تلقاء أنفسهم من غير اعتماد على كتاب أو سنة، سبحانك هذا بهتان عظيم! ولا يخفى أن هذا القول من أكبر الضلال، ومن أعظم الافتراء على الله جل وعلا ورسوله صلى الله عليه وسلم، والحق الذي لا يشك فيه أدنى عاقل أن كل وصف وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، فظاهره المتبادر منه السابق إلى فهم من في قلبه شيء من الإيمان، هو التنزيه التام عن مشابهة شيء من صفات الحوادث، فبمجرد إضافة الصفة إليه جل وعلا يتبادر إلى الفهم أنه لا مناسبة بين تلك الصفة الموصوف بها الخالق، وبين شيء من صفات المخلوقين، وهل ينكر عاقل أن السابق إلى الفهم المتبادر لكل عاقل: هو منافاة الخالق للمخلوق في ذاته وجميع صفاته؟! ومن يزعم أن ظاهر آيات الصفات لا يليق بالله لأنه كفر وتشبيه إنما جر إليه ذلك ما في قلبه من التشبيه بين الخالق والمخلوق، فأداه شؤم التشبيه إلى نفي صفات الله جل وعلا، وعدم الإيمان بها، مع أنه جل وعلا هو الذي وصف بها نفسه، فكان مشبها أولا، ومعطلا ثانيا، فارتكب ما لا يليق بالله ابتداء وانتهاء، ولو كان قلبه عارفا بالله كما ينبغي، معظما لله كما ينبغي؛ لكان المتبادر عنده السابق إلى فهمه أن وصف الله جل وعلا بالغ من الكمال والجلال ما يقطع أوهام علائق المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين، فيكون قلبه مستعدا للإيمان بصفات الكمال والجلال الثابتة لله في القرآن والسنة الصحيحة، مع التنزيه التام عن مشابهة صفات الخلق على نحو قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]، فلو قال متنطع: بينوا لنا كيفية الاتصاف بصفة الاستواء واليد، ونحو ذلك لنعقلها، قلنا: أعرفت كيفية الذات المقدسة المتصفة بتلك الصفات؟ فلا بد أن يقول: لا، فنقول: معرفة كيفية الاتصاف بالصفات متوقفة على معرفة كيفية الذات، فسبحان من لا يستطيع غيره أن يحصي الثناء عليه، هو كما أثنى على نفسه، {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110]، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]، {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 1 - 4]، {فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ} [النحل: 74]. فتحصل من جميع هذا البحث أن الصفات من باب واحد، وأن الحق فيها متركب من أمرين:
الأول: تنزيه الله جل وعلا عن مشابهة الخلق.
والثاني: الإيمان بكل ما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم إثباتا أو نفيا، وهذا هو معنى قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}، والسلف الصالح رضي الله عنهم ما كانوا يشكون في شيء من ذلك، ولا كان يشكل عليهم، ... وهذا الذي ذكرنا من تنزيه الله جل وعلا عما لا يليق به، والإيمان بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، هو معنى قول الإمام مالك رحمه الله: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والسؤال عنه بدعة)([40]).
وما أحسن ما ختم به الذهبي كتابه القيم (العلو للعلي الغفار): (قال القرطبي: الأكثر من المتقدمين والمتأخرين من المتكلمين يقولون: إذا وجب تنزيه الباري جل جلاله عن الجهة والتحيز فمن ضرورة ذلك تنزيه الباري عن الجهة، هذا قول المتكلمين، قلت: نعم، هذا ما اعتمده نفاة علو الرب عز وجل، وأعرضوا عن مقتضى الكتاب، والسنة، وأقوال السلف، وفِطر الخلائق، ويلزم ما ذكروه في حق الأجسام، والله تعالى لا مثل له، ولا نُسلِّم أن كون الباري على عرشه فوق السموات يلزم منه أنه في جهة؛ إذ ما دون العرش يقال فيه: حيز وجهات، وما فوقه فليس هو كذلك، والله فوق عرشه كما أجمع عليه الصدر الأول، ونقله عنهم الأئمة، وقالوا ذلك رادين على الجهمية القائلين بأنه في كل مكان، فهذان القولان هما اللذان كانا في زمن التابعين وتابعيهم، وهما قولان معقولان في الجملة، فأما القول الثالث المتولد أخيرا من أنه تعالى ليس في الأمكنة، ولا خارجا عنها، ولا فوق عرشه، ولا هو متصل بالخلق، ولا بمنفصل عنهم، ولا ذاته المقدسة متحيزة، ولا بائنة عن مخلوقاته، ولا في الجهات، ولا خارجا عن الجهات، فهذا شيء لا يُعقل ولا يُفهم، مع ما فيه من مخالفة الآيات والأخبار، ففر بدينك، وإياك وآراء المتكلمين، وآمن بالله وما جاء عن الله على مراد الله، وفوض أمرك إلى الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله)([41]).
وإن بعض الناس يُشكِل عليه كون كثير من العلماء المشهورين المتأخرين يؤولون بعض نصوص الصفات أو ينصرون مذهب التفويض، وهم معروفون في الأمة بالعلم والإمامة في الدين ونصرة السنة!
قال ابن تيمية: (لا يجب على أحد من المسلمين تقليد شخص بعينه من العلماء في كل ما يقول، ولا يجب على أحد من المسلمين التزام مذهب شخص معين غير الرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما يوجبه ويخبر به، بل كل أحد من الناس يُؤخذ من قوله ويُترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، واتِّباع شخص لمذهب شخص بعينه لعجزه عن معرفة الشرع من غير جهته إنما هو مما يسوغ له، ليس هو مما يجب على كل أحد إذا أمكنه معرفة الشرع بغير ذلك الطريق، بل كل أحد عليه أن يتقي الله ما استطاع، ويطلب علم ما أمر الله به ورسوله، فيفعل المأمور ويترك المحظور)([42]).
وقد نقل ابن القيم الإجماع على عدم جواز التعصب لعالم بعينه، واتخاذ أقواله بمنزلة نصوص الشارع لا يلتفت إلى قول من سواه، بل ولا يلتفت إلى نصوص الشارع إلا إذا وافقت نصوص قوله، وذكر أن هذا التعصب لم يظهر في الأمة إلا بعد انقراض القرون الفاضلة([43]).
وقال ابن تيمية: (من أمكنه الهدى من غير انتساب إلى شيخ معين فلا حاجة به إلى ذلك، ولا يستحب له ذلك، بل يكره له، وأما إن كان لا يمكنه أن يعبد الله بما أمره إلا بذلك مثل أن يكون في مكان يضعف فيه الهدى والعلم والإيمان، والذين يعلمونه ويؤدبونه لا يبذلون له ذلك إلا بانتساب إلى شيخهم أو يكون انتسابه إلى شيخ يزيد في دينه وعلمه فإنه يفعل الأصلح لدينه، وهذا لا يكون في الغالب إلا لتفريطه، وإلا فلو طلب الهدى على وجهه لوجده، فأما الانتساب الذي يُفرِّق بين المسلمين، وفيه خروج عن الجماعة والائتلاف إلى الفرقة وسلوك طريق الابتداع ومفارقة السنة والاتباع، فهذا مما يُنهى عنه، ويأثم فاعله، ويخرج بذلك عن طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم)([44]).
وقد كان المذهب الأشعري غير مشهور في القرن الرابع والخامس والسادس الهجري، وإنما اشتهر بعد ذلك، يدل على ذلك قول ابن حزم المتوفى سنة 456 هجرية: (وأما الأشعرية فكانوا ببغداد والبصرة، ثم قامت له سوق بصقلية والقيروان والأندلس، ثم رق أمرهم، والحمد لله رب العالمين)([45]).
وهذا ابن عساكر المتوفى سنة 571 هجرية، وهو من أشهر أعلام الأشاعرة الذين نصروا المذهب الأشعري، قال مبينا قلة الأشاعرة في زمنه: (فإن قيل: إن الجم الغفير في سائر الأزمان، وأكثر العامة في جميع البلدان لا يقتدون بالأشعري، ولا يقلدونه، ولا يرون مذهبه، ولا يعتقدونه، وهم السواد الأعظم، وسبيلهم السبيل الأقوم، قيل: لا عبرة بكثرة العوام، ولا التفات إلى الجهال الغتام، وإنما الاعتبار بأرباب العلم، والاقتداء بأصحاب البصيرة والفهم، وأولئك في أصحابه أكثر ممن سواهم، ولهم الفضل والتقدم على من عداهم)([46]).
وقد كان علماء أهل السنة يحذرون من علم الكلام وأهل الأهواء، ويبينون بطلان تأويل الصفات، وألفوا مؤلفات كثيرة في بيان مذهب السلف، لكن قل العلم، وكثر الجهل، وانتشرت البدع والأهواء، وحين أنشئت المدارس المشهورة في عهد السلاجقة والأيوبيين والمماليك كان يقوم على التدريس فيها علماء فضلاء، وكان بعضهم يدعون الناس إلى المذهب الأشعري أو الماتريدي، وألفوا كتبا كثيرة في تقرير التأويل أو التفويض، فقل الانتفاع بكتب أهل السنة التي فيها التحذير من علم الكلام وأهل البدع والأهواء، ولم تشتهر في ذلك الزمان عند جمهور الأمة كما اشتهرت كتب الأشاعرة والماتريدية، وربما كان بعض أهل العلم إذا اطلعوا على كتب أهل السنة ظنوا أنها تقرر مذهب السلف الذي هو التفويض في زعمهم، فقد أشهر الأشاعرة القول بأن هناك طريقتين في آيات وأحاديث الصفات، طريقة السلف وهي التفويض، وطريقة الخلف وهي التأويل([47])، وصار هذا القول مسلَّما به عند كثير من العلماء، مع أنه في الحقيقة يخالف ما كان عليه السلف الصالح من الإيمان بمعاني الصفات كما يليق بعظمة الله سبحانه، وإنما هم يفوضون كيفيات الصفات لا معانيها.
قال النووي: (اعلم أن لأهل العلم في أحاديث الصفات وآيات الصفات قولين: أحدهما: وهو مذهب معظم السلف أو كلهم أنه لا يتكلم في معناها، بل يقولون: يجب علينا أن نؤمن بها، ونعتقد لها معنى يليق بجلال الله تعالى وعظمته، مع اعتقادنا الجازم أن الله تعالى ليس كمثله شيء، وأنه منزه عن التجسم والانتقال والتحيز في جهة، وعن سائر صفات المخلوق، وهذا القول هو مذهب جماعة من المتكلمين، واختاره جماعة من محققيهم، وهو أسلم، والقول الثاني: وهو مذهب معظم المتكلمين، أنها تتأول على ما يليق بها على حسب مواقعها، وإنما يسوغ تأويلها لمن كان من أهله، بأن يكون عارفا بلسان العرب، وقواعد الأصول والفروع، ذا رياضة في العلم)([48]).
وقال تاج الدين السبكي في ترجمة أبي المعالي الجويني: (للأشاعرة قولان مشهوران في إثبات الصفات هل تمر على ظاهرها مع اعتقاد التنزيه أو تؤول؟ والقول بالإمرار مع اعتقاد التنزيه هو المعزو إلى السلف، وهو اختيار الإمام في الرسالة النظامية، وفي مواضع من كلامه، فرجوعه معناه الرجوع عن التأويل إلى التفويض، ولا إنكار في هذا، ولا في مقابله، فإنها مسألة اجتهادية أعني مسألة التأويل أو التفويض مع اعتقاد التنزيه)([49]).
والقول بأن مذهب السلف هو عدم التكلم عن معاني الصفات، وتفويض معاني الصفات للجهل بها قول خاطئ، بل السلف كانوا يتكلمون عن معاني الصفات، ويفوضون كيفية الصفات لا معانيها، والأمثلة على ذلك كثيرة جدا([50])، فمثلا صفة الاستواء تكلم السلف عن معناها، قال الإمام البخاري في صحيحه: (قال أبو العالية: {اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} [البقرة: 29]: (ارتفع)، {فَسَوَّاهُنَّ} [البقرة: 29]: (خلقهن)، وقال مجاهد: {اسْتَوَى}: (علا على العرش)([51]).
وقال الإمام أبو عبد الله البخاري أيضا: (حذَّر يزيد بن هارون عن الجهمية وقال: من زعم أن الرحمن على العرش استوى على خلاف ما يقر في قلوب العامة فهو جهمي، وقال سليمان التيمي: لو سئلت أين الله؟ لقلت: في السماء، فإن قال: فأين كان عرشه قبل السماء؟ لقلت: على الماء، فإن قال: فأين كان عرشه قبل الماء؟ لقلت: لا أعلم، قال أبو عبد الله: وذلك لقوله تعالى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ} [البقرة: 255] يعني إلا بما بيَّن)([52]).
ومشهورٌ قول الإمام مالك حين سئل عن الاستواء: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة([53]).
قال ابن عبد البر: (هذه الآيات كلها واضحات في إبطال قول المعتزلة، وأما ادعاؤهم المجاز في الاستواء، وقولهم في تأويل {اسْتَوَى} استولى فلا معنى له؛ لأنه غير ظاهر في اللغة، ومعنى الاستيلاء في اللغة المغالبة، والله لا يغالبه ولا يعلوه أحد، وهو الواحد الصمد، ومن حق الكلام أن يحمل على حقيقته حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز؛ إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا إلا على ذلك، وإنما يوجه كلام الله عز وجل إلى الأشهر والأظهر من وجوهه، ما لم يمنع من ذلك ما يجب له التسليم، ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ما ثبت شيء من العبارات، وجل الله عز وجل عن أن يخاطب إلا بما تفهمه العرب في معهود مخاطباتها مما يصح معناه عند السامعين، والاستواء معلوم في اللغة ومفهوم، وهو العلو والارتفاع على الشيء والاستقرار والتمكن فيه، قال أبو عبيدة في قوله تعالى: استوى قال: علا، قال: وتقول العرب: استويت فوق الدابة، واستويت فوق البيت، ... قال أبو عمر: الاستواء الاستقرار في العلو، وبهذا خاطبنا الله عز وجل)([54]).
وقال أبو بكر الكلاباذي: (أجمعوا على أن لله صفات على الحقيقة هو بها موصوف من العلم والقدرة والقوة والعز والحلم والحكمة والكبرياء والجبروت والقِدَم والحياة والإرادة والمشيئة والكلام، ... وأن له سمعا وبصرا ووجها ويدا على الحقيقة، ليس كالأسماع والأبصار والأيدي والوجوه، وأجمعوا أنها صفات لله، وليس بجوارح ولا أعضاء ولا أجزاء)([55]).
وقال ابن القيم: (حفظ حرمة نصوص الأسماء والصفات بإجراء أخبارها على ظواهرها، وهو اعتقاد مفهومها المتبادر إلى أذهان عامة الأمة، كما قال مالك رحمه الله وقد سئل عن قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] كيف استوى؟ فأطرق مالك حتى علاه الرحضاء، ثم قال: الاستواء معلوم، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. ففرق بين المعنى المعلوم من هذه اللفظة، وبين الكيف الذي لا يعقله البشر، وهذا الجواب من مالك رضي الله عنه شاف عام في جميع مسائل الصفات، فمن سأل عن قوله: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه: 46] كيف يسمع ويرى؟ أجيب بهذا الجواب بعينه، فقيل له: السمع والبصر معلوم، والكيف غير معقول. وكذلك من سأل عن العلم، والحياة، والقدرة، والإرادة، والنزول، والغضب، والرضا، والرحمة، والضحك، وغير ذلك، فمعانيها كلها مفهومة، وأما كيفيتها فغير معقولة؛ إذ تعقل الكيفية فرع العلم بكيفية الذات وكنهها. فإذا كان ذلك غير معقول للبشر، فكيف يعقل لهم كيفية الصفات؟ والعصمة النافعة في هذا الباب: أن يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل تثبت له الأسماء والصفات، وتنفى عنه مشابهة المخلوقات، فيكون إثباتك منزها عن التشبيه، ونفيك منزها عن التعطيل، فمن نفى حقيقة الاستواء فهو معطل، ومن شبهه باستواء المخلوق على المخلوق فهو ممثل، ومن قال: استواء ليس كمثله شيء، فهو الموحد المنزِّه، وهكذا الكلام في السمع، والبصر، والحياة، والإرادة، والقدرة، واليد، والوجه، والرضا، والغضب، والنزول والضحك، وسائر ما وصف الله به نفسه)([56]).
ويجب التفريق بين متكلمي الأشاعرة والماتريدية كعبد القاهر البغدادي وأبي المعالي الجويني والبزدوي وأبي حامد الغزالي والنسفي والشهرستاني والفخر الرازي والآمدي والإيجي والتفتازاني ونحوهم عفا الله عنا وعنهم, وبين من تأثر بمذهب الأشاعرة والماتريدية من كبار علماء الأمة الأعلام كالنووي وابن حجر العسقلاني وغيرهما عن حسن نية واجتهاد أو متابعة خاطئة أو جهل بعلم الكلام أو ظنا أن مذهب السلف هو تفويض المعنى، وأن مذهب الخلف هو التأويل، وأن الأمر واسع لمن اختار أحد الطريقتين، وفاتهم معرفة أن منهج السلف الصالح في الصفات هو تفويض الكيف لا المعنى([57])، ولا شك أنهم في تأويلهم لبعض نصوص الصفات لا يقصدون إلا تنزيه الله سبحانه؛ لظنهم أن ظاهرها يحتاج إلى تأويل([58]).
ومما يبين أن السلف يؤمنون بمعاني الصفات ويعرفون معانيها: أنهم فسروا معاني أسماء الله الحسنى، وهي تتضمن صفات لله سبحانه([59]).
قال الزجاجي: (صفات الله عز وجل كلها ثناء عليه، ومدح له مدح بها نفسه، ونبه العباد عليها، وتعبدهم بوصفه بها؛ لأنه عز وجل ليس كمثله شيء، ولا يحتاج إلى الصفات إيضاحا كما يحتاج غيره، وبيانا له من غيره؛ لأنه ليس كمثله شيء، وإنما يمدح بصفاته ويثنى بها عليه، ولذلك قد بان بما وصفنا من شرح أسمائه أنها كلها صفات له، وثناء عليه)([60]).
فمثلا الرحمن الرحيم يتضمنان صفة الرحمة، والعزيز يتضمن صفة العزة، والحكيم يتضمن صفة الحكمة، والسميع يتضمن صفة السمع، والبصير يتضمن صفة البصر، فكيف يقال: إن هذه الصفات الرحمة والعزة والحكمة والسمع والبصر لا يُعلم معناها؟! وكيف يخاطبنا الله تبارك وتعالى في كتابه بأعظم شيء وهو أسماؤه وصفاته بما لا نعلم معناه؟! وكل مسلم لو قيل له: إن الله يحب المحسنين، ويرضى عن المؤمنين، ويغضب على الكافرين، لفهم المعنى بلا إشكال، وكل عربي يعرف الفرق بين المحبة والرضا والغضب، فكيف يُقال: إن ما وصف الله به نفسه من المحبة والرضا والغضب لا نعرف معانيها، وأنه يجب تفويض معانيها؟! نعم يجب تفويض كيفيتها، أما معانيها فهي معلومة، ويجب الإيمان بأنها صفات لله على ظاهرها الذي يليق بجلال الله وعظمته.
فعجبا للمعطلة أهل التحريف الذين يؤول صفات الله التي تضمنتها أسماؤه الحسنى وللمفوضة أهل التجهيل الذين يزعمون أنهم لا يعرفون معانيها!
قال الأزهري الهروي: (السميع من صفات الله وأسمائه، وهو الذي وسع سمعه كل شيء، ... والعجب من قوم فسَّروا السميع بمعنى المسمِع، فرارا من وصف الله بأن له سمعا! وقد ذكر الله الفعل في غير موضع من كتابه، فهو سميع ذو سمع بلا تكييف ولا تشبيه بالسميع من خلقه، ولا سمعه كسمع خلقه، ونحن نصفه بما وصف به نفسه، بلا تحديد ولا تكييف)([61]).
ولو أن إنسانا أشكل عليه معنى بعض آيات وأحاديث الصفات ففوض معناها لجهله، من غير أن يلتزم تفويض معاني جميع نصوص الصفات الكثيرة؛ فلا حرج عليه، من غير أن ينسب هذا التفويض للمعاني للسلف الصالح كذبا أو خطأ عليهم، وكيف يصح أن يُنسب هذا الجهل بمعاني نصوص الصفات للنبي صلى الله عليه وسلم والله قد بين له كتابه؟!
وتأمل كلام القاضي عياض في إمرار نصوص الآخرة كما جاءت بلا تأويل، قال عياض: (ذكر مسلم فى هذا الموضع أحاديث كثيرة فى عذاب القبر، وإسماع صوت من يُعذَّب فيها، وسمع الموتى قرع نعال دافنيهم، وكلامه لأهل القليب، وقوله: ((ما أتتم بأسمع منهم))، وسؤال الملكين للميت وإقعادهما إياه، وجوابه لهما، والفسح له فى قبره، وعرض مقعده عليه بالغداة والعشي، ومذهب أهل السنة تصحيح هذه الأحاديث، وإمرارها على وجهها؛ لصحة طرقها، وقبول السلف لها)([62]).
وهذا نقل نفيس يبين معنى قول السلف في آيات وأحاديث الصفات: أمروها كما جاءت، وأن مرادهم الإيمان بمعانيها اللائقة بالله سبحانه من غير تأويل، وليس مرادهم تفويض معانيها كما يقوله أهل التجهيل.
ويوجد نقل آخر نفيس للقاضي عياض أيضا يفرق فيه بين مذهب السلف، ومذهب أهل التفويض، ومذهب المتأولين، وإن كان في نسبته أبا الحسن إلى التفويض نظر، لكنه يبين بطلان القول بأن مذهب السلف هو التفويض، قال عياض: (اختلف أئمتنا فيما ورد من ذكر اليد وشبه ذلك مما لا يليق ظاهره بالله تعالى، فكثير من السلف يرى إمرارها بتنزيه الله تعالى عن ظاهرها، وترك تأويلها، وذهب أبو الحسن الأشعري في طائفة من أصحابه إلى أنها صفات سمعية لم نعلمها إلا من جهة الشرع، نثبتها صفاتا، ولا نعلم حقيقتها وشرحها، وذهب غير واحد إلى تأويلها على مقتضى اللغة، فيحمل اليد بمعنى القدرة أو النعمة)([63]).
والمقصود هنا بيان خطأ نسبة مذهب التفويض إلى السلف الصالح، وأن القول بأن مذهب السلف هو التفويض كان سببا في تفضيل بعض العلماء لمذهب الأشاعرة أو على الأقل رضاهم عنهم في خوضهم في صفات الله بالتأويل؛ لأن في التأويل لنصوص الصفات زيادة علم وفضل على المفوضة الساكتين عنها، المعترفين بجهلهم بمعانيها، الذين حالهم كحال الأميين الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني، ومعاذ الله أن يكون هذا حال السلف، وبهذا يتبين بطلان قول من قال: مذهب السلف أسلم، ومذهب الخلف أحكم وأعلم([64])! بل مذهب السلف أحكم وأعلم وأسلم.
المبحث الرابع: بيان بطلان مذهب أهل التفويض
بسبب علم الكلام المحدث الذي نهى عنه علماء الإسلام ضل كثير من المسلمين بمتابعة الجهمية والفلاسفة والمعتزلة فيما خالفوا فيه الكتاب والسنة وما عليه سلف الأمة لا سيما في مسائل أسماء الله الحسنى وصفاته العلى، التي تضمنها كتاب الله وسنة رسوله في آيات وأحاديث كثيرة، تبين لنا عظمة الله سبحانه.
وإن منشأ الضلال في باب الأسماء والصفات الظن بأن جميع آيات وأحاديث الصفات من المتشابه الذي استأثر الله بعلم تأويلها، وأنه لا يُفهم معناها، مع أنه لا يُعلم عن أحد من أئمة السلف جعل أسماء الله وصفاته من المتشابه، ولا أحد من العلماء المتقدمين جعل آيات وأحاديث الصفات كالكلام الأعجمي، وكالحروف المقطعة في أوائل السور، بل نصوصهم صريحة في أنهم يمرون آيات وأحاديث الصفات على ما دلت عليه من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل، ويفهمون المراد منها، وينكرون تأويلات الجهمية والمعطلة ويبطلونها([65]).
وقد ذكر شيخ المفسرين الإمام محمد بن جرير الطبري في تفسير الآيات المتشابهات خمسة أقوال للسلف، ليس منها قول بأنها آيات الصفات، قال رحمه الله: (وقد اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آل عمران: 7] وما المحكم من آي الكتاب؟ وما المتشابه منه؟ فقال بعضهم: المحكمات من آي القرآن: المعمول بهن، وهن الناسخات، أو المثبتات الأحكام؛ والمتشابهات من آيه المتروك العمل بهن، المنسوخات ... وقال آخرون: المحكمات من آي الكتاب: ما أحكم الله فيه بيان حلاله وحرامه؛ والمتشابه منها: ما أشبه بعضه بعضا في المعاني وإن اختلفت ألفاظه ... وقال آخرون: المحكمات من آي الكتاب: ما لم يحتمل من التأويل غير وجه واحد؛ والمتشابه منه: ما احتمل من التأويل أوجها ... وقال آخرون: معنى المحكم: ما أحكم الله فيه من آي القرآن وقصص الأمم ورسلهم الذين أرسلوا إليهم، ففصله ببيان ذلك لمحمد وأمته، والمتشابه هو ما اشتبهت الألفاظ به من قصصهم عند التكرير في السور فقصة باتفاق الألفاظ واختلاف المعاني، وقصة باختلاف الألفاظ واتفاق المعاني ... وقال آخرون: بل المحكم من آي القرآن: ما عرف العلماء تأويله، وفهموا معناه وتفسيره؛ والمتشابه: ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل مما استأثر الله بعلمه دون خلقه، وذلك نحو الخبر عن وقت مخرج عيسى ابن مريم، ووقت طلوع الشمس من مغربها، وقيام الساعة، وفناء الدنيا، وما أشبه ذلك، فإن ذلك لا يعلمه أحد، وقالوا: إنما سمى الله من آي الكتاب المتشابه الحروف المقطعة التي في أوائل بعض سور القران من نحو {الم، والمص، والمر، والر}، وما أشبه ذلك ...)، ثم رجح ابن جرير هذا القول الأخير وقال: (جميع ما أنزل الله عز وجل من آي القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنما أنزله عليه بيانا له ولأمته وهدى للعالمين، وغير جائز أن يكون فيه ما لا حاجة بهم إليه، ولا أن يكون فيه ما بهم إليه الحاجة، ثم لا يكون لهم إلى علم تأويله سبيل، فإذا كان ذلك كذلك، فكل ما فيه لخلقه إليه الحاجة وإن كان في بعضه ما بهم عن بعض معانيه الغنى، وإن اضطرته الحاجة إليه في معان كثيرة، وذلك كقول الله عز وجل: {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} [الأنعام: 158] فأعلم النبي صلى الله عليه وسلم أمته أن تلك الآية التي أخبر الله جل ثناؤه عباده أنها إذا جاءت لم ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل ذلك، هي طلوع الشمس من مغربها، فالذي كانت بالعباد إليه الحاجة من علم ذلك هو العلم منهم بوقت نفع التوبة بصفته بغير تحديده بعد بالسنين والشهور والأيام، فقد بين الله ذلك لهم بدلالة الكتاب، وأوضحه لهم على لسان رسول صلى الله عليه وسلم مفسرا، والذي لا حاجة لهم إلى علمه منه هو العلم بمقدار المدة التي بين وقت نزول هذه الآية ووقت حدوث تلك الآية، فإن ذلك مما لا حاجة بهم إلى علمه في دين ولا دنيا، وذلك هو العلم الذي استأثر الله جل ثناؤه به دون خلقه، فحجبه عنهم، وذلك وما أشبهه هو المعنى الذي طلبت اليهود معرفته في مدة محمد صلى الله عليه وسلم وأمته من قبل قوله: «الم، والمص، والر، والمر» ونحو ذلك من الحروف المقطعة المتشابهات التي أخبر الله جل ثناؤه أنهم لا يدركون تأويل ذلك من قبله، وأنه لا يعلم تأويله إلا الله. فإذا كان المتشابه هو ما وصفنا، فكل ما عداه فمحكم؛ لأنه لن يخلو من أن يكون محكما بأنه بمعنى واحد لا تأويل له غير تأويل واحد، وقد استغنى بسماعه عن بيان يبينه، أو يكون محكما، وإن كان ذا وجوه وتأويلات وتصرف في معان كثيرة، فالدلالة على المعنى المراد منه إما من بيان الله تعالى ذكره عنه أو بيان رسوله صلى الله عليه وسلم لأمته، ولن يذهب علم ذلك عن علماء الأمة لما قد بينا)([66]).
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|