
22-07-2025, 11:14 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 166,623
الدولة :
|
|
رد: تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن للإمام الطبري .....متجدد
 تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن
الإمام محمد بن جرير الطبري
الجزء التاسع عشر
تَفْسِيرِ سُّورَةِ المؤمنون
الحلقة (1053)
صــ 31 إلى صــ 40
لك، إذ لم تكن مأخوذة من فعل، فإذا قالوا: أقبل، لم يقولوا لك، لاحتمال الفعل ضمير الاسم.
واختلف أهل العربية في كيفية الوقف على هيهات، فكان الكسائي يختار الوقوف فيها بالهاء؛ لأنها منصوبة، وكان الفرّاء يختار الوقوف عليها بالتاء، ويقول: من العرب من يخفض التاء، فدلّ على أنها ليست بهاء التأنيث، فصارت بمنزلة دراك ونظار، وأما نصب التاء فيهما؛ فلأنهما أداتان، فصارتا بمنزلة خمسة عشر، وكان الفرّاء يقول: إن قيل: إن كل واحدة مستغنية بنفسها، يجوز الوقوف عليها، وإن نصبها كنصب قوله: ثمت جلست; وبمنزلة قوله الشاعر.
ماوِيَّ يا رُبَّتَما غارَةٍ ... شَعْوَاءَ كاللَّذْعَة بالمِيسمِ (1)
قال: فنصب هيهات بمنزلة هذه الهاء التي في "ربت" لأنها دخلت على حرف، على ربّ وعلى ثم، وكانا أداتين، فلم تغيرهما عن أداتهما فنصبا.
واختلف القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته قرّاء الأمصار غير أبي جعفر: (هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ) بفتح التاء فيهما. وقرأ ذلك أبو جعفر: (هيهات هيهات) بكسر التاء فيهما. والفتح فيهما هو القراءة عندنا؛ لإجماع الحجة من القراء عليه.
وقوله: (إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا) يقول: ما حياة إلا حياتنا الدنيا التي نحن فيها (نَمُوتُ وَنَحْيَا) يقول: تموت الأحياء منا فلا تحيا، ويحدث آخرون منا فيولدون أحياء (وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) يقول: قالوا: وما نحن بمبعوثين بعد الممات.
كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: (إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) قال: يقول ليس آخرة ولا بعث، يكفرون بالبعث، يقولون: إنما هي حياتنا هذه ثم نموت ولا نحيا، يموت هؤلاء ويحيا
(1) البيت في (اللسان:هيه، رب) قال في الثاني: الفرق بين ربما ورب أن رب لا يليها غير الاسم، وأما ربما فإنه زيدت (ما) مع (رب) ليليها الفعل، تقول رب رجل جاءني، وربما جاءني زيد، وكذلك ربتما، وأنشد ابن الأعرابي "ماوي ..." إلخ وقال الكسائي: أظنهم امتنعوا من جزم الباء (أي تسكين باء رب) لكثرة دخول التاء فيها في قولهم: ربت رجل. يريد أن تاء التأنيث لا يكون ما قبلها إلا مفتوحًا أو في نية الفتح، فلما كانت تاء التأنيث تدخلها كثيرًا امتنعوا من إسكان ما قبل هاء التأنيث، وآثروا النصب (يعني بالنصب الفتح) . اهـ. وقال في شعا: أشعى القوم الغارة إشعاء أشعلوها، وغارة شعواء. فاشية متفرقة وأنشد ابن الأعرابي: "ماوي.... البيت: والميسم: المكواة. أو الشيء الذي يوسم به الدواب، والجمع: مواسم ومياسم"
هؤلاء، يقولون: إنما الناس كالزرع يحصد هذا، وينبت هذا، يقولون: يموت هؤلاء، ويأتي آخرون، وقرأ: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) وقرأ: (لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ) .
القول في تأويل قوله تعالى: {إِنْ هُوَ إِلا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (38) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (39) قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ (40) }
يقول تعالى ذكره: قالوا ما صالح إلا رجل اختلق على الله كذبا في قوله: (مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) وفي وعده إياكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مُخرجون. وقوله: (هُوَ) من ذكر الرسول، وهو صالح. (وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ) يقول: وما نحن له بمصدقين فيما يقول: إنه لا إله لنا غير الله، وفيما يعدنا من البعث بعد الممات. وقوله: (قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ) يقول: قال صالح لما أيس من إيمان قومه بالله، ومن تصديقهم إياه بقولهم: (وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ) ربّ انصرني على هؤلاء بما كذّبون يقول: بتكذيبهم إياي فيما دعوتهم إليه من الحقِّ، فاستغاث صلوات الله عليه بربه من أذاهم إياه، وتكذيبهم له، فقال الله له مجيبًا في مسألته إياه ما سأله: عن قليل يا صالح ليصبحن مكذبوك من قومك على تكذيبهم إياك نادمين، وذلك حين تَنزل بهم فتنتنا فلا ينفعهم الندم.
القول في تأويل قوله تعالى: {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (41) }
يقول تعالى ذكره: فانتقمنا منهم، فأرسلنا عليهم الصيحة، فأخذتهم بالحقّ، وذلك أن الله عاقبهم باستحقاقهم العقاب منه بكفرهم به، وتكذيبهم رسوله (فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً) يقول: فصيرناهم بمنزلة الغثاء، وهو ما ارتفع على السيل ونحوه، كما لا ينتفع به في شيء فإنما هذا مثل، والمعنى: فأهلكناهم فجعلناهم كالشيء الذي لا منفعة فيه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: (فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) يقول: جعلوا كالشيء
الميت البالي من الشجر.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (غُثَاءً) كالرميم الهامد، الذي يحتمل السيل.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج: (فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً) قال: كالرميم الهامد الذي يحتمل السيل.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: (فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً) قال: هو الشيء البالي.
حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر. عن قتادة، مثله.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: (فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً) قال: هذا مثل ضربه الله.
وقوله: (فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) يقول: فأبعد الله القوم الكافرين بهلاكهم؛ إذ كفروا بربهم، وعصوا رسله، وظلموا أنفسهم.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قال: أولئك ثمود، يعني قوله: (فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) .
القول في تأويل قوله تعالى: {ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ (42) }
القول في تأويل قوله تعالى: {مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (43) }
يقول تعالى ذكره: ثم أحدثنا من بعد هلاك ثمود قوما آخرين. وقوله: (مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا) يقول: ما يتقدم هلاك أمة من تلك الأمم التي أنشأناها بعد ثمود قبل الأجل الذي أجلنا لهلاكها، ولا يستأخر هلاكها عن الأجل الذي أجلنا لهلاكها، والوقت الذي وقتنا لفنائها، ولكنها تهلك لمجيئه. وهذا وعيد من الله لمشركي قوم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وإعلام منه لهم أن تأخيره في آجالهم، مع كفرهم به وتكذيبهم رسوله، ليبلغوا الأجل الذي أجل لهم، فيحلّ بهم نقمته، كسنته فيمن قبلهم من الأمم السالفة.
القول في تأويل قوله تعالى: ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا
لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (44)
يقول تعالى ذكره: (ثُمَّ أَرْسَلْنَا) إلى الأمم التي أنشأنا بعد ثمود (رُسُلَنَا تَتْرَى) يعني: يتبع بعضها بعضا، وبعضها في أثر بعض، وهي من المواترة، وهي اسم لجمع مثل شيء، لا يقال: جاءني فلان تترى، كما لا يقال: جاءني فلان مواترة، وهي تنوّن ولا تنوّن، وفيها الياء، فمن لم ينوّنها (فَعْلَى) من وترت ومن قال: "تترا" يوهم أن الياء أصلية، كما قيل: مِعْزًى بالياء، ومَعْزًا، وبهمى بهما، ونحو ذلك، فأجْرِيت أحيانًا وتُرِك إجراؤها أحيانا، فمن جعلها (فعلى) وقف عليها أشار إلى الكسر، ومن جعلها ألف إعراب لم يشر؛ لأن ألف الإعراب لا تكسر، لا يقال: رأيت زيدًا، فيشار فيه إلى الكسر.
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك:
حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنا معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى) يقول: يَتْبُع بعضها بعضا.
حدثنا محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى) يقول: بعضها على أثر بعض.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: (تَتْرَى) قال: اتباع بعضها بعضا.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد: (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى) قال: يتبع بعضها بعضا.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى) قال: بعضهم على أثر بعض، يتبع بعضهم بعضا.
واختلفت قرّاء الأمصار في قراءة ذلك، فقرأ ذلك بعض قرّاء أهل مكة، وبعض أهل المدينة، وبعض أهل البصرة (تَتْرًا) بالتنوين. وكان بعض أهل مكة، وبعض أهل المدينة، وعامة قرّاء الكوفة يقرءونه: (تَتْرَى) بإرسال الياء على مثال (فَعْلَى) ، والقول في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان، ولغتان معروفتان في كلام العرب، بمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، غير أني مع ذلك أختار القراءة بغير تنوين؛ لأنه أفصح
اللغتين وأشهرهما.
وقوله: (كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ) يقول: كلما جاء أمة من تلك الأمم، التي أنشأناها بعد ثمود، رسولُها الذي نرسله إليهم، كذّبوه فيما جاءهم به من الحق من عندنا. وقوله: (فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا) يقول: فأتبعنا بعض تلك الأمم بعضا بالهلاك، فأهلكنا بعضهم في إثر بعض. وقوله: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ) للناس، ومثلا يتحدّث بهم في الناس، والأحاديث في هذا الموضع جمع أحدوثة، لأن المعنى ما وصفت من أنهم جعلوا للناس مثلا يتحدث بهم، وقد يجوز أن يكون جمع حديث، وإنما قيل: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ) لأنهم جعلوا حديثا، ومثلا يتمثَّل بهم في الشرِّ، ولا يقال في الخير: جعلته حديثا، ولا أُحْدوثة. وقوله: (فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ) يقول: فأبعد الله قوما لا يؤمنون بالله، ولا يصدّقون برسوله.
القول في تأويل قوله تعالى: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (45) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ (46) }
يقول تعالى ذكره: ثم أرسلنا بعد الرسل الذين وصف صفتهم قبل هذه الآية، موسى وأخاه هارون إلى فرعون وأشراف قومه من القبط (بِآيَاتِنَا) يقول: بحججنا (فَاسْتَكْبَرُوا) عن اتباعها، والإيمان بما جاءهم به من عند الله (وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ) يقول: وكانوا قوما عالين على أهل ناحيتهم، ومن في بلادهم من بنى إسرائيل وغيرهم بالظلم، قاهرين لهم.
وكان ابن زيد يقول في ذلك ما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، وقوله: (وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ) قال: عَلَوا على رُسُلهم، وعصَوا ربهم، ذلك علوّهم، وقرأ: (تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ) الآية.
القول في تأويل قوله تعالى: {فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (47) فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (48) }
يقول تعالى ذكره: فقال فرعون وملؤه: (أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا) فنتبعهما (وَقَوْمُهُمَا) من بني إسرائيل (لَنَا عَابِدُونَ) يعنون: أنهم لهم مطيعون متذللون، يأتمرون
لأمرهم، ويدينون لهم، والعرب تسمي كل من دان لملك: عابدا له. ومن ذلك قيل لأهل الحيرة: العباد؛ لأنهم كانوا أهل طاعة لملوك العجم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك:
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: قال فرعون: (أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا) . .. الآية، نذهب نرفعهم فوقنا ونكون تحتهم، ونحن اليوم فوقهم وهم تحتنا، كيف نصنع ذلك، وذلك حين أتوهم بالرسالة، وقرأ: (وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأرْضِ) قال: العلوّ في الأرض.
وقوله: (فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ) يقول: فكذّب فرعون وملؤه موسى وهارون، فكانوا ممن أهلَكَهم الله كما أهلك من قبلهم من الأمم بتكذيبها رسلها.
القول في تأويل قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (49) وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (50) }
يقول تعالى ذكره: ولقد آتينا موسى التوراة ليهتدي بها قومه من بني إسرائيل، ويعملوا بما فيها، (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ) يقول: وجعلنا ابن مريم وأمه حجة لنا على من كان بينهم، وعلى قدرتنا على إنشاء الأجسام من غير أصل، كما أنشأنا خلق عيسى من غير أب.
كما حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرازق، قال: أخبرنا مَعْمر، عن قَتادة، في قوله: (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ) قال: ولدته من غير أب هو له، ولذلك وحدت الآية، وقد ذكر مريم وابنها.
وقوله (وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ) يقول: وضممناهما وصيرناهما إلى ربوة، يقال: أوى فلان إلى موضع كذا، فهو يأوي إليه، إذا صار إليه; وعلى مثال أفعلته فهو يُؤْويه. وقوله (إِلَى رَبْوَةٍ) يعني: إلى مكان مرتفع من الأرض على ما حوله، ولذلك قيل للرجل، يكون في رفعة من قومه، وعزّ وشرف وعدد: هو في ربوة من قومه، وفيها لغتان: ضمّ الراء وكسرها إذا أريد بها الاسم، وإذا أريد بها الفعلة من المصدر قيل:
رَبَا رَبْوة.
واختلف أهل التأويل في المكان الذي وصفه الله بهذه الصفة، وآوَى إليه مريم وابنها، فقال بعضهم: هو الرَّمْلة من فلسطين.
*ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن المثنى، قال: ثنا صفوان بن عيسى، قال: ثنا بشر بن رافع، قال: ثني ابن عمّ لأبي هريرة، يقال له: أبو عبد الله، قال: قال لنا أبو هريرة: الزموا هذه الرملة من فلسطين، فإنها الربوة التي قال الله: (وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ) .
حدثني عصام بن رَوّاد بن الجراح، قال: ثنا أبي، قال: ثنا عباد أبو عتبة الخوّاص، قال: ثنا يحيى بن أبي عمرو الشيباني، عن ابن وَعْلة، عن كريب قال: ما أدري ما حدثنا مُرَّة البَهزيّ، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر أن الربوة: هي الرملة.
حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن بشر بن رافع، عن أبي عبد الله ابن عمّ أبي هريرة، قال: سمعت أبا هريرة يقول في قول الله: (إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ) قال: هي الرملة من فلسطين.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا صفوان، قال: ثنا بشر بن رافع، قال: ثني أبو عبد الله ابن عمّ أبي هريرة، قال: قال لنا أبو هريرة: الزموا هذه الرملة التي بفلسطين، فإنها الربوة التي قال الله: (وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ) .
وقال آخرون: هي دمشق.
*ذكر من قال ذلك:
حدثنا أحمد بن الوليد القرشي، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب أنه قال في هذه الآية: (وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ) قال: زعموا أنها دمشق.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، قال: بلغني، عن ابن المسيب أنه قال: دمشق.
حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، مثله.
حدثني يحيى بن عثمان بن صالح السهمي، قال: ثنا ابن بكير، قال: ثنا الليث بن سعد، قال: ثني عبد الله بن لهيعة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب في قوله: (وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ) قال: إلى ربوة من رُبا مصر قال: وليس الرُّبَا إلا في مصر، والماء حين يُرسَل تكون الربا عليها القرى، لولا الربَا لغرقت تلك القرى.
وقال آخرون: هي بيت المقدس.
*ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: هو بيت المقدس.
قال ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة قال: كان كعب يقول: بيت المقدس أقرب إلى السماء بثمانية عشر ميلا.
حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن كعب، مثله.
وأولى هذه الأقوال بتأويل ذلك: أنها مكان مرتفع ذو استواء، وماء ظاهر، وليس كذلك صفة الرملة؛ لأن الرملة لا ماء بها مَعِين، والله تعالى ذِكْره وصف هذه الربوة بأنها ذات قرار ومَعِين.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ) قال: الربوة: المستوية.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: (إِلَى رَبْوَةٍ) قال: مستوية.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.
وقوله: (ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ) يقول تعالى ذكره: من صفة الربوة التي آوينا إليها مريم وابنها عيسى، أنها أرض منبسطة وساحة، وذات ماء ظاهر، لغير الباطن، جار.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن
أبيه، عن ابن عباس: (وَمَعِينٍ) قال: المعين: الماء الجاري، وهو النهر الذي قال الله: (قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) .
حدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد، في قوله: (ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ) قال: المعين: الماء.
حدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: معين، قال: ماء.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.
حدثني سليمان بن عبد الجبار، قال: ثنا محمد بن الصَّلْت، قال: ثنا شريك، عن سالم، عن سعيد، في قوله: (ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ) قال: المكان المستوي، والمَعِين: الماء الظاهر.
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (وَمَعِينٍ) : هو الماء الظاهر.
وقال آخرون: عنى بالقرار الثمار.
*ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة: (ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ) هي ذات ثمار، وهي بيت المقدس.
حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله.
قال أبو جعفر: وهذا القول الذي قاله قتادة في معنى: (ذَاتِ قَرَارٍ) وإن لم يكن أراد بقوله: إنها إنما وصفت بأنها ذات قرار لما فيها من الثمار، ومن أجل ذلك، يستقرّ فيها ساكنوها، فلا وجه له نعرفه. وأما (مَعِينٍ) فإنه مفعول من عِنْته فأنا أعينه، وهو مُعين، وقد يجوز أن يكون فعيلا من مَعَن يمعن فهو معين من الماعون، ومنه قول عَبيد بن الأبرص:
وَاهيَةٌ أوْ مَعِينٌ مُمْعِنٌ ... أوْ هَضْبَةٌ دُونَها لُهُوبُ (1)
(1) البيت لعبيد بن الأبرص من قصيدته البائية المطولة (اللسان: معن) واستشهد به المؤلف، عند قوله تعالى: {وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين} . وقال في اللسان: قال الفراء: ذات قرار: أرض منبسطة. ومعين الماء: الظاهر الجاري. قال: ولك أن تجعل المعين مفعولا من العيون، (واختاره المؤلف) ، ولك أن تجعله فعيلا من الماعون، يكون أصله المعن. والمعين: الماء السائل، وقيل الجاري على وجه الأرض، وقيل العذب الغزير، وكل ذلك من السهولة. والمعن: الماء الظاهر. واللهوب: جمع لهب (بكسر اللام) الفرجة والهواء بين الجبلين. وفي المحكم: مهراة ما بين كل جبلين. وقيل: هو الصدع في الجبل، عن اللحياني. وقيل: هو الشعب الصغير في الجبل. وقيل: وجه من الجبل كالحائط لا يستطاع ارتقاؤه. اهـ.
القول في تأويل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (51) }
يقول تعالى ذكره: وقلنا لعيسى: يا أيها الرسل كلوا من الحلال الذي طيبه الله لكم دون الحرام، (وَاعْمَلُوا صَالِحًا) تقول في الكلام للرجل الواحد: أيها القوم كفوا عنَّا أذاكم، وكما قال: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ) ، وهو رجل واحد.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك:
حدثني ابن عبد الأعلى بن واصل، قال: ثني عبيد بن إسحاق الضبيّ العطار، عن حفص بن عمر الفزاريّ، عن أبي إسحاق السبيعيّ، عن عمرو بن شرحبيل: (يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا) قال: كان عيسى ابن مريم يأكل من غزل أمه.
وقوله: (إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) يقول: إني بأعمالكم ذو علم، لا يخفى عليّ منها شيء، وأنا مجازيكم بجميعها، وموفِّيكم أجوركم وثوابكم عليها، فخذوا في صالحات الأعمال واجتهدوا.
القول في تأويل قوله تعالى: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52) }
اختلفت القرّاء في قراءة قوله: (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) ، فقرأ ذلك عامة قرّاء أهل المدينة والبصرة (وأنَّ) بالفتح، بمعنى: إني بما تعملون عليم، وأن هذه أمتكم أمة واحدة، فعلى هذا التأويل (أن) في موضع خفض، عطف بها على (ما) من قوله: (بِمَا تَعْمَلُونَ) ، وقد يحتمل أن تكون في موضع نصب إذا قرئ ذلك كذلك. ويكون
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|