
26-07-2025, 12:08 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,458
الدولة :
|
|
رد: تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن للإمام الطبري .....متجدد
 تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن
الإمام محمد بن جرير الطبري
الجزء الثانى والعشرون
تَفْسِيرِ سُّورَةِ الأحقاف
الحلقة (1243)
صــ 101 الى صــ 110
ثم أنزل الله عزّ وجلّ: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) يقول: أشهد لك على نفسه أنه سيظهر دينك على الأديان، ثم قال له في أمته: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) فأخبره الله ما يصنع به، وما يصنع بأمته.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وما أدري ما يفترض عليّ وعليكم، أو ينزل من حكم، وليس يعني ما أدري ما يفعل بي ولا بكم غدا في المعاد من ثواب الله من أطاعه، وعقابه من كذّبه.
وقال آخرون: إنما أمر أن يقول هذا في أمر كان ينتظره من قِبَل الله عزّ وجلّ في غير الثواب والعقاب.
وأولى الأقوال في ذلك بالصحة وأشبهها بما دلّ عليه التنزيل، القول الذي قاله الحسن البصري، الذي رواه عنه أَبو بكر الهُذَليّ.
وإنما قلنا ذلك أولاها بالصواب لأن الخطاب من مبتدأ هذه السورة إلى هذه الآية، والخبر خرج من الله عزّ وجلّ خطابا للمشركين وخبرا عنهم، وتوبيخا لهم، واحتجاجا من الله تعالى ذكره لنبيه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم عليهم.
فإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أن هذه الآية أيضًا سبيلها سبيل ما قبلها وما بعدها في أنها احتجاج عليهم، وتوبيخ لهم، أو خبر عنهم. وإذا كان ذلك كذلك، فمحال أن يقال للنبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: قل للمشركين ما أدري ما يفعل بي ولا بكم في الآخرة، وآيات كتاب الله عزّ وجلّ في تنزيله ووحيه إليه متتابعة بأن المشركين في النار مخلدون، والمؤمنون به في الجنان منعمون، وبذلك يرهبهم مرّة، ويرغبهم أخرى، ولو قال لهم ذلك، لقالوا له: فعلام نتبعك إذن وأنت لا تدري إلى أيّ حال تصير غدا في القيامة، إلى خفض ودعة، أم إلى شدّة وعذاب; وإنما اتباعنا إياك إن اتبعناك، وتصديقنا بما تدعونا إليه، رغبة في نعمة، وكرامة نصيبها، أو رهبة من عقوبة، وعذاب نهرب منه، ولكن ذلك كما قال الحسن، ثم بين الله لنبيه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ما هو فاعل به، وبمن كذب بما جاء به من قومه وغيرهم.
وقوله (إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ) يقول تعالى ذكره: قل لهم ما أتبع فيما آمركم به، وفيما أفعله من فعل إلا وحي الله الذي يوحيه إليّ، (وَمَا أَنَا إِلا نَذِيرٌ مُبِينٌ) يقول: وما أنا لكم إلا نذير، أنذركم عقاب الله على كفركم به مبين: يقول: قد أبان لكم إنذاره، وأظهر لكم دعاءه إلى ما فيه نصيحتكم، يقول: فكذلك أنا.
القول في تأويل قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10) }
يقول تعالى ذكره: قل يا محمد لهؤلاء المشركين القائلين لهذا القرآن لما جاءهم هذا سحر مبين (أَرَأَيْتُمْ) أيها القوم (إِنْ كَانَ) هذا القرآن (مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) أنزله عليّ (وَكَفَرْتُمْ) أنتم (بِهِ) يقول: وكذّبتم أنتم به.
وقوله (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ) اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه: وشهد شاهد من بني إسرائيل، وهو موسى بن عمران عليه السلام على مثله، يعني على مثل القرآن، قالوا: ومثل القرآن الذي شهد عليه موسى بالتصديق التوراة.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن عامر، عن مسروق في هذه الآية: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ) فخاصم به الذين كفروا من أهل مكة، التوراة مثل القرآن، وموسى مثل محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.
حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: سئل داود، عن قوله:
(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ) ... الآية، قال داود، قال عامر، قال مسروق: والله ما نزلت في عبد الله بن سلام، ما أنزلت إلا بمكة، وما أسلم عبد الله إلا بالمدينة، ولكنها خصومة خاصم محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بها قومه، قال: فنزلت (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ) قال: فالتوراة مثل القرآن، وموسى مثل محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فآمنوا بالتوراة وبرسولهم، وكفرتم.
حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت داود بن أبي هند، عن الشعبيّ، قال: أناس يزعمون أن شاهدا من بني إسرائيل على مثله عبد الله بن سلام، وإنما أسلم عبد الله بن سلام بالمدينة; وقد أخبرني مسروق أن آل حم، إنما نزلت بمكة، وإنما كانت محاجة رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قومه، فقال: (أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) يعني القرآن (وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ) موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام على الفرقان.
حدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، عن داود، عن الشعبيّ، قال: إن ناسا يزعمون أن الشاهد على مثله: عبد الله بن سلام، وأنا أعلم بذلك، وإنما أسلم عبد الله بالمدينة، وقد أخبرني مسروق أن آل حم إنما نزلت بمكة، وإنما كانت محاجة رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم لقومه، فقال: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) يعني الفرقان (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ) فمثل التوراة الفرقان، التوراة شهد عليها موسى، ومحمد على الفرقان صلى الله عليهما وسلم.
حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا داود، عن الشعبيّ. عن مسروق، في قوله (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) الآية، قال: كان إسلام ابن سلام بالمدينة ونزلت هذه السورة بمكة إنما كانت خصومة بين محمد عليه الصلاة والسلام وبين قومه، فقال: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ) قال: التوراة مثل الفرقان، وموسى مثل محمد، فآمن به واستكبرتم، ثم قال: آمن هذا الذي من بني إسرائيل بنبيه وكتابه، واستكبرتم أنتم، فكذّبتم أنتم نبيكم وكتابكم، (إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي) ... إلى قوله (هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ) .
وقال آخرون: عنى بقوله (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ) عبد الله بن سلام، قالوا: ومعنى الكلام وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثل هذا القرآن بالتصديق. قالوا: ومثل القرآن التوراة.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني يونس، قال: ثنا عبد الله بن يوسف التَّنِّيسي، قال: سمعت مالك بن أنس يحدّث عن أَبي النضر، عن عامر بن سعد بن أبي وقَّاص، عن أبيه، قال: ما سمعت رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يقول لأحد يمشي على الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام; قال: وفيه نزلت (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ) .
حدثنا الحسين بن عليّ الصُّدائي، قال: ثنا أبو داود الطيالسي، قال: ثنا شعيب بن صفوان، قال: ثنا عبد الملك بن عمير، أن محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام، قال: قال عبد الله: أنزل فيّ (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) ... إلى قوله (فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ) .
حدثني عليّ بن سعد بن مسروق الكنديّ، قال: ثنا أبو محمد بن يحيى بن يعلى، عن عبد الملك بن عمير، عن ابن أخي عبد الله بن سلام، قال: قال عبد الله بن سلام: نزلت فيّ (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) .
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) ... الآية، قال: كان رجل من أهل الكتاب آمن بمحمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فقال: إنا نجده في التوراة، وكان أفضل رجل منهم، وأعلمهم بالكتاب، فخاصمت اليهود النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فقال: "أترضون أن يحكم بيني وبينكم عبد الله بن سلام" ؟ "أتؤمنون" ؟ قالوا: نعم، فأرسل إلى عبد الله بن سلام، فقال: "أتشهد أني رسول الله مكتوبا في التوراة والإنجيل" ، قال: نعم، فأعرضت اليهود، وأسلم عبد الله بن سلام، فهو الذي قال الله جلّ ثناؤه عنه (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ) يقول: فآمن عبد الله بن سلام.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني
الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعًا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، في قوله (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ) قال: عبد الله بن سلام.
حدثنا بِشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) ... الآية، كنا نحدّث أنه عبد الله بن سلام آمن بكتاب الله وبرسوله وبالإسلام، وكان من أحبار اليهود.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ) ؟ قال: هو عبد الله بن سلام.
حُدثت عن الحسين قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ) الشاهد: عبد الله بن سلام، وكان من الأحبار من علماء بني إسرائيل، وبعث رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم إلى اليهود، فأتوه، فسألهم فقال: "أتَعْلَمُون أنّي رسُولُ الله تجدُونَنِي مَكْتُوبًا عِنْدَكُمْ في التَوْراة" ؟ قالوا: لا نعلم ما تقول، وإنا بما جئت به كافرون، فقال: "أيَّ رجل عَبْدُ الله بْنُ سَلام عنْدَكُمْ" ؟ قالوا: عالمنا وخيرنا، قال: "أتَرْضوْن بهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ" ؟ قالوا: نعم، فأرسل رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم إلى عبد الله بن سلام، فجاءه فقال: "ما شَهادَتُكَ يا ابْنَ"
سَلام "؟ قال: أشهد أنك رسول الله، وأن كتابك جاء من عند الله، فآمن وكفروا، يقول الله تبارك وتعالى (فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ) ."
حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا عوف، عن الحسن، قال: بلغني أنه لما أراد عبد الله بن سلام أن يسلم قال: يا رسول الله، قد علمت اليهود أني من علمائهم، وأن أَبي كان من علمائهم، وإني أشهد أنك رسول الله، وأنهم يجدونك مكتوبًا عندهم في التوراة، فأرسل إلى فلان وفلان، ومن سماه من اليهود، وأخبئني في بيتك، وسلهم عني، وعن أبي، فإنهم سيحدثونك أني أعلمهم، وأن أَبي من أعلمهم، وإني سأخرج إليهم، فأشهد أنك رسول الله، وأنهم يجدونك مكتوبا عندهم في التوراة، وأنك بُعثت بالهدى ودين الحقّ، قال: ففعل رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فخبأه في بيته وأرسل إلى اليهود، فدخلوا عليه، فقال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: "ما عبد الله بن سلام فيكم" ؟ قالوا: أعلمنا نفسا. وأعلمنا أبا. فقال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: "أرأيْتُمْ إنْ أسْلَمَ تُسْلِمُونَ" ؟ قالوا: لا يسلم، ثلاث مرار، فدعاه فخرج، ثم قال: أشهد أنك رسول الله، وأنهم يجدونك مكتوبا عندهم في التوراة، وأنك بُعِثْتَ بالهدى ودين الحقّ، فقالت اليهود: ما كنا نخشاك على هذا يا عبد الله بن سلام، قال: فخرجوا كفارا، فأنزل الله عزّ وجلّ في ذلك (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ) .
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ) قال: هذا عبد الله بن سلام، شهد أن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وكتابه حق، وهو في التوراة حقّ، فآمن واستكبرتم.
حدثني أبو شرحبيل الحمصي، قال: ثنا أبو المغيرة، قال: ثنا صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جُبير بن نفير، عن أبيه، عن عوف بن مالك الأشجعي، قال: انطلق النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وأنا معه، حتى دخلنا كنيسة اليهود بالمدينة يوم عيد لهم، فكرهوا دخولنا عليهم، فقال لهم رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم "يا مَعْشَرَ اليَهُودِ أَرُوني اثْنَي عَشَرَ رَجُلا يَشْهَدُونَ إِنَّهُ لا إلَهَ إلا هُو، وأنَّ مُحَمَّدا رَسُولُ الله، يُحْبطُ الله عَنْ كُلِّ يَهُودِيّ تَحْتَ أدِيمِ السَّماءِ الغَضَبَ الَّذِي غَضِب عَلَيْهِ" ، قال: فأسكتوا فما أجابه منهم أحد، ثم ثلَّث فلم يجبه أحد، فانصرف وأنا معه، حتى إذا كدنا أن نخرج نادى رجل من خلفنا: كما أنت يا محمد، قال: فأقبل، فقال ذلك الرجل: أيّ رجل تَعلموني فيكم يا معشر اليهود، قالوا: والله ما نعلم أنه كان فينا رجل أعلم بكتاب الله، ولا أفقه منك، ولا من أبيك، ولا من جدّك قبل أبيك، قال: فإني أشهد بالله أنه النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم الذي تجدونه في التوراة والإنجيل، قالوا كذبت، ثم ردّوا عليه قوله وقالوا له شرّا، فقال لهم رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: "كَذَبْتُمْ لَنْ نَقْبَلَ قَوْلَكُمْ، أما آنفا فَتَثْنُونَ عَلَيْهِ مِنَ الخَيْرِ ما أثْنَيْتُمْ، وأمَّا إذْ آمَن كَذَّبْتُمُوهُ وَقُلْتُمْ ما قُلْتُمْ، فَلَنْ نَقْبَلَ قَوْلَكُمْ" ، قال: فخرجنا ونحن ثلاثة: رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، وأنا، وعبد الله بن سلام، فأنزل الله فيه: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) ... الآية.
والصواب من القول في ذلك عندنا أن الذي قاله مسروق في تأويل ذلك أشبه بظاهر التنزيل، لأن قوله (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ) في سياق توبيخ الله تعالى ذكره مشركي قريش، واحتجاجا عليهم لنبيه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، وهذه الآية نظيرة سائر الآيات قبلها، ولم يجر لأهل الكتاب ولا لليهود قبل ذلك ذكر، فتوجه هذه الآية إلى أنها فيهم نزلت، ولا دلّ على انصراف الكلام عن قصص الذين تقدّم الخبر عنهم معنى، غير أن الأخبار قد وردت عن جماعة من أصحاب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بأن ذلك عنى به عبد الله بن سلام وعليه أكثر أهل التأويل، وهم كانوا أعلم بمعاني القرآن، والسبب الذي فيه نزل، وما أريد به.
فتأويل الكلام إذ كان ذلك كذلك، وشهد عبد الله بن سلام، وهو الشاهد من بني إسرائيل على مثله، يعني على مثل القرآن، وهو التوراة، وذلك شهادته أن محمدا مكتوب في التوراة أنه نبيّ تجده اليهود مكتوبا عندهم في التوراة، كما هو مكتوب في القرآن أنه نبيّ.
وقوله (فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ) يقول: فآمن عبد الله بن سلام، وصدّق بمحمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، وبما جاء به من عند الله، واستكبرتم أنتم على الإيمان بما آمن به عبد الله بن سلام معشر اليهود (إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) يقول: إن الله لا يوفِّق لإصابة الحقّ، وهدى الطريق المستقيم، القوم الكافرين الذين ظلموا أنفسهم بإيجابهم لها سخط الله بكفرهم به.
القول في تأويل قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (11) }
يقول تعالى ذكره: وقال الذين جحدوا نبوة محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم من يهود بني إسرائيل للذين آمنوا به، لو كان تصديقكم محمدا على ما جاءكم به خيرا، ما سبقتمونا إلى التصديق به، وهذا التأويل على مذهب من تأوّل قوله (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ) أنه معنيّ به عبد الله بن سلام، فأما على تأويل من تأوّل أنه عُني به مشركو قريش، فإنه ينبغي أن يوجه تأويل قوله (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ) أنه عُني به مشركو قريش وكذلك كان يتأوّله قتادة، وفي تأويله إياه كذلك ترك منه تأويله، قوله (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ) أنه معني به عبد الله بن سلام.
* ذكر الرواية عنه ذلك:
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ) قال: قال ذاك أناس من المشركين: نحن أعزّ، ونحن، ونحن، فلو كان خيرا ما سبقنا إليه فلان وفلان، فإن الله يختصّ برحمته من يشاء.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ) قال: قد قال ذلك قائلون من الناس، كانوا أعزّ منهم في الجاهلية، قالوا: والله لو كان هذا خيرا ما سبقنا إليه بنو فلان وبنو فلان، يختص الله برحمته من يشاء، ويكرم الله برحمته من يشاء، تبارك وتعالى.
وقوله (وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ) يقول تعالى ذكره: وإذ لم يبصروا بمحمد وبما جاء به من عند الله من الهدى، فيرشدوا به الطريق المستقيم (فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ) يقول: فسيقولون هذا القرآن الذي جاء به محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أكاذيب من أخبار الأوّلين قديمة، كما قال جل ثناؤه مخبرًا عنهم، (وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلا) .
القول في تأويل قوله تعالى: {وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ (12) }
يقول تعالى ذكره: ومن قبل هذا الكتاب، كتاب موسى، وهو التوراة، إماما لبني إسرائيل يأتمون به، ورحمة لهم أنزلناه عليهم. وخرج الكلام مخرج الخبر عن الكتاب بغير ذكر تمام الخبر اكتفاء بدلالة الكلام على تمامه; وتمامه: ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة أنزلناه عليه، وهذا كتاب أنزلناه لسانا عربيا.
اختلف في تأويل ذلك، وفي المعنى الناصب (لِسَانًا عَرَبِيًّا) أهل العربية، فقال بعض نحويي البصرة: نصب اللسان والعربي، لأنه من صفة الكتاب، فانتصب على الحال، أو على فعل مضمر، كأنه قال: أعني لسانا عربيا. قال: وقال بعضهم على مصدق جعل الكتاب مصدق اللسان، فعلى قول من جعل اللسان نصبا على الحال، وجعله من صفة الكتاب، ينبغي أن يكون تأويل
الكلام، وهذا كتاب بلسان عربيّ مصدّق التوراة كتاب موسى، بأن محمدا لله رسول، وأن ما جاء به من عند الله حقّ.
وأما القول الثاني الذي حكيناه عن بعضهم، أنه جعل الناصب للسان مصدّق، فقول لا معنى له، لأن ذلك يصير إذا يؤوّل كذلك إلى أن الذي يصدق القرآن نفسه، ولا معنى لأن يقال: وهذا كتاب يصدّق نفسه، لأن اللسان العربيّ هو هذا الكتاب، إلا أن يجعل اللسان العربيّ محمدا عليه الصلاة والسلام، ويوجه تأويله إلى: وهذا كتاب وهو القرآن يصدّق محمدا، وهو اللسان العربيّ، فيكون ذلك وجها من التأويل.
وقال بعض نحويي الكوفة: قوله: (لِسَانًا عَرَبِيًّا) من نعت الكتاب، وإنما نُصب لأنه أريد به: وهذا كتاب يصدّق التوراة والإنجيل لسانا عربيا، فخرج لسانا عربيا من يصدّق، لأنه فعل، كما تقول: مررت برجل يقوم محسنا، ومررت برجل قائم محسنا، قال: ولو رفع لسان عربيّ جاز على النعت للكتاب.
وقد ذُكر أن ذلك في قراءة ابن مسعود "وهذا كتاب مصدّق لما بين يديه لسانا عربيا، فعلى هذه القراءة يتوجه النصب في قوله (لِسَانًا عَرَبِيًّا) من وجهين: أحدهما على ما بيَّنت من أن يكون اللسان خارجا من قوله (مصَدّقٌ) والآخر: أن يكون قطعا من الهاء التي في بين يديه."
والصواب من القول في ذلك عندي أن يكون منصوبا على أنه حال مما في مصدّق من ذكر الكتاب، لأن قوله: (مصَدّقٌ) فعل، فتأويل الكلام إذ كان ذلك كذلك: وهذا القرآن يصدق كتاب موسى بأن محمدا نبي مرسل لسانا عربيا.
وقوله (لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا) يقول: لينذر هذا الكتاب الذي أنزلناه إلى محمد عليه الصلاة والسلام الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم بالله بعبادتهم غيره.
وقوله (وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ) يقول: وهو بشرى للذين أطاعوا الله فأحسنوا في إيمانهم وطاعتهم إياه في الدنيا، فحسن الجزاء من الله لهم في الآخرة على طاعتهم إياه. وفي قوله (وبُشْرى) وجهان من الإعراب: الرفع على العطف
على الكتاب بمعنى: وهذا كتاب مصدّق وبشرى للمحسنين. والنصب على معنى: لينذر الذين ظلموا ويبشر، فإذا جعل مكان يبشر وبُشرى أو وبشارة، نصبت كما تقول أتيتك لأزورك وكرامة لك، وقضاء لحقك، بمعنى لأزورك وأكرمك، وأقضي حقك، فتنصب الكرامة والقضاء بمعنى مضمر.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|