
21-07-2025, 11:45 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,212
الدولة :
|
|
رد: تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن للإمام الطبري .....متجدد
 تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن
الإمام محمد بن جرير الطبري
الجزء الثامن عشر
تَفْسِيرِ سُّورَةِ طه
الحلقة (1007)
صــ 261 إلى صــ 270
آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا) يقول: إلا يأتي ربه يوم القيامة عبدا له، ذليلا خاضعا، مقرًّا له بالعبودية، لا نسب بينه وبينه.
وقوله (آتِي الرَّحْمَنِ) إنما هو فاعل من أتيته، فأنا آتيه.
القول في تأويل قوله تعالى: {لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (95) }
يقول تعالى ذكره: لقد أحصى الرحمن خلقه كلهم، وعدّهم عدّا، فلا يخفى عليه مبلغ جميعهم، وعرف عددهم، فلا يعزب عنه منهم أحد (وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا) يقول: وجميع خلقه سوف يرد عليه يوم تقوم الساعة وحيدا لا ناصر له من الله، ولا دافع عنه، فيقضي الله فيه ما هو قاض، ويصنع به ما هو صانع.
القول في تأويل قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (96) فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (97) }
يقول تعالى ذكره: إن الذين آمنوا بالله ورسله، وصدّقوا بما جاءهم من عند ربهم، فعملوا به، فأحلوا حلاله، وحرّموا حرامه (سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا) في الدنيا، في صدور عباده المؤمنين.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني يحيى بن طلحة، قال: ثنا شريك، عن مسلم الملائي، عن مجاهد، عن ابن عباس، في قوله (سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا) قال: محبة في الناس في الدنيا.
حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: (سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا) قال: حبا.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله (سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا) قال: الودّ من المسلمين في الدنيا، والرزق الحسن، واللسان الصادق.
حدثني يحيى بن طلحة، قال: ثنا شريك، عن عبيد المُكْتِبِ، عن مجاهد، في قوله (سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا) قال: محبة في المسلمين في الدنيا.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن القاسم بن أبي بزّة، عن مجاهد، في قوله: (سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا) قال: يحبهم ويحببهم إلى خلقه.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا) قال: يحبهم ويحببهم إلى المؤمنين.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا عليّ بن هاشم، عن بن أبي ليلى، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: يحبهم ويحببهم.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الحكم بن بشير، قال: ثنا عمرو، عن قتادة، في قوله (سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا) قال: ما أقبل عبد إلى الله إلا أقبل الله بقلوب العباد إليه. وزاده من عنده.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا) : إي والله في قلوب أهل الإيمان. ذُكر لنا أن هرم بن حيان كان يقول: ما أقبل عبد بقلبه إلى الله، إلا أقبل الله بقلوب المؤمنين إليه، حتى يرزقه مودّتهم ورحمتهم.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، أن عثمان بن عفان كان يقول: ما من الناس عبد يعمل خيرًا ولا يعمل شرًّا، إلا كساه الله رداء عمله.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن مسلم، عن مجاهد، عن ابن عباس، في قوله (سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا) قال: محبة. وذُكر أن هذه الآية نزلت في عبد الرحمن بن عوف.
حدثني محمد بن عبد الله بن سعيد الواسطي، قال: أخبرنا يعقوب بن محمد، قال: ثنا عبد العزيز بن عمران، عن عبد الله بن عثمان بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن أمه أمّ إبراهيم ابنة أبي عبيدة بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيها، عن عبد الرحمن بن عوف، أنه لما هاجر إلى المدينة، وجد في نفسه على فراق أصحابه بمكة، منهم شيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، وأميه بن خلف، فأنزل الله تعالى: (إن الذي آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا) .
وقوله (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ) يقول تعالى ذكره: فإنما يسَّرنا يا محمد هذا القرآن بلسانك، تقرؤه لتبشر به المتقين الذين اتقوا عقاب الله، بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه بالجنة (وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا) يقول: ولتنذر بهذا القرآن عذاب الله قومك من قريش، فإنهم أهل لدد وجدل بالباطل، لا يقبلون الحق. واللدّ: شدة الخصومة.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله (لُدًا) قال: لا يستقيمون.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله (وتنذر له قوما لدا) يقول: لتنذر به قومًا ظَلَمة.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا) : أي جدالا بالباطل، ذوي لدة وخصومة.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا محمد بن فضيل، عن ليث، عن مجاهد، في قوله: (وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا) قال: فجارا.
حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله (قَوْمًا لُدًّا) قال: جدالا بالباطل.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله (وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا) قال: الألدّ: الظلوم، وقرأ قول الله (وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ) .
حدثنا أبو صالح الضراري (1) . قال: ثنا العلاء بن عبد الجبار، قال: ثنا مهدي ميمون، عن الحسن في قول الله عزّ وجلّ (وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا) قال: صما عن الحقّ.
حدثني ابن سنان، قال: ثنا أبو عاصم، عن هارون، عن الحسن، مثله.
وقد بيَّنا معنى الألدّ فيما مضى بشواهده، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع.
القول في تأويل قوله تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (98) }
يقول تعالى ذكره: وكثيرًا أهلكنا يا محمد قبل قومك من مشركي قريش، من قرن، يعني من جماعة من الناس، إذا سلكوا في خلافي وركوب معاصي مسلكهم، هل تحسّ منهم من أحد: يقول: فهل تحسّ أنت منهم أحدًا يا محمد فتراه وتعاينه (أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا) يقول:
أو تسمع لهم صوتا، بل بادوا وهلكوا، وخلت منهم دورهم، وأوحشت منهم منازلهم، وصاروا إلى دار لا ينفعهم فيها إلا صالح من عمل قدّموه، فكذلك قومك هؤلاء، صائرون إلى ما صار إليه أولئك، إن لم يعالجوا التوبة قبل الهلاك.
(1) أبو صالح الضراري، بالضاد المعجمة، كما في (تاج العروس: ضرر) . في الأصل: بالضاد المهملة، تحريف.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنا معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله (أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا) قال: صوتا.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قوله (هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا) قال: هل ترى عينا، أو تسمع صوتا.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله (هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا) يقول: هل تسمع من صوت، أو ترى من عين.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله (أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا) يعني: صوتا.
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: ركز الناس: أصواتهم. قال أبو كريب: قال سفيان: (هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا) قال: أو تسمع لهم حسا. قال: والركز: الحس.
قال أبو جعفر: والركز في كلام العرب: الصوت الخفيّ، كما قال الشاعر:
فَتَوجَّسَتْ ذِكْرَ الأنِيسِ فَراعَها ... عَنْ ظَهْرِ غَيْبٍ والأنِيسُ سَقامُها (1)
آخر تفسير سورة مريم، والحمد لله رب العالمين
(1) البيت من معلقة لبيد بن ربيع العامري (جمهرة أشعار العرب ص 63 - 74 وشرح الزوزني للمعلقات السبع، وشرح التبريزي للقصائد العشر) . والرواية في الجمهرة: "وتسمعت رجز الأنيس" . قال: والركز الصوت الخفي. قال تعالى: "أو تسمع لهم ركزا" . ويروي رزا بالتشديد. والأنيس: الإنس. عن ظهر غيب: أي مكان خفي. والغيب ما توارى عنك من أرض أو علم. وفي التبريزي: وتسمعت رز الأنيس. قال: ويروى: توجست ركز الأنيس. أي سمعت البقرة صوت الناس. فأفزعها. ولم تر الناس. والرز والركز الصوت الخفي. وقوله "عن ظهر غيب" معناه: من وراء حجاب، أي تسمع من حيث لا ترى. "الأنيس سقامها" : معناه: والأنيس هلاكها، أي يصيدها وراعها أي أفزعها وفاعل تسمعت ضمير البقرة وفاعل راءها: ضمير للرز، وفي الزوزني وتوجست رز الأنيس، ثم شرح البيت بمثل شرح التبريزي له.
تفسير سورة طه
بسم الله الرحمن الرحيم
القول في تأويل قوله تعالى: {طه (1) مَا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (2) إِلا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (3) }
قال أبو جعفر محمد بن جرير: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله (طَهَ) فقال بعضهم: معناه يا رجل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا أبو تميلة، عن الحسن بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس: طه: بالنبطية: يا رجل.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله (طه مَا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى) فإن قومه قالوا: لقد شقي هذا الرجل بربه، فأنزل الله تعالى ذكره (طَهَ) يعني: يا رجل (مَا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى) .
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد الله بن مسلم، أو يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير أنه قال: طه: يا رجل بالسريانية.
قال ابن جريج: وأخبرني زمعة بن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس، بذلك أيضا. قال ابن جُرَيج، وقال مجاهد، ذلك أيضا.
حدثنا عمران بن موسى القزاز، قال: ثنا عبد الوارث بن سعيد، قال: ثنا عمارة عن عكرمة، في قوله (طَهَ) قال: يا رجل، كلمه بالنبطية.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد الله، عن عكرمة، في قوله (طَهَ) قال: بالنبطية: يا إنسان.
حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، عن قرة بن خالد، عن الضحاك، في قوله (طَهَ) قال: يا رجل بالنبطية.
حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن
حُصين، عن عكرمة في قوله (طَهَ) قال: يا رجل.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله (طَهَ) قال: يا رجل، وهي بالسريانية.
حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة والحسن في قوله (طَهَ) قالا يا رجل.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، يعني ابن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله (طَهَ) قال: يا رجل.
وقال آخرون: هو اسم من أسماء الله، وقسم أقسم الله به.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله (طَهَ) قال: فإنه قسم أقسم الله به، وهو اسم من أسماء الله.
وقال آخرون: هو حروف هجاء.
وقال آخرون: هو حروف مقطعة يدلّ كلّ حرف منها على معنى، واختلفوا في ذلك اختلافهم في الم.
وقد ذكرنا ذلك في مواضعه، وبيَّنا ذلك بشواهده.
والذي هو أولى بالصواب عندي من الأقوال فيه قول من قال: معناه: يا رجل، لأنها كلمة معروفة في عكَّ فيما بلغني، وأن معناها فيهم: يا رجل، أنشدت لمتمم بن نويرة:
هَتَفْتُ بِطَهَ فِي القِتالِ فَلَمْ يُجِبْ ... فَخِفْتُ عَلَيْهِ أنْ يَكونَ مُوَائِلا (1)
وقال آخر:
(1) البيت لمتمم بن نويرة كما قال المؤلف. وفيه (اللسان: طهطه) : الليث في تفسير (طه) مجزومة أنها بالحبشية: يا رجل، قال: ومن قرأ (طه) فحرفان. وبلغنا أن موسى لما سمع كلام الرب عز وجل استفزه الخوف، حتى قام على أصابع قدميه خوفا، فقال الله عز وجل: (طه) أي اطمئن. الفراء: (طه) حرف هجاء. قال: وجاء في التفسير (طه) يا رجل: يا إنسان. قال: وحدث قيس عن عاصم عن زر، قال: قرأ رجل على ابن مسعود (طه فقال له عبد الله: (طه) بكسرتين، فقال الرجل: أليس إنما أمر أن يطأ قدمه، فقال له عبد الله: هكذا أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الفراء: وكان بعض القراء يقطعها (ط. هـ) وروى الأزهري عن أبي حاتم قال: (طه) : افتتاح سورة، ثم استقبل الكلام فخاطب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى. وقال قتادة: (طه) بالسريانية: يا رجل. وقال سعيد بن جبير وعكرمة: هي بالنبطية: يا رجل، وروي ذلك عن ابن عباس. أه. (اللسان) .
إنَّ السَّفاهَةَ طَهَ مِنْ خَلائِقكُمْ ... لا بارَكَ اللهُ فِي القَوْمِ المَلاعِينِ (1)
فإذا كان ذلك معروفا فيهم على ما ذكرنا، فالواجب أن يوجه تأويله إلى المعروف فيهم من معناه، ولا سيما إذا وافق ذلك تأويل أهل العلم من الصحابة والتابعين.
فتأويل الكلام إذن: يا رجل ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى، ما أنزلناه عليك فنكلفك ما لا طاقة لك به من العمل، وذُكِر أنه قيل له ذلك بسبب ما كان يلقى من النَّصب والعناء والسهر في قيام الليل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (مَا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى) قال: هي مثل قوله (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ) فكانوا يعلقون الحبال في صدورهم في الصلاة.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد (مَا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى) قال: في الصلاة كقوله: (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ) فكانوا يعلقون الحبال بصدورهم في الصلاة.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (مَا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى) لا والله ما جعله الله شقيا، ولكن جعله رحمة ونورا، ودليلا إلى الجنة.
وقوله (إِلا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى) يقول تعالى ذكره: ما أنزلنا عليك هذا القرآن إلا تذكرة لمن يخشى عقاب الله، فيتقيه بأداء فرائض ربه واجتناب محارمه.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله (إِلا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى) وإن الله أنزل كتبه، وبعث رسله رحمة رحم الله بها العباد، ليتذكر ذاكر، وينتفع رجل بما سمع من كتاب الله، وهو ذكر له أنزل الله فيه حلاله وحرامه، فقال (تَنزيلا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلا) .
(1) هذا الشاهد كالذي قبله، على أن معنى (طه) في كلام العرب: يا رجل ولم أقف على قائل البيت.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله (إِلا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى) قال: الذي أنزلناه عليك تذكرة لمن يخشى.
فمعنى الكلام إذن: يا رجل ما أنزلنا عليك هذا القرآن لتشقى به، ما أنزلناه إلا تذكرة لمن يخشى.
وقد اختلف أهل العربية في وجه نصب تذكرة، فكان بعض نحويي البصرة يقول: قال: إلا تذكرة بدلا من قوله لتشقى، فجعله: ما أنزلنا عليك القرآن إلا تذكرة، وكان بعض نحويي الكوفة يقول: نصبت على قوله: ما أنزلناه إلا تذكرة، وكان بعضهم ينكر قول القائل: نصبت بدلا من قوله (لِتَشْقَى) ويقول: ذلك غير جائز، لأن (لِتَشْقَى) في الجحد، و (إِلا تَذْكِرَةً) في التحقيق، ولكنه تكرير، وكان بعضهم يقول: معنى الكلام: ما أنزلنا عليك القرآن إلا تذكرة لمن يخشى، لا لتشقى.
القول في تأويل قوله تعالى: {تَنزيلا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلا (4) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) }
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: هذا القرآن تنزيل من الربّ الذي خلق الأرض والسموات العلى، والعُلَى: جمع عليا.
واختلف أهل العربية في وجه نصب قوله (تَنزيلا) فقال بعض نحويي البصرة: نصب ذلك بمعنى: نزل الله تنزيلا وقال بعض من أنكر ذلك من قيله هذا من كلامين، ولكن المعنى: هو تنزيل، ثم أسقط هو، واتصل بالكلام الذي قبله، فخرج منه، ولم يكن من لفظه.
قال أبو جعفر: والقولان جميعا عندي غير خطأ.
وقوله (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) يقول تعالى ذكره: الرحمن على عرشه ارتفع وعلا.
وقد بيَّنا معنى الاستواء بشواهده فيما مضى وذكرنا اختلاف المختلفين فيه فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع. وللرفع في الرحمن وجهان: أحدهما بمعنى قوله: تنزيلا فيكون معنى الكلام: نزله من خلق الأرض والسموات، نزله
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|