
26-07-2025, 11:07 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 166,623
الدولة :
|
|
رد: تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن للإمام الطبري .....متجدد
 تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن
الإمام محمد بن جرير الطبري
الجزء الثالث والعشرون
تَفْسِيرِ سُّورَةِ المجادلة
الحلقة (1315)
صــ 221 الى صــ230
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيد، عن قتادة في قوله: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا) قال: ذاك أوس بن الصامت ظاهر من امرأته خويلة ابنة ثعلبة قالت: يا رسول كبر سني، ورقّ عظمي، وظاهر مني زوجي، قال: فأنزل الله (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ) ... إلى قوله: (ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا) ، يريد أن يغشى بعد قوله: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا) فدعاه إليه نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فقال: هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تُعْتِقَ رَقَبَةً؟ قال: لا؛ قال: أفَتَسْتَطيعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَيْن مُتَتَابِعَيْنِ؟ قال: إنه إذا أخطأه أن يأكل كلّ يوم ثلاث مرّات يكلّ بصره؛ قال: أتَسْتَطيعُ أنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينا؟ قال: لا إلا أن يعينني فيه رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بعون وصلاة، فأعانه رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بخمسة عشر صاعا، وجمع الله له أمره، والله غفور رحيم.
حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، عن أبي حمزة، عن عكرِمة، عن ابن عباس، قال: كان الرجل إذا قال لامرأته في الجاهلية: أنت عليّ كظهر أمي حَرُمت في الإسلام، فكان أوّل من ظاهر في الإسلام أوس بن الصامت، وكانت تحته ابنة عمّ له، يقال لها خُوَيلة بنت خُوَيلد، وظاهر منها، فأُسْقِطَ في يديه، وقال: ما أراك إلا قد حَرُمْتِ عليّ، وقالت له مثل ذلك، قال: فانطلقي إلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، قال: فأتت رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فوجدتْ عنده ماشطة تمشُط رأسه، فأخبرته، فقال: يا خُوَيْلَةُ ما أمِرْنا فِي أمْرِكِ بِشَيْءٍ، فأنزل الله على رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فقال: يا خُوَيْلَةُ أبْشِرِي، قالت: خيرا، قال: فقرأ عليها رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ) ....
إلى قوله: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا) قالت: وأيُّ رقبة لنا، والله ما يجد رقبة غيري، قال: (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) ، قالت: والله لولا أنه يشرب في اليوم ثلاث مرّات لذهب بصره، قال: (فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا) ، قالت: من أين؟ ما هي إلا أكلة إلى مثلها، قال: فرعاه بشطر وَسْق ثلاثين صاعا، والوَسْق ستون صاعا، فقال: لِيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينا وَلِيُرَاجِعْكِ "."
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ) ... إلى قوله: (فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا) ، وذلك أن خولة بنت الصامت امرأة من الأنصار ظاهر منها زوجها، فقال: أنت عليّ مثلُ ظهر أمي، فأتت رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فقالت: إن زوجي كان تزوّجني، وأنا أحَبّ (1) ، حتى إذا كبرتُ ودخلت في السنّ، قال: أنت عليّ مثل ظهر أمي، فتركني إلى غير أحد، فإن كنت تجد لي رُخصة يا رسول الله تنْعَشني وإياه بها فحدثني بها، فقال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: ما أُمِرْتُ فِي شأْنِكِ بِشَيْءٍ حتى الآنَ، وَلَكِنْ ارْجِعي إلى بَيْتِكِ، فإنْ أُومَرْ بِشَيْءٍ لا أغْمِمْهُ عَلَيْكِ إنْ شَاءَ اللهُ، فرجعت إلى بيتها، وأنزل الله على رسوله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم في الكتاب رخصتها ورخصة زوجها (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا) ... إلى قوله: (وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) ، فأرسل رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم إلى زوجها؛ فلما أتاه، قال له رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: ما أرَدْتَ إلى يَمِينِكَ الَّتِي أقْسَمْتَ عَلَيْها؟ فقال: وهل لها كفَّارة؟ فقال له رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تُعْتِقَ رَقَبَهً؟ "قال: إذًا يذهب مالي كله، الرقبة غالية وأنا قليل المال، فقال له رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَينِ؟ قال: لا والله، لولا أني آكل في اليوم"
(1) الذي في الدر: وأنا أحب الناس إليه.
ثلاث مرّات لكلّ بصري، فقال له رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينا؟ "قال: لا والله، إلا أن تعينني على ذلك بعون وصلاة، فقال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: إنّي مُعِينُكَ بِخَمْسَةَ عَشَرَ صَاعا، وأنا دَاعٍ لَكَ بالبَرَكَةِ، فأصلح ذلك بينهما."
قال: وجعل فيه تحرير رقبة لمن كان مُوسرا، لا يكفر عنه إلا تحرير رقبة إذا كان موسرا، من قبل أن يتماسا، فإن لم يكن موسرا فصيام شهرين متتابعين، لا يصلح له إلا الصوم إذا كان معسرا، إلا أن لا يستطيع، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا، وذلك كله قبل الجماع.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن أبي معشر المدني، عن محمد بن كعب القرظِّي، قال: كانت "خولة ابنة ثعلبة تحت أوس بن الصامت، وكان رجلا به لمم، فقال في بعض هجراته (1) أنت عليّ كظهر أمي، ثم ندم على ما قال، فقال لها: ما أظنك إلا قد حرمت عليّ، قالت: لا تقل ذلك، فو الله ما أحبّ الله طلاقا. قالت: ائت رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فسله، فقال: إني أجدني أستحي منه أن أسأله عن هذا، فقالت: فدعني أن أسأله، فقال لها: سليه؛ فجاءت إلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فقالت: يا نبيّ الله إن أوس بن الصامت أبو ولدي، وأحبّ الناس إليّ، قد قال كلمة، والذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر طلاقا، قال: أنت عليّ كظهر أمي، فقال النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: ما أرَاكِ إلا قَدْ حَرُمْتِ عَلَيْهِ، قالت: لا تقل ذلك يا نبيّ الله، والله ما ذكر طلاقا، فرادّت النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم مرارا، ثم قالت: اللهمّ إني أشكو اليوم شدّة حالي ووحدتي، وما يشقّ عليّ من فراقه، اللهمّ فأنزل على لسان نبيك، فلم ترم (2) مكانها، حتى أنزل الله (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ) ، إلى أن ذكر الكفارات، فدعاه النبيّ"
(1) الهجرة، بكسر الهاء: اسم من الهجر بفتحها، وهو صرمه لزوجه.
(2) لم ترم مكانها: لم تبرحه. رام المكان يريمه: من باب ضرب
صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فقال: أعْتِقْ رَقَبَةً، فقال: لا أجد، فقال: صُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَينِ قال: لا أستطيع، إني لأصوم اليوم الواحد فيشقّ عليّ؛ قال: أطعمْ سِتِّينَ مِسْكِينا، قال: أما هذا فَنَعَمْ "."
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر عن أبي إسحاق (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا) قال: نزلت في امرأة اسمها خولة، وقال عكرِمة: اسمها خويلة ابنة ثعلبة، وزوجها أوس بن الصامت جاءت النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فقالت: إن زوجها جعلها عليه كظهر أمه، فقال النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم "ما أرَاكِ إلا قَدْ حَرُمْتِ عَلَيْهِ، وهو حينئذ يغسل رأسه، فقالت: انظر جُعلت فداك يا نبيّ الله، فقال: ما أرَاكِ إلا قَدْ حَرُمْتِ عَلَيْهِ، فقالت: انظر في شأني يا رسول الله، فجعلت تجادله، ثم حوّل رأسه ليغسله، فتحوّلت من الجانب الآخر، فقالت: انظر جعلني الله فداك يا نبيّ الله، فقالت الغاسلة: أقصري حديثك ومخاطبتك يا خويلة، أما ترين وجه رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم متربدا ليوحى إليه، فأنزل الله (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا) ... ، حتى بلغ (ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا) ، قال قتادة: فحرمها، ثم يريد أن يعود لها فيطأها، (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) ... ، حتى بلغ: (بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) . قال أيوب: أحسبه ذكره عن عكرِمة، أن الرجل قال: يا نبيّ الله ما أجد رقبة، فقال النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم:" ما أنا بِزَائِدِكَ، فأنزل الله عليه: (فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا) ، فقال: والله يا نبيّ الله ما أطيق الصوم، إني إذا لم آكل في اليوم كذا وكذا أكلة لقيت ولقيت، فجعل يشكو إليه، فقال: ما أنا بِزَائِدِكَ، فنزلت: (فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا) .
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، قال: ثنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله الله عزّ وجلّ (الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا) قال: تجادل محمدا صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فهي تشتكي إلى الله عند كبره وكبرها، حتى انتفض وانتفض رحمها.
حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: (الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا) قال: محمدا في زوجها قد ظاهر منها، وهي تشتكي إلى الله، ثم ذكر سائر الحديث نحوه.
حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد، قال: ثنا أبي، قال: ثنا أبان العطار، قال: ثنا هشام بن عروة، عن عروة، أنه كتب إلى عبد الملك بن مروان: كتبت إليّ تسألني عن خويلة ابنة أوس بن الصامت، وإنها ليست بابنة أوس بن الصامت، ولكنها امرأة أوس، وكان أوس امرأ به لمم، وكان إذا اشتدّ به لممه تظاهر منها، وإذا ذهب عنه لممه لم يقل من ذلك شيئا، فجاءت رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم تستفتيه وتشتكي إلى الله، فأنزل الله ما سمعت، وذلك شأنهما.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا أبي، قال: سمعت محمد بن إسحاق، يحدّث عن معمر بن عبد الله، عن يوسف بن عبد الله بن سلام، قال: حدثتني خويلة امرأة أوس بن الصامت قالت: كان بيني وبينه شيء، تعنى زوجها، فقال: أنت عليّ كظهر أمي، ثم خرج إلى نادي قومه، ثم رجع فراودني عن نفسي، فقالت: كلا والذي نفسي بيده، حتى ينتهي أمري وأمرك إلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فيقضي فيّ وفيك أمره، وكان شيخا كبيرا رقيقا، فغلبته بما تغلب به المرأة القوية الرجل الضعيف، ثم خرجت إلى جارة لها، فاستعارت ثيابها، فأتت رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم حتى جلست بين يديه، فذكرت له أمره، فما برحت حتى أنزل الوحي على رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، ثم قالت: لا يقدر على ذلك، قال: إنا سنعينه على ذلك بفرق من تمر، قلت: وأنا أعينه بفرق آخر، فأطعم ستين مسكينا.
حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن تميم، عن عروة، عن عائشة قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة إلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، وأنا في ناحية البيت تشكو زوجها، ما أسمع ما تقول، فأنزل الله عزّ وجلّ: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ) ... إلى آخر الآية.
حدثني عيسى بن عثمان الرملي، قال: ثنا يحيى بن عيسى، عن الأعمش، عن تميم بن سلمة، عن عروة، عن عائشة، قالت: تبارك الذي وسع سمعه الأصوات كلها، إن المرأة لتناجي النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أسمع بعض كلامها، ويخفى عليّ بعض كلامها، إذ أنزل الله (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا) .
حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن تميم بن سلمة، عن عروة بن الزبير، قال، قالت عائشة: تبارك الذي وسع سمعه كلّ شيء، إني لأسمع كلام خولة ابنة ثعلبة، ويخفى عليّ بعضه، وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، وهي تقول: يا رسول الله أكل شبابي، ونثرت له بطني، حتى إذا كبر سني، وانقطع ولدي، ظاهر مني، اللهمّّ إني أشكو إليك، قال: فما برحت حتى نزل جبريل عليه السلام بهؤلاء الآيات: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا) قال: زوجها أوس بن الصامت.
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن الأعمش، عن تميم بن سلمة، عن عروة، عن عائشة، قالت: الحمد الله الذي وسع سمعه الأصوات، إن خولة تشتكي زوجها إلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فيخفى عليّ أحيانا بعض ما تقول، قالت: فأنزل الله عزّ وجلّ (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ) .
حدثنا الربيع بن سليمان، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن جميلة كانت امرأة أوس بن الصامت، وكان امرأ به لمم، وكان إذا اشتدّ به لممه ظاهر من امرأته، فأنزل الله عزّ وجلّ آية الظهار.
حدثني يحيى بن بشر القرقساني، قال: ثنا عبد العزيز بن عبد الرحمن الأموي، قال: ثنا خَصيف، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: كان ظهار الجاهلية طلاقا، فأول من ظاهر في الإسلام أوس بن الصامت، أخو عبادة بن الصامت من امرأته الخزرجية، وهي خولة بنت ثعلبة بن مالك؛ فلما ظاهر منها حسبت أن يكون ذلك طلاقا، فأتت به نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فقالت: يا رسول الله إن أوسا ظاهر مني، وإنا إن افترقنا هلكنا، وقد نثرت بطني منه، وقدمت صحبته; فهي تشكو ذلك وتبكي، ولم يكن جاء في ذلك شيء، فأنزل الله عزّ وجلّ: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا) .... إلى قوله: (وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) ، فدعاه رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فقال: أتَقْدِرْ عَلى رَقَبَةٍ تُعْتُقها؟ فقال: لا والله يا رسول الله، ما أقدر عليها، فجمع له رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم حتى أعتق عنه، ثم راجع أهله.
وذُكر أن ذلك في قراءة عبد الله بن مسعود (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُحَاوِرُكَ فِي زَوْجِهَا) .
وقوله: (وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ) يقول: وتشتكي المجادلة ما لديها من الهمّ بظهار زوجها منها إلى الله، وتسأله الفرج. (وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا) يعني: تحاور رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، والمجادلة خولة ابنة ثعلبة. (إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) يقول تعالى ذكره: إن الله سميع لما يتجاوبانه ويتحاورانه، وغير ذلك من كلام خلقه، بصير بما يعلمون ويعمل جميع عباده.
القول في تأويل قوله تعالى: {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلا اللائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (2) }
يقول تعالى ذكره: الذين يحرّمون نساءهم على أنفسهم تحريم الله عليهم ظهور أمهاتهم، فيقولون لهنّ: أنتن علينا كظهور أمهاتنا، وذلك كان طلاق الرجل امرأته في الجاهلية.
كذلك حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا أيوب، عن أبي قلابة، قال: كان الظهار طلاقا في الجاهلية، الذي إذا تكلم به أحدهم لم يرجع في امرأته أبدا، فأنزل الله عزّ وجلّ فيه ما أنزل.
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة سوى نافع، وعامة قرّاء الكوفة خلا عاصم: (يَظَّاَهُرونَ) بفتح الياء وتشديد الظاء وإثبات الألف، وكذلك قرءوا الأخرى بمعنى يتظاهرون، ثم أدغمت التاء في الظاء فصارتا ظاءًا مشدّدة. وذكر أنها في قراءة أُبيّ (يَتَظَاهَرونَ) ، وذلك تصحيح لهذه القراءة وتقوية لها. وقرأ ذلك نافع وأبو عمرو كذلك بفتح الياء وتشديد الظاء، غير أنهما قرآه بغير ألف: (يَظَّهَّرونَ) . وقرأ ذلك عاصم (يُظاهِرُونَ) بتخفيف الظاء وضم الياء وإثبات الألف.
والصواب من القول في ذلك عندي أن كلّ هذه القراءات متقاربات المعاني. وأما (يَظَّاهَرون) فهو من تظاهر، فهو يتظاهر. وأما (يَظَّهَّرُونَ) فهو من تظهَّر فهو يتظهَّر، ثم أدغمت التاء في الظاء فقيل: يظهر. وأما (يُظاهِرُونَ) فهو من ظاهر يظاهر، فبأية هذه القراءات الثلاث قرأ ذلك القارئ فمصيب.
وقوله: (مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ) يقول تعالى ذكره: ما نساؤهم اللائي يُظاهرن منهنّ بأمهاتهم، فيقولوا لهنّ: أنتن علينا كظهر أمهاتنا، بل هنّ لهم حلال.
وقوله: (إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلا اللائِي وَلَدْنَهُمْ) : لا اللائي قالوا لهن ذلك.
وقوله: (وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا) يقول جلّ ثناؤه: وإن الرجال ليقولون منكرا من القول الذي لا تُعرف صحته؛ وزورا: يعني كذبا.
كما حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة (مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا) قال: الزور: الكذب، (وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ) يقول جلّ ثناؤه: إن الله لذو عفو وصفح عن ذنوب عباده إذا تابوا منها وأنابوا، غفور لهم أن يعاقبهم عليها بعد التوبة.
القول في تأويل قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3) }
يقول جلّ ثناؤه: والذين يقولون لنسائهم: أنتنّ علينا كظهور أمهاتنا.
وقوله: (ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا) : اختلف أهل العلم في معنى العود لما قال المظاهر، فقال بعضهم: هو الرجوع في تحريم ما حرّم على نفسه من زوجته، التي كانت له حلالا قبل تظاهره، فيحلها بعد تحريمه إياها على نفسه بعزمه على غشيانها ووطئها.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا) قال: يريد أن يغشى بعد قوله.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، مثله.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة (ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا) قال: حرّمها، ثم يريد أن يعود لها فيطأها.
وقال آخرون نحو هذا القول، إلا أنهم قالوا: إمساكه إياها بعد تظهيره منها، وتركه فراقها عود منه لما قال، عزم على الوطء أو لم يعزم. وكان أبو العالية يقول: معنى قوله: (لِمَا قَالُوا) : فيما قالوا.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثني عبد الأعلى، قال: ثنا داود، قال: سمعت أبا العالية يقول في قوله: (ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا) : أي يرجع فيه.
واختلف أهل العربية في معنى ذلك، فقال بعض نحويي البصرة في ذلك المعنى: فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا، فمن لم يجد فصيام، فإطعام ستين مسكينًا، ثم يعودون لما قالوا: إنا لا نفعله، فيفعلونه هذا الظهار، يقول: هي عليّ كظهر أمي، وما أشبه هذا من الكلام، فإذا أعتق رقبة، أو أطعم ستين مسكينًا، عاد لما قد قال: هو عليّ حرام يفعله. وكأن قائل هذا القول كان يرى أن هذا من المقدّم الذي معناه التأخير.
وقال بعض نحويي الكوفة (ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا) يصلح فيها في العربية: ثم يعودون إلى ما قالوا، وفيما قالوا، يريدون النكاح، يريد: يرجعون عما قالوا، وفي نقض ما قالوا، قال: ويحوز في العربية أن تقول: إن عاد لما فعل، تريد إن فعل مرّة أخرى، ويجوز إن عاد لما فعل: إن نقض ما فعل، وهو كما تقول: حلف أن يضربك، فيكون معناه: حلف لا يضربك، وحلف ليضربنك.
* والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: معنى اللام في قوله: (لِمَا قَالُوا) بمعنى إلى أو في، لأن معنى الكلام: ثم يعودون لنقض ما قالوا من التحريم فيحللونه، وإن قيل معناه: ثم يعودون إلى تحليل ما حرّموا، أو في تحليل ما حرّموا فصواب، لأن كلّ ذلك عود له، فتأويل الكلام: ثم يعودون لتحليل ما حرّموا على أنفسهم مما أحله الله لهم.
وقوله: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا) يقول: فعليه تحرير رقبة، يعني عتق رقبة عبد أو أمة، من قبل أن يماسّ الرجل المظاهر امرأته التي ظاهر منها أو تماسه.
واختلف في المعنّى بالمسيس في هذا الموضع نظير اختلافهم في قوله: (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ) وقد ذكرنا ذلك هنالك.
وسنذكر بعض ما لم نذكره هنالك:
حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن
ابن عباس، في قوله: (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا) فهو الرجل يقول لامرأته: أنت عليّ كظهر أمي، فإذا قال ذلك، فليس يحلّ له أن يقربها بنكاح ولا غيره حتى يكفر عن يمينه بعتق رقبة، (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا) والمسّ: النكاح، (فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا) وإن هو قال لها: أنت عليّ كظهر أمي إن فعلت كذا وكذا، فليس يقع في ذلك ظهار حتى يحنث، فإن حنث فلا يقربها حتى يكفِّر، ولا يقع في الظهار طلاق.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|