
18-07-2025, 04:40 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 166,653
الدولة :
|
|
رد: تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن للإمام الطبري .....متجدد
 تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن
الإمام محمد بن جرير الطبري
الجزء الخامس عشر
تَفْسِيرِ سُّورَةِ هود
الحلقة (824)
صــ 251 إلى صــ 260
هذه الآية: (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) ، قال: أيكم أحسن عقلا وأورع عن محارم الله، وأسرع في طاعة الله؟ (1)
17990- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله: (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) ، يعني الثقلين.
* * *
وقوله: (ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين) ، يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ولئن قلت لهؤلاء المشركين من قومك: إنكم مبعوثون أحياء من بعد مماتكم! فتلوت عليهم بذلك تنزيلي ووحيي = (ليقولن إن هذا إلا سحر مبين) ، أي: ما هذا الذي تتلوه علينا مما تقول، إلا سحر لسامعه، مبينٌ لسامعه عن حقيقته أنه سحر. (2)
* * *
وهذا على تأويل من قرأ ذلك: (إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ) ،
* * *
(1) الأثر: 17989 - "داود بن المحبر الطائي الثقفي" ، صاحب "كتاب العقل" ، شبه لا شيء، كان لا يدري ما الحديث، هكذا قال أحمد بن حنبل. وهو ضعيف صاحب مناكير، وذكروا كتاب العقل، فقال الدارقطني: "كتاب العقل، وضعه أربعة، أولهم ميسرة بن عبد ربه، ثم سرقه منه داود بن المحبر، فركبه بأسانيد غير أسانيد ميسرة. وسرقه عبد العزيز بن أبي رجاء، فركبه بأسانيد أخر. ثم سرقه سليمان بن عيسى السجزي، فأتى بأسانيد أخر" . وقال الحاكم: "حدثونا عن الحارث بن أبي أسامة عنه بكتاب العقل، وأكثر ما أودع في ذلك الكتاب من الحديث الموضوع على رسول الله صلى الله عليه وسلم" . مترجم في التهذيب، والكبير 2 / 1 / 223، وابن أبي حاتم 1 / 2 / 424. "وعبد الواحد بن يزيد البصري" ، القاص، شيخ الصوفية منكر الحديث، ضعيف بمرة، مترجم في تعجيل المنفعة ص: 266، وميزان الاعتدال 2: 157، وابن أبي حاتم 3/1/20. "وكليب بن وائل بن هبار التيمي اليشكري" ، روى عن ابن عمر. ثقة، وضعفه أبو زرعة، مترجم في التهذيب، والكبير 4 / 1 / 229، وابن أبي حاتم 3 / 2 / 167. فهذا حديث ضعيف بمرة، ولا أصل له.
(2) في المطبوعة: "إلا سحر لسامعه مبين حقيقته أنه سحر" ، وفي المخطوطة: "إلا سحر لسامعه عن حقيقته أنه سحر" ، وبين "سحر" و "لسامعه" حرف "ط" دلالة على الخطأ. وصواب العبارة ما أثبته إن شاء الله. وانظر تفسير "السحر" فيما سلف ص: 159، تعليق: 1، والمراجع هناك.
= وتفسير "مبين" فيما سلف من فهارس اللغة (بين) .
وأما من قرأ: (إِنْ هَذَا إِلا سَاحِرٌ مُبِينٌ) ، فإنه يوجّه الخبر بذلك عنهم إلى أنهم وَصَفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه فيما أتاهم به من ذلك ساحرٌ مبين.
* * *
قال أبو جعفر: وقد بينا الصواب من القراءة في ذلك في نظائره، فيما مضى قبل، بما أغنى عن إعادته ههنا. (1)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (8) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولئن أخرنا عن هؤلاء المشركين من قومك، يا محمد، العذابَ فلم نعجله لهم، وأنسأنا في آجالهم = إلى (أمة معدودة) ، ووقت محدود وسنين معلومة.
* * *
وأصل "الأمة" ما قد بينا فيما مضى من كتابنا هذا، أنها الجماعة من الناس تجتمع على مذهب ودين، ثم تستعمل في معان كثيرة ترجع إلى معنى الأصل الذي ذكرت. (2) وإنما قيل للسنين "المعدودة" والحين، في هذا الموضع ونحوه: أمة، لأن فيها تكون الأمة. (3)
* * *
وإنما معنى الكلام: ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى مجيء أمة وانقراض أخرى قبلها.
* * *
(1) انظر ما سلف 11: 216، 217، 265.
(2) انظر تفسير "الأمة" فيما سلف 13: 285، تعليق: 3، والمراجع هناك.
(3) انظر تفسير "معدودة" فيما سلف 3: 417 / 4: 208، وما بعدها.
وبنحو الذي قلنا من أن معنى "الأمة" في هذا الموضع، الأجل والحين، قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك:
17991- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن = وحدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم = قال، حدثنا سفيان الثوري، عن عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس. وحدثنا الحسن بن يحيي قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس: (ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة) ، قال: إلى أجل محدود.
17992- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس، بمثله.
17994- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: (إلى أمة معدودة) ، قال: أجل معدود.
17995- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك قال: إلى أجل معدود.
17996- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (إلى أمة معدودة) ، قال: إلى حين.
17997- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
17998-. . . . قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
17999- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: (ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة) ، يقول: أمسكنا
عنهم العذاب = (إلى أمة معدودة) ، قال ابن جريج، قال مجاهد: إلى حين.
18000- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: (ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة) ، يقول: إلى أجل معلوم. (1)
* * *
وقوله: (ليقولن ما يحبسه) ، يقول: "ليقولن" هؤلاء المشركون "ما يحبسه" ؟ أي شيء يمنعه من تعجيل العذاب الذي يتوعَّدنا به؟ (2) تكذيبًا منهم به، وظنًّا منهم أن ذلك إنَّما أخر عنهم لكذب المتوعّد كما:-
18002- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال قوله: (ليقولن ما يحبسه) ، قال: للتكذيب به، أو أنه ليس بشيء.
* * *
وقوله: (ألا يوم يأتيهم ليس مصروفًا عنهم) ، يقول تعالى ذكره تحقيقًا لوعيده وتصحيحًا لخبره: (ألا يوم يأتيهم) العذابُ الذي يكذبون به = (ليس مصروفًا عنهم) ، يقول: ليس يصرفه عنهم صارف، ولا يدفعه عنهم دافع، ولكنه يحل بهم فيهلكهم (3) = (وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون) ، يقول: ونزل بهم وأصابهم الذي كانوا به يسخرون من عذاب الله. (4) وكان استهزاؤُهم به الذي ذكره الله، قيلهم قبل نزوله (ما يحبسه) ،و "هلا تأتينا" ؟. (5)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك كان بعض أهل التأويل يقول.
(1) تجاوزت في الترقيم رقم: 18001، سهوًا.
(2) انظر تفسير "الحبس" فيما سلف 11: 172.
(3) انظر تفسير "الصرف" فيما سلف 11: 286 / 13: 112 / 14: 582 / 15: 84.
(4) انظر تفسير "حاق" فيما سلف 11: 172. = وتفسير "الاستهزاء" فيما سلف من فهارس اللغة (هزأ) .
(5) في المطبوعة: "نقلا بأنبيائه" ، وهذا خلط لا معنى له. وفي المخطوطة: "ونعلا بأنبيائه" ، والكلمة الأولى سيئة الكتابة، وسائر الحروف غير منقوطة، وهذا صواب قراءتها إن شاء الله.
*ذكر من قال ذلك:
18003- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون) ، قال: ما جاءت به أنبياؤهم من الحق.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نزعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (9) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولئن أذَقنا الإنسان منّا رخاء وسعةً في الرزق والعيش، فبسطنا عليه من الدنيا (1) = وهي "الرحمة" التي ذكرها تعالى ذكره في هذا الموضع = (ثم نزعناها منه) ، يقول: ثم سلبناه ذلك، فأصابته مصائب أجاحته فذهبت به (2) = (إنه ليئوس كفور) ، يقول: يظل قَنِطًا من رحمة الله، آيسًا من الخير.
* * *
وقوله: "يئوس" ، "فعول" ، من قول القائل: "يئس فلان من كذا، فهو يئوس" ، إذا كان ذلك صفة له. (3) .
وقوله: "كفور" ، يقول: هو كفُور لمن أنعم عليه، قليل الشكر لربّه المتفضل عليه، بما كان وَهَب له من نعمته. (4)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
(1) انظر تفسير "الذوق" فيما سلف ص: 146، تعليق: 6، والمراجع هناك.
(2) انظر تفسير "النزع" فيما سلف 12: 437 / 13: 17.
(3) انظر تفسير "اليأس" فيما سلف 9: 516.
(4) انظر تفسير "الكفر" فيما سلف من فهارس اللغة (كفر) .
*ذكر من قال ذلك:
18004- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: (ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور) ، قال: يا ابن آدم، إذا كانت بك نعمة من الله من السعة والأمن والعافية، فكفور لما بك منها، وإذا نزعت منك نبتغي قَدْعك وعقلك (1) فيئوس من روح الله، قنوطٌ من رحمته، كذلك المرء المنافق والكافر.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (10) إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (11) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولئن نحن بسطنا للإنسان في دنياه، ورزقناه رخاءً في عيشه، ووسعنا عليه في رزقه، وذلك هي النّعم التي قال الله جل ثناؤه: (ولئن أذقناه نعماء) (2) = وقوله: (بعد ضراء مسته) ، يقول: بعد ضيق من العيش كان فيه، وعسرة كان يعالجها (3) (ليقولنّ ذهب السيئات عني) ، يقول تعالى ذكره: ليقولن عند ذلك: ذهب الضيق والعسرة عني، وزالت الشدائد والمكاره = (إنه لفرح فخور) ، يقول تعالى ذكره: إن الإنسان لفرح بالنعم
(1) في المطبوعة: "يبتغي لك فراغك، فيؤوس. . ." ، غير ما في المخطوطة، وكان فيها هكذا: "يسعى فرعك وعقلك فيؤوس" ، وصواب قراءتها ما أثبت. و "القدع" : الكف والمنع.
(2) انظر تفسير "النعماء" فيما سلف من فهارس اللغة (نعم) .
(3) انظر تفسير "المس" فيما سلف ص: 219، تعليق: 2، والمراجع هناك.
= وتفسير "الضراء" فيما سلف ص: 49، تعليق: 1، والمراجع هناك.
التي يعطاها مسرور بها (1)
= (فخور) ، يقول: ذو فخر بما نال من السعة في الدنيا، وما بسط له فيها من العيش، (2) وينسى صُرُوفها، ونكدَ العَوَائص فيها، (3) ويدع طلب النعيم الذي يبقى، والسرور الذي يدوم فلا يزول.
18005- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج قوله: (ذهب السيئات عني) ، غِرَّةً بالله وجراءة عليه = (إنه لفرح) ، والله لا يحب الفرحين= (فخور) ، بعد ما أعطي، وهو لا يشكر الله.
* * *
ثم استثنى جل ثناؤه من الإنسان الذي وصفه بهاتين الصفتين: "الذين صبروا وعملوا الصالحات" . وإنما جاز استثناؤهم منه لأن "الإنسان" بمعنى الجنس ومعنى الجمع. وهو كقوله: (وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) ، [سورة العصر: 1-3] ، (4)
فقال تعالى ذكره: (إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات) ، فإنهم إن تأتهم شدّة من الدنيا وعسرة فيها، لم يثنهم ذلك عن طاعة الله، ولكنهم صبروا لأمره وقضائه. فإن نالوا فيها رخاء وسعةً، شكروه وأدَّوا حقوقه بما آتاهم منها. يقول الله: (أولئك لهم مغفرة) يغفرها لهم، ولا يفضحهم بها في معادهم = (وأجر كبير) ، يقول: ولهم من الله مع مغفرة ذنوبهم، ثوابٌ على أعمالهم الصالحة التي عملوها في دار الدنيا، جزيلٌ، وجزاءٌ عظيم.
18006- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: (إلا الذين صبروا) ، عند البلاء، (وعملوا الصالحات) ، عند النعمة
(1) انظر تفسير "فرح" فيما سلف 14: 289.
(2) انظر تفسير "فخور" فيما سلف 8: 350.
(3) في المطبوعة: "نكد العوارض" ، غير ما في المخطوطة، و "العوائص" جمع "عائص" أو "عائصة" ، ومثله "العوصاء" ، وكله معناه: الشدة والعسر والحاجة.
(4) انظر معاني القرآن للفراء في تفسير الآية. ومن هنا سأرجع إلى النسخة المخطوطة من معاني القرآن، لأن بقية الكتاب لم تطبع بعد. والنسخة التي أرجع إليها هي المخطوطة بدار الكتب المصرية تحت رقم: ب 24986، مصورة عن نسخة مكتبة "بغداد لي وهبي" بالمكتبة السليمانية، بالآستانة.
= (ألئك لهم مغفرة) ، لذنوبهم = (وأجر كبير) ، قال: الجنة.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنزلَ عَلَيْهِ كَنز أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (12) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فلعلك يا محمد، تارك بعض ما يوحي إليك ربك أن تبلغه من أمرك بتبليغه ذلك، وضائقٌ بما يوحى إليك صدرُك فلا تبلغه إياهم، مخافة (أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك) ، له مصدّق بأنه لله رسول! يقول تعالى ذكره: فبلغهم ما أوحيته إليك، فإنك إنما أنت نذير تُنْذرهم عقابي، وتحذرهم بأسي على كفرهم بي، وإنما الآيات التي يسألونكها عندي وفي سلطاني، أنزلها إذا شئت، وليس عليك، إلا البلاغ والإنذار = (والله على كل شيء وكيل) ، يقول: والله القيم بكل شيء وبيده تدبيره، فانفذ لما أمرتك به، ولا تمنعك مسألتهم إياك الآيات، من تبليغهم وحيي والنفوذ لأمري. (1)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال بعض أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك:
18007- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قال: قال الله لِنبيه: فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك
(1) انظر تفسير ألفاظ هذه الآية فيما سلف من فهارس اللغة.
أن تفعل فيه ما أمرت، وتدعو إليه كما أرسلت. قالوا: (لولا أنزل عليه كنز) ، لا نرى معه مالا أين المال؟ = (أو جاء معه ملك) ، ينذر معه؟ = (إنما أنت نذير) ، فبلغ ما أمرت.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (13) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: كفاك حجةً على حقيقة ما أتيتهم به، ودلالةً على صحة نبوّتك، هذا القرآن، من سائر الآيات غيره، إذ كانت الآيات إنما تكون لمن أعطيها دلالة على صدقه، لعجز جميع الخلق عن أن يأتوا بمثلها. وهذا القرآن، جميع الخلق عَجَزَةٌ عن أن يأتوا بمثله، (1) فان هم قالوا: "افتريته" ، أي: اختلقته وتكذَّبته. (2)
* * *
= ودلّ على أن معنى الكلام ما ذكرنا، قوله: (أم يقولون افتراه) إلى آخر الآية. ويعني تعالى ذكره بقوله: (أم يقولون افتراه) ، أي: أيقولون افتراه؟
* * *
= وقد دللنا على سبب إدخال العرب "أم" في مثل هذا الموضع. (3)
* * *
= فقل لهم: يأتوا بعشر سُور مثل هذا القرآن "مفتريات" ، يعني مفتعلات مختلقات، إن كان ما أتيتكم به من هذا القرآن مفترىً، وليس بآية معجزةٍ
(1) في المطبوعة: "جميع الخلق عجزت" ، غير ما في المخطوطة، فأفسد الكلام إفسادًا.
(2) انظر تفسير "الافتراء" فيما سلف من فهارس اللغة (فرى) .
(3) انظر تفسير "أم" فيما سلف 2: 492 / 3: 97 / ثم 14: 165، تعليق: 1، والمراجع هناك.
كسائر ما سُئلته من الآيات، كالكنز الذي قلتم: هَلا أنزل عليه؟ أو الملك الذي قلتم: هلا جاء معه نذيرًا له مصدقًا! فإنكم قومي، وأنتم من أهل لساني، وأنا رجل منكم، ومحال أن أقدر أخلق وحدي مائة سورة وأربع عشرة سورة، ولا تقدروا بأجمعكم أن تفتروا وتختلقوا عشر سور مثلها، ولا سيما إذا استعنتم في ذلك بمن شئتم من الخلق.
يقول جل ثناؤه: قل لهم: وادعوا من استطعتم أن تدعوهم من دون الله = يعني سوى الله، لا فتراء ذلك واختلاقه من الآلهة، فإن أنتم لم تقدروا على أن تفتروا عشر سور مثله، فقد تبين لكم أنكم كذبةٌ في قولكم: (افتراه) ، وصحّت عندكم حقيقة ما أتيتكم به أنه من عند الله. ولم يكن لكم أن تتخيروا الآيات على ربكم، وقد جاءكم من الحجة على حقيقة ما تكذبون به أنه من عند الله، مثل الذي تسألون من الحجة وترغبون أنكم تصدِّقون بمجيئها.
* * *
وقوله: (إن كنتم صادقين) ، لقوله: (فأتوا بعشر سور مثله) ، وإنما هو: قل: فأتوا بعشر سور مثله مفتريات، إن كنتم صادقين أن هذا القرآن افتراه محمد = وادعوا من استطعتم من دون الله على ذلك، من الآلهة والأنداد.
18008- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين، قال، حدثني حجاج، عن ابن جريح: (أن يقولون افتراه) ، قد قالوه، (قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات) . وادعوا شهداءكم، قال: يشهدون أنها مثله = هكذا قال القاسم في حديثه. (1)
* * *
(1) يعني أنه قال: "وادعوا شهداءكم" ، وإن لم يكن ذلك في هذه الآية، بل هو في غيرها، وهي آية سورة البقرة: 23:
(وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) .
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|