عرض مشاركة واحدة
  #8  
قديم 28-07-2025, 10:53 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,451
الدولة : Egypt
افتراضي رد: كتاب المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي




الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الاول
صـــ 71 الى صـــ 80
(8)





المنغمس فرواية أبي حنيفة، أوسع، ثم قال بعض مشايخنا في الحوض الكبير أنه لا يتنجس بوقوع النجاسة فيه؛ لأنه كالماء الجاري، والأصح أن الموضع الذي وقع فيه النجاسة يتنجس، وإليه أشار في الكتاب، وقال لا بأس بأن يتوضأ من ناحية أخرى، ومعناه أنه يترك من موضع النجاسة قدر الحوض الصغير، ثم يتوضأ؛ لأن النجاسة لا تخلص إلى ما وراء ذلك هو مفسر في الإملاء عن أبي يوسف عن أبي حنيفة - رحمهما الله تعالى - وعلى هذا قالوا: من استنجى في موضع من حوض لا يجزئه أن يتوضأ من ذلك الموضع قبل تحريك الماء.
وأما التقدير بالمساحة فقد قال أبو عصمة كان محمد - رحمه الله تعالى - يقدر في ذلك عشرة في عشرة، ثم رجع إلى قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -، وقال: لا أقدر فيه شيئا، والمشهور عن محمد - رحمه الله - أنه لما سئل عن هذا فقال: إن كان مثل مسجدي هذا فهو كبير فلما قام مسحوا مسجده فروي أنه كان ثمانيا في ثمان، وروي أنه اثنا عشر في اثني عشر فكان من روى ثمانيا في ثمان مسح المسجد من داخل، ومن روى اثني عشر مسحه من خارج، ولا عبرة بعمق الماء حتى قالوا إذا كان بحيث لا ينحسر بالاغتراف فهذا القدر يكفي.
هذا كله في بيان مذهبنا (وقال الشافعي) إذا كان الماء بقدر القلتين لا يتنجس بوقوع النجاسة فيه حتى يتغير أحد أوصافه، والقلة اسم لجرة تحمل من اليمن تسع فيها قربتين وشيئا فالقلتان خمس قرب كل قربة خمسون منا فيكون جملته مائتين، وخمسين منا.
واستدل بما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «إذا بلغ الماء قلتين لا يحمل خبثا» (قلنا) هذا ضعيف فقد قال الشافعي - رحمه الله تعالى - في كتابه بلغني بإسناد لم يحضرني من ذكره «إذا بلغ الماء قلتين» الحديث، ومثل هذا دون المرسل، ثم قيل معناه ليس لهذا القدر من القوة ما يحتمل النجاسة فيتنجس به كما يقال: مال فلان لا يحتمل السرف لقلته.
وقد تكلم الناس في القلة فقيل إنها القامة، وقيل إنه رأس الجبل فيكون معناه إذا بلغ ماء الوادي قامتين، أو رأس الجبلين، ومثل هذا يكون معناه بحرا، وبه نقول (وكان) مالك - رحمه الله تعالى - يقول القليل، والكثير سواء لا يتنجس إلا بتغير أحد أوصافه، وقد بينا مذهبه.
قال (ويتوضأ الرجل من الحوض الذي يخاف أن يكون فيه قذر، ولا يستيقنه قبل أن يسأل عنه) ؛ لأن الأصل في الماء الطهارة فعليه التمسك به حتى يتبين له غيره، وخوفه بناء على الظن، والظن لا يغني من الحق شيئا، وليس عليه أن يسأل عنه؛ لأن السؤال للحاجة عند عدم الدليل، وأصل الطهارة دليل مطلق له الاستعمال فلا حاجة إلى السؤال.
(ألا ترى) أن ابن عمر - رضي الله عنه -
أنكر على عمرو بن العاص سؤاله بقوله يا صاحب الحوض بقوله لا تخبرنا، وكذلك إن أنتن من غير أن يكون فيه جيفة لما روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتى على بئر رومة فوجد ماءها منتنا فأخذه بفيه، ثم مجه في البئر فعاد الماء طيبا»، ولأن تغير اللون قد يكون بوقوع الطاهر كالأوراق، وغيرها، وتغير الرائحة يكون بطول المكث كما قيل الماء إذا سكن منتنه تحرك نتنه، وإذا طال مكثه ظهر خبثه فلا يزول أصل الطهارة بهذا المحتمل فلهذا لا ندع التوضؤ به.
قال (وإذا نسي المتوضئ مسح رأسه فأصابه ماء المطر مقدار ثلاثة أصابع فمسحه بيده، أو لم يمسحه أجزأه عن مسح الرأس) ، وكذلك الجنب إذا وقف في المطر الشديد حتى غسله، وقد أنقى فرجه، وتمضمض، واستنشق، وكذلك المحدث إذا جرى الماء على أعضاء وضوئه؛ لأن الماء مطهر بنفسه قال الله تعالى {، وأنزلنا من السماء ماء طهورا} [الفرقان: 48] ، والطهور الطاهر في نفسه المطهر لغيره فلا يتوقف حصول التطهر به على فعل يكون منه كالنار فإنه لا يتوقف حصول الاحتراق بها على فعل يكون من العبد، وإذا ثبت هذا في المغسول ثبت في الممسوح بطريق الأولى؛ لأنه دون المغسول، والمعتبر فيه إصابة البلة، وعلى هذا الأصل قلنا بجواز الوضوء، والغسل من الجنابة بدون النية.
(وقال الشافعي - رحمه الله -): لا يجوز إلا بالنية لقوله - صلى الله عليه وسلم - «إنما الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى»، ولأنها طهارة هي عبادة فلا تتأدى بدون النية كالتيمم، وهذا؛ لأن معنى العبادة لا يتحقق إلا بقصد، وعزيمة من العبد بخلاف غسل النجاسة فإنه ليس بعبادة.
(ولنا) آية الوضوء ففيها تنصيص على الغسل، والمسح، وذلك يتحقق بدون النية فاشتراط النية يكون زيادة على النص إذ ليس في اللفظ المنصوص ما يدل على النية، والزيادة لا تثبت بخبر الواحد، ولا بالقياس بخلاف التيمم فإنه عبارة عن القصد لغة قال الله تعالى {، ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} [البقرة: 267] ففي اللفظ ما يدل على اشتراط النية فيه، ولأنها طهارة بالماء فكانت كغسل النجاسة، وتأثير ما قلنا أن الماء مطهر في نفسه، والحدث الحكمي دون النجاسة العينية فإذا عمل الماء في إزالة النجاسة العينية بدون النية ففي إزالة الحدث الحكمي أولى، ونحن نسلم أن الوضوء بغير نية لا يكون عبادة، ولكن معنى العبادة فيها تبع غير مقصود إنما المقصود إزالة الحدث، وزوال الحدث يحصل باستعمال الماء فوجد شرط جواز الصلاة، وهو القيام إليها طاهرا بين يدي الله تعالى فيجوز كما لو لم يكن محدثا في الابتداء، وبه نجيب عن استدلاله بالحديث فإن المراد أن ثواب العمل بحسب النية، وبه نقول، وعن التيمم فإن التراب غير مزيل
للحدث أصلا، ولهذا لو أبصر المتيمم الماء كان محدثا بالحدث السابق فلم يبق فيه إلا معنى التعبد، وذلك لا يحصل بدون النية. يوضح الفرق أن النية تقترن بالفعل، ولا بد من الفعل في التيمم حتى إذا أصاب الغبار وجهه، وذراعيه لا يجزئه عن التيمم. وفي الوضوء، والاغتسال لا معتبر بالفعل حتى إذا سال ماء المطر على أعضائه زال به الحدث فكذلك بدون النية.
قال (ولا بأس بالتمسح بالمنديل بعد الوضوء، والغسل) لحديث قيس بن سعد - رضي الله تعالى عنه - قال «أتانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في يوم شديد الحر فوضعنا له ماء فاغتسل، والتحف بملحفة ورسية حتى أثر الورس في عكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -»، ولأنه لا بأس بأن يلبس ثيابه فإن من اغتسل في ليلة باردة لا يأمره أحد بالمكث عريانا حتى يجف فلعله يموت قبله، ولا فرق بين التمسح بثيابه، أو بمنديل، ولأن المستعمل ما زايل العضو فأما البلة الباقية غير مستعملة حتى لو جف كان طاهرا فلا بأس بأن يمسح ذلك بالمنديل.
قال (ولا بأس للجنب أن ينام، أو يعاود أهله قبل أن يتوضأ) لحديث الأسود عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصيب من أهله، ثم ينام من غير أن يمس ماء فإذا انتبه ربما عاود، وربما قام فاغتسل»، وفي حديث أنس - رضي الله تعالى عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - طاف على نسائه في ليلة بغسل واحد فكنا نتحدث بذلك فيما بيننا، ونقول إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطي قوة أربعين رجلا».
قال (وإن توضأ قبل أن ينام فهو أفضل) لحديث عائشة - رضي الله عنها - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أصاب من أهله فتوضأ، ثم نام»، وهذا؛ لأن الاغتسال، والوضوء محتاج إليه للصلاة لا للنوم، والمعاودة إلا أنه إذا توضأ ازداد نظافة فكان أفضل.
(فإن أراد أن يأكل فالمستحب له أن يغسل يديه، ويتمضمض، ثم يأكل) لحديث ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أنه قال «سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الجنب أيأكل، ويشرب قال نعم إذا توضأ»، والمراد غسل اليد؛ لأن يده لا تخلو عن نجاسة عادة فالمستحب إزالتها بالماء، وكذلك لو لم يتوضأ حتى شرب كان من وجه شاربا للماء المستعمل فإن ترك ذلك لم يضره؛ لأن طهارة يده أصل، وفي النجاسة شك.
قال (وإن كانت الجبائر في موضع من مواضع الوضوء مسح عليها) ، والأصل فيه ما روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - شج وجهه يوم أحد فداواه بعظم بال، وعصب عليه فكان يمسح على العصابة»، «ولما كسرت إحدى زندي علي - رضي الله تعالى عنه - يوم حنين حتى سقط اللواء من يده قال النبي - صلى الله عليه وسلم - اجعلوها في يساره
فإنه صاحب لوائي في الدنيا، والآخرة فقال ماذا أصنع بجبائري فقال امسح عليها».
والحاصل أنه إذا كان لا يضره الغسل بنوع من الماء حار، أو بارد فعليه أن يغسله، وإن كان بحيث يضره المسح على الجبائر لم يمسح عليه؛ لأن الغسل أقوى من المسح، ولما سقط الغسل عن هذا الموضع لخوف الضرر فكذلك المسح، وإن كان لا يضره المسح مسح عليها؛ لأن الطاعة بحسب الطاقة فإن ترك المسح، وهو لا يضره
قال في الأصل - لم يجزه في قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى -، ولم يذكر قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -، وفي غير رواية الأصول عن أبي حنيفة - رحمه الله - أنه يجزئه، وقيل هو قوله الأول، ثم رجع عنه إلى قولهما.
وجه قولهما أنه لو ترك الغسل، وهو لا يضره لم يجزه فكذلك المسح اعتبارا للبدل بالأصل وأبو حنيفة - رحمه الله تعالى - قال لو ألزمناه المسح كان بدلا عن الغسل، ونصب الأبدال بالآحاد من الأخبار لا يجوز البدل، ثم وجوب البدل في موضع كان يجب الأصل، وها هنا لو كان هذا الموضع باديا لم يجب غسله فكذلك لا يجب المسح على الجبيرة بدلا عنه، وبه فارق الخف.
قال (وإن مسح على الجبائر، ثم دخل في الصلاة، ثم سقطت الجبائر عنه مضى على صلاته) ، وهذا إذا كان سقوطها عن غير برء فإن كان عن برء فعليه غسل ذلك الموضع، واستقبال الصلاة لزوال العذر فأما إذا سقط عن غير برء فالمسح على الجبائر كالغسل لما تحته ما دامت العلة باقية، ولهذا لا يتوقف بخلاف المسح بالخف.
قال (وإن كانت الجراحة في جانب رأسه لم يجزه إلا أن يمسح على الجانب الآخر مقدار المسح) ؛ لأن المفروض من المسح مقدار ربع الرأس، وقد وجد هذا القدر من المحل صحيحا فلا حاجة به إلى المسح على الجبائر، والعراقيون يقولون في مثل هذا: إن ذهب عير فعير في الرباط.
قال (وإذا قلس أقل من ملء فيه فلا وضوء عليه) إلا على قول زفر - رحمه الله تعالى - فإنه يقول ثبت من أصلنا أن القلس حدث فلا فرق بين قليله، وكثيره كالخارج من السبيلين.
(ولنا) قول علي - رضي الله تعالى عنه - حين عد الأحداث فقال أو دسعة تملأ الفم، ولأن القياس أن القلس لا يكون حدثا؛ لأن الحدث خارج نجس بقوة نفسه، والقلس مخرج لا خارج فإن من طبع الأشياء السيالة أنها لا تسيل من فوق إلى فوق إلا بدافع دفعها، أو جاذب جذبها فهو كالدم إذا ظهر على رأس الجرح
فمسحه، ولكنا تركنا القياس عند ملء الفم - بالآثار فبقي ما دونه على أصل القياس، ولأن في القليل منه بلوى فإن من يملأ من الطعام إذا ركع في الصلاة يعلو شيء إلى حلقه فللبلوى جعلنا القليل عفوا، والدليل عليه إذا تجشأ لم ينتقض وضوءه، وهو لا يخلو عن قليل شيء، ولهذا خبث ريحه، وبهذا فارق الخارج من السبيلين فإن الفساء جعل حدثا، وحد ملء الفم أن يعمه، أو يمنعه من الكلام، وقيل أن يزيد على نصف الفم، وعلى هذا حكاية عابد ببلخ يقال علي بن يونس أن ابنته سألته فقالت إن خرج من حلقي شيء فقال لها إذا وجدت طعمه في حلقك فأعيدي الوضوء، ثم رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام فقال لا يا علي حتى يملأ الفم فجعلت على نفسي أن لا أفتي بعد هذا أبدا.
(فإن قاء ملء الفم مرة، أو طعاما، أو ماء فعليه الوضوء) لحديث عائشة - رضي الله تعالى عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «من قاء، أو رعف، أو أمذى في صلاته فلينصرف، وليتوضأ، وليبن على ما مضى من صلاته ما لم يتكلم»، وعلى قول الشافعي القيء ليس بحدث بناء على قوله في الخارج من غير السبيلين على ما نبينه، وقال الحسن - رحمه الله تعالى - إذا شرب الماء، وقاء من ساعته لا يخالطه شيء لا ينتقض وضوءه، وجعله قياس خروج الدمع، والعرق، والبزاق، وهذا فاسد فإنه بالوصول إلى المعدة يتنجس فإنما يخرج، وهو نجس فكان كالمرة، والطعام سواء.
(وإن قاء بلغما، أو بزاقا لم ينتقض وضوءه) أما البزاق طاهر، وبخروج الطاهر من البدن لا ينتقض الوضوء، والبلغم كذلك في قول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله تعالى - وقال أبو يوسف - رحمه الله تعالى - هو نجس ينقض الوضوء إذا ملأ الفم قيل إنما أجاب أبو يوسف - رحمه الله تعالى - فيما يعلو من جوفه، وهما فيما ينحدر من رأسه.
وهذا ضعيف فالمنحدر من رأسه طاهر بالاتفاق سواء خرج من جانب الفم، أو الأنف؛ لأن الرأس ليس بموضع للنجاسات، وإنما الخلاف فيما يعلو من الجوف فأبو يوسف - رحمه الله - يقول: البلغم إحدى الطبائع الأربعة فكان نجسا كالمرة، والصفراء، ولأن خروجه من موضع النجاسات فكان نجسا بالمجاورة وأبو حنيفة ومحمد - رحمهما الله تعالى - قالا: البلغم بزاق، والبزاق طاهر.
ومعنى هذا أن الرطوبة في أعلى الحلق ترق فتكون بزاقا، وفي أسفله تثخن فيكون بلغما، وبهذا تبين أن خروجه ليس من المعدة بل من أسفل الحلق، وهو ليس بموضع للنجاسة فالبلغم هو النخامة «، وقال - صلى الله عليه وسلم - لعمار - رضي الله تعالى عنه - ما نخامتك، ودموع عينك، والماء الذي في ركوتك إلا سواء».
(قال)، وإن قاء دما فعلى
قول أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله تعالى - ينتقض وضوءه بقليله، وكثيره، وقال محمد - رحمه الله تعالى - لا ينتقض وضوءه حتى يملأ الفم؛ لأنه أحد أنواع القيء فيعتبر بسائر الأنواع، واحتجا بأن المعدة ليس بموضع الدم فخروج الدم من فرجه في الجوف فإذا سال بقوة نفسه إلى موضع يلحقه حكم التطهير كان ناقضا للوضوء كالسائل من جرح في الظاهر (وروى) الحسن بن زياد عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أنه قال هذا إذا قاء دما رقيقا فإن كان شبه العلق لم ينتقض الوضوء حتى يملأ الفم؛ لأنه ليس بدم في الحقيقة إنما هو سوداء محترق.
قال (وإن خرج من جرحه دم، أو صديد، أو قيح فسال عن رأس الجرح نقض الوضوء عندنا) ، وهو قول علي وابن مسعود - رضي الله تعالى عنهما -، وقال الشافعي - رحمه الله تعالى - لا ينتقض الوضوء، وهو قول ابن عباس وأبي هريرة - رضي الله تعالى عنهما -، واحتج الشافعي - رحمه الله تعالى - بقوله - صلى الله عليه وسلم - «لا وضوء إلا من حدث، قيل وما الحدث؟ قال: صوت، أو ريح»، وهذا إشارة إلى موضع الحدث لا عينيه فدل أن الحدث ما يكون من السبيل المعتاد، والمعنى فيه أن قليل الخارج من غير السبيل ليس بحدث بالاتفاق، وما يكون حدثا فالقليل منه، والكثير سواء كالخارج من السبيل، والدليل عليه الريح إذا خرج من الجرح لم يكن حدثا بخلاف ما إذا خرج من السبيل، وهذا؛ لأن الشرع أقام المخرج مقام الخارج في ثبوت حكم الحدث فما لا يخرج منه إلا النجاسة جعل الخارج منه حدثا، ونجسا، وما يختلف الخارج منه لم يكن حدثا، وإن خرج منه ما هو نجس تيسيرا للأمر.
(ولنا) حديث زيد بن علي - رضي الله تعالى عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «الوضوء من كل دم سائل»، وقال سلمان - رضي الله تعالى عنه - «مر بي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والدم يسيل من أنفي فقال أحدث لما حدث بك وضوء»، والمعنى فيه أنه خارج نجس، وصل إلى موضع يلحقه حكم التطهير فكان حدثا كالخارج من السبيل، وهذا؛ لأن الحكم للخارج دون المخرج حتى الواجب باختلاف الخارج فخروج المني يوجب الغسل، وخروج المذي يوجب الوضوء، والمخرج واحد، وهو بخلاف القليل الذي لم يسل؛ لأنه ما صار خارجا إنما تقشر عنه الجلد فظهر ما هو في موضعه، والشيء لا يعطى له حكم النجاسة، وفي السبيل، وإن قل ما ظهر فقد فارق مكانه، وكذلك الريح إذا خرج من السبيل، ومعه قليل شيء، وذلك كاف في انتقاض الطهارة بخلاف الخارج من غير السبيل. يقرر ما قلنا أنه وجب عليه غسل ذلك الموضع لمعنى من
بدنه فيكون حدثا كالخارج من السبيل بخلاف ما إذا لم يسل فإنه لم يلزمه غسل ذلك الموضع، وبخلاف ما إذا أصابته نجاسة؛ لأن وجوب غسله لم يكن لمعنى من بدنه فلا تتغير صفة طهارة بدنه، ثم حاصل المذهب أن الدم سال بقوة نفسه حتى انحدر انتقض به الوضوء، وإن لم ينحدر، ولكنه علا فصار أكثر من رأس الجرح لم تنتقض به الطهارة إلا في رواية شاذة عن محمد - رحمه الله تعالى - فإنه إن مسحه قبل أن يسيل فإن كان بحال لو ترك لسال فعليه الوضوء، وإن كان بحال لو تركه لم يسل فلا وضوء عليه لحديث ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال في الدم إذ سال عن رأس الجرح فهو حدث، وإلا فلا.
قال (فإن بزق فخرج من بزاقه دم فإن كان البزاق هو الغالب فلا وضوء عليه) ؛ لأن الدم ما خرج بقوة نفسه، وإنما أخرجه البزاق، والحكم للغالب (وإن كان الدم هو الغالب فعليه الوضوء) ؛ لأنه خارج بقوة نفسه.
وإن كانا سواء ففي القياس لا وضوء عليه؛ لأنه تيقن بصفة الطهارة، وهو في شك من الحدث، ولكنه استحسن فقال البزاق سائل بقوة نفسه فما ساواه يكون سائلا بقوة نفسه أيضا. ثم اعتبار أحد الجانبين يوجب الوضوء، واعتبار الجانب الآخر لا يوجب الوضوء فالأخذ بالاحتياط أولى لقوله - صلى الله عليه وسلم - «ما اجتمع الحلال، والحرام في شيء إلا وقد غلب الحرام الحلال».
وفي الكتاب قال أحب إلي أن يعيد الوضوء، وهو إشارة إلى أنه غير واجب، وهو اختيار محمد بن إبراهيم الميداني - رحمه الله تعالى -، وأكثر المشايخ على أنه يجب الوضوء لما بينا.
قال (والقهقهة في الصلاة تنقض الوضوء، والتبسم لا ينقضه) أما التبسم فلحديث جرير بن عبد الله البجلي قال «ما رآني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا تبسم، ولو في الصلاة»، وروي «أنه - صلى الله عليه وسلم - تبسم في صلاته فلما فرغ سئل عن ذلك فقال أتاني جبريل - عليه الصلاة والسلام - فقال من صلى عليك مرة صلى الله عليه عشرا» فدل أن التبسم لا يضر المصلي فأما القهقهة في الصلاة لا تنقض الوضوء قياسا، وهو قول الشافعي - رحمه الله -؛ لأن انتقاض الوضوء يكون بالخارج النجس، ولم يوجد، ولو كان هذا حدثا لم يفترق الحال فيه بين الصلاة، وغيرها كسائر الأحداث، وقاس بالقهقهة في صلاة الجنازة، وسجدة التلاوة، واستحسن علماؤنا - رحمهم الله - لحديث زيد بن خالد الجهني قال «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بأصحابه - رضوان الله عليهم - إذ أقبل أعمى فوقع في بئر، أو ركية هناك فضحك بعض القوم فلما فرغ النبي - صلى الله عليه وسلم - من صلاته قال من ضحك منكم فليعد الوضوء، والصلاة».
وفي حديث جابر - رضي الله عنه - قال قال

صلى الله عليه وسلم - «من ضحك في صلاته حتى قرقر فليعد الوضوء، والصلاة»، وتركنا القياس بالسنة.، والضحك في غير الصلاة ليس في معنى الضحك في الصلاة؛ لأن حال الصلاة حال المناجاة مع الله تعالى فتعظم الجناية منه بالضحك في حال المناجاة، وصلاة الجنازة ليست بصلاة مطلقة، وكذلك سجدة التلاوة، والمخصوص من القياس بالنص لا يلحق به ما ليس في معناه من كل وجه.

قال (ولا ينقض النوم الوضوء ما دام قائما، أو راكعا، أو ساجدا، أو قاعدا، وينقضه مضطجعا، أو متكئا، أو على إحدى أليتيه) أما نوم المضطجع ناقض للوضوء، وفيه وجهان: أحدهما أن عينه حدث بالسنة المروية فيه؛ لأن كونه طاهرا ثابت بيقين، ولا يزال اليقين إلا بيقين مثله، وخروج شيء منه ليس بيقين فعرفنا أن عينه حدث، والثاني، وهو: أن الحدث ما لا يخلو عنه النائم عادة فيجعل كالموجود حكما فإن نوم المضطجع يستحكم فتسترخي مفاصله، وإليه أشار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله «العينان وكاء السه فإذا نامت العينان استطلق الوكاء».
وهو ثابت عادة كالمتيقن به، وكان أبو موسى الأشعري - رضي الله تعالى عنه - يقول: لا ينتقض الوضوء بالنوم مضطجعا حتى يعلم بخروج شيء منه، وكان إذا نام أجلس عنده من يحفظه فإذا انتبه سأله فإن أخبر بظهور شيء منه أعاد الوضوء، والمتكئ كالمضطجع؛ لأن مقعده زائل عن الأرض فأما القاعد إذا نام لم ينتقض وضوءه، وقال مالك - رحمه الله - إن طال النوم قاعدا انتقض وضوءه، وحجتنا حديث حذيفة - رضي الله تعالى عنه - قال «نمت قاعدا في المسجد حتى وقع ذقني على صدري فوجدت برد كف على ظهري فإذا هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت أعلي في هذا وضوء؟ فقال: لا حتى تضطجع»، ولأن مقعده مستقر على الأرض فيأمن خروج شيء منه فلا ينتقض وضوءه كما لو لم يطل نومه. فأما إذا نام قائما، أو راكعا، أو ساجدا لم ينتقض وضوءه عندنا، وعند الشافعي - رضي الله عنه - ينتقض وضوءه لحديث صفوان بن عسال المرادي قال «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمرنا إذا كنا سفرا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام، ولياليها إلا من جنابة لكن من بول، أو غائط، أو نوم» فهذا دليل على أن النوم حدث إلا أنا خصصنا نوم القاعد من هذا العموم بدليل الإجماع فبقي ما سواه على أصل القياس، ولأن مقعده زائل عن الأرض في حال نومه فهو كالمضطجع.
(ولنا) حديث ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لا وضوء على من نام قائما، أو راكعا، أو ساجدا إنما الوضوء على من نام
مضطجعا فإنه إذا نام مضطجعا استرخت مفاصله»، وهو المعنى فإن الاستمساك باق مع النوم في هذه الأحوال بدليل أنه لم يسقط، وبقاء الاستمساك يؤمنه من خروج شيء منه فهو كالقاعد بخلاف المضطجع، وعن أبي يوسف - رحمه الله - قال إذا تعمد النوم في السجود انتقض وضوءه، وإن غلبته عيناه لم ينتقض؛ لأن القياس في نوم الساجد أنه حدث كنوم المضطجع، ومن الناس من يعتاد النوم على وجهه. تركنا القياس للبلوى فيه للمجتهدين، وهذا إذا غلبته عيناه لا إذا تعمد، وجه ظاهر الرواية ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «إذا نام العبد في سجوده يباهي الله تعالى به ملائكته فيقول انظروا إلى عبدي روحه عندي، وجسده في طاعتي»، وإنما يكون جسده في الطاعة إذا بقي وضوءه، ولأن الاستمساك باق فإنه لو زال لسقط على أحد شقيه، وذكر ابن شجاع عن محمد - رحمه الله تعالى - أن نوم القائم، والراكع، والساجد إنما لا يكون حدثا إذا كان في الصلاة فأما خارج الصلاة يكون حدثا، وفي ظاهر الرواية لا فرق بينهما لبقاء الاستمساك فإن كان القاعد مستندا إلى شيء فنام قال الطحاوي - رحمه الله تعالى - إن كان بحال لو أزيل سنده عنه يسقط انتقض وضوءه لزوال الاستمساك، والمروي عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أنه لا ينتقض وضوءه على كل حال؛ لأن مقعده مستقر على الأرض فيأمن خروج شيء منه. فإن نام قاعدا فسقط، روي عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - قال إن انتبه قبل أن يصل جنبه إلى الأرض لم ينتقض وضوءه؛ لأنه لم يوجد شيء من النوم، وهو الحدث، وعن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - قال ينتقض وضوءه لزوال الاستمساك بالنوم حين سقط، وعن محمد - رحمه الله تعالى - إن انتبه قبل أن يزايل مقعده الأرض لم ينتقض وضوءه، وإن زايل مقعده الأرض قبل أن ينتبه انتقض وضوءه.
قال (ولا ينقض الكلام الفاحش الوضوء) لحديث ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - الوضوء مما خرج يعني الخارج النجس، ولأنه لا كلام أفحش من الردة، والمتوضئ إذا ارتد - نعوذ بالله -، ثم أسلم فهو على وضوئه، والذي روي عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أنها قالت للمتسابين: إن بعض ما أنتم فيه شر من الحدث فجددوا الوضوء إنما أمرت به استحسانا ليكون الوضوء على الوضوء مكفرا لذنوبهما.
قال (ولا وضوء في شيء من الأطعمة ما مسته النار، وما لم تمسه فيه سواء) وأصحاب الظواهر يوجبون الوضوء مما مسته النار، ومنهم من أوجب من لحم الإبل خاصة لحديث أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «توضئوا
مما مسته النار»، وفي حديث آخر «توضئوا من لحوم الإبل، ولا تتوضئوا من لحوم الغنم».
(ولنا) حديث أبي بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أكل من كتف شاة، ثم صلى، ولم يتوضأ»، وقال جابر «توضأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما فرغ قام ليخرج فرأى عرقا أي عظما في يد بعض صبيانه فأكل منه، ثم صلى، ولم يتوضأ»، وحديث أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - ضعيف قد رده ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - فقال: ألسنا نتوضأ بالحميم، ولو ثبت فالمراد منه غسل اليد بدليل حديث عكراش بن ذؤيب قال «أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيدي فأدخلني بيت أم سلمة - رضي الله تعالى عنها - فأتينا بقصعة كثيرة الثريد، والودك فجعلت آكل من كل جانب فقال - صلى الله عليه وسلم - كل مما يليك فإن الطعام واحد، ثم أتينا بطبق من رطب فجعلت آكل مما يليني فقال: أجل يدك فإن الرطب ألوان، ثم أتي بماء فغسل يديه، وقال: هذا هو الوضوء مما مسته النار»، ولهذا فصل في روايته بين لحم الإبل، وغيره؛ لأن للحم الإبل من اللزوجة ما ليس لغيره، والمعنى أنه لو أكل الطعام نيئا لم يلزمه الوضوء فالنار لا تزيده إلا نظافة.
قال (، ويخلل لحيته، وأصابعه في الوضوء) فإن لم يخلل لحيته أجزأه، وأما تخليل الأصابع سنة لقوله - صلى الله عليه وسلم - «خللوا أصابعكم حتى لا يتخللها نار جهنم»، وأما اللحية فقد روى المعلى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة - رحمهم الله تعالى - أن مواضع الوضوء ما ظهر منها، وخلال الشعر ليس من مواضع الوضوء، وهذا إشارة إلى أنه يلزمه إمرار الماء على ظاهر لحيته، ووجهه أن البشرة التي استترت بالشعر كان يجب إمرار الماء عليها قبل نبات الشعر فإذا استترت بالشعر يتحول الحكم إلى ما هو الظاهر، وهو الشعر، وعن أبي حنيفة وزفر - رحمهما الله تعالى - قالا: إن مسح من لحيته ثلثا، أو ربعا أجزأه، ووجهه أن الاستيعاب في الممسوح ليس بشرط كما في المسح بالرأس، وعن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - قال إن ترك مسح اللحية أجزأه؛ لأنه لا يجتمع في عضو واحد غسل، ومسح، وغسل الوجه فرض فلا يجب المسح فيه، واللحية من جملة الوجه فأما تخليل اللحية فقد ذكر محمد - رحمه الله تعالى - في شرح الآثار أنه بالخيار إن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل فلم يعده من سنن الوضوء كما أشار إليه أبو حنيفة - رحمه الله تعالى -؛ لأنه باطن لا يبدو للناظر، وقال أبو يوسف - رحمه الله تعالى - التخليل سنة لحديث ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أنه كان يخلل إذا توضأ، وقال أنس - رضي الله تعالى عنه - «رأيت أصابع رسول - صلى الله عليه وسلم - في لحيته كأنها أسنان المشط، وقال نزل علي جبريل صلوات الله عليه
فأمرني أن أخلل لحيتي إذا توضأت».




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 40.24 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 39.61 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.56%)]