
18-07-2025, 06:52 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 166,619
الدولة :
|
|
رد: تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن للإمام الطبري .....متجدد
 تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن
الإمام محمد بن جرير الطبري
الجزء الخامس عشر
تَفْسِيرِ سُّورَةِ هود
الحلقة (832)
صــ 331 إلى صــ 340
القول في تأويل قوله تعالى: {وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (42) }
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: (وهي تجري بهم) ، والفلك تجري بنوح ومن معه فيها = (في موج كالجبال ونادى نوح ابنه) ، يام = (وكان في معزل) ، عنه، لم يركب معه الفلك: (يا بني اركب معنا) ، الفلك = (ولا تكن مع الكافرين) .
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: {قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (43) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال ابن نوح لما دعاه نوح إلى أن يركب معه السفينة خوفًا عليه من الغرق: (ساوي إلى جبل يعصمني من الماء) يقول: سأصير إلى جبل أتحصّن به من الماء، (1) فيمنعني منه أن يغرقني.
* * *
ويعني بقوله: (يعصمني) يمنعني، مثل "عصام القربة" ، الذي يشدُّ به رأسها، فيمنع الماء أن يسيل منها. (2)
* * *
(1) انظر تفسير "أوى" فيما سلف 13: 477، تعليق: 2، والمراجع هناك.
(2) انظر تفسير "يعصم" فيما سلف 10: 472، تعليق: 2 / 15: 73.
وقوله: (لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم) ، يقول: لا مانع اليوم من أمر الله الذي قد نزل بالخلق من الغرق والهلاك، إلا من رحمنا فأنقذنا منه، فإنه الذي يمنع من شاء من خلقه ويعصم.
* * *
= ف "من" في موضع رفع، لأن معنى الكلام: لا عاصم يَعصم اليوم من أمر الله إلا الله.
* * *
وقد اختلف أهل العربية في موضع "من" في هذا الموضع.
فقال بعض نحويي الكوفة: هو في موضع نصب، لأن المعصوم بخلاف العاصم، والمرحوم معصوم. قال: كأن نصبه بمنزلة قوله: (مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ) [سورة النساء: 157] ، قال: ومن استجاز: (اتِّباعُ الظَّنِّ) ، والرفع في قوله: (1)
وَبَلْدَةٌ لَيْسَ بِهَا أَنِيسُ ... إِلا الْيَعَافِيرُ وَإِلا العِيسُ (2)
لم يجز له الرفع في "من" ، لأن الذي قال: "إلا اليعافير" ، جعل أنيس البرِّ، اليعافير وما أشبهها. وكذلك قوله: (إلا اتباع الظن) ، يقول علمهم ظنٌّ. قال: وأنت لا يجوز لك في وجه أن تقول: "المعصوم" هو "عاصم" في حال، ولكن لو جعلت "العاصم" في تأويل "معصوم" ، [كأنك قلت] : "لا معصوم اليوم من أمر الله" ، (3) لجاز رفع "من" . قال: ولا ينكر أن يخرج "المفعول" على "فاعل" ، ألا ترى قوله: (مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ) ، [سورة الطارق: 6] ، معناه، والله
(1) هو جران العود.
(2) سلف البيت وتخريجه فيما مضى 9: 203.
(3) الزيادة بين القوسين من معاني القرآن للفراء، وهو نص كلامه.
أعلم: مدفوق = وقوله: (فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ) ، معناها: مرضية؟ قال الشاعر: (1)
دَعِ الْمَكَارِمَ لا تَرْحَلْ لِبُغْيَتِهَا ... وَاقْعُدْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الطَّاعِمُ الْكَاسِي (2)
ومعناه: المكسوُّ.
* * *
وقال بعض نحويّي البصرة: (لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم) ، على: "لكن من رحم" ، ويجوز أن يكون على: لا ذا عصمة: أي: معصوم، ويكون (إلا من رحم) ، رفعًا بدلا من "العاصم" .
* * *
قال أبو جعفر: ولا وجه لهذه الأقوال التي حكيناها عن هؤلاء، لأن كلام الله تعالى إنما يُوَجَّه إلى الأفصح الأشهر من كلام من نزل بلسانه، ما وُجِد إلى ذلك سبيل.
ولم يضطرَّنا شيء إلى أن نجعل "عاصمًا" في معنى "معصوم" ، ولا أن نجعل "إلا" بمعنى "لكن" ، إذ كنا نجد لذلك في معناها الذي هو معناه في المشهور من كلام العرب مخرجًا صحيحًا، وهو ما قلنا من أنَّ معنى ذلك: قال نوح: لا عاصم اليوم من أمر الله، إلا من رحمَنا فأنجانا من عذابه، كما يقال: "لا مُنجي اليوم من عذاب الله إلا الله" = "ولا مطعم اليومَ من طعام زيد إلا زيد" .
(1) هو الحطيئة.
(2) ديوانه: 54، وطبقات فحول الشعراء: 98، واللسان (طعم) ، (كسا) ، ومعاني القرآن للفراء، وغيرها كثير، في خبره المشهور لما ذم الزبرقان، واستعدى عليه عمر بن الخطاب، وقال عمر لحسان: أهجاه؟ قال: لا، ولكنه ذرق عليه! وقد فسرته على أن "الطاعم" و "الكاسي" ، على النسب، أي: ذو الطعام، يشتهيه ويستجيده من شرهه = وذو الكسوة، يتخيرها ويتأنق فيها، لا هم له في المكارم. ولذلك قال الزبرقان لعمر: أو ما تبلغ مروءتي إلا أن آكل وألبس! ! ومثل هذا قول عبد الرحمن بن حسان: إنِّي رأَيْتُ مِنَ المَكَارِمِ حَسْبَكُم ... أَن تَلْبَسُوا حُرَّ الثِّيَابِ وَتَشْبَعُوا
.فهذا هو الكلام المعروف والمعنى المفهوم.
* * *
وقوله: (وحال بينهما الموج فكان من المغرقين) ، يقول: وحال بين نوح وابنه موجُ الماء فغرق، (1) فكان ممن أهلكه بالغرق من قوم نوح صلى الله عليه وسلم.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44) }
قال أبو جعفر: يقول الله تعالى ذكره: وقال الله للأرض بعد ما تناهَى أمرُه في هلاك قوم نوح بما أهلكهم به من الغرق: (يا أرض ابلعي ماءك) ، أي: تشرَّبي.
* * *
= من قول القائل: "بَلِعَ فلان كذا يَبْلَعُه" ، أو بَلَعَه يَبْلَعُه "، إذا ازدَردَه. (2) "
* * *
= (ويا سماء أقلعي) ، يقول: أقلعي عن المطر، أمسكي = (وغيض الماء) ، ذهبت به الأرض ونَشِفته، (وقضي الأمر) ، يقول: قُضِي أمر الله، فمضى بهلاك قوم نوح (3) = (واستوت على الجوديّ) ، يعني الفلك = "استوت" : أرست = "على الجودي" ، وهو جبل، فيما ذكر بناحية الموصل أو الجزيرة،
(1) انظر تفسير "حال" فيما سلف 13: 472.
(2) الذي في المعاجم "بلع" (بفتح فكسر) ، أما "بلع" (بفتحتين) ، فقد ذكرها ابن القطاع في كتاب الأفعال 1: 85 وفرق بينهما وقال: "بَلِعَ الطعام بَلْعًا، وبَلَعَ الماء والربق بَلْعًا" ، وذكر أيضا ابن القوطية في كتاب الأفعال: 281، مثل ذلك.
(3) انظر تفسير "قضى" فيما سلف من فهارس اللغة (قضى) .
= (وقيل بعدًا للقوم الظالمين) ، يقول: قال الله: أبعد الله القوم الظالمين الذين كفروا بالله من قوم نوح. (1)
* * *
18187- حدثنا عباد بن يعقوب الأسدي قال، حدثنا المحاربي، عن عثمان بن مطر، عن عبد العزيز بن عبد الغفور، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: في أول يوم من رجب ركب نوح السفينة، فصام هو وجميع من معه، وجرت بهم السفينة ستةَ أشهر، فانتهى ذلك إلى المحرم، فأرست السفينة على الجوديّ يوم عاشوراء، فصام نوح، وأمر جميع من معه من الوحش والدوابّ فصامُوا شكرًا لله. (2)
18188- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: كانت السفينة أعلاها للطير، ووسطها للناس، وفي أسفلها السباع، وكان طولها في السماء ثلاثين ذراعًا، ودفعت من عَين وردة يوم الجمعة لعشر ليالٍ مضين من رجب، وأرست على الجوديّ يوم عاشوراء، ومرت بالبيت فطافت به سبعًا، وقد رفعه الله من الغرق، ثم جاءت اليمن، ثم رجعت. (3)
(1) انظر تفسير "استوى" فيما سلف ص: 18، تعليق: 2، والمراجع هناك.
(2) الأثر: 18187 - "عباد بن يعقوب الأسدي" ، شيخ الطبري، ثقة في الحديث، شيعي الرأي، مضى برقم: 5475. "والمحاربي" ، هو "عبد الرحمن بن محمد المحاربي" ، ثقة، من شيوخ أحمد، مضى مرارًا. "وعثمان بن مطر الشيباني" ، ضعيف منكر الحديث، متروك. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم 3 / 1 / 169.وأما "عبد العزيز بن عبد الغفور" ، فهذا اسم مقلوب، وإنما هو "عبد الغفور بن عبد العزيز" ويقال: "عبد الغفار بن عبد العزيز" ويروى عنه "عثمان بن مطر" . وهو كذاب خبيث كان يضع الحديث، ومضى برقم: 14776. ولكن العجب أن أبا جعفر رواه في تاريخه مقلوبًا أيضًا.وأبوه "عبد العزيز الشامي" ، لم أجد له ذكرًا، كما أسلفت في رقم: 14776، وأخشى أن يكون هذا الإسناد: "عن أبيه، عن أبيه" ، كما سلف.وهذا خبر هالك من نواحيه جميعًا، ووقع فيه الخلط في اسم "عبد الغفور" جزاء ما خلط في أحاديثه ومناكيره.ورواه أبو جعفر في تاريخه أيضًا 1: 96.
(3) الأثر: 18188 - رواه أبو جعفر في تاريخه 1: 96.
18189- حدثنا القاسم، قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن أبي جعفر الرازي، عن قتادة، قال: هبط نوح من السفينة يوم العاشر من المحرم، فقال لمن معه: من كان منكم اليوم صائما فليتم صومه، ومن كان مفطرًا فليصم. (1)
18190- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن أبي معشر، عن محمد بن قيس قال: [ما] كان زَمَن نوحٍ شبر من الأرض، إلا إنسانٌ يَدَّعيه. (2)
18191- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذكر لنا أنَّها = يعني الفُلك = استقلَّت بهم في عشر خلون من وجب، وكانت في الماء خمسين ومائة يوم، واستقرت على الجودي شهرًا، وأهبط بهم في عشر [خَلَوْن] من المحرم يوم عاشوراء. (3)
* * *
وبنحو ما قلنا في تأويل قوله: (وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي) ، قال أهل التأويل.
* * *
ذكر من قال ذلك:
18192- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (وغيض السماء) ، قال: نقص = (وقضي الأمر) ، قال: هلاك قوم نوح
18193- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. -
18194 حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج،
(1) الأثر: 18189 - رواه أبو جعفر في تاريخه 1: 96.
(2) الأثر: 18190 - كان في المخطوطة: "قال: كان زمن نوح شبر عن الأرض لإنسان يدعيه" ، وكان في المطبوعة: "كان في زمن نوح شبر عن الأرض لا إنسان يدعيه" فزاد، وأساء القراءة، وأفسد الكلام. والصواب من تاريخ الطبري 1: 96. وقوله: "إلا إنسان يدعيه" ، أي: يدعى أن الماء لم يعم الأرض كلها.
(3) الأثر: 18191 - رواه أبو جعفر في تاريخه 1: 96، والزيادة بين القوسين منه.
عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. قال: قال ابن جريج (وغيض الماء) ، نَشِفَتهُ الأرض. (1)
18195- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله قال، حدثنا معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: (يا سماء أقلعي) ، يقول: أمسكي (وغيض الماء) ، يقول: ذهب الماء.
18196- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: (وغيض الماء) ، والغُيوض ذهاب الماء = (واستوت على الجودي) .
18197- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (واستوت على الجودي) ، قال: جبل بالجزيرة، تشامخت الجبال من الغَرَق، وتواضع هو لله فلم يغرق، فأرسيتْ عليه.
18198- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (واستوت على الجودي) ، قال: الجودي جبل بالجزيرة، تشامخت الجبال يومئذ من الغَرَق وتطاولت، وتواضع هو لله فلم يغرق، وأرسيت سفينة نوح عليه
18199- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
18200- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: (واستوت على الجودي) ، يقول: على الجبل؛ واسمه "الجودي"
18201- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان: (واستوت على الجودي) ، قال: جبل بالجزيرة، شمخت الجبال، وتواضعَ
(1) "نشفت الأرض الماء، نشفًا" (بفتح النون وكسر الشين، في الفعل) ، شربته.
حين أرادت أن ترفأ عليه سفينة نوح. (1)
18202- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: (واستوت على الجودي) ، أبقاها الله لنا بوادي أرض الجزيرة عبرة وآية.
18203- حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول: (واستوت على الجودي) ، هو جبل بالموصل.
18204- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذُكر لنا أن نوحًا بعث الغراب لينظر إلى الماء، فوجد جيفة فوقع عليها، فبعث الحمامة فأتته بورق الزيتون، فأعْطيت الطوقَ الذي في عنقها، وخضابَ رجليها.
18205- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: لما أراد الله أن يكفّ ذلك = يعني الطوفان = أرسل ريحًا على وجه الأرض، فسكن الماء، واستدَّت ينابيع الأرضِ الغمرَ الأكبر، وَأبوابُ السماء. (2) يقول الله تعالى: (وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي) ، إلى: (بعدًا للقوم الظالمين) ، فجعل ينقص ويغيض ويُدبر. وكان استواء الفلك على الجودي، فيما يزعم أهل التوراة، في الشهر السابع لسبع عشرة ليلة مضت منه، في أول يوم من الشهر العاشر، رئي رءوس الجبال. فلما مضى بعد ذلك أربعون يومًا، فتح نوح كُوَّة الفلك التي صنع فيها، ثم أرسلَ الغراب لينظر له ما فعل الماءُ، فلم يرجع إليه. فأرسل
(1) "رفأ السفينة يرفؤها" ، أدناها من الشط، فعل متعد، و "أرفأت السفينة نفسها" ، لازم، ولكن هكذا جاء في المخطوطة "أرادت أن ترفأ" ، وعندي أنه جائز أن يقال: "رفأت السفينة نفسها" ، لازما.
(2) هكذا في المخطوطة والمطبوعة: "الغمر الأكبر" ، وأنا أرجح أنه خطأ محض، وأن الصواب: "الغوط الأكبر" ، وبهذا اللفظ رواه صاحب اللسان في مادة (غوط) . وقد سبق تفسير "الغوط الأكبر" في الأثر رقم: 18138 ص: 315، تعليق: 2.
الحمامةَ، فرجعت إليه، ولم يجد لرجليها موضعًا، فبسط يده للحمامة، فأخذها. ثم مكث سبعة أيام، ثم أرسلها لتنظر له، فرجعت حين أمست، وفي فيها ورَق زيتونة، فعلم نوح أن الماء قد قلَّ عن وجه الأرض. ثم مكث سبعة أيام، ثم أرسلها فلم ترجع، فعلم نوح أن الأرض قد برَزَت، فلما كملت السنة فيما بين أن أرسل الله الطوفان إلى أن أرسل نوح الحمامة، ودخل يوم واحد من الشهر الأوّل من سنة اثنتين، برز وجه الأرض، فظهر اليبس، وكشف نوح غطاء الفلك، ورأى وجه الأرض. وفي الشهر الثاني من سنة اثنتين في سبع وعشرين ليلة منه قيل لنوح: (اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ) .
18206- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول: تزعُم أناسٌ أن من غرق من الولدان مع آبائهم، وليس كذلك، إنما الولدان بمنزلة الطير وسائر من أغرق الله بغير ذنب، ولكن حضرت آجالهم فماتوا لآجالهم، والمدرِكون من الرجال والنساء كان الغرق عقوبة من الله لهم في الدنيا، ثم مصيرهم إلى النار.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: {وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ونادى نوح ربه فقال: ربِّ إنك وعدتني أن تنجيني من الغرق والهلاك وأهلي، وقد هلك ابني، وابني من أهلي (1) = (وإن وعدك الحقُّ) ، الذي لا خلف له = (وأنت أحكم الحاكم) ، بالحق، فاحكم لي بأن تفي بما وعدتني، من أنْ تنجّي لي أهلي، وترجع إليَّ ابني، كما:-
(1) انظر تفسير "الأهل" فيما سلف ص. . .، تعليق:. . .، والمراجع هناك.
18207- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (وأنت أحكم الحاكمين) ، قال: أحكم الحاكمين بالحق.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: {قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46) }
قال أبو جعفر: يقول الله تعالى ذكره: قال الله يا نوح إن الذي غرقته فأهلكته الذي تذكر أنه من أهلك ليس من أهلك.
* * *
واختلف أهل التأويل في معنى قوله: (ليس من أهلك) .
فقال بعضهم: معناه: ليس من ولدك، هو من غيرك. وقالوا: كان ذلك من حِنْثٍ. (1)
*ذكر من قال ذلك:
18208- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم، عن عوف، عن الحسن، في قوله: (إنه ليس من أهلك) ، قال: لم يكن ابنه.
18209- حدثنا أبو كريب وابن وكيع قالا حدثنا يحيى بن يمان، عن شريك، عن جابر، عن أبي جعفر: (ونادى نوح ابنه) ، قال: ابن امرأته.
18210- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن علية، عن أصحاب ابن أبي عروبة فيهم، [عن] الحسن قال: لا والله، ما هو بابنه. (2)
(1) "الحنث" (بكسر الحاء وسكون النون) ، الذنب والمعصية. وفي الحديث "يكثر فيهم أولاد الحنث" ، أي: أولاد الزنا. ويروى "الخبث" (بالخاء مضمومة والثاء) ، من "الخبث" ، وهو الفساد والفجور. وفي الحديث: "إذا كثر الخبث كان كذا وكذا" ، أي: الفسق والفجور. وفي الحديث "أنه أتى برجل مخدج سقيم، وجد مع أمة يخبث بها" ، أي: يزني بها. ويقال: "هو ابن خبثة" ، لابن الزنية، ولد لغير رشدة.
(2) الأثر: 18210 - كان في المطبوعة: "عن أصحاب ابن أبي عروبة فيهم الحسن" ، وهو كلام لا معنى له، وخاصة بعد تصرفه في نص المخطوطة، لأنه لم يفهم معنى هذا الإسناد، إذ كان فيها: "عن أصحاب ابن أبي عروبة فيهم الحسن" ، وهذا أيضًا فاسد، يصلحه ما زدته بين القوسين، فإن "ابن علية" يروي عن "سعيد بن أبي عروبة" ، و "ابن أبي عروبة" روى عن "الحسن البصري" .
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|