عرض مشاركة واحدة
  #9  
قديم 22-07-2025, 11:00 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,462
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن للإمام الطبري .....متجدد

تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن
الإمام محمد بن جرير الطبري
الجزء الثامن عشر
تَفْسِيرِ سُّورَةِ الحج
الحلقة (1049)
صــ 681 إلى صــ 690






وقوله: (اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) يقول تعالى ذكره: والله يقضي بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه من أمر دينكم تختلفون، فتعلمون حينئذ أيها المشركون المحقّ من المبطل.
القول في تأويل قوله تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (70) }
يقول تعالى ذكره: ألم تعلم يا محمد أن الله يعلم كلّ ما في السموات السبع والأرضين السبع، لا يخفى عليه من ذلك شيء، وهو حاكم بين خلقه يوم القيامة، على علم منه بجميع ما عملوه في الدنيا، فمجازي المحسن منهم بإحسانه والمسيء بإساءته (إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ) يقول تعالى ذكره: إن علمه بذلك في كتاب، وهو أم الكتاب الذي كتب فيه ربنا جلّ ثناؤه قبل أن يخلق خلقه ما هو كائن إلى يوم القيامة (إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) .
كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا ميسر بن إسماعيل الحلبي، عن الأوزاعي، عن عبدة بن أبي لبابة، قال: علم الله ما هو خالق وما الخلق عاملون، ثم كتبه، ثم قال لنبيه: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) .
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني ميسر، عن أرطأة بن المنذر، قال: سمعت ضمرة بن حبيب يقول: إن الله كان على عرشه على الماء، وخلق السموات والأرض بالحقّ، وخلق القلم فكتب به ما هو كائن من خلقه، ثم إن ذلك الكتاب سبح الله ومجده ألف عام، قبل أن يبدأ شيئا من الخلق.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن سيار، عن ابن عباس، أنه سأل كعب الأحبار عن أمّ الكتاب، فقال: علم الله ما هو خالق وما خلقه عاملون، فقال لعلمه: كن كتابا.
وكان ابن جُرَيج يقول في قوله: (إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ) قال: قوله: (اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) .
وإنما اخترنا القول الذي قلنا في ذلك، لأن قوله: (إنَّ ذلك) إلى قوله: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ) أقرب منه إلى قوله: (اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) فكان إلحاق ذلك بما هو أقرب إليه أولى منه بما بعد.
وقوله: (إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) اختلف في ذلك، فقال بعضهم: معناه: إن الحكم بين المختلفين في الدنيا يوم القيامة على الله يسير.
*ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: (إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) قال: حكمه يوم القيامة، ثم قال بين ذلك: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ) .
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أن كتاب القلم الذي أمره الله أن يكتب في اللوح المحفوظ ما هو كائن على الله يسير يعني هين. وهذا القول الثاني أولى بتأويل ذلك، وذلك أن قوله: (إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) ... إلى قوله: (إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ) أقرب وهو له مجاور، ومن قوله: (اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) متباعد مع دخول قوله: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ) بينهما، فإلحاقه بما هو أقرب أولى ما وجد للكلام، وهو كذلك مخرج في التأويل صحيح.
القول في تأويل قوله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنزلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (71) }
يقول تعالى ذكره: ويعبد هؤلاء المشركون بالله من دونه ما لم ينزل به جلّ ثناؤه لهم حجة من السماء في كتاب من كتبه التي أنزلها إلى رسله، بأنها آلهة تصلح عبادتها، فيعبدوها بأن الله أذن لهم في عبادتها، وما ليس لهم به علم أنها آلهة
(وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) يقول: وما للكافرين بالله الذين يعبدون هذه الأوثان من ناصر ينصرهم يوم القيامة، فينقذهم من عذاب الله ويدفع عنهم عقابه إذا أراد عقابهم.
القول في تأويل قوله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (72) }
يقول تعالى ذكره: وإذا تُتلى على مشركي قريش العابدين من دون الله ما لم ينزل به سلطانا (آياتُنا) يعني: آيات القرآن (بَيِّناتٍ) يقول: واضحات حججها وأدلتها فيما أنزلت فيه (تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ) يقول: تتبين في وجوههم ما ينكره أهل الإيمان بالله من تغيرها، لسماعهم بالقرآن.
وقوله: (يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا) يقول: يكادون يبطشون بالذين يتلون عليهم آيات كتاب الله من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، لشدّة تكرّههم أن يسمعوا القرآن ويتلى عليهم.
وبنحو ما قلنا في تأويل قوله (يَسْطُونَ) قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: (يَكَادُونَ يَسْطُونَ) يقول: يبطشون.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (يَكَادُونَ يَسْطُونَ) يقول: يقعون بمن ذكرهم.
حدثنا محمد بن عمارة، قال: ثنا عبد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد: (يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا)
قال: يكادون يقعون بهم.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: (يَكَادُونَ يَسْطُونَ) قال: يبطشون كفار قريش.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا) يقول: يكادون يأخذونهم بأيديهم أخذا. وقوله: (قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ) يقول: أفأنبئكم أيها المشركون بأكره إليكم من هؤلاء الذين تتكرّهون قراءتهم القرآن عليكم، هي (النَّارُ) وعدها الله الذين كفروا. وقد ذُكر عن بعضهم أنه كان يقول: إن المشركين قالوا: والله إن محمدا وأصحابه لشرّ خلق الله! فقال الله لهم: قل أفأنبئكم أيها القائلون هذا القول بشر من محمد صلى الله عليه وسلم، أنتم أيها المشركون الذين وعدهم الله النار. ورفعت النار على الابتداء، ولأنها معرفة لا تصلح أن ينعت بها الشر وهو نكرة، كما يقال: مررت برجلين: أخوك وأبوك، ولو كانت مخفوضة كان جائزا; وكذلك لو كان نصبا للعائد من ذكرها في وعدها وأنت تنوي بها الاتصال بما قبلها، يقول تعالى ذكره: فهؤلاء هم أشرار الخلق لا محمد وأصحابه.
وقوله: (وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) يقول: وبئس المكان الذي يصير إليه هؤلاء المشركون بالله يوم القيامة.
القول في تأويل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ
الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (73) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (74)
يقول تعالى ذكره: يا أيها الناس جعل لله مثل وذكر. ومعنى ضرب في هذا الموضع: جعل من قولهم: ضرب السلطان على الناس البعث، بمعنى: جعل عليهم. وضرب الجزية على النصارى، بمعنى جعل ذلك عليهم; والمَثَل: الشَّبَه، يقول جلّ ثناؤه: جعل لي شبه أيها الناس، يعني بالشَّبَه والمَثَل: الآلهة، يقول: جعل لي المشركون والأصنام شبها، فعبدوها معي، وأشركوها في عبادتي. فاستمعوا له: يقول: فاستمعوا حال ما مثلوه وجعلوه لي في عبادتهم إياه شبها وصفته (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا) يقول: إن جميع ما تعبدون من دون الله من الآلهة والأصنام لو جمعت لم يخلقوا ذبابا في صغره وقلته، لأنها لا تقدر على ذلك ولا تطيقه، ولو اجتمع لخلقه جميعها. والذباب واحد، وجمعه في القلة أذبة وفي الكثير ذِبَّان غُراب، يجمع في القلة أَغْربة، وفي الكثرة غِرْبان.
وقوله: (وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا) يقول: وإن يسلب الآلهة والأوثان الذبابُ شيئا مما عليها من طيب وما أشبهه من شيء لا يستنقذوه منه: يقول: لا تقدر الآلهة أن تستنقذ ذلك منه.
واختلف في معنى قوله: (ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) فقال بعضهم: عني بالطالب: الآلهة، وبالمطلوب: الذباب.
*ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حجاج، عن ابن جُرَيج، قال ابن عباس، في قوله: (ضَعُفَ الطَّالِبُ) قال: آلهتهم (والمَطْلُوبُ) : الذباب.
وكان بعضهم يقول: معنى ذلك: (ضَعُفَ الطَّالِبُ) من بني آدم إلى الصنم حاجته، (والمَطْلُوبُ) إليه الصنم أن يعطي سائله من بني آدم ما سأله، يقول: ضعف عن ذلك وعجز.
والصواب من القول في ذلك عندنا ما ذكرته عن ابن عباس من أن معناه:
وعجز الطالب وهو الآلهة أن تستنقذ من الذباب ما سلبها إياه، وهو الطيب وما أشبهه; والمطلوب: الذباب.
وإنما قلت هذا القول أولى بتأويل ذلك، لأن ذلك في سياق الخبر عن الآلهة والذباب، فأن يكون ذلك خبرا عما هو به متصل أشبه من أن يكون خبرا، عما هو عنه منقطع، وإنما أخبر جلّ ثناؤه عن الآلهة بما أخبر به عنها في هذه الآية من ضعفها ومهانتها، تقريعا منه بذلك عَبَدتها من مشركي قريش، يقول تعالى ذكره: كيف يجعل مثل في العبادة ويشرك فيها معي ما لا قدرة له على خلق ذباب، وإن أخذ له الذباب فسلبه شيئا عليه لم يقدر أن يمتنع منه ولا ينتصر، وأنا الخالق ما في السماوات والأرض ومالكٌ جميع ذلك والمحيي من أردت، والمميت ما أردت ومن أردت، إن فاعل ذلك لا شك أنه في غاية الجهل.
وقوله (مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) يقول: ما عظم هؤلاء الذين جعلوا الآلهة لله شريكا في العبادة حق عظمته حين أشركوا به غيره، فلم يخلصوا له العبادة ولا عرفوه حق معرفته من قولهم: ما عرفت لفلان قدره إذا خاطبوا بذلك من قَصَّر بحقه، وهم يريدون تعظيمه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله (وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا) ... إلى آخر الآية، قال: هذا مثل ضربه الله لآلهتهم، وقرأ (ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) حين يعبدون مع الله ما لا ينتصف من الذباب ولا يمتنع منه.
وقوله (إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ) يقول: إن الله لقويّ على خلق ما يشاء من صغير ما يشاء من خلقه وكبيره عزيز: يقول: منيع في مُلكه لا يقدر شيء دونه أن يسلبه من مُلكه شيئا، وليس كآلهتكم أيها المشركون الذين تدعون من دونه الذين لا يقدرون على خلق ذباب، ولا على الامتناع من الذباب، إذا استلبها شيئا ضعفا ومهانة.
القول في تأويل قوله تعالى: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (75) }
يقول تعالى ذكره: الله يختار من الملائكة رسلا كجبرئيل وميكائيل اللذين كانا يرسلهما إلى أنبيائه، ومن شاء من عباده ومن الناس، كأنبيائه الذين أرسلهم إلى عباده من بني آدم. ومعنى الكلام: الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس أيضا رسلا وقد قيل: إنما أنزلت هذه الآية لما قال المشركون: أنزل عليه الذكر من بيننا، فقال الله لهم: ذلك إلي وبيدي دون خلقي، أختار من شئت منهم للرسالة.
وقوله (إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) يقول: إن الله سميع لما يقول المشركون في محمد صلى الله عليه وسلم، وما جاء به من عند ربه، بصير بمن يختاره لرسالته من خلقه.
القول في تأويل قوله تعالى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ (76) }
يقول تعالى ذكره: الله يعلم ما كان بين أيدي ملائكته ورسله، من قبل أن يخلقهم وما خلفهم، يقول: ويعلم ما هو كائن بعد فنائهم (وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ)
يقول: إلى الله في الآخرة تصير إليه أمور الدنيا، وإليه تعود كما كان منه البدء.
القول في تأويل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77) }
يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله (ارْكَعُوا) لله في
صلاتكم (واسْجُدُوا) له فيها (وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ) يقول: وذلوا لربكم، واخضعوا له بالطاعة، الذي أمركم ربكم بفعله (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) يقول: لتفلحوا بذلك، فتدركوا به طَلباتكم عند ربكم.
القول في تأويل قوله تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ}
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ) فقال بعضهم: معناه. وجاهدوا المشركين في سبيل الله حق جهاده.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني سليمان بن بلال، عن ثور بن زيد، عن عبد الله بن عباس، في قوله (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ) كما جاهدتم أوّل مرّة، فقال عمر من أمر بالجهاد، قال: قبيلتان من قريش مخزوم وعبد شمس، فقال عمر، صدقت.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تخافوا في الله لومة لائم، قالوا: وذلك هو حقّ الجهاد.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال ابن عباس، في قوله (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ) لا تخافوا في الله لومة لائم.
وقال آخرون: معنى ذلك: اعملوا بالحقّ، حقّ عمله، وهذا قول ذكره عن الضحاك بعض من في روايته نظر.
والصواب من القول في ذلك، قول من قال: عُني به الجهاد في سبيل الله، لأن المعروف من الجهاد ذلك، وهو الأغلب على قول القائل: جاهدت
في الله، وحقّ الجهاد: هو استفراغ الطاقة فيه. قوله (هُوَ اجْتَباكُمْ) يقول: هو اختاركم لدينه، واصطفاكم لحرب أعدائه والجهاد في سبيله.
وقال ابن زيد في ذلك، ما حدثني به يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله (هُوَ اجْتَباكُمْ) قال: هو هداكم.
وقوله (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) يقول تعالى ذكره: وما جعل عليكم ربكم في الدين الذي تعبَّدكم به من ضيق، لا مخرج لكم مما ابتليتم به فيه، بل وسَّع عليكم، فجعل التوبة من بعض مخرجا، والكفَّارة من بعض، والقصاص من بعض، فلا ذنب يذنب المؤمن إلا وله منه في دين الإسلام مخرج.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن زيد، عن ابن شهاب، قال: سأل عبد الملك بن مروان عليّ بن عبد الله بن عباس عن هذه الآية (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) فقال عليّ بن عبد الله: الحرج: الضيق، فجعل الله الكفارات مخرجا من ذلك، سمعت ابن عباس يقول ذلك.
قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني سفيان بن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد، قال: سمعت ابن عباس يسأل عن (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) قال: ما هاهنا من هذيل أحد فقال رجل: نعم قال: ما تعدّون الحرجة فيكم؟ قال: الشيء الضيق، قال ابن عباس، فهو كذلك.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد، قال: سمعت ابن عباس، وذكر نحوه، إلا أنه قال: فقال ابن عباس: أهاهنا أحد من هذيل فقال رجل: أنا، فقال أيضا: ما تعدّون الحرج، وسائر الحديث مثله.
حدثني عمران بن بكار الكلاعي، قال: ثنا يحيى بن صالح، قال: ثنا يحيى بن حمزة، عن الحكم بن عبد الله، قال: سمعت القاسم بن محمد يحدّث، عن عائشة، قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية (وَمَا
جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) قال هُوَ الضيق.
حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا أبو خلدة، قال: قال لي أبو العالية: أتدري ما الحرج؟ قلت: لا أدري، قال: الضيق، وقرأ هذه الآية (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) .
حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا حماد بن سعدة، عن عوف، عن الحسن، في قوله (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) قال: من ضيق.
حدثنا عمرو بن بندق، قال: ثنا مروان بن معاوية، عن أبي خلدة، قال: قال لي أبو العالية: هل تدري ما الحرج؟ قلت: لا قال: الضيق، إن الله لم يضيق عليكم، لم يجعل عليكم في الدين من حرج.
حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن ابن عون، عن القاسم أنه تلا هذه الآية (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) قال: تدرون ما الحرج؟ قال: الضيق.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال: إذا تعاجم شيء من القرآن فانظروا في الشعر، فإن الشعر عربيّ، ثم دعا ابن عباس أعرابيا، فقال: ما الحَرَج؟ قال: الضيق. قال: صدقت.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة (فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) قال: من ضيق.
حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، مثله.
وقال آخرون: معنى ذلك (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) من ضيق في أوقات فروضكم إذا التبست عليكم، ولكنه قد وسع عليكم حتى تَيَقَّنوا محلها.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن عثمان بن بشار، عن ابن عباس، في قوله (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) قال: هذا في هلال شهر رمضان إذا شكّ فيه الناس، وفي الحجّ إذا
شكوا في الهلال، وفي الفطر والأضحى إذا التبس عليهم وأشباهه.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ما جعل في الإسلام من ضيق، بل وسعه.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) يقول: ما جعل عليكم في الإسلام من ضيق، هو واسع، وهو مثل قوله في الأنعام (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا) يقول: من أراد أن يضله يضيق عليه صدره حتى يجعل عليه الإسلام ضيقا، والإسلام واسع.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 42.50 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 41.87 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.48%)]