عرض مشاركة واحدة
  #8  
قديم 21-07-2025, 04:23 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,533
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن للإمام الطبري .....متجدد

تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن
الإمام محمد بن جرير الطبري
الجزء السابع عشر
تَفْسِيرِ سُّورَةِ الكهف
الحلقة (978)
صــ 611 إلى صــ 620





مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا) فدخلوا الكهف، ومعهم كلب صيدهم فناموا، فجعله الله عليهم رقدة واحدة، فناموا ثلاث مئة سنين وازدادوا تسعا، قال: وفقدهم قومُهم فطلبوهم وبعثوا البرد، فعمى الله عليهم آثارهم وكهفهم، فلما لم يقدروا عليهم كتبوا أسماءهم وأنسابهم في لوح: فلان ابن فلان، وفلان ابن فلان أبناء ملوكنا، فَقَدناهم في عيد كذا وكذا في شهر كذا وكذا في سنة كذا وكذا، في مملكة فلان ابن فلان، ورفعوا اللوح في الخزانة، فمات ذلك الملك وغلب عليهم ملك مسلم مع المسلمين، وجاء قرن بعد قرن، فلبثوا في كهفهم ثلاث مئة سنين وازدادوا تسعا.
وقال آخرون: بل كان مصيرهم إلى الكهف هربا من طلب سلطان كان طلبهم بسبب دَعوى جناية ادّعى على صاحب لهم أنه جناها.
ذكر من قال ذلك:
* حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: أخبرني إسماعيل بن شروس، أنه سمع وهب بن منبه يقول: جاء حواريّ عيسى ابن مريم إلى مدينة أصحاب الكهف، فأراد أن يدخلها، فقيل له: إن على بابها صنما لا يدخلها أحد إلا سجد له، فكره أن يدخلها، فأتى حَمَّاما، فكان فيه قريبا من تلك المدينة، فكان يعمل فيه يؤاجر نفسه من صاحب الحمام، ورأى صاحب الحمام في حمامه البركة ودرّ عليه الرزق، فجعل يعرض عليه الإسلام، وجعل يسترسل إليه، وعلقه فتية من أهل المدينة، وجعل يخبرهم خبر السماء والأرض وخبر الآخرة، حتى آمنوا به وصدّقوه، وكانوا على مثل حاله في حُسْن الهيئة، وكان يشترط على صاحب الحمام أن الليل لي لا تحول بيني وبين الصلاة إذا حضرت، فكان على ذلك حتى جاء ابن الملك بامرأة، فدخل بها الحمام، فعيره الحواريّ، فقال: أنت ابن الملك، وتدخل معك هذه النكداء، فاستحيا، فذهب فرجع مرّة أخرى، فقال له مثل ذلك، فسبه وانتهره ولم يلتفت حتى دخل ودخلت معه المرأة، فماتا في الحمام جميعا، فأتي الملك، فقيل له: قتل صاحب الحمام ابنك، فالتُمس، فلم يقدر عليه هَربا، قال: من كان يصحبه؟ فسموا الفتية، فالتمسوا، فخرجوا من المدينة، فمروا بصاحب لهم في زرع له، وهو على مثل
أمرهم، فذكروا أنهم التُمسوا، فانطلق معهم الكلب، حتى أواهم الليل إلى الكهف، فدخلوه، فقالوا: نبيت ههنا الليلة، ثم نصبح إن شاء الله فترون رأيكم، فضرب على آذانهم، فخرج الملك في أصحابه يتبعونهم حتى وجدوهم قد دخلوا الكهف، فكلما أراد رجل أن يدخل أرعب، فلم يطق أحد أن يدخله، فقال قائل: أليس لو كنت قدرت عليهم قتلتهم؟ قال: بلى، قال: فابن عليهم باب الكهف، ودعهم فيه يموتوا عطشا وجوعا، ففعل.
القول في تأويل قوله تعالى: {فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (11) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (12) }
يعني جل ثناؤه بقوله: (فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ) : فضربنا على آذانهم بالنوم في الكهف: أي ألقينا عليهم النوم، كما يقول القائل لآخر: ضربك الله بالفالج، بمعنى ابتلاه الله به، وأرسله عليه. وقوله: (سِنِينَ عَدَدًا) يعني سنين معدودة، ونصب العدد بقوله (فَضَرَبْنَا) .
وقوله: (ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى) يقول:
ثم بعثنا هؤلاء الفتية الذين أوَوْا إلى الكهف بعد ما ضربنا على آذانهم فيه سنين عددا من رقدتهم، لينظر عبادي فيعلموا بالبحث، أيُّ الطائفتين اللتين اختلفتا في قدر مبلغ مكث الفتية في كهفهم رقودا أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا) يقول:
أصوب لقدر لبثهم فيه أمدا، ويعني بالأمد: الغاية، كما قال النابغة:
إلا لِمِثْلِكَ أوْ مَنْ أنْتَ سابِقُهُ ... سَبْقَ الجَوَادِ ِإذا اسْتَوْلَى على الأمَدِ (1)
وذُكر أن الذين اختلفوا في ذلك من أمورهم، قوم من قوم الفتية، فقال بعضهم: كان الحزبان جميعا كافرين. وقال بعضهم: بل كان أحدهما مسلما، والآخر كافرا.
* ذكر من قال كان الحزبان من قوم الفتية: حدثني محمد بن عمرو،
(1)
البيت للنابغة الذبياني، في (مختار الشعر الجاهلي، بشرح مصطفى السقا، طبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده ص 152) من قصيدته التي مطلعها: يا دار مية بالعلياء فالسند

وهي خمسون بيتا، والشاهد هو السادس والعشرون منها. قال شارحه: الأمد الغاية التي تجري إليها (وعلى هذا استشهد المؤلف) يقول: لا تنطو على حقد وغضب، إلا لمن هو مثلك في الناس، أو قريب منك.
قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (أَيُّ الْحِزْبَيْنِ) من قوم الفتية.
حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه.
حدثني القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله (ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا) يقول: ما كان لواحد من الفريقين علم، لا لكفارهم ولا لمؤمنيهم.
وأما قوله: (أمَدًا) فإن أهل التأويل اختلفوا في معناه، فقال بعضهم: معناه: بعيدا.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله (لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا) يقول: بعيدا.
وقال آخرون: معناه: عددا.
ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (أمَدًا) قال: عددا.
حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
وفي نصب قوله (أمَدًا) وجهان: أحدهما أن يكون منصوبا على التفسير من قوله (أحْصَى) كأنه قيل: أيّ الحزبين أصوب عددا لقدر لبثهم.
وهذا هو أولى الوجهين في ذلك بالصواب، لأن تفسير أهل التفسير بذلك جاء.
والآخر: أن يكون منصوبا بوقوع قوله (لَبِثُوا) عليه، كأنه قال: أيّ الحزبين أحصى للبثهم غاية.
القول في تأويل قوله تعالى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (14) }
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم:
نحن يا محمد نقص عليك خبر هؤلاء الفتية الذين أوَوْا إلى الكهف بالحق، يعني: بالصدق واليقين الذي لا شك فيه (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ) يقول: إن الفتية الذين أوَوْا إلى الكهف الذين سألك عن نبئهم الملأ من مشركي قومك، فتية آمنوا بربهم، (وَزِدْنَاهُمْ هُدًى) يقول: وزدناهم إلى إيمانهم بربهم إيمانا، وبصيرة بدينهم، حتى صبروا على هجران دار قومهم، والهرب من بين أظهرهم بدينهم إلى الله، وفراق ما كانوا فيه من خفض العيش ولينه، إلى خشونة المكث في كهف الجبل.
وقوله: (وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ) يقول عز ذكره:
وألهمناهم الصبر، وشددنا قلوبهم بنور الإيمان حتى عزفت أنفسهم عما كانوا عليه من خفض العيش.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد عن قتادة (وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ) يقول: بالإيمان.
وقوله: (إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ) يقول: حين قاموا بين يدي الجبار دقينوس، فقالوا له إذ عاتبهم على تركهم عبادة آلهته (رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ) يقول: قالوا ربنا ملك السماوات والأرض وما فيهما من شيء، وآلهتك مربوبة، وغير جائز لنا أن نترك عبادة الربّ ونعبد المربوب (لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا) يقول: لن ندعو من دون ربّ السموات والأرض إلها، لأنه لا إله غيره، وإن كلّ ما دونه فهو خلقه (لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا) يقول جل ثناؤه: لئن دعونا إلها غير إله السموات والأرض، لقد قلنا إذن بدعائنا غيره إلها، شططا من القول: يعني غاليا من الكذب، مجاوزا مقداره في البطول والغلوّ: كما قال الشاعر:
ألا يا لَقَوْمي قد أشْطَتْ عَوَاذِلي ... ويزْعُمْنَ أنْ أوْدَى بِحَقِّي باطلي (1)
(1)
البيت للأحوص بن محمد. وهو من شواهد أبي عبيدة في (مجاز القرآن 1: 394) قال: (قُلْنَا إِذًا شَطَطًا) : أي جورا وغلوا، قال ألا يا لقوم قد أشطت عواذلي

.
.. البيت وذكر بعده بيتا آخر وهو: وَيَلْحَيْنِي في اللَّهْوِ أنْ لا أُحِبُّهُ ... وللَّهْوِ داعٍ دائِبٌ غيرُ غافِلِ

وفي (اللسان: شطط) : الشطط: مجاوزة القدر في بيع أو طلب أو احتكام أو غير ذلك من كل مشتق منه. أه. وقال: وشط في سلعته وأشط: جاوز القدر، وتباعد عن الحق. وشط عليه في حكمه يشط شططا. واشتط، وأشط: جار في قضيته. وقال أبو عبيدة: شططت أشط، بضم الشين، وأشططت: جرت. قال ابن بري: أشط: بمعنى أبعد، وشط بمعنى بعد. وشاهد أشط بمعنى أبعد، قول الأحوص: * ألا لقومي قد أشطت عواذلي *
.
.. البيت.

يقال منه: قد أشط فلان في السوم إذا جاوز القدر وارتفع، يشط إشطاطا وشططا. فأما من البعد فإنما يقال: شط منزل فلان يشطّ شطوطا، ومن الطول: شطت الجارية تشطّ شطاطا وشطاطة: إذا طالت.
وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله (شَطَطا) قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله (لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا) يقول كذبا.
حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله (لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا) قال: لقد قلنا إذن خطأ، قال: الشطط: الخطأ من القول.
القول في تأويل قوله تعالى: {هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (15) }
يقول عز ذكره مخبرا عن قيل الفتية من أصحاب الكهف: هؤلاء قومنا اتخذوا من دون الله آلهة يعبدونها من دونه (لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ) يقول: هلا يأتون على عبادتهم إياها بحجة بينة، وفي الكلام محذوف اجتزئ بما ظهر عما حذف، وذلك في قوله: (لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ) فالهاء والميم في عليهم من ذكر الآلهة، والآلهة لا يؤتى عليها بسلطان، ولا يسأل السلطان عليها، وإنما يسأل عابدوها السلطان على عبادتهموها، فمعلوم إذ كان الأمر
كذلك، أن معنى الكلام: لولا يأتون على عبادتهموها، واتخاذهموها آلهة من دون الله بسلطان بين.
وبنحو ما قلنا في معنى السلطان، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله (لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ) يقول: بعذر بين.
وعنى بقوله عز ذكره: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا)
ومن أشدّ اعتداء وإشراكا بالله، ممن اختلق، فتخرّص على الله كذبا، وأشرك مع الله في سلطانه شريكا يعبده دونه، ويتخده إلها.
القول في تأويل قوله تعالى: {وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا (16) }
يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل بعض الفتية لبعض:
وإذا اعتزلتم أيها الفتية قومكم الذين اتخذوا من دون الله آلهة (وَمَا يَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ) يقول: وإذا اعتزلتم قومكم الذين يعبدون من الآلهة سوى الله، ف "ما" إذ كان ذلك معناه في موضع نصب عطفا لها على الهاء، والميم التي في قوله (وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ)
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله (وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ) وهي في مصحف عبد الله: "ومَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله" هذا تفسيرها.
وأما قوله: (فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ) فإنه يعني به:
فصيروا إلى غار الجبل الذي يسمى بنجلوس، (يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ) يقول: يبسط لكم ربكم من رحمته بتيسيره لكم المخرج من الأمر الذي قد رُمِيتم به من الكافر دقينوس وطلبه إياكم لعرضكم على الفتنة.
وقوله: (فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ) جواب لإذ، كأن معنى الكلام: وإذ اعتزلتم
أيها القوم قومكم، فأْوُوا إلى الكهف، كما يقال: إذ أذنبت فاستغفر الله وتب إليه.
وقوله: (وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا) يقول: وييسر لكم من أمركم الذي أنتم فيه من الغمِّ والكرب خوفا منكم على أنفسكم ودينكم مرفقا، ويعني بالمرفق: ما ترتفقون به من شيء، وفي المرفق من اليد وغير اليد لغتان: كسر الميم وفتح الفاء، وفتح الميم وكسر الفاء، وكان الكسائي يُنكر في مِرْفَق الإنسان الذي في اليد إلا فتح الفاء وكسر الميم، وكان الفرّاء يحكي فيهما، أعني في مرفق الأمر واليد اللغتين كلتيهما، وكان ينشد في ذلك قول الشاعر:
بت أجافي مرفقا عن مرفقي (1)
ويقول: كسر الميم فيه أجود.
وكان بعض نحويي أهل البصرة يقول في قوله: (مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا) شيئا ترتفقون به مثل المقطع، ومرفقا جعله اسما كالمسجد، ويكون لغة، يقولون: رفق يرفق مرفقا، وإن شئت مرفقا تريد رفقا ولم يُقْرأ.
وقد اختلفت القراء في قراءة ذلك. فقرأته عامة قراء أهل المدينة: "وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أمْرِكُمْ مِرْفَقا" بفتح الميم وكسر الفاء، وقرأته عامة قراء العراق في المصرين (مِرْفَقا) بكسر الميم وفتح الفاء.
والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان بمعنى واحد، قد قرأ بكل واحدة منهما قراء من أهل القرآن، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، غير أن الأمر وإن كان كذلك، فإن الذي أختار في قراءة ذلك: (وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا) بكسر الميم وفتح الفاء، لأن ذلك أفصح اللغتين وأشهرهما في العرب، وكذلك ذلك في كل ما ارتفق به من شيء.
(1)
هذا بيت من الرجز، استشهد به المؤلف على أن المرفق الذي يرتفق بع وينتفع: يجوز فيه فتح الميم مع كسر الراء وكسر الميم مع فتح. وكذلك مرفق اليدين، وهو موافق لما قاله الفراء في معاني القرآن (الورقة 184 من مصورة الجامعة) قال: وقوله "من أمركم مرفقا" كسر الميم الأعمش والحسن، ونصبها أهل المدينة وعاصم، فكأن الذين فتحوا الميم وكسروا الفاء، أرادوا أن يفرقوا بين المرفق من الأمر، والمرفق من الإنسان. وأكثر العرب على كسر الميم من الأمر ومن الإنسان. والعرب أيضا تفتح الميم من مرفق الإنسان، لغتان فيهما. أه أما أبو عبيدة في مجاز القرآن (1: 95 ذ) فإنه قال: المرفق: ما ارتفق به، ويقرؤه قوم مرفقا (أي بالفتح) فأما في اليدين فهو مرفق. ولم أجد هذا الشاهد عند الفراء، ولا عند أبي عبيدة، ولا في لسان العرب. ومعنى أجافي: أبعد.

القول في تأويل قوله تعالى: {وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (17) }
يقول تعالى ذكره (وَتَرَى الشَّمْسَ) يا محمد (إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ) يعني بقوله: (تَزَاوَرُ) : تعدل وتميل، من الزور: وهو الْعَوج والميل، يقال منه: في هذه الأرض زَوَر: إذا كان فيها اعوجاج، وفي فلان عن فلان ازورار، إذا كان فيه عنه إعراض، ومنه قول بشر بن أبي خازم:
يَؤُمُّ بِها الحُدَاةُ مِياهَ نَخْلٍ ... وفيها عَنْ أبانَين ازْوِرَارُ (1)
يعني: إعراضا وصدا.
وقد اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامَّة قرّاء المدينة ومكة والبصرة: "تزَّاور" بتشديد الزاي، بمعنى: تتزاور بتاءين، ثم أدغم إحدى التاءين في الزاي، كما قيل: تظَّاهرون عليهم. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين: (تَزَاوَرُ) بتخفيف التاء والزاي، كأنه عنى به تفاعل من الزور، ورُوي عن بعضهم: "تَزْوَرّ" بتخفيف التاء وتسكين الزاي وتشديد الراء مثل تحمرُّ، وبعضهم: تَزْوَارّ: مثل تحمارّ.
والصواب من القول في قراءه ذلك عندنا أن يقال: إنهما قراءتان، أعني (تَزَاوَرُ) بتخفيف الزاي،
و
(1)
البيت لبشر بن خازم. ذكره البكري في معجم ما استعجم طبع القاهرة (لجنة التأليف، بتحقيق مصطفى السقا) في رسم "أبان" . قال: أبان جبل. وهما أبانان: أبان الأبيض وأبان الأسود، بينهما فرسخ، ووادي الرمة يقطع بينهما. فأبان الأبيض لبني جريد من بني فزارة خاصة، والأسود لبني والبة، من بني الحارث بن ثعلبة بن دودان بن أسد.وقال بشر فيهما وفيها عن أبانين ازورار

.
وقال الأصمعي: أراد أبانا، فثناه للضرورة. ونخل، كما في معجم ما استعجم: على لفظ جمع نخلة، وقال يعقوب: هي قرية بواد يقال له شدخ، لفزارة وأشجع وأنمار وقريش والأنصار ... على ليلتين من المدينة. أو هي ماء بين القصة والثاملية. ويؤم بها: يقصد بها بالإبل، والحداة: جمع حاد وهو سائق الإبل يحدو بها، ويغني لها. والازورار: الميل والعدول والإعراض عن الشيء، كما استشهد به المؤلف عند قوله تعالى: (تزاور عن كهفهم) أي تميل عنه وتنحرف.

(تزَّاوَرُ) بتشديدها معروفتان، مستفيضة القراءة بكلّ واحدة منهما في قرّاء الأمصار، متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب. وأما القراءتان الأخريان فإنهما قراءتان لا أرى القراءة بهما، وإن كان لهما في العربية وجه مفهوم، لشذوذهما عما عليه قرأة الأمصار.
وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله (تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ) قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا محمد بن أبي الوضاح، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، قال: (وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ) قال: تميل.
حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس (تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ) يقول: تميل عنهم.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ) يقول: تميل عن كهفهم يمينا وشمالا.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ) يقول: تميل ذات اليمين، تدعهم ذات اليمين.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله (تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ) قال: تميل عن كهفهم ذات اليمين.
حُدثت عن يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين، عن يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لو أن الشمس تطلع عليهم لأحرقتهم، ولو أنهم لا يقلَّبون لأكلتهم الأرض، قال: وذلك قوله: (وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ) .
حدثني محمد بن سنان القزاز، قال: ثنا موسى بن إسماعيل، قال: ثنا



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 43.44 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 42.82 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.45%)]