
23-07-2025, 01:55 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 166,675
الدولة :
|
|
رد: تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن للإمام الطبري .....متجدد
 تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن
الإمام محمد بن جرير الطبري
الجزء التاسع عشر
تَفْسِيرِ سُّورَةِ النور
الحلقة (1064)
صــ 141 لى صــ 150
فَيَحْلِفُون، ثُمَّ يُصْمِتُهُم اللهُ، وتَشْهَدُ ألْسِنَتُهُم ثُمَّ يُدْخلُهُم النَّارَ "."
القول في تأويل قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (25) }
يقول تعالى ذكره: (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) يوفيهم الله حسابهم وجزاءهم الحقّ على أعمالهم.
والدين في هذا الموضع: الحساب والجزاء، كما حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: (يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ) يقول. حسابهم.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله: (الحَقَّ) فقرأته عامة قرّاء الأمصار. (دِينَهُمُ الْحَقَّ) نصبا على النعت للدين، كأنه قال: يوفيهم الله ثواب أعمالهم حقا، ثم أدخل في الحقّ الألف واللام، فنصب بما نصب به الدين. وذُكر عن مجاهد أنه قرأ ذلك: "يُوَفِيهمُ اللهُ دينَهُمُ الحَقُّ" برفع الحقّ على أنه من نعت الله.
حدثنا بذلك أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا يزيد، عن جرير بن حازم، عن حميد، عن مجاهد، أنه قرأها "الحق" بالرفع. قال جرير: وقرأتها في مصحف أُبيّ بن كعب "يُوَفِّيهمُ اللهُ الحَقُّ دِينَهُمْ" .
والصواب من القراءة في ذلك عندنا ما عليه قرّاء الأمصار، وهو نصب الحقّ على اتباعه إعراب الدين؛ لإجماع الحجة عليه.
وقوله: (وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ) يقول: ويعلمون يومئذ أن الله هو الحق الذي يبين لهم حقائق ما كان يعدهم في الدنيا من العذاب، ويزول حينئذٍ الشكُّ فيه عن أهل النفاق، الذين كانوا فيما كان يعدهم في الدنيا يمترون.
القول في تأويل قوله تعالى: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (26) }
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من القول، والطيبات من القول
للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من القول.
*ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ) يقول: الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من القول.
وقوله: (وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ) يقول: الطيبات من القول للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من القول، نزلت في الذين قالوا في زوجة النبيّ صلى الله عليه وسلم ما قالوا من البهتان، ويقال: الخبيثات للخبيثين: الأعمال الخبيثة تكون للخبيثين: والطيبات من الأعمال تكون للطيبين.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عثمان بن الأسود، عن مجاهد، الخبيثات من الكلام للخبيثين من الناس، والطيبات من الكلام للطيبين من الناس.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، في قول الله: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ) قال: الطيبات: القول الطيب، يخرج من الكافر والمؤمن فهو للمؤمن، والخبيثات: القول الخبيث يخرج من المؤمن والكافر فهو للكافر (أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ) وذلك أنه برأ كليهما مما ليس بحقّ من الكلام.
حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ) يقول: الخبيثات والطيبات: القول السيئ والحسن، للمؤمنين الحسن وللكافرين السيئ (أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ) وذلك بأنه ما قال الكافرون من كلمة طيبة فهي للمؤمنين، وما قال المؤمنون من كلمة خبيثة فهي للكافرين، كلّ بريء مما ليس بحقّ من الكلام.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن
مجاهد: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ) قال: الخبيثات من الكلام للخبيثين من الناس، والخبيثون من الناس للخبيثات من الكلام.
حدثنا الحسن قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال أخبرنا معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، مثله.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ) ... الآية، يقول: الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من القول، والطيبات من القول للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من القول، فهذا في الكلام، وهم الذين قالوا لعائشة ما قالوا، هم الخبيثون، والطيبون هم المبرّءون مما قال الخبيثون.
حدثنا أبو زرعة، قال ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سلمة، يعني ابن نبيط الأشجعي، عن الضحاك: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ) قال: الخبيثات من الكلام للخبيثين من الناس، والطيبات من الكلام للطيبين من الناس.
قال: ثنا قبيصة، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيع وعثمان بن الأسود، عن مجاهد: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ) قال: الخبيثات من الكلام للخبيثين من الناس، والخبيثون من الناس للخبيثات من القول، والطيبات من القول للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من القول.
قال: ثنا سفيان عن خصيف، عن سعيد بن جبير، قال: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ) قال: الخبيثات من القول للخبيثين من الناس، والخبيثون من الناس للخبيثات من القول، والطيبات من القول للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من القول.
قال: ثني محمد بن بكر بن مقدم، قال: أخبرنا يحيى بن سعيد، عن عبد الملك، يعني ابن أبي سليمان، عن القاسم بن أبي بزّة، عن سعيد بن جبير، عن مجاهد: (وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ) قال: الخبيثات من القول للخبيثين من الناس.
قال: ثنا عباس بن الوليد النرسي، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ) يقول: الخبيثات من القول والعمل للخبيثين من الناس، والخبيثون من الناس للخبيثات
من القول والعمل.
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء، قال: الطيبات للطيبين، والطيبون للطيبات، قال: الطيبات من القول للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من القول، والخبيثات من القول للخبيثين من الناس، والخبيثون من الناس للخبيثات من القول.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء.
*ذكر من قال ذلك:
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ) قال: نزلت في عائشة حين رماها المنافق بالبهتان والفرية، فبرأها الله من ذلك. وكان عبد الله بن أُبيّ هو خبيث، وكان هو أولى بأن تكون له الخبيثة ويكون لها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم طيبا، وكان أولى أن تكون له الطيبة، وكانت عائشة الطيبة، وكان أولى أن يكون لها الطيب (أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ) قال: هاهنا برّئت عائشة (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) .
وأولى هذه الأقوال في تأويل الآية قول من قال: عنى بالخبيثات: الخبيثات من القول، وذلك قبيحه وسيئه للخبيثين من الرجال والنساء، والخبيثون من الناس للخبيثات من القول، هم بها أولى؛ لأنهم أهلها. والطيبات من القول، وذلك حسنه وجميله للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من القول; لأنهم أهلها وأحقّ بها.
وإنما قلنا هذا القول أولى بتأويل الآية؛ لأن الآيات قبل ذلك إنما جاءت بتوبيخ الله للقائلين في عائشة الإفك، والرامين المحصنات الغافلات المؤمنات، وإخبارهم ما خصهم به على إفكهم، فكان ختم الخبر عن أولى الفريقين بالإفك من الرامي والمرمي به، أشبه من الخبر عن غيرهم.
وقوله: (أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ) يقول: الطيبون من الناس مبرّءون من خبيثات القول، إن قالوها فإن الله يصفح لهم عنها، ويغفرها لهم، وإن قيلت فيهم؛ ضرّت قائلها ولم تضرّهم، كما لو قال الطيب من القول الخبيث من الناس لم ينفعه الله به، لأن الله لا يتقبله،
ولو قيلت له لضرّته؛ لأنه يلحقه عارها في الدنيا، وذلها في الآخرة.
كما حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ) فمن كان طيبا فهو مبرأ من كل قول خبيث، يقول يغفره الله، ومن كان خبيثا فهو مبرأ من كل قول صالح، فإنه يردّه الله عليه لا يقبله منه، وقد قيل: عُني بقوله: (أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ) عائشة وصفوان بن المعطل الذي رميت به، فعلى هذا القول قيل "أُولئِكَ" فجمع، والمراد ذانك، كما قيل: (وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً) والمراد أخَوان.
وقوله: (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ) يقول لهؤلاء الطيبين من الناس مغفرة من الله لذنوبهم، والخبيث من القول إن كان منهم (وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) يقول: ولهم أيضا مع المغفرة عطية من الله كريمة، وذلك الجنة، وما أعدّ لهم فيها من الكرامة.
كما حدثنا أبو زرعة، قال: ثنا العباس بن الوليد النرسي، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة: (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) : مغفرة لذنوبهم ورزق كريم في الجنة.
القول في تأويل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27) }
اختلف أهل التأويل في ذلك، فقال بعضهم: تأويله يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأذنوا.
*ذكر من قال ذلك:
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أنه كان يقرأ: "لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْذِنُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا" قال: وإنما "تستأنسوا" وهم من الكُتَّاب.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس في هذه الآية (لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا) وقال: إنما هي خطأ من الكاتب حتى تستأذنوا وتسلموا.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبير، بمثله. غير أنه قال: إنما هي حتى تستأذنوا، ولكنها سقط من الكاتب.
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن عطية، قال: ثنا معاذ بن سليمان، عن جعفر بن إياس، عن سعيد، عن ابن عباس (حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا) قال: أخطأ الكاتب، وكان ابن عباس يقرأ "حَتَّى تَسْتَأْذِنُوا وَتُسَلِّمُوا" وكان يقرؤها على قراءة أُبيّ بن كعب.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش أنه كان يقرؤها: "حَتَّى تَسْتَأْذِنُوا وَتُسَلِّمُوا" قال سفيان: وبلغني أن ابن عباس كان يقرؤها: "حَتَّى تَسْتَأْذِنُوا وَتُسَلِّمُوا" وقال: إنها خطأ من الكاتب.
حدثنا محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا) قال: الاستئناس: الاستئذان.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني هشيم، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم، قال: في مصحف ابن مسعود: "حَتَّى تُسَلِّمُوا على أهْلِها وَتَسْتَأْذِنُوا" .
قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا جعفر بن إياس، عن سعيد، عن ابن عباس أنه كان يقرؤها: "يأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حتى تُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها وتَسْتَأْذِنوا" قال: وإنما تستأنسوا وهم من الكتاب.
قال: ثنا هشيم، قال مغيرة، قال مجاهد: جاء ابن عمر من حاجة وقد آذاه الرمضاء، فأتى فسطاط امرأة من قريش، فقال: السلام عليكم، أدخل؟ فقالت: ادخل بسلام، فأعاد فأعادت، وهو يراوح بين قدميه، قال: قولي ادخل، قالت: ادخل فدخل.
قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا منصور، عن ابن سيرين، وأخبرنا يونس بن عبيد، عن عمرو بن سعيد الثقفي، أن رجلا استأذن على النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: ألج أو أنلج؟ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم لأمة له يقال لها روضة: "قُومِي إلى هَذَا فَكَلِّمِيهِ، فإنَّهُ لا يُحسِنُ يَسْتأذِنُ، فَقُولي لَهُ يَقُولُ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، أدْخُل؟" فسمعها الرجل، فقالها، فقال: "اُدْخُل" .
حدثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال ابن عباس، قوله: (حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا) قال: الاستئذان، ثم نسخ واستثني: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ) .
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا أبو حمزة، عن المغيرة، عن إبراهيم، قوله: (لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ) قال: حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة: (حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا) قال: حتى تستأذنوا وتسلموا.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا أشعث بن سوار، عن كردوس، عن ابن مسعود، قال: عليكم أن تستأذنوا على أمهاتكم وأخواتكم، قال أشعت، عن عديّ بن ثابت: أن امرأة من الأنصار، قالت: يا رسول الله، إني أكون في منزلي على الحال التي لا أحب أن يراني أحد عليها، والد ولا ولد، وأنه لا يزال يدخل عليّ رجل من أهلي، وأنا على تلك الحال؟ قال: فنزلت: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا) ... الآية.
وقال آخرون: معنى ذلك: حتى تؤنسوا أهل البيت بالتنحنح والتنخم وما أشبهه، حتى يعلموا أنكم تريدون الدخول عليهم.
*ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد، في قوله: (لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا) قال: حتى تتنحنحوا وتتنخموا.
حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: (حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا) قال: حتى تجرّسوا وتسلموا.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قوله: (حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا) قال: تنحنحوا وتنخموا.
قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: سمعت عطاء بن أبي رباح يخبر عن ابن عباس، قال: ثلاث آيات قد جحدهنّ الناس، قال الله: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) قال: ويقولون: إن أكرمهم عند الله أعظمهم شأنا، قال: والإذن كله قد جحده الناس، فقلت له: أستأذن على أخواتي، أيتام في حجري، معي في بيت واحد؟ قال: نعم (1) فرددت على من حضرني، فأبى، قال: أتحبّ أن تراها عريانة؟ قلت: لا قال: فاستأذن، فراجعته أيضا، قال: أتحبّ أن تطيع الله؟ قلت: نعم، قال: فاستأذن، فقال لي سعيد بن جُبير: إنك لتردد عليه، قلت: أردت أن يرخص لي.
قال ابن جُرَيج: وأخبرني ابن طاووس، عن أبيه قال: ما من امرأة أكره إليّ أن أرى، كأنه يقول: عريتها أو عريانة، من ذات محرم، قال: وكان يشدّد في ذلك.
قال ابن جُرَيج، وقال عطاء بن أبي رباح: وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا، فواجب على الناس أجمعين إذا احتلموا أن يستأذنوا على من كان من الناس، قلت لعطاء: أواجب على الرجل أن يستأذن على أمه، ومن وراءها من ذات قرابته؟ قال: نعم، قلت: أبرّ وجب؟ قال قوله: (وَإِذَا بَلَغَ الأطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا) .
قال ابن جُرَيج: وأخبرني ابن زياد: أن صفوان مولى لبني زهرة، أخبره عن عطاء بن يسار: أن رجلا قال للنبيّ صلى الله عليه وسلم: أستأذن على أمي؟ قال: "نَعَمْ" ، قال: إنها ليس لها خادم غيري، أفأستأذن عليها كلما دخلت؟ قال: "أتُحب أنْ تَراها عُرْيَانَةً؟" قال الرجل: لا. قال: "فاسْتَأْذِنْ عَلَيْها" .
قال ابن جُرَيج عن الزهري: قال: سمعت هزيل بن شُرَحبيل الأوْدي الأعمى، أنه سمع ابن مسعود يقول: عليكم الإذن على أمهاتكم.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قلت لعطاء: أيستأذن الرجل على امرأته؟ قال: لا.
حدثنا الحسين، قال: ثنا محمد بن حازم، عن الأعمش، عن عمرو بن مرّة، عن يحيى بن الجزّار، عن ابن أخي زينب امرأة ابن مسعود، عن زينب قالت: كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى إلى الباب، تنحنح وبزق كراهة أن يهجم منا على أمر يكرهه.
(1) في ابن كثير: فرددت عليه ليرخص لي، فأبى، فلعله تصحيف عنه.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قول الله (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا) قال: الاستئناس: التنحنح والتجرس، حتى يعرفوا أن قد جاءهم أحد، قال: والتجرّس: كلامه وتنحنحه.
والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الاستئناس: الاستفعال من الأنس، وهو أن يستأذن أهل البيت في الدخول عليهم، مخبرا بذلك من فيه، وهل فيه أحد؟ وليؤذنهم أنه داخل عليهم، فليأنس إلى إذنهم له في ذلك، ويأنسوا إلى استئذانه إياهم.
وقد حكي عن العرب سماعا: اذهب فاستأنس، هل ترى أحدا في الدار؟ بمعنى: انظر هل ترى فيها أحدا؟
فتأويل الكلام إذن إذا كان ذلك معناه: يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تسلموا وتستأذنوا، وذلك أن يقول أحدكم: السلام عليكم، أدخل؟ وهو من المقدم الذي معناه التأخير، إنما هو حتى تسلموا وتستأذنوا، كما ذكرنا من الرواية، عن ابن عباس.
وقوله: (ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ) يقول: استئناسكم وتسليمكم على أهل البيت الذي تريدون دخوله، فإن دخولكموه خير لكم، لأنكم لا تدرون أنكم إذا دخلتموه بغير إذن، على ماذا تهجمون؟ على ما يسوءكم أو يسرّكم؟ وأنتم إذا دخلتم بإذن، لم تدخلوا على ما تكرهون، وأدّيتم بذلك أيضا حقّ الله عليكم في الاستئذان والسلام. وقوله: (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) يقول: لتتذكروا بفعلكم ذلك أوامر الله عليكم، واللازم لكم من طاعته، فتطيعوه.
القول في تأويل قوله تعالى: {فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (28) }
يقول تعالى ذكره: فإن لم تجدوا في البيوت التي تستأذنون فيها أحدا، يأذن لكم بالدخول إليها، فلا تدخلوها، لأنها ليست لكم، فلا يحلّ لكم دخولها إلا بإذن أربابها، فإن أذن لكم أربابها أن تدخلوها فادخلوها (وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا) يقول: وإن قال لكم أهل البيوت التي تستأذنون فيها: ارجعوا فلا تدخلوها، وارجعوا عنها ولا
تدخلوها; (هُوَ أَزْكَى لَكُمْ) يقول: رجوعكم عنها إذا قيل لكم ارجعوا، ولم يؤذن لكم بالدخول فيها، أطهر لكم عند الله. وقوله: (هُوَ) كناية من اسم الفعل (1) أعني من قوله: (فارْجِعُوا) . وقوله: (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) يقول جلّ ثناؤه: والله بما تعملون من رجوعكم بعد استئذانكم في بيوت غيركم إذا قيل لكم ارجعوا، وترك رجوعكم عنها وطاعتكم الله فيما أمركم ونهاكم في ذلك وغيره من أمره ونهيه- ذو علم محيط بذلك كله، محص جميعه عليكم، حتى يجازيكم على جميع ذلك.
وكان مجاهد يقول في تأويل ذلك ما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا) قال: إن لم يكن لكم فيها متاع، فلا تدخلوها إلا بإذن (وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا) .
حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.
قال: ثنا الحسن، قال: ثنا هاشم بن القاسم المزني، عن قَتادة، قال: قال رجل من المهاجرين: لقد طلبت عمري كله هذه الآية، فما أدركتها، أن أستأذن على بعض إخواني، فيقول لي ارجع، فأرجع وأنا مغتبط، لقوله (وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ) وهذا القول الذي قاله مجاهد في تأويل قوله: (فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا) بمعنى: إن لم يكن لكم فيها متاع، قول بعيد من مفهوم كلام العرب; لأن العرب لا تكاد تقول: ليس بمكان كذا أحد، إلا وهي تعني ليس بها أحد من بني آدم.
وأما الأمتعة وسائر الأشياء غير بني آدم، ومن كان سبيله سبيلهم، فلا تقول ذلك فيها.
القول في تأويل قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (29) }
(1) يريد باسم الفعل: المصدر؛ لأنه اسم الحدث، ولا يريد ما اصطلح النحاة علي تسميته اسم فعل كصه وأف.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|