
22-07-2025, 10:48 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,485
الدولة :
|
|
رد: تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن للإمام الطبري .....متجدد
 تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن
الإمام محمد بن جرير الطبري
الجزء الثامن عشر
تَفْسِيرِ سُّورَةِ الحج
الحلقة (1045)
صــ 641 إلى صــ 650
القول في تأويل قوله تعالى: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (37) }
يقول تعالى ذكره: [لم يصل إلى الله لحوم بدنكم ولا دماؤها، ولكن يناله اتقاؤكم إياه أن اتقيتموه فيها فأردتم بها وجهه، وعملتم فيها بما ندبكم إليه وأمركم به في أمرها وعظمتم بها حرماته.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك:- حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، في قول الله: (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ) قال: ما أريد به وجه الله.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ) قال: إن اتقيت الله في هذه البُدن، وعملت فيها لله، وطلبت ما قال الله تعظيما لشعائر الله ولحرمات الله، فإنه قال: (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) قال (وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ) قال: وجعلته طيبا، فذلك الذي يتقبل الله. فأما اللحوم والدماء، فمن أين تنال الله؟ وقوله: (كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ) يقول: هكذا سخر لكم البُدن. يقول: (لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ) يقول: كي تعظموا الله على ما هداكم، يعني على توفيقه إياكم لدينه وللنسك في حجكم.
كما:- حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: (لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ) قال: على ذبحها في تلك الأيام (وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ) : يقول: وبشِّر يا محمد الذين أطاعوا الله فأحسنوا في طاعتهم إياه في الدنيا بالجنة في الآخرة.
القول في تأويل قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38) }
يقول تعالى ذكره: إن الله يدفع غائلة المشركين عن الذين آمنوا بالله وبرسوله، إن الله لا يحبّ كل خوّان يخون الله فيخالف أمره ونهيه ويعصيه ويطيع الشيطان (كَفُورٍ) يقول: جَحود لنعمه عنده، لا يعرف لمنعمها حقه فيشكره عليها. وقيل: إنه عنى بذلك دفع الله كفار قريش عمن كان بين أظهرهم من المؤمنين قبل هجرتهم.
القول في تأويل قوله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) }
يقول تعالى ذكره: أذن الله للمؤمنين الذين يقاتلون المشركين في سبيله بأن المشركين ظلموهم بقتالهم.
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة: (أُذِنَ) بضم الألف، (يُقاتَلُونَ) بفتح التاء بترك تسمية الفاعل في أُذِنَ ويُقاتَلُون جميعًا. وقرأ ذلك بعض الكوفيين وعامة قرّاء البصرة: (أُذِنَ) بترك تسمية الفاعل، و "يُقاتِلُونَ" بكسر التاء، بمعنى يقاتل المأذون لهم في القتال المشركين. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين وبعض المكيين: "أَذِنَ" بفتح الألف، بمعنى: أذن الله، و "يُقاتِلُونَ" بكسر التاء، بمعنى: إن الذين أذن الله لهم بالقتال يقاتلون المشركين. وهذه القراءات الثلاث متقاربات المعنى; لأن الذين قرءوا أُذِنَ على وجه ما لم يسمّ فاعله يرجع معناه في التأويل إلى معنى قراءة من قرأه على وجه ما سمي فاعله- وإن من قرأ يُقاتِلونَ، ويُقاتَلُون بالكسر أو الفتح، فقريب معنى أحدهما من معنى الآخر- وذلك أن من قاتل إنسانا فالذي قاتله له مقاتل، وكل واحد منهما مقاتل. فإذ كان ذلك كذلك فبأية هذه القراءات قرأ القارئ فمصيب الصواب.
غير أن أحبّ ذلك إليّ أن أقرأ به: أَذِنَ بفتح الألف، بمعنى: أذن الله، لقرب ذلك من قوله: (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ) أذن الله في الذين لا يحبهم للذين يقاتلونهم بقتالهم، فيردُ أذنَ على قوله: (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ)
وكذلك أحب القراءات إليّ في يُقاتِلُون كسر التاء، بمعنى: الذين يقاتلون من قد أخبر الله عنهم أنه لا يحبهم، فيكون الكلام متصلا معنى بعضه ببعض.
وقد اختُلف في الذين عُنوا بالإذن لهم بهذه الآية في القتال، فقال بعضهم: عني به: نبيّ الله وأصحابه.
*ذكر من قال ذلك:- حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) يعني محمدا وأصحابه إذا أخرجوا من مكة إلى المدينة; يقول الله: (وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) وقد فعل.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جُبير، قال: لما خرج النبيّ صلى الله عليه وسلم من مكة، قال رجل: أخرجوا نبيهم، فنزلت: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) الآية (الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق) النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
حدثنا يحيى بن داود الواسطي، قال: ثنا إسحاق بن يوسف، عن سفيان، عن الأعمش، عن مسلم، عن سعيد بن جُبير، عن ابن
عباس، قال: لما خرج النبيّ صلى الله عليه وسلم من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم، إنا لله وإنا إليه راجعون، ليهلكنّ- قال ابن عباس: فأنزل الله: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) قال أبو بكر: فعرفت أنه سيكون قتال. وهي أوّل آية نزلت. قال ابن داود: قال ابن إسحاق: كانوا يقرءون: (أُذِنَ) ونحن نقرأ: "أَذِنَ" .
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا إسحاق، عن سفيان، عن الأعمش، عن مسلم، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال: لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر نحوه، إلا أنه قال: فقال أبو بكر: قد علمت أنه يكون قتال. وإلى هذا الموضع انتهى حديثه، ولم يزد عليه.
حدثني محمد بن خلف العسقلاني، قال: ثنا محمد بن يوسف، قال: ثنا قيس بن الربيع، عن الأعمش، عن مسلم، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، قال أبو بكر: إنا لله وإنا إليه راجعون، أخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ليهلكنّ جميعا! فلما نزلت: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) إلى قوله: (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ) عرف أبو بكر أنه سيكون قتال.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في
قوله: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) قال: أذن لهم في قتالهم بعد ما عفا عنهم عشر سنين. وقرأ: (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ) وقال: هؤلاء المؤمنون.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله: (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ) . (1)
وقال آخرون: بل عني بهذه الآية قوم بأعيانهم كانوا خرجوا من دار الحرب يريدون الهجرة، فمنعوا من ذلك.
*ذكر من قال ذلك:- حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى- وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) قال: أناس مؤمنون خرجوا مهاجرين من مكة إلى المدينة، فكانوا يمنعون، فأذن الله للمؤمنين بقتال الكفار، فقاتلوهم.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، في قوله: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) قال: ناس من المؤمنين خرجوا مهاجرين من مكة إلى المدينة، وكانوا يمنعون، فأدركهم الكفار، فأذن للمؤمنين بقتال الكفار فقاتلوهم. قال ابن جُرَيج: يقول: أوّل قتال أذن الله به للمؤمنين.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة: في حرف ابن مسعود: "أُذِنَ للَّذِينَ يُقاتَلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ" قال قَتادة: وهي أوّل آية نزلت في القتال، فأذن لهم أن يقاتلوا.
حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) قال: هي أوّل آية أنزلت في القتال، فأذن لهم أن يقاتلوا. وقد كان بعضهم يزعم أن الله إنما قال: أذن للذين يقاتلون بالقتال من أجل أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانوا استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل الكفار إذا آذوهم واشتدّوا عليهم بمكة قبل الهجرة غيلة سرّا; فأنزل الله في ذلك: (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ) فَلَمَّا هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة، أطلق لهم قتلهم وقتالهم، فقال: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) . وهذا قول ذُكر عن الضحاك بن مزاحم من وجه غير ثبت.
وقوله: (وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) يقول جل ثناؤه: وإن الله على نصر المؤمنين الذين يقاتلون في سبيل الله لقادر، وقد نصرهم فأعزّهم ورفعهم وأهلك عدوّهم وأذلهم بأيديهم.
القول في تأويل قوله تعالى: {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) }
يقول تعالى ذكره: أذن للذين يقاتلون (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ) فالذين الثانية ردّ على الذين الأولى. وعنى بالمخرجين من دورهم: المؤمنين الذين أخرجهم كفار قريش من مكة. وكان إخراجهم إياهم من دورهم وتعذيبهم بعضهم على الإيمان بالله ورسوله، وسبهم بعضهم بألسنتهم ووعيدهم إياهم، حتى اضطرّوهم إلى الخروج عنهم. وكان فعلهم ذلك بهم بغير حقّ، لأنهم كانوا على باطل والمؤمنون على الحقّ، فلذلك قال جل ثناؤه: (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ
(1) لعله اختصره إن لم يكن سقط منه شيء من الناسخ، والأصل: هم والنبي وأصحابه، أو نحو ذلك.
دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ) .
وقوله: (إِلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ) يقول تعالى ذكره: لم يخرجوا من ديارهم إلا بقولهم: ربنا الله وحده لا شريك له! فأن في موضع خفض ردّا على الباء في قوله: (بِغَيْرِ حَقٍّ) ، وقد يجوز أن تكون في موضع نصب على وجه الاستثناء.
وقوله: (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ) اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: ولولا دفع الله المشركين بالمسلمين.
*ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ) دفع المشركين بالمسلمين.
وقال آخرون: معنى ذلك: ولولا القتال والجهاد في سبيل الله.
*ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ) قال لولا القتال والجهاد.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولولا دفع الله بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عمن بعدهم من التابعين.
*ذكر من قال ذلك: حدثنا إبراهيم بن سعيد، قال: ثنا يعقوب بن إبراهيم، عن سيف بن عمرو، عن أبي روق، عن ثابت بن عوسجة الحضرميّ، قال: حدثني سبعة وعشرون من أصحاب عليّ وعبد الله منهم لاحق بن الأقمر، والعيزار بن جرول، وعطية القرظي، أن عليا رضي الله عنه قال: إنما أنزلت هذه الآية في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ) لولا دفاع الله بأصحاب محمد عن التابعين (لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ) .
وقال آخرون: بل معنى ذلك: لولا أن الله يدفع بمن أوجب قبول شهادته في الحقوق تكون لبعض الناس على بعض عمن لا يجوز شهادته وغيره، فأحيا بذلك مال هذا ويوقي بسبب هذا إراقة دم هذا، وتركوا المظالم من أجله، لتظالم الناس فهدمت صوامع.
*ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ) يقول: دفع بعضهم بعضا في الشهادة، وفي الحقّ، وفيما يكون من قبل هذا. يقول: لولاهم لأهلكت هذه الصوامع وما ذكر معها.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أنه لولا دفاعه الناس بعضهم ببعض، لهُدم ما ذكر، من دفعه تعالى ذكره بعضهم ببعض، وكفِّه المشركين بالمسلمين عن ذلك; ومنه كفه ببعضهم التظالم، كالسلطان الذي كفّ به رعيته عن التظالم بينهم; ومنه كفُّه لمن أجاز شهادته بينهم ببعضهم عن الذهاب بحق من له قبله حق، ونحو ذلك. وكلّ ذلك دفع منه الناس بعضهم عن بعض، لولا ذلك لتظالموا، فهدم القاهرون صوامع المقهورين وبيَعهم وما سمّى جل ثناؤه. ولم يضع الله تعالى دلالة في عقل على أنه عنى من ذلك بعضا دون بعض، ولا جاء بأن ذلك كذلك خبر يجب التسليم له، فذلك على الظاهر والعموم على ما قد بيَّنته قبل لعموم ظاهر ذلك جميع ما ذكرنا.
وقوله: (لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ) اختلف أهل التأويل في المعنيّ بالصوامع، فقال بعضهم: عني بها صوامع الرهبان.
*ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن رفيع في هذه الآية: (لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ) قال: صوامع الرهبان.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: (لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ) قال: صوامع الرهبان.
- حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد: (لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ) قال: صوامع الرهبان.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: (لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ) قال: صوامع الرهبان.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول: في قوله: (لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ) وهي صوامع الصغار يبنونها (1) وقال آخرون: بل هي صوامع الصابئين.
*ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: (صَوَامِعُ) قال: هي للصابئين.
حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، مثله.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله: (لَهُدّمَتْ) . فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة: "لَهُدِمَتْ" . خفيفة. وقرأته عامة قرّاء أهل الكوفة والبصرة: (لَهُدّمَتْ) بالتشديد بمعنى تكرير الهدم فيها مرّة بعد مرّة. والتشديد في ذلك أعجب القراءتين إليّ. لأن ذلك من أفعال أهل الكفر بذلك.
وأما قوله (وَبِيَعٌ) فإنه يعني بها: بيع النصارى.
وقد اختلف أهل التأويل في ذلك، فقال بعضهم مثل الذي قلنا في ذلك.
*ذكر من قال ذلك:- حدثني محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن رفيع: (وَبِيَعٌ) قال: بيع النصارى.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قَتادة: (وَبِيَعٌ) للنصارى.
حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول: البِيَع: بيع النصارى.
وقال آخرون: عني بالبيع في هذا الموضع: كنائس اليهود.
(1) لعله وهي الصوامع الصغار: أي المعابد الصغار. . الخ.
*ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث. قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: (وَبِيَعٌ) قال: وكنائس.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: (وَبِيَعٌ) قال: البيع للكنائس.
قوله: (وَصَلَوَاتٌ) اختلف أهل التأويل في معناه، فقال بعضهم: عني بالصلوات الكنائس.
*ذكر من قال ذلك:- حدثنا محمد سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: (وَصَلَوَاتٌ) قال: يعني بالصلوات الكنائس.
حُدثت عن الحسن، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (وَصَلَوَاتٌ) كنائس اليهود، ويسمون الكنيسة صلوتا.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة: (وَصَلَوَاتٌ) كنائس اليهود.
حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، مثله.
وقال آخرون: عنى بالصلوات مساجد الصابئين.
*ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داود، قال: سألت أبا العالية عن الصلوات. قال: هي مساجد الصابئين.
قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن رفيع، نحوه.
وقال آخرون: هي مساجد للمسلمين ولأهل الكتاب بالطرق.
*ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا،
عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: (وَصَلَوَاتٌ) قال: مساجد لأهل الكتاب ولأهل الإسلام بالطرق.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، نحوه.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: (وَصَلَوَاتٌ) قال: الصلوات صلوات أهل الإسلام، تنقطع إذا دخل العدو عليهم، انقطعت العبادة، والمساجد تهدم، كما صنع بختنصر.
وقوله: (وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا) اختلف في المساجد التي أريدت بهذا القول، فقال بعضهم: أريد بذلك مساجد المسلمين.
*ذكر من قال ذلك:- حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن رفيع، قوله: (وَمَساجِدُ) قال: مساجد المسلمين.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، قال: ثنا معمر، عن قتادة: (وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا) قال: المساجد: مساجد المسلمين يذكر فيها اسم الله كثيرا.
حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قَتاده، نحوه.
وقال آخرون: عني بقوله: (وَمَساجِدُ) الصوامع والبيع والصلوات.
* ذكر من قال ذلك:- حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله: (وَمَساجِدُ) يقول في كل هذا يذكر اسم الله كثيرا، ولم يخصّ المساجد.
وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول: الصلوات لا تهدم، ولكن حمله على فعل آخر، كأنه قال: وتركت صلوات. وقال بعضهم: إنما يعني: مواضع الصلوات. وقال بعضهم: إنما هي صلوات، وهي كنائس اليهود، تدعى بالعِبرانية: صلوتا.
وأولى هذه الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: لهدِّمت صوامع الرهبان وبِيَع النصارى، وصلوات اليهود، وهي كنائسهم، ومساجد المسلمين التي يذكر فيها اسم الله كثيرا.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|