
22-07-2025, 10:39 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,505
الدولة :
|
|
رد: تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن للإمام الطبري .....متجدد
 تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن
الإمام محمد بن جرير الطبري
الجزء الثامن عشر
تَفْسِيرِ سُّورَةِ الحج
الحلقة (1042)
صــ 611 إلى صــ 620
وقوله: (فَكُلُوا مِنْها) يقول: كلوا من بهائم الأنعام التي ذكرتم اسم الله عليها أيها الناس هنالك. وهذا الأمر من الله جلّ ثناؤه أمر إباحة لا أمر إيجاب، وذلك أنه لا خلاف بين جميع الحُجة أن ذابح هديه أو بدنته هنالك، إن لم يأكل من هديه أو بدنته، أنه لم يضيع له فرضا كان واحبا عليه، فكان معلوما بذلك أنه غير واجب.
*ذكر الرواية عن بعض من قال ذلك من أهل العلم:- حدثنا سوار بن عبد الله، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جُرَيج، عن عطاء، قوله: (فَكُلُوا مِنْها وأطْعِمُوا البائِسَ الفَقيرَ) قال: كان لا يرى الأكلّ منها واجبا.
حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن مجاهد، أنه قال: هي رخصة: إن شاء أكل، وإن شاء لم يأكل، وهي كقوله: (وَإذَا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا) (فإذَا قُضِيَت الصَّلاة فانْتَشرُوا فِي الأرْضِ) يعني قوله: (فَكُلُوا مِنْها وأطْمِعُوا القانِعَ والمُعْتَرّ) .
قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم، في قوله: (فَكُلُوا مِنْها) قال: هي رخصة، فإن شاء أكل وإن شاء لم يأكل.
قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حجاج، عن عطاء في قوله: (فَكُلُوا مِنْها) قال: هي رخصة، فإن شاء لم وإن شاء لم يأكل.
حدثني عليّ بن سهل، قال: ثنا زيد، قال: ثنا سفيان، عن حصين، عن مجاهد، في قوله: (فَكُلُوا مِنْها) قال: إنما هي رخصة.
وقوله: (وأطْعِمُوا البائِسَ الفَقِيرَ) يقول:
وأطعموا مما تذبحون أو تنحرون هنالك من بهيمة الأنعام من هديكم وبُدنكم البائس، وهو الذي به ضرّ الجوع والزمانة والحاجة، والفقير: الذي لا شيء له.
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (فَكُلُوا مِنْها وأطْعِمُوا البائِسَ الفَقِيرَ) يعني: الزَّمِن الفقير.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن رجل،
عن مجاهد: (البائِسَ الفَقِيرَ) الذي يمد إليك يديه.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: (البائِسَ الفَقِيرَ) قال: هو القانع.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: أخبرني عمر بن عطاء، عن عكرمة، قال: البائس: المضطر الذي عليه البؤس- والفقير: المتعفِّف.
قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قوله: (البائِسَ) الذي يبسط يديه. وقوله: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ) يقول: تعالى ذكره: ثم ليقضوا ما عليهم من مناسك حجهم: من حلق شعر، وأخذ شارب، ورمي جمرة، وطواف بالبيت.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن أبي الشوارب، قال: ثني يزيد، قال: أخبرنا الأشعث بن سوار، عن نافع، عن ابن عمر، أنه قال: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ) قال: ما هم عليه في الحجّ.
حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا يزيد، قال: ثني الأشعث، عن نافع، عن ابن عمر، قال: التفث: المناسك كلها.
قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا عبد الملك، عن عطاء، عن ابن عباس، أنه قال، في قوله: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ) قال: التفث: حلق الرأس، وأخذ من الشاربين، ونتف الإبط، وحلق العانة، وقصّ الأظفار، والأخذ من العارضين، ورمي الجمار، والموقف بعرفة والمزدلفة.
حدثنا حميد، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا خالد، عن عكرمة، قال: التفث: الشعر والظفر.
حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن خالد، عن عكرمة، مثله.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني أبو صخر، عن محمد بن كعب القرظي، أنه كان يقول في هذه الآية: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ) رمي الجمار، وذبح الذبيحة، وأخذ من الشاربين واللحية والأظفار، والطواف
بالبيت وبالصفا والمروة.
حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد أنه قال في هذه الآية: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ) قال: هو حلق الرأس، وذكر أشياء من الحجّ قال شعبة: لا أحفظها.
قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، مثله.
حدثني محمد بن عمرو؛ قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ) قال: حلق الرأس، وحلق العانة، وقصر الأظفار، وقصّ الشارب، ورمي الجمار، وقص اللحية.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله. إلا أنه لم يقل في حديثه: وقصّ اللحية.
حدثني نصر بن عبد الرحمن الأودي، قال: ثنا المحاربي، قال: سمعت رجلا يسأل ابن جُرَيج، عن قوله: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ) قال: الأخذ من اللحية، ومن الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة، ورمي الجمار.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا منصور، عن الحسن، وأخبرنا جويبر، عن الضحاك أنهما قالا حلق الرأس.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ) يعني: حلق الرأس.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: التفث: حلق الرأس، وتقليم الظفر.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ) يقول: نسكهم.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ) قال: التفث: حرمهم.
حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ) قال: يعني بالتفث: وضع إحرامهم من حلق الرأس، ولبس الثياب، وقصّ الأظفار ونحو ذلك.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء بن السائب، قال: التفث: حلق الشعر، وقصّ الأظفار والأخذ من الشارب، وحلق العانة، وأمر الحجّ كله.
وقوله: (وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ) يقول: وليوفوا الله بما نذروا من هَدي وبدنة وغير ذلك.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: (وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ) نحر ما نذروا من البدن.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى- وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ) نذر الحجّ والهَدي، وما نذر الإنسان من شيء يكون في الحجّ.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد: (وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ) قال: نذر الحجّ والهدي، وما نذر الإنسان على نفسه من شيء يكون في الحجّ.
وقوله: (وَلْيَطَّوَّفُوا بالبَيْتِ العَتيقِ) يقول: وليطوّفوا ببيت الله الحرام.
واختلف أهل التأويل في معنى قوله: (العَتِيق) في هذا الموضع، فقال بعضهم: قيل ذلك لبيت الله الحرام، لأن الله أعتقه من الجبابرة أن يصلوا إلى تخريبه وهدمه.
*ذكر من قال ذلك:- حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهري، أن ابن الزبير، قال: إنما سمي البيت العتيق، لأن الله أعتقه من الجبابرة.
حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن ابن الزبير، مثله.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: إنما سمي العتيق، لأنه أعتق من الجبابرة.
قال: ثنا سفيان، قال: ثنا أبو هلال، عن قتادة: (وَلْيَطَّوفوا بالْبَيتِ العَتِيق) قال: أُعْتِق من الجبابرة.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: (البَيْتِ العَتِيق) قال: أعتقه الله من الجبابرة، يعني الكعبة.
وقال آخرون: قيل له عتيق، لأنه لم يملكه أحد من الناس.
*ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن عبيد، عن مجاهد، قال: إنما سمي البيت العتيق لأنه ليس لأحد فيه شيء.
وقال آخرون: سمي بذلك لقِدمه.
*ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: (البَيْتِ العَتِيق) قال: العتيق: القديم، لأنه قديم، كما يقال: السيف العتيق، لأنه أوّل بيت وُضع للناس بناه آدم، وهو أوّل من بناه، ثم بوّأ الله موضعه لإبراهيم بعد الغرق، فبناه إبراهيم وإسماعيل.
قال أبو جعفر: ولكل هذه الأقوال التي ذكرناها عمن ذكرناها عنه في قوله: (البَيْتِ العَتِيق) وجه صحيح، غير أن الذي قاله ابن زيد أغلب معانيه عليه في الظاهر. غير أن الذي رُوي عن ابن الزبير أولى بالصحة، إن كان ما: حدثني به محمد بن سهل البخاري، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: أخبرني الليث، عن عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، عن الزهريّ، عن محمد بن عروة، عن عبد الله بن الزبير، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّمَا سُمّيَ البَيْتُ العَتِيقُ لأنَّ اللهُ أعْتَقَهُ مِنَ الجَبابِرَةِ فَلَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ قَطٌّ صَحِيحا" .
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال الزهريّ: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنَّمَا سُمّيَ البَيْتُ العَتِقُ لأنَّ الله أعْتَقَهُ" ثم ذكر مثله.
وعني بالطواف الذي أمر جلّ ثناؤه حاجٌ بيته العتيق به في هذه الآية طواف الإفاضة الذي يُطاف به بعد التعريف، إما يوم النحر وإما بعده، لا خلاف
بين أهل التأويل في ذلك.
*ذكر الرواية عن بعض من قال ذلك: حدثنا عمرو بن سعيد القرشي، قال: ثنا الأنصاري، عن أشعث، عن الحسن: (وَلْيَطَّوَّفُوا بالبَيْتِ العتِيقِ) قال: طواف الزيارة.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا خالد، قال: ثنا الأشعث، أن الحسن قال في قوله: (وَلْيَطَّوَّفُوا بالبَيْتِ العتِيقِ) قال: الطواف الواجب.
حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: (وَلْيَطَّوَّفُوا بالبَيْتِ العتِيقِ) يعني: زيارة البيت.
حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، عن حجاج وعبد الملك، عن عطاء، في قوله: (وَلْيَطَّوَّفُوا بالبَيْتِ العتِيقِ) قال: طواف يوم النحر.
حدثني أبو عبد الرحمن البرقي، قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة، قال: سألت زُهَيرا عن قول الله: (وَلْيَطَّوَّفُوا بالبَيْتِ العتِيقِ) قال: طواف الوداع.
واختلف القرّاء في قراءة هذه الحروف، فقرأ ذلك عامة قراء الكوفة "ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا" بتسكين اللام في كل ذلك طلب التخفيف، كما فعلوا في هو إذا كانت قبله واو، فقالوا "وَهْوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ" فسكَّنوا الهاء، وكذلك يفعلون في لام الأمر إذا كان قبلها حرف من حروف النسق كالواو والفاء وثم. وكذلك قرأت عامة قرّاء أهل البصرة، غير أن أبا عمرو بن العلاء كان يكسر اللام من قوله: (ثُمَّ لْيَقْضُوا) خاصة من أجل أن الوقوف على ثم دون ليقضوا حسن، وغير جائز الوقوف على الواو والفاء، وهذا الذي اعتلّ به أبو عمرو لقراءته علة حسنة من جهة القياس، غير أن أكثر القرّاء على تسكينها.
وأولى الأقوال بالصواب في ذلك عندي، أن التسكين في لام "ليقضوا" والكسر قراءتان مشهورتان، ولغتان سائرتان، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب. غير أن الكسر فيها خاصة أقيس، لما ذكرنا لأبي عمرو من العلة، لأن من قرأ "وَهْوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ" فهو بتسكين الهاء مع الواو والفاء، ويحركها في قوله: (ثُمَّ هُوَ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ المُحْضَرينَ) فذلك الواجب عليه أن يفعل
في قوله: "ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ" فيحرّك اللام إلى الكسر مع "ثم" وإن سكَّنها في قوله: (وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ) . وقد ذكر عن أبي عبد الرحمن السُّلميّ والحسن البصري تحريكها مع "ثم" والواو، وهي لغة مشهورة، غير أن أكثر القرّاء مع الواو والفاء على تسكينها، وهي أشهر اللغتين في العرب وأفصحها، فالقراءة بها أعجب إليّ من كسرها.
القول في تأويل قوله تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعَامُ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30) }
يقول تعالى ذكره بقوله (ذلِكَ) هذا الذي أمر به من قضاء التفث والوفاء بالنذور، والطواف بالبيت العتيق، هو الفرض الواجب عليكم يا أيها الناس في حجكم (وَمَنْ يُعَظَّمْ حُرُماتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ) يقول: ومن يجتنب ما أمره الله باجتنابه في حال إحرامه تعظيما منه لحدود الله أن يواقعها وحُرمَه أن يستحلها، فهو خير له عند ربه في الآخرة.
كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مجاهد، في قوله: (ذلكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللهِ) قال: الحُرْمة: مكة والحجّ والعُمرة، وما نهى الله عنه من معاصيه كلها.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: (وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللهِ) قال: الحرمات: المَشْعَر الحرام، والبيت الحرام، والمسجد الحرام، والبلد الحرام، هؤلاء الحرمات.
وقوله: (وأُحِلَّتْ لَكُمْ الأنْعامُ) يقول جل ثناؤه: وأحلّ الله لكم أيها الناس الأنعام أن تأكلوها إذا ذكَّيتموها، فلم يحرّم عليكم منها بحيرة، ولا سائبة،
ولا وَصِيلة، ولا حاما، ولا ما جعلتموه منها لآلهتكم (إلا ما يُتْلَى عَلَيْكُمْ) يقول: إلا ما يتلى عليكم في كتاب الله، وذلك: الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهلّ لغير الله به، والمنخنقة، والموقوذة، والمتردّية، والنطيحة، وما أكل السبع، وما ذُبح على النُّصب، فإن ذلك كله رجس.
كما: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: (إلا ما يُتْلَى عَلَيْكُمْ) قال: إلا الميتة، وما لم يذكر اسم الله عليه.
حدثنا الحسن، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، مثله.
وقوله: (فاجْتَنِبُوا الرّجْسَ مِنَ الأوْثانِ) يقول: فاتقوا عبادة الأوثان، وطاعة الشيطان في عبادتها فإنها رجس.
وبنحو الذي قلنا فى تأويل ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (فاجْتَنِبُوا الرّجْسَ مِنَ الأوْثانِ) يقول تعالى ذكره: فاجتنبوا طاعة الشيطان في عبادة الأوثان.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج في قوله: (الرّجْسَ مِنَ الأوْثانِ) قال: عبادة الأوثان.
وقوله: (وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ) يقول تعالى ذكره: واتقوا قول الكذب والفرية على الله بقولكم في الآلهة: (ما نَعْبُدُهُمْ إلا لِيُقَرّبُونا إلى اللهِ زُلْفَى) وقولكم للملائكة: هي بنات الله، ونحو ذلك من القول، فإن ذلك كذب وزور وشرك بالله.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال: أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: قول الزور قال: الكذب.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج عن ابن جُرَيج، عن مجاهد مثله.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: (وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفاءَ لِلهِ غيرَ مُشْرِكِينَ بِهِ) يعني: الافتراء على الله والتكذيب.
حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عاصم، عن وائل بن ربيعة، عن عبد الله، قال: تعدل شهادة الزور بالشرك. وقرأ: (فاجْتَنِبُوا الرّجْسَ مِنَ الأوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ) .
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو بكر، عن عاصم، عن وائل بن ربيعة، قال: عُدِلت شهادة الزور الشرك. ثم قرأ هذه الآية: (فاجْتَنِبُوا الرّجْسَ مِنَ الأوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ) .
حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو أسامة، قال: ثنا سفيان العصفري، عن أبيه، عن خُرَيم بن فاتك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عُدِلَتْ شَهادَةُ الزُّورِ بالشِّرِك باللهِ" ثم قرأ: (فاجْتَنِبُوا الرّجْسَ مِنَ الأوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ) .
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا مروان بن معاوية، عن سفيان العُصفريّ، عن فاتك بن فضالة، عن أيمن بن خريم، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قام خطيبا فقال: "أيُّها النَّاسُ عُدِلَتْ شَهادَةُ الزُّورِ بالشِّركِ باللهِ" مرّتين. ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فاجْتَنِبُوا الرّجْسَ مِنَ الأوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ) .
ويجوز أن يكون مرادا به: اجتنبوا أن ترجسوا أنتم أيها الناس من الأوثان بعبادتكم إياها.
فإن قائل قائل: وهل من الأوثان ما ليس برجس حتى قيل: فاجتنبوا الرجس منها؟ قيل: كلها رجس. وليس المعنى ما ذهبت إليه في ذلك، وإنما معنى الكلام: فاجتنبوا الرجس الذي يكون من الأوثان أي عبادتها، فالذي أمر جل ثناؤه بقوله: (فاجْتَنِبُوا الرّجْسَ) منها اتقاء عبادتها، وتلك العبادة هي الرجس، على ما قاله ابن عباس ومن ذكرنا قوله قبل.
القول في تأويل قوله تعالى: {حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (31) }
يقول تعالى ذكره: اجتنبوا أيها الناس عبادة الأوثان، وقول الشرك، مستقيمين لله على إخلاص التوحيد له، وإفراد الطاعة والعبادة له خالصا دون الأوثان والأصنام، غير مشركين به شيئا من دونه، فإنه من يُشرك بالله شيئا من دونه، فمثله في بعده من الهدى وإصابة الحقّ وهلاكه وذهابه عن ربه، مَثل من خرّ من السماء فتخطفه الطير فهلك، أو هوت به الريح في مكان سحيق، يعني من بعيد، من قولهم: أبعده الله وأسحقه، وفيه لغتان: أسحقته الريح وسحقته، ومنه قيل للنخلة الطويلة: نخلة سحوق; ومنه قول الشاعر:
كانَتْ لنَا جارَةٌ فَأزْعَجَها ... قاذْورَةٌ تَسْحَقُ النَّوَى قُدُمَا (1)
ويُروى: تسحق: يقول: فهكذا مثَل المشرك بالله في بُعده من ربه ومن إصابه الحقّ، كبُعد هذا الواقع من السماء إلى الأرض، أو كهلاك من اختطفته الطير منهم في الهواء.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قَتادة: (فَكأنَّما خَرَّ منَ السَّماءِ) قال: هذا مثَل ضربه الله لمن أشرك بالله في بعده من الهُدى وهلاكه (فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِى بِهِ
(1) البيت مما أنشده الأزهري في تهذيبه، ونقله عن صاحبه (اللسان: سحق) قال: السحق في العدو فوق المشي ودون الحضر، وأنشده الأزهري: "كانت لنا جارة. . . البيت" . والقاذورة من الإبل: التي تبرك ناحية منها وتستبعد وتنافرها عند الحلب. وتسحق: تجد في سيرها. والنوى: التحول من مكان إلى مكان، أو الوجه الذي ينوبه المسافر من قرب أو من بعد. وقدما: لا تعرج ولا تنثني. يريد أن جارته نأت عنه بناقة تجد في سيرها، ولا تعرج على شيء. والبيت شاهد على أن السحق معناه السير الجاد فوق المشي ودون العدو.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|