
24-07-2025, 04:19 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,615
الدولة :
|
|
رد: تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن للإمام الطبري .....متجدد
 تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن
الإمام محمد بن جرير الطبري
الجزء العشرون
تَفْسِيرِ سُّورَةِ الأحزاب
الحلقة (1146)
صــ 331 لى صــ 340
يقول تعالى ذكره: وقال الكافرون يوم القيامة في جهنم: ربنا إنا أطعنا أئمتنا في الضلالة وكبراءنا في الشرك (فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ) يقول: فأزالونا عن محجة الحق وطريق الهدى والإيمان بك والإقرار بوحدانيتك وإخلاص طاعتك في الدنيا (رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَينِ مِنَ الْعَذَابِ) يقول: عذبهم من العذاب مثلي عذابنا الذي تعذبنا (وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا) يقول: واخزهم خزيًا كبيرًا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة قوله (رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا) أي: رءوسنا في الشر والشرك.
حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال قال ابن زيد في قوله (إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا) قال: هم رءوس الأمم الذين أضلوهم، قال: سادتنا وكبراءنا واحد. وقرأت عامة قراء الأمصار (سَادَتَنا) وروي عن الحسن البصري (سَادَاتِنا) على الجمع، والتوحيد في ذلك هي القراءة عندنا؛ لإجماع الحجة من القراء عليه.
واختلفوا في قراءة قوله (لَعْنًا كَبِيرًا) فقرأت ذلك عامة قراء الأمصار بالثاء (كَثِيرًا) من الكثرة، سوى عاصم فإنه قرأه (لَعْنًا كَبِيرًا) من الكبر. والقراءة في ذلك عندنا بالثاء لإجماع الحجة من القراء عليها.
القول في تأويل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (69) }
يقول تعالى ذكره لأصحاب نبي الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: يا أيها الذين
آمنوا بالله ورسوله لا تؤذوا رسول الله بقول يكرهه منكم، ولا بفعل لا يحبه منكم، ولا تكونوا أمثال الذين آذوا موسى نبي الله فرموه بعيب كذبًا وباطلا (فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا) فيه من الكذب والزور بما أظهر من البرهان على كذبهم (وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا) يقول: وكان موسى عند الله مشفعًا فيما يسأل ذا وجه ومنزلة عنده بطاعته إياه.
ثم اختلف أهل التأويل في الأذى الذي أوذي به موسى الذي ذكره الله في هذا الموضع؛ فقال بعضهم: رموه بأنه آدر، وروَى بذلك عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم خبرا.
* ذكر الرواية التي رويت عنه، ومن قال ذلك:
حدثني أَبو السائب قال ثنا أَبو معاوية عن الأعمش عن المنهال عن سعيد بن جبير وعبد الله بن الحارث عن ابن عباس في قوله (لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى) قال: قال له قومه: إنك آدر، قال: فخرج ذات يوم يغتسل فوضع ثيابه على صخرة فخرجت الصخرة تشتد بثيابه وخرج يتبعها عريانًا حتى انتهت به إلى مجالس بني إسرائيل، قال: فرأوه ليس بآدر، قال: فذلك قوله (فَبَرَّأَهُ الله مِمَّا قَالُوا) .
حدثني يحيى بن داود الواسطي قال ثنا إسحاق بن يوسف الأزرق عن سفيان عن جابر عن عكرمة عن أَبي هريرة عن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: (لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى) قال: قالوا هو آدر قال: فذهب موسى يغتسل، فوضع ثيابه على حجر فمر الحجر بثيابه فتبع موسى قفاه، فقال: ثيابي حجر. فمر بمجلس بني إسرائيل، فرأوه؛ فبرأه الله مما قالوا (وَكَانَ عِنْدَ الله وَجِيهًا) .
حدثني محمد بن سعد قال: ثني أَبي قال ثني عمي قال ثني أَبي عن أبيه عن ابن عباس (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى ... ) إلى (وَجِيهًا) قال: كان أذاهم موسى أنهم قالوا والله ما يمنع موسى أن يضع ثيابه
عندنا إلا أنه آدر، فآذى ذلك موسى، فبينما هو ذات يوم يغتسل وثوبه على صخرة، فلما قضى موسى غسله وذهب إلى ثوبه ليأخذه انطلقت الصخرة تسعى بثوبه وأنطلق يسعى في أثرها حتى مرت على مجلس بني إسرائيل وهو يطلبها، فلما رأوا موسى صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم متجردا لا ثوب عليه قالوا: ولله ما نرى بموسى بأسًا، وإنه لبريء مما كنا نقول له فقال الله (فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا) .
حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال قال ابن زيد في قوله (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى ... ) الآية قال: كان موسى رجلا شديد المحافظة على فرجه وثيابه، قال: فكانوا يقولون: ما يحمله على ذلك إلا عيب في فرجه يكره أن يرى، فقام يوما يغتسل في الصحراء فوضع ثيابه على صخرة، فاشتدت بثيابه، قال: وجاء يطلبها عريانًا حتى اطلع عليهم عريانًا، فرأوه بريئًا مما قالوا، وكان عند الله وجيهًا، قال: والوجيه في كلام العرب: المحب المقبول.
وقال آخرون: بل وصفوه بأنه أبرص.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن حميد قال ثنا يعقوب عن جعفر عن سعيد قال: قال بنو إسرائيل إن موسى آدر، وقالت طائفة: هو أبرص، من شدة تستره، وكان يأتي كل يوم عينًا، فيغتسل ويضع ثيابه على صخرة عندها، فعدت الصخرة بثيابه حتى انتهت إلى مجلس بني إسرائيل، وجاء موسى يطلبها فلما رأوه عريانًا ليس به شيء مما قالوا لبس ثيابه ثم أقبل على الصخرة يضربها بعصاه، فأثرت العصا في الصخرة.
حدثنا بحر بن حبيب بن عربي قال ثنا روح بن عبادة قال ثنا عوف عن محمد عن أَبي هريرة في هذه الآية (لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا
قَالُوا ... ) الآية قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: "إن موسى كان رجلا حييًّا سِتِّيرًا لا يكاد يرى من جلده شيء استحياء منه فآذاه من آذاه من بنو إسرائيل، وقالوا: ما تستر هذا التستر إلا من عيب في جلده؛ إما برص، وإما أدرة، وإما آفة، وإن الله أراد أن يبرئه مما قالوا، وإن موسى خلا يومًا وحده فوضع ثيابه على حجر ثم اغتسل فلما فرغ من غسله، أقبل على ثوبه ليأخذه وإن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصًا وطلب الحجر، وجعل يقول: ثوبي حجر، حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل، فرأوه عريانًا كأحسن الناس خلقًا وبرأه الله مما قالوا، وإن الحجر قام فأخذ ثوبه ولبسه فطفق بالحجر ضربًا بذلك، فوالله إن في الحجر لندبًا من أثر ضربه ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا" .
حدثنا ابن بشار قال ثنا ابن أَبي عدي عن عوف عن الحسن قال: بلغني أن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: "كان موسى رجلا حييًّا ستيرا" ثم ذكر نحوًا منه.
حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة قال حدث الحسن عن أَبي هريرة أن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: "إن بني إسرائيل كانوا يغتسلون وهم عراة وكان نبي الله موسى حييًّا؛ فكان يتستر إذا اغتسل، فطعنوا فيه بعورة قال: فبينا نبي الله يغتسل يومًا إذ وضع ثيابه على صخرة فانطلقت الصخرة واتبعها نبي الله ضربًا بعصاه: ثوبي يا حجر ثوبي يا حجر، حتى انتهت إلى ملإ من بني إسرائيل، أو تَوَسَّطَهُم، فقامت فأخذ نبي الله ثيابه، فنظروا إلى أحسن الناس خلْقًا وأعدله مروءة فقال الملأ قاتل الله أفَّاكي بني إسرائيل، فكانت براءته التي برأه الله منها" .
وقال آخرون: بل كان أذاهم إيَّاه ادعاءهم عليه قتل هارون أخيه.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني علي بن مسلم الطوسي قال ثنا عباد قال ثنا سفيان بن حبيب عن الحكم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قول الله (لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى ... ) الآية، قال: صعد موسى وهارون الجبل، فمات هارون فقالت بنو إسرائيل: أنت قتلته وكان أشد حبًّا لنا منك وألين لنا منك، فآذوه بذلك، فأمر الله الملائكة فحملته حتى مروا به على بني إسرائيل، وتكلمت الملائكة بموته، حتى عرف بنو إسرائيل أنه قد مات، فبرأه الله من ذلك فانطلقوا به فدفنوه، فلم يطلع على قبره أحد من خلق الله إلا الرخم؛ فجعله الله أصم أبكم.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن بني إسرائيل آذوا نبي الله ببعض ما كان يكره أن يؤذى به، فبرأه الله مما آذوه به. وجائز أن يكون ذلك كان قيلهم: إنه أبرص. وجائز أن يكون كان ادعاءهم عليه قتل أخيه هارون. وجائز أن يكون كل ذلك؛ لأنه قد ذكر كل ذلك أنهم قد آذوه به، ولا قول في ذلك أولى بالحق مما قال الله إنهم آذوا موسى، فبرأه الله مما قالوا.
القول في تأويل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71) }
يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله اتقوا الله أن تعصوه، فتستحقوا بذلك عقوبته.
وقوله (وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا) يقول: قولوا في رسول الله والمؤمنين قولا قاصدًا غير جائز، حقًّا غير باطل.
كما حدثني الحارث قال ثنا الحسن قال ثنا ورقاء عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد (وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا) يقول: سدادًا.
حدثنا ابن حميد قال ثنا عنبسة عن الكلبي (وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا) قال:
صدقا.
حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة قوله (اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا) أي: عدلا قال قتادة: يعني به في منطقه وفي عمله كله، والسديد الصدق.
حدثني سعد بن عبد الله بن عبد الحكم قال ثنا حفص بن عمر عن الحكم بن أبان عن عكرمة في قول الله (وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا) قولوا: لا إله إلا الله.
وقوله (يُصْلِحُ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ) يقول تعالى ذكره للمؤمنين: اتقوا الله وقولوا السداد من القول يوفقكم لصالح الأعمال، فيصلح أعمالكم (وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) يقول: ويعف لكم عن ذنوبكم، فلا يعاقبكم عليها (وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) فيعمل بما أمره به وينتهي عما نهاه ويقل السديد (فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) يقول فقد ظفر بالكرامة العظمى من الله.
القول في تأويل قوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا (72) }
اختلف أهل التأويل في معنى ذلك فقال بعضهم: معناه: إن الله عرض طاعته وفرائضه على السموات والأرض والجبال على أنها إن أحسنت أثيبت وجوزيت، وإن ضيعت عوقبت، فأبت حملها شفقًا منها أن لا تقوم بالواجب عليها، وحملها آدم (إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا) لنفسه (َجُهولا) بالذي فيه الحظ له.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم عن أَبي بشر عن سعيد بن جبير في قوله (إِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا) قال: الأمانة: الفرائض التي افترضها الله على العباد.
قال: ثنا هشيم عن العوام عن الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس في قوله (إِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا) قال: الأمانة الفرائض التي افترضها الله على عباده.
قال: ثنا هشيم قال أخبرنا العوام بن حوشب وجويبر (1) كلاهما عن الضحاك عن ابن عباس في قوله (إِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ ... ) إلى قوله: (جَهُولا) قال: الأمانة الفرائض. قال جويبر في حديثه: فلما عرضت على آدم قال: أي رب وما الأمانة؟ قال: قيل: إن أديتها جزيت، وإن ضيعتها عوقبت، قال: أي رب حملتها بما فيها، قال: فما مكث في الجنة إلا قدر ما بين العصر إلى غروب الشمس حتى عمل بالمعصية، فأخرج منها.
حدثنا ابن بشار قال ثنا محمد بن جعفر قال ثنا شعبة عن أَبي بشر عن سعيد عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية (إِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ) قال: عرضت على آدم، فقال: خذها بما فيها فإن أطعت غفرت لك وإن عصيت عذبتك، قال: قد قبلت، فما كان إلا قدر ما بين العصر إلى الليل من ذلك اليوم حتى أصاب الخطيئة.
حدثني علي قال: ثنا أَبو صالح قال: ثني معاوية عن علي عن ابن عباس قوله: (إِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ) إن أدوها أثابهم وإن ضيعوها عذبهم، فكرهوا ذلك، وأشفقوا من غير معصية، ولكن تعظيما لدين الله أن لا يقوموا بها، ثم عرضها على آدم فقبلها بما فيها، وهو قوله: (وَحَمَلَهَا الإنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا) غرًّا بأمر الله.
حدثني محمد بن سعد قال: ثني أَبى قال: ثني عمي قال: ثني أَبي عن أبيه عن ابن عباس قوله (إِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ) : الطاعة عرضها عليها قبل أن يعرضها على آدم، فلم تطقها، فقال لآدم: يا آدم إني قد عرضت الأمانة على السموات
(1) في الأصل: وجبير. وسيأتي في الحديث نفسه أنه جويبر.
والأرض والجبال، فلم تطقها، فهل أنت آخذها بما فيها؟ فقال: يا رب: وما فيها؟ قال: إن أحسنت جزيت وإن أسأت عوقبت، فأخذها آدم فتحملها فذلك قوله (وَحَمَلَهَا الإنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا) .
حدثنا ابن بشار قال: ثنا أَبو أحمد الزبيري قال: ثنا سفيان عن رجل عن الضحاك بن مزاحم في قوله (إِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا) قال: آدم قيل له خذها بحقها قال وما حقها؟ قيل: إن أحسنت جزيت وإن أسأت عوقبت، فما لبث ما بين الظهر والعصر حتى أخرج منها.
حُدثت عن الحسين قال سمعت أبا معاذ يقول أخبرنا عبيد قال سمعت الضحاك يقول في قوله: (إِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ) فلم يطقن حملها فهل أنت يا آدم آخذها بما فيها؟ قال آدم وما فيها يا رب؟ قال: إن أحسنت جزيت وإن أسأت عوقبت فقال: تحملتها، فقال الله تبارك وتعالى: قد حملتكها، فما مكث آدم إلا مقدار ما بين الأولى إلى العصر حتى أخرجه إبليس لعنه الله من الجنة، والأمانة الطاعة.
حدثني سعيد بن عمرو السكوني قال ثنا بقية قال ثني عيسى بن إبراهيم عن موسى بن أبي حبيب عن الحكم بن عمرو وكان من أصحاب النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: قال النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: "إِنَّ الأمَانَةَ وَالْوَفَاءَ نزلا عَلَى ابنِ آدَمَ مَعَ الأنْبِيَاءِ، فَأُرْسِلُوا بِهِ؛ فَمِنهُمْ رَسُولَ اللهِ وَمِنْهُمْ نَبِي وَمِنْهُمْ نَبِي رَسُولٌ، نزل القرآن وهو كلام الله ونزلت العربية والعجمية، فعلموا أمر القرآن وعلموا أمر السنن بألسنتهم، ولم يدع الله شيئًا من أمره مما يأتون ومما يجتنبون وهي الحجج عليهم إلا بينة لهم، فليس أهل لسان إلا وهم يعرفون الحسن من القبيح. ثم الأمانة أول شيء يرفع، ويبقى أثرها في جذور قلوب الناس، ثم يرفع الوفاء والعهد والذمم، وتبقى الكتب؛ فعالم يعمل وجاهل يعرفها وينكرها حتى وصل إليَّ وإلى أمتي فلا يهلك على الله إلا هالك، ولا يغفله إلا تارك، والحذر"
أيها الناس، وإياكم والوسواس الخناس، وإنما يبلوكم أيكم أحسن عملا "."
حدثني محمد بن خلف العسقلاني قال ثنا عبد الله بن عبد المجيد الحنفي قال ثنا العوام العطار قال ثنا قتادة وأبان بن أبي عياش عن خليد العصري عن أَبي الدرداء قال: قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: "خمس من جاء بهن يوم القيامة مع إيمان دخل الجنة: من حافظ على الصلوات الخمس؛ على وضوئهن وركوعهن وسجودهن ومواقيتهن، وأعطى الزكاة من ماله طيب النفس بها" وكان يقول: وايم الله لا يفعل ذلك إلا مؤمن، وصام رمضان، وحج البيت إن استطاع إلى ذلك سبيلا وأدى الأمانة، قالوا: يا أبا الدرداء وما الأمانة؟ قال: الغسل من الجنابة فإن الله لم يأمن ابن آدم على شيء من دينه غيره.
حدثنا ابن بشار قال: ثنا عبد الرحمن قال: ثنا سفيان عن الأعمش عن أَبي الضحى عن مسروق عن أُبي بن كعب، قال: من الأمانة أن المرأة اؤتمنت على فرجها.
حدثني يونس قال: ثنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قول الله (إِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا) قال: إن الله عرض عليهن الأمانة أن يفترض عليهن الدين، ويجعل لهن ثوابًا وعقابًا، ويستأمنهن على الدين، فقلن: لا نحن مسخرات لأمرك، لا نريد ثوابًا ولا عقابًا، قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: "وعرضها الله على آدم، فقال: بين أذني وعاتقي" . قال ابن زيد فقال الله له: أما إذ تحملت هذا فسأعينك، أجعل لبصرك حجابًا إذا خشيت أن تنظر إلى ما لا يحل لك، فأرْخ عليه حجابه، وأجعل للسانك بابًا وغلقًا، فإذا خشيت فأغلق، وأجعل لفرجك لباسًا، فلا تكشفه إلا على ما أحللت لك.
حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد عن قتادة قوله (إِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ) يعني به: الدين والفرائض والحدود (فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا) قيل لهن: احملنها تؤدين حقها؟ فقلن: لا
نطيق ذلك (وَحَمَلَهَا الإنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا) قيل له: أتحملها؟ قال: نعم، قيل: أتؤدي حقها؟ قال: نعم، قال الله: إنه كان ظلومًا جهولا عن حقها.
وقال آخرون: بل عنى بالأمانة في هذا الموضع: أمانات الناس.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا تميم بن المنتصر قال: ثنا إسحاق عن شريك عن الأعمش عن عبد الله بن السائب عن زاذان عن عبد الله بن مسعود عن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أنه قال: "القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها، أو قال: يكفر كل شيء إلا الأمانة؛ يؤتى بصاحب الأمانة فيقال له: أد أمانتك، فيقول: أي رب وقد ذهبت الدنيا، ثلاثًا. فيقال: اذهبوا به إلى الهاوية، فيذهب به إليها، فيهوي فيها حتى ينتهي إلى قعرها، فيجدها هناك كهيئتها، فيحملها فيضعها على عاتقه فيصعد بها إلى شفير جهنم، حتى إذا رأى أنه قد خرج زلت، فهوى في أثرها أبد الآبدين" . قالوا: والأمانة في الصلاة والأمانة في الصوم والأمانة في الحديث، وأشد ذلك الودائع، فلقيت البراء فقلت: ألا تسمع إلى ما يقول أخوك عبد الله؟ فقال: صدق.
قال شريك وثني عياش العامري عن زاذان عن عبد الله بن مسعود عن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بنحوه، لم يذكر الأمانة في الصلاة وفي كل شيء.
حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد: أخبرني عمرو بن الحارث عن ابن أَبي هلال عن أَبي حازم قال: إن الله عرض الأمانة على سماء الدنيا فأبت ثم التي تليها حتى فرغ منها، ثم الأرضين ثم الجبال، ثم عرضها على آدم فقال: نعم بين أذني وعاتقي. فثلاث آمرك بهن فإنهن لك عون: إني جعلت لك لسانًا بين لحيين فكفه عن كل شيء نهيتك عنه، وجعلت لك فرجًا وواريته
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|