
22-07-2025, 10:57 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,505
الدولة :
|
|
رد: تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن للإمام الطبري .....متجدد
 تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن
الإمام محمد بن جرير الطبري
الجزء الثامن عشر
تَفْسِيرِ سُّورَةِ الحج
الحلقة (1048)
صــ 671 إلى صــ 680
من قوله: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن ترتجى.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: (وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ) قال: مما جاء به إبليس لا يخرج من قلوبهم زادهم ضلالة.
وقال آخرون: بل هي من ذكر سجود النبيّ صلى الله عليه وسلم في النجم.
*ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الصمد، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير: (وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ) قال: في مرية من سجودك.
وقال آخرون: بل هي من ذكر القرآن.
*ذكر من قال ذلك:- حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: (وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ) قال: من القرآن.
وأولى هذه الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: هي كناية من ذكر القرآن الذي أحكم الله آياته وذلك أن ذلك من ذكر قوله: (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ) أقرب منه من ذكر قوله: (فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ) والهاء من قوله "أنه" من ذكر القرآن، فإلحاق الهاء في قوله: (ففِي مِرْيَةٍ مِنْهُ) بالهاء من قوله: (أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ) أولى من إلحاقها بما التي في قوله (مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ) مع بُعد ما بينهما.
وقوله: (حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ) يقول: لا يزال هؤلاء الكفار في شك من أمر هذا القرآن إلى أن تأتيهم الساعة (بَغْتَةً) وهي ساعة حشر الناس لموقف الحساب بغتة، يقول: فجأة.
واختلف أهل التأويل في هذا اليوم أيّ يوم هو؟ فقال بعضهم: هو يوم القيامة.
*ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: ثنا شيخ من أهل خراسان من الأزد يكنى أبا ساسان، قال: سألت الضحاك، عن قوله: (عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ) قال: عذاب يوم لا ليلة بعده.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو تميلة، عن أبي حمزة، عن جابر، عن عكرمة. أن يوم القيامة لا ليلة له.
وقال آخرون: بل عني به يوم بدر. وقالوا: إنما قيل له يوم عقيم، أنهم لم ينظروا إلى الليل، فكان لهم عقيما.
*ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن ليث، عن مجاهد، قال: (عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ) يوم بدر.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: (أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ) قال ابن جريج: يوم ليس فيه ليلة، لم يناظروا إلى الليل. قال مجاهد: عذاب يوم عظيم.
قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو تُمَيلة، عن أبي حمزة، عن جابر، قال: قال مجاهد: يوم بدر.
حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو إدريس، قال: أخبرنا الأعمش، عن رجل، عن سعيد بن جُبير، في قوله: (عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ) قال: يوم بدر.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة، قوله: (عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ) قال: هو يوم بدر. ذكره عن أبي بن كعب.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: (عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ) قال: هو يوم بدر. عن أبيّ بن كعب.
وهذا القول الثاني أولى بتأويل الآية، لأنه لا وجه لأن يقال: لا يزالون في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة، أو تأتيهم الساعة; وذلك أن الساعة هي يوم القيامة، فإن كان اليوم العقيم أيضا هو يوم القيامة فإنما معناه ما قلنا من تكرير ذكر الساعة مرّتين باختلاف الألفاظ، وذلك ما لا معنى له. فإذ كان ذلك كذلك، فأولى التأويلين به أصحهما معنى وأشبههما بالمعروف في الخطاب، وهو ما ذكرنا. في معناه.
فتأويل الكلام إذن: ولا يزال الذين كفروا في مرية منه، حتى تأتيهم الساعة بغتة فيصيروا إلى العذاب العقيم، أو يأتيهم عذاب يوم عقيم له، فلا
ينظرون فيه إلى الليل ولا يؤخروا فيه إلى المساء، لكنهم يقتلون قبل المساء.
القول في تأويل قوله تعالى: {الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (56) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (57) }
يقول تعالى ذكره: السلطان والمُلك إذا جاءت الساعة لله وحده لا شريك له ولا ينازعه يومئذ منازع، وقد كان في الدنيا ملوك يُدعون بهذا الاسم ولا أحد يومئذ يدعي ملكا سواه (يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ) يقول: يفصل بين خلقه المشركين به والمؤمنين؛ فالذين آمنوا بهذا القرآن، وبمن أنزله، ومن جاء به، وعملوا بما فيه من حلاله وحرامه وحدوده وفرائضه في جنات النعيم يومئذ، والذين كفروا بالله ورسوله، وكذبوا بآيات كتابه وتنزيله، وقالوا: ليس ذلك من عند الله، إنما هو إفك افتراه محمد وأعانه عليه قوم آخرون، (فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ) يقول: فالذين هذه صفتهم لهم عند الله يوم القيامة عذاب مهين، يعني عذاب مذلّ في جهنم.
القول في تأويل قوله تعالى: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (58) }
يقول تعالى ذكره: والذين فارقوا أوطانهم وعشائرهم فتركوا ذلك في رضا الله وطاعته وجهاد أعدائه ثم قتلوا أو ماتوا وهم كذلك، ليرزقنهم الله يوم القيامة في جناته رزقا حسنا. يعني بالحسن: الكريم وإنما يعني بالرزق الحسن: الثواب الجزيل (وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) يقول: وإن الله لهو خير من بسط فضله على أهل طاعته وأكرمهم. وذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في حكم من مات في سبيل الله، فقال
بعضهم: سواء المقتول منهم والميت.
وقال آخرون: المقتول أفضل. فأنزل الله هذه الآية على نبيه صلى الله عليه وسلم، يعلمهم استواء أمر الميت في سبيله والمقتول فيها في الثواب عنده.
وقد: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عبد الرحمن بن شريح، عن سلامان بن عامر قال: كان فضالة برودس أميرا على الأرباع، فخرج بجنازتي رجلين، أحدهما قتيل والآخر متوفى; فرأى ميل الناس مع جنازة القتيل إلى حفرته، فقال: أراكم أيها الناس تميلون مع القتيل وتفضلونه على أخيه المتوفى؟ فقالوا: هذا القتيل في سبيل الله. فقال فوالذي نفسي بيده ما أبالي من أي حفرتيهما بُعثت! اقرءوا قول الله تعالى: (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا) ... إلى قوله: (وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ) .
القول في تأويل قوله تعالى: {لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (59) }
يقول تعالى ذكره: ليدخلنّ الله المقتول في سبيله من المهاجرين والميت منهم (مُدْخَلا يَرْضَوْنَهُ) وذلك المُدخل هو الجنة (وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ) بمن يهاجر في سبيله ممن يخرج من داره طلب الغنيمة أو عرض من عروض الدنيا.
(حَلِيمٌ) عن عصاة خلقه، بتركه معاجلتهم بالعقوبة والعذاب.
القول في تأويل قوله تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (60) }
يعني تعالى ذكره بقوله: (ذلكَ) لهذا لهؤلاء الذين هاجروا في سبيل الله، ثم قُتلوا أو ماتوا، ولهم مع ذلك أيضا أن الله يعدهم النصر على المشركين الذين بغوا عليهم فأخرجوهم من ديارهم.
كما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج: (ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ) قال: هم المشركون بغَوْا على النبي صلى
الله عليه وسلم، فوعده الله أن ينصره، وقال في القصاص أيضا. وكان بعضهم يزعم أن هذه الآية نزلت في قوم من المشركين لقوا قوما من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرّم، وكان المسلمون يكرهون القتال يومئذ في الأشهر الحرم، فسأل المسلمون المشركين أن يكفوا عن قتالهم من أجل حرمة الشهر، فأبى المشركون ذلك، وقاتلوهم فبغَوْا عليهم، وثبت المسلمون لهم فنُصروا عليهم، فأنزل الله هذه الآية: (ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ) بأن بدئ بالقتال وهو له كاره، (لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ) .
وقوله: (إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ) يقول تعالى ذكره: إن الله لذو عفو وصفح لمن انتصر ممن ظلمه من بعد ما ظلمه الظالم بحقّ، غفور لما فعل ببادئه بالظلم مثل الذي فعل به غير معاقبه عليه.
القول في تأويل قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (61) }
يعني تعالى ذكره بقوله: (ذلكَ) هذا النصر الذي أنصره على من بغى عليه على الباغي، لأني القادر على ما أشاء. فمن قُدرته أن الله يولج الليل في النهار يقول: يدخل ما ينقص من ساعات الليل في ساعات النهار، فما نقص من هذا زاد في هذا. (وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ) ويدخل ما انتقص من ساعات النهار في ساعات الليل، فما نقص من طول هذا زاد في طول هذا، وبالقُدرة التي تفعل ذلك ينصر محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه على الذين بغوا عليهم فأخرجوهم من ديارهم وأموالهم (وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) يقول: وفعل ذلك أيضا بأنه ذو سمع لما يقولون من قول; لا يخفى عليه منه شيء، بصير بما يعملون، لا يغيب عنه منه شيء، كل ذلك معه بمرأى ومسمع، وهو الحافظ لكل ذلك، حتى يجازى جميعهم على ما قالوا وعملوا من قول وعمل جزاءه.
القول في تأويل قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (62) }
يعني تعالى ذكره بقوله (ذلكَ) هذا الفعل الذي فعلت من إيلاجي الليل في النهار، وإيلاجي النهار في الليل، لأني أنا الحقّ الذي لا مثل لي ولا شريك ولا ندّ، وأن الذي يدعوه هؤلاء المشركون إلها من دونه هو الباطل الذي لا يقدر على صنعة شيء، بل هو المصنوع، يقول لهم تعالى ذكره: أفتتركون أيها الجهال عبادة من منه النفع وبيده الضر وهو القادر على كل شيء وكلّ شيء دونه، وتعبدون الباطل الذي لا تنفعكم عبادته. وقوله: (وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) يعني بقوله: (العَلِي) ذو العلو على كل شيء، هو فوق كل شيء وكل شيء دونه. (الكَبِيرُ) يعني العظيم، الذي كل شيء دونه ولا شيء أعظم منه.
وكان ابن جُرَيج يقول في قوله: (وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ) ما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جُرَيج، في قوله: (وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ) قال: الشيطان.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله: (وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ) فقرأته عامة قرّاء العراق والحجاز: "تَدْعُون" بالتاء على وجه الخطاب; وقرأته عامة قرّاء العراق غير عاصم بالياء على وجه الخبر، والياء أعجب القراءتين إليّ، لأن ابتداء الخبر على وجه الخطاب.
القول في تأويل قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (63) }
يقول تعالى ذكره: (أَلَمْ تَرَ) يا محمد (أَنَّ اللَّهَ أَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً) يعني مطرا (فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً) بما ينبت فيها من النبات (إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ) باستخراج النبات من الأرض بذلك الماء وغير ذلك من ابتداع ما شاء أن يبتدعه (خَبِيرٌ) بما يحدث عن ذلك النبت من الحبّ، وبه قال: (فَتُصْبِحُ الأرْضُ) فرفع، وقد تقدمه قوله: (أَلَمْ تَرَ) وإنما قيل ذلك كذلك لأن معنى الكلام الخبر، كأنه قيل: اعلم يا محمد أن الله ينزل من السماء ماء فتصبح الأرض;
ونظير ذلك قول الشاعر:
أَلَمْ تَسْأَلِ الرّبْعَ القَدِيمَ فيَنْطِقُ ... وهلْ تُخْبِرَنْكَ اليوْمَ بَيْداءُ سَمْلَقُ (1)
لأن معناه: قد سألته فنطق.
القول في تأويل قوله تعالى: {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (64) }
يقول تعالى ذكره: له مُلك ما في السموات وما في الأرض من شيء هم عبيده ومماليكه وخلقه، لا شريك له في ذلك، ولا في شيء منه، وإن الله هو الغنيّ عن كل ما في السموات وما في الأرض من خلقه وهم المحتاجون إليه، الحميد عند عباده في إفضاله عليهم وأياديه عندهم.
(1) البيت مطلع قصيدة لجميل بن معمر العذري (خزانة الأدب الكبرى للبغدادي 3: 602) وهو شاهد عند النحاة، على أن ما بعد الفاء قد يبقى على رفعه قليلا، وهو مستأنف. قال: وأنشد سيبويه هذا البيت وقال: لم يجعل الأول سبب الآخر، ولكنه جعله ينطلق على كل حال، كأنه قال: وهو مما ينطق. وقال أبو جعفر النحاس: عن أبي إسحاق، قال: إنه تقرير، معناه إنك سألته، فيقبح النصب. قلت: أي لأن الاستفهام قبله ليس محضا، وإنما هو للتقرير، فيشبه الخبر، وهو نحو ما قال المؤلف: معناه: قد سألته فنطق. ورواية البيت في الخزانة: "القواء" في موضع القديم، وهو الذي خلا ممن يسكنه. ورفع الفعل ينطق نظير الفعل تصبح في قوله تعالى: (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة) .
القول في تأويل قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأرْضِ إِلا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (65) }
يقول تعالى ذكره: ألم تر أن الله سخر لكم أيها الناس ما في الأرض من الدّوابّ والبهائم، فذلك كله لكم تصرفونه فيما أردتم من حوائجكم (وَالْفُلْكَ
تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ) يقول: وسخر لكم السفن تجري في البحر بأمره، يعني بقُدرته، وتذليله إياها لكم كذلك.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله: (وَالْفُلْكَ تَجْرِي) فقرأته عامة قرّاء الأمصار: (والفُلْكَ) نصبا، بمعنى سخر لكم ما في الأرض، والفلك عطفا على "ما" ، وعلى تكرير "أن" وأن الفلك تجري. ورُوي عن الأعرج أنه قرا ذلك رفعا على الابتداء والنصب هو القراءة عندنا في ذلك لإجماع الحجة من القرّاء عليه (وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأرْضِ) يقول: ويمسك السماء بقدرته كي لا تقع على الأرض إلا بإذنه. ومعنى قوله: (أَنْ تَقَعَ) أن لا تقع.
(إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ) بمعنى: أنه بهم لذو رأفة ورحمة، فمن رأفته بهم ورحمته لهم أمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، وسخر لكم ما وصف في هذه الآية تفضلا منه عليكم بذلك.
القول في تأويل قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الإنْسَانَ لَكَفُورٌ (66) لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِي الأمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (67) }
يقول تعالى ذكره: والله الذي أنعم عليكم هذه النعم، هو الذي جعل لكم أجساما أحياء بحياة أحدثها فيكم، ولم تكونوا شيئا، ثم هو يميتكم من بعد حياتكم فيفنيكم عند مجيء آجالكم، ثم يحييكم بعد مماتكم عند بعثكم لقيام الساعة (إِنَّ الإنْسَانَ لَكَفُورٌ) يقول: إن ابن آدم لجحود لنعم الله التي أنعم بها عليه من حُسن خلقه إياه، وتسخيره له ما سخر مما في الأرض والبرّ والبحر، وتركه إهلاكه بإمساكه السماء أن تقع على الأرض بعبادته غيره من الآلهة والأنداد، وتركه إفراده بالعبادة وإخلاص التوحيد له.
وقوله: (لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا) يقول: لكل جماعة قوم هي خلت من
قبلك، جعلنا مألفا يألفونه ومكانا يعتادونه لعبادتي فيه، وقضاء فرائضي، وعملا يلزمونه. وأصل المنسك في كلام العرب الموضع المعتاد الذي يعتاده الرجل ويألفه لخير أو شرّ; يقال: إن لفلان منسكا يعتاده: يراد مكانا يغشاه ويألفه لخير أو شر. وإنما سميت مناسك الحجّ بذلك، لتردّد الناس إلى الأماكن التي تعمل فيها أعمال الحجّ والعُمرة. وفيه لغتان: "مَنْسِك" بكسر السين وفتح الميم، وذلك من لغة أهل الحجاز، و "مَنْسَك" بفتح الميم والسين جميعا، وذلك من لغة أسد. وقد قرئ باللغتين جميعا.
وقد اختلف أهل التأويل في المعنيّ بقوله: (لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا) أيّ المناسك عنى به؟ فقال بعضهم: عنى به: عيدهم الذي يعتادونه.
*ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: (لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ) يقول: عيدا.
وقال آخرون: عنى به: ذبح يذبحونه، ودم يهريقونه.
*ذكر من قال ذلك: حدثني أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، قال: ثنا ابن جُرَيج، عن مجاهد، في قوله: (لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ) قال: إراقة الدم بمكة.
حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: (هُمْ نَاسِكُوهُ) قال: إهراق دماء الهدي.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: (مَنْسَكا) قال: ذبحا وحجا.
والصواب من القول في ذلك أن يقال: عني بذلك إراقة الدم أيام النحر بمِنى، لأن المناسك التي كان المشركون جادلوا فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت إراقة الدم في هذه الأيام، على أنهم قد كانوا جادلوه في إراقة الدماء التي هي دماء ذبائح الأنعام بما قد أخبر الله عنهم في سورة الأنعام. غير أن تلك لم تكن مناسك، فأما التي هي مناسك فإنما هي هدايا أو ضحايا. ولذلك
قلنا: عنى بالمنسك في هذا الموضع الذبح الذي هو بالصفة التي وصفنا.
وقوله: (فلا ينازعنك في الأمر) يقول تعالى ذكره: فلا ينازعنك هؤلاء المشركون بالله يا محمد في ذبحك ومنسكك بقولهم: أتقولون ما قتلتم، ولا تأكلون الميتة التي قتلها الله؟ فأنك أولى بالحقّ منهم، لأنك محقّ وهم مبطلون.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيح، عن مجاهد: (فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِي الأمْرِ) قال: الذبح.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: (فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِي الأمْرِ) فلا تتحام لحمك.
وقوله: (وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ) يقول تعالى ذكره: وادع يا محمد منازعيك من المشركين بالله في نسكك وذبحك إلى اتباع أمر ربك في ذلك بأن لا يأكلوا إلا ما ذبحوه بعد اتباعك وبعد التصديق بما جئْتهم به من عند الله، وتجنبوا الذبح للآلهة والأوثان وتبرّءوا منها، إنك لعلى طريق مستقيم غير زائل عن محجة الحقّ والصواب في نسكك الذي جعله لك ولأمتك ربك، وهم الضلال على قصد السبيل، لمخالفتهم أمر الله في ذبائحهم وعبادتهم الآلهة.
القول في تأويل قوله تعالى: {وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (68) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (69) }
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وإن جادلك يا محمد هؤلاء المشركون بالله في نسكك، فقل: الله أعلم بما تعملون ونعمل.
كما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: (وَإِنْ جَادَلُوكَ) قال: قول أهل الشرك: أما ما ذبح الله بيمينه (فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ) لنا أعمالنا ولكم أعمالكم،

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|